المنشور

تصنيف الدول


د . محمد الصياد
يتطور
الاقتصاد العالمي وتتطور ميكانيزماته، فتُنشِئ هذه فضاءً جديداً للعلاقات
الدولية تمد حركتها إليه بأشكال جديدة، وتفرض هذه بدورها نشوء مفاهيم
وتوصيفات ومؤشرات قياس جديدة . كذلك الحال بالنسبة لديناميات الحياة
الدولية، بكل مناحيها وتشعباتها، لاسيما على صعيدها السياسي الدولي . فهذه
الديناميات التي كان قد أفضى اليها الحراك الاقتصادي الدولي، هي الأخرى
تفرض على الفكر السياسي الدولي مواكبتها ونحت واختراع واقتراح مفاهيم
وتوصيفات وتصنيفات للظواهر التي ما انفك الحراك الحياتي الدولي يُنشئها .
ويشمل ذلك، بطبيعة الحال، أداوات العلاقات الدولية، وهي هنا الدول
السيادية، ومواد هذه العلاقات، وهي هنا عناصر العلاقات الاقتصادية الدولية
المنشئة للعلاقات بين الدول، مثل التجارة، وتصدير رأس المال، وتصدير أو
انتقال قوة العمل عبر الحدود، ونقل التكنولوجيا . ولما كانت التبدلات
النوعية التي تفرزها الحركة الدؤوبة لهذه لعناصر، بدفع من مواد هذه
العلاقات (الدول ومؤسساتها العامة والخاصة)، سوف تفضي حكماً – وقد أفضت
فعلاً في السنوات الأخيرة – إلى حدوث تبدلات نوعية تطاول شكل وجوهر الدول،
فقد استدعى الأمر استحداث مفاهيم تقارب هذه التبدلات . فكان أن ظهرت
التصنيفات المبتكرة للدول لتعكس الحالة التي استجدت عليها أوضاع بعض الدول
صعوداً وهبوطاً . فظهر مسمى الدول الصاعدة ومسمى الاقتصادات الصاعدة
المنسوب لها، إلى جانب مسميات أخرى تعكس تصنيفاً جديداً للدول بحالتها
المتقهقرة والمتدهورة على كافة الأصعدة، السياسية والاقتصادية والاجتماعية
والثقافية .


وفي توصيف الحالة المتقهقرة للدول، فقد ظهر مسمى الدولة
الفاشلة لتوصيف حالة الدول التي تمر بمرحلة فقدان السيطرة على كامل أراضيها
السيادية، وعجزها عن توفير السلع والخدمات الأساسية لسكانها، وعدم قدرتها
على توفير الأمن لهم نتيجة سطوة مجموعات مسلحة، ووقوعها فريسة للرشوة
والفساد على نطاق واسع، واتساع نطاق الجريمة في أراضيها، وتدهور حاد في
اقتصادها الوطني، وتآكل شرعيتها نتيجة اتساع الرفض الشعبي لطريقة إدارة
وتوزيع الثروات الوطنية . ويقوم صندوق السلام الأمريكي بإعداد “مؤشر الدول
الفاشلة” سنوياً وينشره في مجلة السياسة الخارجية المحسوبة على اليمين
الأمريكي المحافظ، حيث أصدر في العام الماضي نسخته التاسعة من هذا المؤشر
الذي يشمل 12 معياراً قياسياً لأوجه الاستدامة التي عُلّمت باللون الأخضر،
والوضع المستقر الذي عُلّم باللون الأصفر، ووضع الدولة الذي يقتضي التحذير
من عواقبه والذي عُلّم باللون البرتقالي، والدولة البالغة مرحلة الإنذار
بمداهمة الخطر والذي عُلّم باللون الأحمر القاني المنذر ببلوغها حافة مرحلة
الفشل في مجموعة القياس التي بلغ عددها 178 دولة .


ومن التصنيفات
الأخرى، الجديدة نسبياً، للدول، المبنية على معايير قياس النجاح
والاضمحلال، مسمى الدولة المارقة الذي أطلق على الدول التي يسيطر عليها
نظام شمولي، ومهدَرة فيها حقوق الانسان، وترعى حكومتها الإرهاب، وتسعى
لحيازة وتكديس أسلحة الدمار الشامل، وتشكل بالتالي تهديداً للسلم العالمي .
وكانت الولايات المتحدة الأمريكية هي التي أطلقت هذا التوصيف في عام 1994
إبان ولاية الرئيس الأسبق بيل كلينتون (الحزب الديمقراطي) حين وصم مستشار
الأمن القومي في إدارته أنتوني ليك خمس دول هي كوريا الشمالية وكوبا
والعراق وإيران وليبيا بالمروق . ورغم ادعاء وزارة خارجيتها بأنها توقفت عن
استخدامه رسمياً منذ عام ،2000 إلا أن استخدام هذا التوصيف السلبي للدول
مازال شائعاً في الخطاب الإعلامي الأمريكي والأوروبي الحليف . بل إن واشنطن
نفسها لا تزال تصنف كلاً من كوريا الشمالية والسودان وسوريا وإيران كدول
مارقة . وقبل ذلك كانت قائمتها تشمل أفغانستان والعراق قبل إخراجهما منها
بعد أن احتلتهما القوات الأمريكية والأطلسية، وكذلك ليبيا التي أخرجت منها
هي الأخرى بعد أن تخلى الرئيس الليبي المخلوع معمر القذافي، طواعيةً، عن
أسلحة الدمار الشامل، وتحديداً مخزونه من السلاح الكيماوي، إضافة إلى صربيا
التي أخرجت من القائمة بعد أن أخضعت بواسطة الحرب الأطلسية وإكمال تقسيمها
بانفصال آخر جمهورية كانت تنتظم الاتحاد اليوغسلافي وهي الجبل الأسود عن
صربيا .


إلى ذلك أيضاً، فإن من بين الأنواع المختلفة للدول التي اكتسبت
خاصيتها ضمن التصنيفات “الجديدة” التي أفرزتها التطورات الجارفة في
العلاقات الدولية وطاولت هياكل أشكال وجوهر الدول، يمكن تمييز ما نفترض
تسميتها بالدول اللوجستية . وهي بلدان عكفت طبقتها السياسية الحاكمة
ودعاماتها التكنوقراطية المستظلة بأفياء مؤسسة حكمها، الداعمة بفكرها
وعملها الخلاق لديناميات العمل المؤسسي للدولة، عكفت على تفحص ودراسة
الخيارات التنموية التي مازالت متاحة أمامها والأخرى المستجدة في النظام
الدولي لتقسيم العمل الذي تتخصص في إطاره مختلف بلدان العالم إنتاجياً
وخدماتياً وفقاً لإمكاناتها ومقومات بناء وتفصيل هياكلها الاقتصادية
ومخرجاتها الإنتاجية المؤمِّنة لها قدراً معيناً من الميزات التنافسية في
العلاقات الاقتصادية الدولية .


في وقت مبكر من طفرتها الاقتصادية برزت
سنغافورة الصغيرة كدولة لوجستية نموذجية توفر مختلف الخدمات المالية وخدمات
التشبيك، بالجمع بين قطاعات الأعمال في أوروبا وقريناتها في آسيا، وخدمات
النقل الجوي والبحري، بما يشمل اضطلاعها بدور المنصة البحرية لتكرير النفط
الخام المستورد وإعادة تصديره في صورة منتجات بترولية وسيطة إلى البلدان
الآسيوية المجاورة . بينما تتخصص بعض البلدان الأخرى كجمهورية نيبال على
سبيل المثال (كانت مملكة لمدة 239 عاماً قبل أن تتحول إلى جمهورية في 28
مايو/ أيار 2008)، في تزويد شرائح معينة من أسواق العمل الدولية بنوعية
خاصة من قوة العمل عالية الانضباط والولاء والاعتمادية للخدمة في شركات
الأمن الخاصة ولدى بعض مرافق الأمن للقوى العظمى وتزويد الأمم المتحدة
باحتياجاتها من قوات حفظ السلام الدولية العاملة في مناطق مضطربة من العالم
. في حين يضطلع بعض الدول اللوجستية، إضافة لهذه المهام، بوظيفة القيام
بدور الوسيط الناقل للرسائل والمنظم للفعاليات الإقليمية والدولية الرامية
لإيقاع الصلح بين الخصوم، أي النهوض في هذه الحالة بدور الدولة الحاجزة،
وهي هنا الدولة المحايدة الواقعة بين دولتين تعمل بوحي من موقعها على
الحيلولة دون تصادمهما، أو الترحيب والقبول برعاية مبادرة دولية سياسية أو
اقتصادية أو بيئية أو حملة جبائية دولية للدول المانحة . . الخ . ويمكن
اعتبار “حسن سلوك وأداء” هذه الدول بمثابة إجازة تأهيلها، المفتوحة
تقريباً، للحصول على المعونات والمنح والمساعدات الدولية اللازمة لتمويل
انفاقها الجاري والاستثماري . بيد أنها، وهي على هذا النحو الهش، عرضة
لتقلبات “قوى السوق”، فيما يتصل خصوصاً بالطلب على خدماتها .