المنشور

شيخ المناضلين البحرينيين – النقي خلقا وسيرة


قابلته مرة يتيمة مع بعض زملاء الدراسة الجامعية اليساريين في بيروت السبعينات. وقتها كان يتخذ مثل الكثيرين من نظرائه العرب من بيروت منفى اجباريا بعدما طورد بسبب نشاطه السياسي وأفكاره اليسارية وقيادته للنشاط الخارجي لما كان يعرف ب «جبهة التحرير الوطني البحرانية». وهذه الجبهة لمن لا يعرفها من غير البحرينيين كيان طليعي تأسس في فبراير 1955 وتسمى بهذا الاسم تيمنا بـ «جبهة التحرير الوطني الجزائرية»، وكان يستهدف الدفاع عن حقوق الطبقة العاملة من عمال وفلاحين، والنضال ضد سلطات الحماية البريطانية، وتحقيق الاستقلال والعدالة والمساواة والتقدم وحقوق المرأة، والدفاع عن الثروة الوطنية وقيم الحداثة والعصرنة والتنوير، وغير ذلك من الاهداف التي كانت شعارات رائجة زمن المد اليساري وسطوع نجم الاتحاد السوفياتي وكتلته الشرقية.

وتمر الايام، وتغيب أخباره، لكن صورته لا تنمحي من الذاكرة، وكذا اسمه الحركي الذي عُرف به في الاوساط السياسية وهو «سيف بن علي». والسبب أنّ الرجل أسرني، كما كان يأسر كل من يلتقي به، بدماثة خلقه وبشاشة وجهه وروحه النقية وتواضعه الجم وخفوت صوته وعذوبة أحاديثه وواقعية طروحاته، إلى درجة أني تساءلت بيني وبين نفسي «هل يُعقل أنْ يكون رجلا بهكذا محيا وهكذا صفات شاعرية رقيقة زعيما لجبهة ثورية يسارية؟». وتساؤلي هذا كان مشروعا وقتذاك لأن الصورة المطبوعة في أذهاننا للمناضلين اليساريين كانت لا تخرج عن صورة الرجل كث الشوارب ذي النظارات المقعرة القاتمة والصوت المرتفع، الشره في استهلاك السجائر، الجاف والمتعالي في تعامله مع الآخرين بمن فيهم رفاقه، المتسربل بالتنظيرات والشعارات الطنانة، المنفعل في مواجهة من يخالفونه الرأي.

لاحقا في بداية الألفية الجديدة، حينما أطلق جلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة مشروعه الاصلاحي الذي اشتمل على جملة من الأمور، كان بينها إلغاء قانون أمن الدولة والسماح لكل المبعدين والمنفيين من أبناء البحرين بالعودة الى وطنهم، عاد «سيف بن علي» الى البحرين مكللا بتيجان الفخار ليساهم في الحياة السياسية وفق مقتضيات المرحلة الجديدة. فكان في استقباله في صالة الوصول بمطار البحرين الدولي جمهور غفير من مختلف المشارب الفكرية والمستويات الاجتماعية يتقدمهم بالطبع الكادحون الذين ناضل الرجل عقودا من أجلهم ممن ضج بهم المكان، وممن اصروا على زفه إلى منزل شقيقه خالد في الرفاع بالهتاف والتصفيق والمشموم والرياحين. ولبعض الوقت في عام 2001 ظلت خيمة كبيرة منصوبة أمام منزل شقيقه يتزاحم فيها يوميا المهنئون بعودته إلى أرض الوطن. بعدها استأجر الذوادي لنفسه شقة في شارع البديع قبل أنْ توفر له الدولة سكنا في مدينة زايد. وفي هذه الأثناء كان يتردد على مستشفى السلمانية للعلاج ويكتب بعض المقالات الاسبوعية لصالح جريدة الأيام.

لم تمر فترة قصيرة إلا و” جبهة التحرير البحرانية ” تسدل في 14 سبتمبر 2001 الستار على حقبة العمل السري وتظهر إلى العلن في صورة جمعية سياسية معترف بها رسميا تحت إسم ” جمعية المنبر الديمقراطي التقدم ” بقيادة ” سيف بن علي ” نفسه الذي تخلى عن اسمه الحركي بعدما لم يجد له مبررا في عصر الإصلاح والديمقراطية، وعاد إلى اسمه الأصلي الخالد. وهكذا صرتُ أراه مرارا وتكرارا في الفعاليات السياسية والمناسبات الاجتماعية، وفي كل مرة كان يحتضنني ويمطرني بالقبلات وهو يردد: ” كلما أراك يا أبا تيمور أشعر بالتفاؤل “، رغم أني لم أكن يوما عضوا في تنظيمه. وكان آخر مرة سمعتُ منه هذه الجملة يوم أنْ دعتني جمعيته في 2005 لإلقاء محاضرة عن مخاطر النووي الإيراني على منطقة الخليج. وقتها كان هناك همس كثير بأن المرض الخبيث قد تسرب إلى أحشاء الرجل وأنّ أيامه باتت معدودة. غير أنّ من قاوم المستعمر والمستغل بالتصميم والعزيمة والأمل والعناد استطاع بالأسلحة ذاتها أنْ يصارع المرض اللعين 11 سنة وسط دهشة أطبائه إلى أنْ انتقل إلى جوار ربه في الساعة الرابعة والنصف من صباح الثامن من يوليو 2006، ليشيع في جنازة مهيبة ويدفن في مقبرة المنامة وتتدفق رسائل التعزية والمواساة من كل حدب وصوب بما فيها رسائل من ملك البلاد وولي عهده ورئيس وزرائه.

فمن هو هذا الرجل الذي حُفرت صورته في ذاكرة الوطن وغدا منارة يهتدي بها الساسة الوطنيون الشرفاء المترفعون عن المصالح الشخصية والدسائس الفئوية والنوازع الطائفية البغيضة ممن يملكون الضمائر الحية والروح البحرينية الأصيلة التي تجمع ولا تفرق؟ من هو هذا الذي قيل عنه ” من الصعب أنْ تجد إنسانا تتحدث معه فينصت لك باهتمام وصبر ودون مقاطعة، وإذا ما خالفته الرأي ورفعت صوتك خفض هو صوته “؟

إنه إبن البحرين البار المناضل أحمد ابراهيم محمد الذوادي المكنى بأبي قيس، الذي ولد في المنامة في 1938 لأسرة شديدة الفقر، وخبر اليتم بوفاة والده في طفولته ليقوم أخواله في البحرين والسعودية بتربيته، والذي تفتحت ملكاته ومواهبه الثقافية والسياسية في سن مبكرة، وعاش جل حياته متنقلا ما بين السجون والمنافي والمرض والغربة، أو كما قال الشاعر الجميل علي الشرقاوي:
 كنت الطير
تعطي الحب حيث تطير
عشت براثن المنفى
عرفت اليتم قبل اليتم
شربت الملح في الغربة
ألا يا سيد الشباب كنت الرمح والحرية
وكنت تهاجم الاحباط

مكان ميلاده في فريج الذواودة كان له تأثير بالغ عليه وعلى أفكاره اللاحقة، ذلك أنّ هذا الفريج بامتداداته المعروفة في الحورة والقضيبية ورأس رمان وفرجان بن سوار والعوضية والحدادة والفاضل والبلوش يقع في قلب المنامة حيث يعيش خليط متعدد الاعراق والمذاهب من الطبقة العاملة الفقيرة التي عادة ما تدغدغ عواطفها الأفكار الماركسية وشعاراتها حول المساواة والعدالة الاجتماعية. لذا لم يكن غريبا، والحالة هذه، أن يتشرب الذوادي الفقير هذه الأفكار مبكرا ثم يصبح مبشرا بها وهو في سن السابعة عشر، ثم يساهم في سبيلها بتأسيس أول تنظيم يساري سري في منطقة الخليج هو ” جبهة التحرير الوطني البحرانية ” في 15 فبراير 1955 بمشاركة رفاقه علي دويغر، إبراهيم ديتو، علي مدان، جعفر الصياد، محمد كشتي، رضا العلوان، وآخرين. وفي هذا السياق يُعزي الزميل عقيل سوار فضل انتشار الفكر التقدمي اليساري في الأحياء المشار إليها الى النشأة الشعبية للذوادي فيقول في الصفحة 99 و100 من كتاب ” أحمد الذوادي في ذاكرة الوطن ” ما معناه أنه صحيح أنّ حي الذواودة وحي العوضية في قلب المنامة شهدا ظهور الفكر التقدمي لكن الصحيح أيضا أن هذا الفكر لم يتحول إلى فكر بحريني منتشر الا بفضل مساهمة الذوادي التي كانت انعطافية. ويضيف ” أحال أحمد ما كان حزبا شيوعيا منبوذا من المزاج العروبي لأهل هذه الأحياء وعمقها بسبب ارتباط أدبياته، على الأقل، بحزب تودة الإيراني الذي لم يكن يرى على خلفية نزعته الأممية غضاضة في اعتبار البحرين فارسية إلى حزب أكثر ألفة مع المزاج العروبي “.

بدأ الذوادي تعليمه بالالتحاق بالكتّاب البدائي لوالده المطوع ابراهيم بن محمد فتعلم مبادئ القرآن الكريم وبعض الاناشيد وتمرن على مخارج الألفاظ السليمة. وعن هذه المرحلة كتب واحد ممن زاملوه في الكتّاب وهو الاستاذ عبدالله الذوادي أن أبا قيس كان يشاغب أثناء الدرس وأن عصاة والده المطوع ابراهيم كانت تطاله مثلما كانت تطال الآخرين. وهو لئن تمكن من مواصلة دراسته حتى المرحلة الثانوية، رغم ما كان يكابده من شظف العيش، فإنه لم يستطع اكمال تعليمه الجامعي، حيث اضطرته ظروفه المعيشية أن يدخل سوق العمل مبكرا. وكانت البداية هي الالتحاق بسلك التدريس وذلك من منطلق قناعته بأهمية تخريج اجيال متعلمة تعليما جادا وسليما، لكنه ترك التدريس في 1958 ليلتحق بدائرة العمل من أجل الوقوف إلى جانب عمال البحرين في وقت كانوا يتعرضون فيه لضغوط من قبل المسؤولين الأجانب في شركة النفط (بابكو). ويبدو أنّ دفاعه عن حقوق العمال كان سببا في فصله، فالتحق حينها بالقطاع الخاص كموظف. وما بين هذا وذاك قادته ثقافته الذاتية وإطلاعه الواسع إلى المساهمة في تقديم البرامج الثقافية من إذاعة البحرين بُعيد افتتاحها في 1955، فقدم برنامج «موكب الخالدين» الذي كان يتناول فيه سيرة شخصيات ثقافية وأدبية وقيادية.

إن ثقافته التي بناها بنفسه من خلال القراءة المكثفة في مختلف المواضيع حدت به في هذه المرحلة إلى العمل مع الاستاذ عبدالله الذوادي سكرتير نادي الوحدة بالحورة على دمج هذا النادي مع نادي النصر الثقافي والاجتماعي ليظهر الى الوجود كيانا جديدا يهتم بالرياضة والفكر والثقافة والمسرح والغناء ومحو الأمية تحت اسم «نادي الفجر» الذي احتل إحدى الفلل المملوكة للشيخ أحمد الجابر الصباح جنوبي مدرسة الحورة الثانوية للبنات.

وهكذا نجد أنّ نشاط الذوادي لم يقتصر على السياسة وإنما صاحبته مساهمات ثقافية ورياضية واجتماعية في نادي الفجر، بدليل أنه كان وراء فكرة افتتاح فصول لمحو الأمية وإنشاء فرقة موسيقية بقيادة الفنان المعتزل حمد الدوخي ومشاركة المرحوم يوسف هادي، وتأسيس فرقة تمثيل ضمته شخصيا إلى جانب حسين شرفي وعلي صالح وعيسى عاشير ومحمد عواد وفوزي الزياني وغيرهم، وإدخال لعبة الشطرنج، التي كان يلعبها ببراعة، إلى النادي طبقا لما ذكره عبدالله الذوادي في كتاب «احمد الذوادي في ذاكرة الوطن»(ص 92 93).
ينتمي أحمد الذوادي كما يدل لقبه الى عائلة الذواودة المعروفة في البحرين والمنتشرة في كل أصقاع الخليج العربي، والمنتمية إلى قبيلة بني خالد فرع العمائر طبقا لما ذكره لوريمر في القسم الجغرافي من كتابه الشهير «دليل الخليج». وهي عائلة انجبتْ أسماء لامعة في دنيا الأدب والاعلام والدبلوماسية والسينما والموسيقى والمسرح والرياضة. ويقول عبدالرحمن صالح الدوسري في صحيفة الوطن البحرينية(23/5/2014) أنّ هناك من الوثائق العثمانية وغيرها ما يشير إلى أن الذواودة سكنوا قرى في القطيف مثل الخترشية والنابية وعنك وجزيرة جنة والمسلمية شمال مدينة الجبيل، إضافة إلى «حي شريبة» الذي يعتبر من أقدم أحياء دارين. والحقيقة كما يروي أحد رجالات الذواودة (عبدالله بن يوسف بن يعقوب الذوادي) أن الذواودة كانوا يسكنون فريج الشريبة بالقرب من ساحل باربار كأسرة واحدة تحت زعامة أحد شيوخ العائلة الحاكمة وهو الشيخ دعيج، لكن هذا الأخير قتل في رحلة قنص بالظهران، وعندما انتشر الخبر طلب خصومه في البحرين من جماعة الذواودة أن يغادروا «شريبة» على الفور، ولم يمهلوهم الفرصة لجمع أمتعتهم، فدفن بعضهم أمتعته تحت الأرض وخرجوا من «شريبة»، فيما فر بعضهم إلى «دارين» وتوزع البقية على مناطق البحرين المختلفة من الحد إلى الزلاق، وحرقت بيوتهم المبنية من السعف. أما رحلة عودة الذواودة إلى البحرين فقد بدأت باقامتهم في منطقة الحالة الصغرى بالمنامة التي كانت تتوسط فرجان رأس رمان والعوضية وبن سوار، حيث استمروا في حيهم الجديد يمارسون مهنة الغوص والطواشة وأعمال البحر إلى أن وقع اختيار الإنجليز على حيهم لإقامة دار للمعتمد البريطاني (الباليوز)، فهُجروا إلى منطقة جديدة جنوب رأس رمان وهي المنطقة المعروفة حاليا ب «فريج الذواودة».

تعرض أبوقيس للإعتقال لأول مرة في 1961 حيث قررت السلطات نفيه الى الخارج فغادر البحرين الى قطر لكن الأخيرة رفضت استقباله فتوجه الى الكويت التي مكث فيها زهاء عشرة أشهر غادر بعدها متوجها الى بيروت التي استقر بها حتى 1964. وأثناء تواجده في لبنان نجح الذوادي في بناء شبكة من العلاقات التنظيمية النضالية بين جبهته والتنظيمات اليسارية العربية وغير العربية التي كان لها تمثيل على الارض اللبنانية. وكان لنجاحه هذا مردود ايجابي انعكس على أبناء البحرينيين الفقراء ممن كانوا يطمحون لمواصلة دراستهم الجامعية في الخارج لكن فقرهم كان يقف حائلا بينهم وبين تلك الطموحات. وبكلام آخر نجح الذوادي من خلال لجنة التضامن السوفياتية في الحصول على منح دراسية لطلبة البحرين الفقراء للدراسة في جامعة الصداقة بموسكو. والحقيقة أن الرجل لم يكتف بذلك فقط بل راح أيضا يتفقد هؤلاء المبتعثين في أماكن دراستهم، ويحثهم على الجد والاجتهاد من أجل العودة بشهادات وتخصصات أكاديمية تخدم الوطن، ويحرضهم على أنْ يكونوا قدوة وسفراء للبحرين في الخارج. إلى ذلك ساهم الذوادي في انشاء رابطة طلبة البحرين في موسكو من خلال إعداد دستورها.

 بعد رحلة المنفى في لبنان عاد الى البحرين ودخلها دخولا طبيعيا لأن فترة نفيه كانت قد انقضت، وتمكن من العودة إلى وظيفته السابقة في شركة عبدالرحمن الزياني. غير أن الأقدار كانت تخبئ له المزيد من المتاعب. ففي منتصف الستينات انطلقت شرارة ما يعرف في الأدبيات السياسية البحرينية بانتفاضة مارس، وذلك حينما وقعت انفجارات استهدفت سيارات لإثنين من ضباط الأمن. وعلى اثر هذه الحادثة طالبته السلطات الامنية بالخروج مجددا من البحرين فاتجه صوب امارات الساحل المتصالح (دولة الامارات حاليا) واستقر هناك لبعض الوقت توجه بعده الى القاهرة كممثل رسمي لجبهة التحرير البحرانية في مصر زمن الرئيس عبدالناصر الذي كان يدعم كل حركات التحرر ضد الاستعمار. ويروي شوقي العلوي وهو أحد رفاق نضاله في كتاب «احمد الذوادي في ذاكرة الوطن»(ص57) أن أبا قيس كان يسكن في القاهرة في شقة متواضعة في حي «باب الخلق» الشعبي، وكان يقوم بالطبخ بنفسه، وأنّ غداءه كان في العادة عبارة عن سمك مقلي ورز وبصل، وكان ممن يترددون عليه ويشاركونه الغداء وزير الدولة الحالي للشؤون الخارجية في سلطنة عمان يوسف بن علوي بن عبدالله.

وفي 1971 حدث تطوران دفعا الذوادي إلى الخروج من القاهرة والعودة إلى بيروت تلافيا للحرج، أولهما انتهاء المرحلة الناصرية وبدء حقبة السادات المختلفة سياسيا، وثانيهما تأسيس العلاقات الدبلوماسية بين القاهرة والمنامة. غير أنه ما لبث أنْ عاد إلى القاهرة في 1973 في وقت كانت البحرين فيه على موعد مع انفراجات سياسية بعد اتمام انتخابات المجلس التاسيسي الذي وضع أول دستور للبحرين، وانتخابات أول برلمان بالتصويت الحر المباشر في 1974 وهي الانتخابات التي فاز بأحد مقاعدها خالد الذوادي شقيق أبي قيس، الأمر الذي ساعد الأخير في الحصول على وثائق سفر تمكنه من العودة الى وطنه. وبالفعل عاد الذوادي الى البحرين في 1974 وعمل لبعض الوقت موظفا قبل أنْ تطاله حملة الاعتقالات الواسعة التي جرت في العام نفسه بموجب قانون أمن الدولة الجديد، فزج به في المعتقل مذاك وحتى 1979.
 
بعد الافراج عنه استقر في البحرين لفترة تزوج خلالها من الشاعرة حمدة خميس في 1980 وانجب ابنته مريم. في هذه المرحلة كان الذوادي يعمل مع شقيقه خالد، لكنه كان يتعرض باستمرار للكثير من المضايقات بسبب تاريخه السياسي وأفكاره اليسارية، فقرر في 1983 أن يخرج من البحرين ويستقر مع زوجته في دولة الامارات الوليدة حيث أنجبت له زوجته في 1986 إبنه الوحيد الذي اختار له إسم «قيس» ذي الارتباط الوثيق في الذاكرة العربية بالحب والعشق وأشعار الغرام، فخالف بذلك أعراف غلاة اليساريين ممن يفضلون أسماء أممية لأولادهم مثل غيفارا ولينين وجياب. وهذا دليل آخر على شاعرية الذوادي وحبه للغة العربية والشعر العربي. وفي هذا السياق يخبرنا عباس عواجي أحد زملائه في المعتقل أنه عاش معه مدة 6 سنوات في سجن سافرة تعلم منه خلالها اللغة العربية والنحو والشعر لأنه أي الذوادي كان ضليعا فيه وقادرا على تصحيح مخارج الشعر المتداول في السجن.

في 1987 تلقت جبهة التحرير البحرانية ضربة قاسية باعتقال العديد من كوادرها الشابة في الداخل وزجهم في المعتقلات واستشهاد بعضهم. وعلى اثر هذه التطورات قرر الذوادي الخروج من منطقة الخليج، فلم يجد أمامه سوى لبنان. لكن لبنان كان يشهد وقتذاك حربا عبثية ضروس كان أحد طرفيها الحركات الوطنية اليسارية التي كانت داعمة لتنظيمه فيما مضى. وهكذا لم يجد الرجل سوى الخروج إلى سوريا ليبدا رحلة كفاح من نوع آخر كان خصمه فيها هذه المرة هو سرطان القولون الذي اكتشف اصابته به في 1995 أو نحوه. وعلى الرغم من ذهابه في 1995 للاستشفاء في كوبا وعودته منها في أوائل 1996 في صحة جيدة بعد استئصال السرطان المذكور، إلا أن صحته اعتلت مجددا مما اضطر معه للذهاب إلى فرنسا لإجراء عملية استئصال السرطان من الكبد بعد أن تمدد من القولون إلى الكبد.

واخيرا فإنه مما يحسب للذوادي أنه كان كارها للأنا، باغضا للتقسيمات الطائفية، وزاهدا بالمناصب، والأمر الأخير نادر الحدوث عند زعماء التنظيمات اليسارية، خصوصا العربية منها. فقد ترك قيادة جمعية المنبر التقدمي لرفاقه بعد دورة واحدة، وتحول إلى مجرد عضو عادي وناشط في لجنته الإعلامية. أما الأمر الآخر الذي يحسب له هو أنه لم تسجل عنه كلمة نابية ضد خصومه السياسيين في البحرين المتمثلين في رموز ما سُمي ب «الجبهة الشعبية لتحرير عمان والخليج العربي». وفي هذا السياق يخبرنا الدكتور يعقوب يوسف جناحي الذي عرف الذوادي عن كثب وعمل معه أنّ الخلافات بين جبهة التحرير والجبهة الشعبية تعلقت تحديدا برفض الأولى لما كانت تتبناه الثانية من مواقف حول تعميم ونشر أسلوب الكفاح المسلح وحرب التحرير الشعبية على النمط الماوي في بلدان الخليج العربية وخاصة البحرين.

رثاه الشاعرعبدالحميد القائد بقصيدة قال فيها:
هذه الأرض تعشق فرسانها
وفي الريح تكتب أسماءهم
لتلثمها النجوم
قالت الأرض «أباقيس»
فانحنى الزمان
واستفاق الثرى مهرجان
فارسا روحه عصية على الموت
إنه هناك
جالسا على عرشه
في كبد الأرض
ينقش الوطن بالطين
مضى ماردا
تاركا كتابه أمام الشبابيك
كي تقرأه الشمس
والأطفال القادمون على دربه
 
صحيفة الأيام 16 أبريل 2015