المنشور

هل ماتت الحداثة العربية؟

هل سيكون تعسفاً القول إن الحداثة العربية ماتت، ليس لمصلحة ما بعدها، كما يقول منظرو ما بعد الحداثة في الغرب، وإنما بالارتداد لما قبلها حكماً من راهن الوضع العربي، المتشظي، والدامي؟ 


يمكن لسائل أن يذهب بالسؤال أقاصيه فيقول: هل كانت لدينا، أصلاً، حداثة كي نتحدث عن موتها؟ أم أن ما خلناه حداثة لم يكن سوى مشاريع للتحديث، ناقصة في الأغلب، سرعان ما تقهقرت أمام الطوفان الآتي من الماضي الذي لم تقو هذه المحاولات التحديثية عليه، لأنها لم تمتلك في الأصل خطط تقويض أسبابه، فلم تنتفِ أو تنتهِ، وإنما فقط توارت إلى الخلف، منتظرة لحظة العودة.


لماذا حافظت ديناميكية التجديد التي أطلقها كمال أتاتورك في تركيا على قوتها؟ رغم أن البلد يحكم منذ عقود من قبل «حزب إسلامي»، اضطر هو لتكييف مفرداته وأدائه لتلائم تلك الديناميكية، كي يضمن لنفسه البقاء في الحكم، وليس العكس، أي أن يسعى للمساس بمرتكزاتها الراسخة، وحين حاول ذلك، ولو بشكل ناعم وخفي، أتته الرسالة واضحة في نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة التي أفقدته الأغلبية التي كان يسعى من خلالها المضي في محاولاته تلك.


أسئلة كثيرة تتفرع عن هذا السؤال: أين هو المشروع التحديثي لمحمد علي باشا الذي كان رائداً وطليعياً لدرجة أن اليابان بعثت في حينه وفداً لمصر كي يدرس التجربة المصرية ويحاول الاستفادة منها في نهضة اليابان؟ واستطراداً أيضاً: ماذا بقي من التحديث الذي رفعت التجربة الناصرية لواءه، والذي جعل لمصر شأناً كبيراً في دوائر ثلاث: عربية وإفريقية و«عالمثالثية»، إذا ما تذكرنا حركة الحياد الإيجابي وعدم الانحياز؟


وخطر في بالي خاطر: أيكون تميز التجربة التونسية الراهنة، التي آلت إلى صورة من صور التعايش، الذي لا يزال قيد التجربة على كل حال، بين الإرث البورقيبي وحركة النهضة الإسلامية، عائداً إلى وجود شبه لدرجةٍ ما بين التحديث البورقيبي وتحديث كمال أتاتورك؟ وهو شَبه جرى الحديث عنه كثيراً، رغم أن بورقيبة لم يبلغ الراديكالية التي بلغها أتاتورك، وإنما سعى لتوفيقية معتدلة، من دون أن يخفي تأثره وإعجابه بالتجربة الأتاتوركية؟


يمكن أن نترك حيزاً للتفاؤل، فنقول إن ما نشهده حالياً من ترديات على الصعيد العربي انتكاسة مؤقتة، سننهض منها رغم فداحتها، وقد استفدنا من تجاربها، لكن الضارب في العمق من المؤشرات يقول شيئاً آخر.