المنشور

هل تنـدم الأمـم ؟


هل يحدث أن تصاب الأمم بالندم على خطايا ارتكبتها أو ارتكبت باسمها؟ نعلم أن الأفعال، موضوع الندم في التاريخ البشري، هي من صنع شخص واحد أو حفنة محدودة، فهل تؤخذ الأمة بجريرة هذا الشخص أو تلك الفئة؟

هل يمكن أن تكون الأمة الألمانية بكاملها مسؤولة عن جرائم هتلر، أو هل يؤاخذ الإيطاليون بما اقترفه موسوليني من أهوال، خاصة حين نعلم أن من بين الألمان والإيطاليين طلائع مكافحة تصدّت قبل سواها لهتلر وموسوليني، وكانت ضحايا لقمعهما، قبل أن يطال الشعوب الأخرى.

ولكن لصنع تاريخ جديد كان على ألمانيا، كما على إيطاليا، أن تعلنا الندم على الماضي، وأن تقوما بالقطيعة الكاملة معه، بأن تتذكرا التاريخ وتستخلصا منه الدروس الضرورية كي لا تقع الأمة ضحية للخطيئة ذاتها.

في فيلم «الندم» أو «التوبة» يتناول المخرج الجورجي تنغيز أبولادزة، يوم كانت جورجيا لا تزال في عداد جمهوريات الاتحاد السوفييتي قبل انهياره، سنوات التنكيل الستاليني في ثلاثينات القرن العشرين، والتي لم يسلم منها أقرب المقربين للزعيم نفسه. وجورجيا كما هو معروف، هي مسقط رأس ستالين، فهل أراد المخرج إعلان البراءة باسم شعبه من ممارسات التنكيل هذه، والاعتذار عنها، وإبقاء ذكرى الضحايا حيّة؟

في علاقتنا نحن العرب مع تاريخنا يغلب الطابع الاحتفالي، وتمجيد الصفحات المشرقة، وهي كثيرة من دون شك، وتستحق الاحتفاء من دون شك أيضاً، لكننا نجنح نحو المبالغة في تصويرها مشرقة أكثر مما هي بالفعل، ونتجاهل الصفحات الأخرى، السود، التي تستدعي الندم، وإعلان التوبة عنها، فتأتي قراءة التاريخ أحادية الجانب، فلا تأخذ هذا التاريخ في كليّته، بما فيه من تناقضات وصراعات ومكائد ودسائس.

لا نبالغ لو قلنا إن كثيراً من مآسي حاضرنا يجد جذوره في هذه القراءة العوراء للتاريخ، التي لا تبصر إلا بعين واحدة، حيث لم نمتلك، إلا فيما ندر، الشجاعة في أن نفصح عن عاهاتنا ومكامن الضعف الموجعة في محطات كثيرة من تاريخنا، وكانت الأميرة الأندلسية الشهيرة والدة آخر ملوك غرناطة الذي بكى وهو يسلم مفاتيح قصر الحمراء للقشتاليين أكثر جرأة من معاصرينا وهي تقرعه بقولتها الشهيرة: «ابك كالنساء مُلكاً لم تحافظ عليه كالرجال».

ما زلنا نؤول هزائمنا بالقول إننا أخذنا على حين غرة، لكن الأمة، كما يقول ماركس، كما المرأة، لا يمكن أن تدعي أنها أُخذت على حين غرة.


 

 25 يوينو 2015