المنشور

الثقافة في مجتمعات الخليج العربي من العزلة إلى النفط*


يرى طه حسين «أن جزيرة العرب تشتمل على نوعين مختلفين من الحياة العقلية: أحدهما محافظة قديمة لا تزال قوية بحكم الجهل، وانتشار الأمية، والأخرى مجددة لا تزال ناشئة بحكم الاتصال بأوروبا والبلاد الإسلامية الراقية. وسيشتد الصراع بين هذين النوعين من الحياة، ولكن النصر محقق للحياة الجديدة؛ لأن جزيرة العرب قد فتحت للحضارة الأوروبية، ولن تستطيع أن تغلق أبوابها بعد اليوم في وجه هذه الحضارة. وقد يقال: إن جزيرة العرب قد فُتحت للحضارة الإسلامية في القرون الأولى، ثم أُغلقت من دونها، فما الذي يمنع أن تُفتح للحضارة الحديثة الآن ثم تُغلق من دونها بعد حين؟ والجواب على ذلك يسير سهل: فقد كانت الحضارة الإسلامية القديمة تدخل بلاد العرب على ظهور الإبل وفي الكتب المخطوطة، أما الآن فهي تقتحم هذه البلاد بالسيارات، والبخار والتلغراف، والتلفون، والكتب المطبوعة، والصحف والمجلات، وأنّى للبادية أن تقاوم هذه القوى المختلفة؟ المستقبل إذن للحياة الجديدة لجزيرة العرب وسيكون هذا المستقبل قريباً في بعض البلاد وبعيدًا في بعضها الآخر، ولكنه سيكون على كل حال». سؤال طه حسين وجيه، لكن الحق أن البادية استطاعت أن تقاوم ذلك، والدينامية المحافظة التي أنشأتها هذه البادية، من وجهة النظر الاجتماعية والأدبية، أعادت وتعيد إنتاج هذه المقاومة، ولأن طه حسين ركزَّ بحثه على قلب الجزيرة العربية، أي الحجاز ونجد، مع إشارات متفرقة إلى أحد أطرافها، وهو اليمن، فإنه لم يدرس حقيقة أن الهيمنة البريطانية التي دامت نحو قرنين من خلال نظام الحماية على إمارات الخليج العربي، لم تؤد إلى فتح هذه الإمارات على العالم الخارجي على نحو ما فعل الفرنسيون في بلدان المغرب العربي التي أخضعوها لسيطرتهم، أو على نحو ما حدث مع الآثار الحاسمة لحملة نابليون على مصر، وإنما حرصوا من خلال ما أطلقوا عليه سياسة الإبقاء على الوضع القائم بعد التحكم في طرق المواصلات الدولية، إلى تكريس عزلة هذه المنطقة.

لذا يبدو صحيحًا القول إنه «لولا الثروة التي تحققت على إثر اكتشاف البترول لظلت منطقة الخليج والجزيرة العربية كاملة «محدودة وهامشية، ولظل مجالها محصورا في أرض قاحلة كان لطائفة ضئيلة فيها أن تغالب حياة مهددة من تلقاء ذاتها بالانطفاء أو الصمود في شظفٍ من العيش متكيفة مع قساوة قحط الصحراء» (عبد الوهاب المؤدب: أوهام الإسلام السياسي – ت: محمد بنيس والمؤلف- دار توبقال 2002) الصفحات 45 -64

إن انبثاق النفط وتصديره في منطقة الخليج سيغدوهو الانقلاب التاريخي الحاسم في فك عزلة المنطقة، بعد ظهور الإسلام في الجزيرة العربية، وانفتاحها على العالم الخارجي، أخذا بعين الاعتبار أن السيطرة الاستعمارية كرست هذه العزلة وأبقتها كما هي، وسيبدو لافتاً سعي الإنجليز خلال فترة هيمنتهم المديدة إلى عزل المنطقة عن محيطها العربي خاصة؛ لأنه الأكثر قابلية للتأثير في خلق الوعي الثقافي والاجتماعي بين أبنائها، والدارسون للتاريخ الثقافي لبلدان المنطقة سيلاحظون أنه لتحقيق التفاعل مع الحواضر العربية في مصر وبلاد الشام والعراق، لجأت النخبة التجارية المتعلمة التي كانت تشتغل على تجارة اللؤلؤ في مدينة بومباي الهندية، حيث كان أفراد هذه النخبة يقيمون شهورا طويلة من السنة، جسراً ومنطلقًا للتفاعل مع المركز الثقافي العربي.

في كتابه: «رسائل الرعيل الأول من رواد اليقظة في الإمارات» يورد عبد الله الطابور نص القصيدة التي كتبها التاجر والشاعر الإماراتي إبراهيم المدفع عن مدينة «بومباي» الهندية، وهي قصيدة تشف عن مدى تعلق أبناء الخليج من الذي عاشوا هناك بتلك المدينة.
يقول المدفع: بومباي يا مرتع الغزلان من قدم/ وملتقى كل محبوب ونشوان، بومباي يا من لها في القلب منتجع/ وذكريات بها التاريخ ملآن». ويتذكر الشاعر صحبه من أبناء الخليج الذين آخاهم وصادقهم فترة إقامتهم بالمدينة: «كانت مجالسهم بالأمس عامرة/ من نخبة القوم أصحاب وإخوان، فمن دبي كذا البحرين مع قطر/ كذلك شارقة أيضاً وعجمان، كذا الكويت وبوظبي كذا عدن/ ورأس خيمة أيضاً بل وجيزان، كذا أم القواني والحسا وكذا/ من مسقط وعمان بل خرسان»..
ويصل الشاعر في تذكره وتحسره مبلغاً لا يعود بوسعه تحمله: «فمنهم من قضى في هاهنا ومضى/ ومنهمو قيل قد آوته أوطان، فقلت والدمع من غيني منهمر/ كفى كفى لا تعد للنفس أشجان».

وهذه القصيدة تكاد تقدم صورة مكثفة عما يمكن أن ندعوه نواة مجتمع خليجي مصغر في الهند في أوائل القرن العشرين، شكل قاطرة للتحديث والتطور؛ لأن أفراد هذه النواة التي اتسعت هم من قادوا مظاهر التحول الاجتماعي والثقافي في أوطانهم الخليجية وبذروا فيها بذرة الوعي الوطني.

وإلى قصيدة إبراهيم المدفع عاد الدكتور عبد الله المدني في كتابه: «معالم الدور الهندي في الخليج العربي في النصف الأول من القرن العشرين» ليستخلص أن «العزلة التي فرضتها بريطانيا على منطقة الخليج للحيلولة دون تواصل أجدادنا مع أشقائهم في دنيا العروبة، جعلت من الصعب إيجاد قنوات اتصال مستمرة ومباشرة ما بين أبناء الخليج، لكن التجار والمصلحين الخليجيين في الهند استطاعوا كسر تلك العزلة عبر إيجاد قناة اتصال غير مباشر يمر بالهند»، ويشير إلى أن الصحف والمجلات العربية الصادرة في بغداد والقاهرة ودمشق تصلهم إلى الهند من خلال اشتراكات شهرية، ثم يحولونها إلى أبنائهم وإخوتهم ومعارفهم في الخليج بواسطة المسافرين».

إن نبوءة طه حسين عن اشتداد الصراع المحتمل بين الثقافة التقليدية المحافظة والثقافة المحدثة في الجزيرة العربية تبدو صحيحة تماماً، فيما نريد أن ندعوه بتعايش الثقافتين التقليدية والحديثة في مجتمعات الخليج والجزيرة العربية، مع أن طبيعة التركيبة السكانية المعقدة في غالبية مجتمعاتنا الخليجية، قد تحملنا، في سياق آخر غير هذا، للتحدث عن تعدد في الثقافات ناجم عن تعدد الجنسيات والملل والأقوام المقيمة بين ظهرانينا، والآتية من سياقات لغوية وثقافية وحضارية أخرى، ومختلفة في الكثير من تفاصيلها عن تفاصيل مكوناتنا الثقافية والاجتماعية والتاريخية.

تجاور الثقافتين التقليدية والحديثة ليست حالة خاصة ببلداننا الخليجية، فهي ظاهرة نجد نظيراً لها في كل البلدان العربية والإسلامية بدون استثناء، لا بل في جميع البلدان النامية، مما خلق حالاً من التضاد، وأحيانا الصراع الحاد، بين الجديد والقديم في الثقافة بفعل الصدمة الناجمة عن احتكاك المجتمعات التقليدية، بعد طول عزلة، بالمؤثرات الخارجية وتحت ضغط حاجات التطور الاجتماعي والثقافي الداخلي ودينامياته.

ولا تشكل دول الخليج العربي استثناء في هذا المجال، بل لعل الأمر يتجلى هنا في أكثر صُوره فداحةً، بسبب التحول السريع والعاصف الذي أحدث خضةً نفسية واجتماعية كبيرة، فحتى عهد قريب كانت الثقافة السائدة في مجتمعات الخليج ثقافة شفاهية، وكانت رموز هذه الثقافة تستجيب لحاجات البيئة المحدودة في مجتمع كان أقرب إلى السكون منه إلى الحركة.

لم يؤد اهتمام الغزاة الأوروبيين بهذه المنطقة، مع تصاعد التنافس بين القوى الاستعمارية على مناطق النفوذ في العالم، والذي انتهى كما نعلم جميعاً بنجاح البريطانيين في فرض حمايتهم على المنطقة، والهيمنة التي امتدت مديداً عليها، إلى إنهاء ما عانته المنطقة من عزلة، دون المساس الجدي بجوهر الهياكل الاجتماعية وأنماط العيش في المنطقة، فلم يغد الهدف أكثر من استخدام هذه المنطقة رأس جسر لعملياتهم في بلدان ومناطق أخرى، ولم يكلف المستعمرون أنفسهم عناء إقامة بنية أساسية حديثة، وإدخال الخدمات التعليمية والصحية وسواها، ناهيك عن الخدمات الثقافية التي كانت في عداد الترف.

أحدثت فجئية التحولات الاقتصادية الاجتماعية وسرعة وتيرتها من الآثار على هذا الصعيد ما لم يحدث سابقاً، فخلال عقود قليلة جرى ما يشبه الانقلاب القيمي الذي نجم عنه تصدع في منظومة القيم، واندثرت الكثير من الحرف، لصالح شيوع نمط إنتاج جديد، جلب معه ثقافةً فيها الكثير من مظاهر التشوه، بوصفها في الغالب الأعم ثقافة استهلاكية تتوسل السهولة والاسترخاء والاتكالية، ومع الوقت صُدّرت صورة سلبية عن المجتمعات الخليجية بوصفها مجتمعات نشأت مع اكتشاف النفط، فيما الدراسة التاريخية تشير إلى وجود نماذج تعبيرية ثرية ومتعددة في حقول الثقافة، والحرف، والأشعار والأمثال الشعبية التي تلخص الخبرة الشعبية المديدة في الفترة السابقة لاكتشاف وتسويق النفط، وأن جزءاً كبيرًا من هذه النماذج قد اندثر، فيما يهدد الاندثار ما تبقى منها.

لذا تنشأ الحاجة الماسة إلى دراسة تاريخنا الثقافي في الخليج وتسليط الضوء على رموز هذا التاريخ ومعالمه، بيد أن مثل هذه الدراسة لن تكون ميسرة ما لم يجر تأصيل منهج البحث نفسه؛ لأن كثيراً من الكتابات في هذا المجال ما زالت تفتقد المنهجية وتميل إلى الانطباعية وأحيانًا الجمع العشوائي. وإذا كانت هذه الجهود تحقق فائدة، في أنها تيسر للباحث المادة الخام المطلوبة للدراسة، إلا أنها تظل بحاجة لأن تنتظم في نسق منهجي معرفي يدرس التاريخ من حيث هو فعالية إنسانية، ومن حيث هو حراك اجتماعي متصل، وللثقافة في هذا الحراك دور اللحمة التي تعبر عن الوجدان الشعبي العام عبر رموزها وتعابيرها المختلفة.

 *جزء من بحث مطول قيد الإعداد