المنشور

انحسار الفضاء العمومي


يقصد بالفضاء العمومي تلك المساحة الوسيطة بين الدولة والمجتمع، التي تتيح حرية الأفراد والجماعات، للإدلاء برأيهم، بما يؤمن مناخاً حوارياً تشاورياً بين الطرفين.

ومفردة «انحسار» في عنوان هذا المقال، أتت بديلاً لمفردة أخرى أشد وقعاً هي «غياب»، فلكي لا نقع في آفة التعميم أو الحكم المطلق، آثرنا الحديث عن انحسار الفضاء العمومي في العالم العربي، لا عن غيابه الكلي، مع ما يحمله ذلك من سؤال عما إذا كان هذا الفضاء متاحاً فيما مضى، كي نقول عنه إنه انحسر.

الحق أنه تيسر لهذا الفضاء أن يتوفر في مراحل من تطور الحياة السياسية والثقافية العربية، ولكن ذلك جاء على صورة جزر صغيرة مبعثرة هنا أو هناك، لعبت على صغرها، دوراً في الرقابة على أداء الحكومات، من خلال المؤسسات المستقلة للمجتمع المدني، الناشطة في بعض الحقول كالثقافة والنقابات والحركات النسوية واتحادات الطلبة وما إليها.

توفرت للعالم العربي فرصتان ثمينتان لتوسيع الفضاء العمومي، لكنه أضاعهما، الأولى تمثلت في الثورة العارمة لوسائل الاتصال الحديثة، بما وفرته من مجالات غير مسبوقة لحرية التعبير وتداول المعلومات والأفكار، وإشاعة ثقافة الحقوق المدنية، بكسر احتكار أجهزة الإعلام التقليدية لمهمة الناقل للرسائل المختلفة، بما يلائم أمزجة النخب الماسكة بالثروة والسلطة. لكن سرعان ما تحول توظيف الميزات التي توفرها هذه الوسائل، لخدمة أغراض هي على النقيض تماماً من الفكرة التي يُراد للفضاء العمومي الحديث أن يلعبها كوسيط بين الدولة وبين المجتمع المدني، فحدث أن صارت محفزاً على إثارة النزعات المذهبية والعرقية والطائفية، لا بل وإشاعة منهج التكفير وتحبيذ الإرهاب، وتمزيق المجتمعات وتقويض بنية الدول، بدلاً من دمقرطتها.

أما الفرصة الثانية فكانت مع بداية هذا العقد، حين أزفت لحظة للتغيير في العالم العربي، كان يمكن لها لو سارت في مسارات سلمية، وجاءت على حوامل اجتماعية حديثة من الحركات السياسية الوطنية وقوى المجتمع المدني المستنيرة، التي تستلهم تراث التنوير العربي وتطوره، أن توسع من الفضاء العمومي وتنشط دوره.

وفي هذه المرة أيضاً، حدث العكس تماماً، بحيث باتت تطلعاتنا اليوم أكثر تواضعاً بكثير، حين تنحصر في استعادة ما فقدناه من مكتسبات كانت في متناول أيدينا، أهدرناها وفرطنا فيها، بدل البناء عليها وتطويرها.
 
30/07/2015