المنشور

شروط الاستقرار لم تعد محض محلية



يشكل
الاستقرار الهدف الأول الذي تعمل حكومات العالم أجمع على تأمينه بشكل ناجز
غير متقطع ، من أجل أن يتفرغ المجتمع وينصرف بكليته نحو العمل المنتج.
الحديث هنا لا يدور حول الاستقرار المطلق ، فمثل هذا الاستقرار صعب المنال
حتى في أكثر المجتمعات مثالية في الانسجام والوئام المجتمعي والتوافق
البديع بين مختلف مستويات سلطات صنع القرار. الاستقرار المقصود إذاً،
وبصورة منطقية وموضوعية ، هو الاستقرار ما فوق النسبي المتمتع بقدر كبير من
الاستدامة والسيادة.


ذلك أنه حتى في كنف حالات الاستقرار التي تنعم بها عديد البلدان
المتقدمة والأخرى الصاعدة، بفضل توصلها إلى المقاربة المطلوبة والناجعة
للمواءمة بين دولة الحقوق ودولة الواجبات لدى أفراد مجتمعاتها ، فإن الأمر
لا يخلو من حوادث منعزلة أو حتى متوالية التضخم، ولكن بفاصل زمني محدود ،
تقطع سيرورة هذا الاستقرار النسبي ، من قبيل الإضرابات الجزئية أو العامة
أو التظاهرات المحدودة أو المتسعة النطاق ، أو اندلاع أعمال عصيان وشغب
وتخريب قد تمتد لفترة زمنية محدودة وإلى مناطق خارج نطاق أماكن اندلاعها أو
قد تقصر زماناً ومكاناً.


فما طبيعة الاستقرار الذي تنشده كافة الدول
والمجتمعات دونما نجاح ناجز في مطاولته حتى أضحى في ضوء القلاقل والتصدعات
والنوازل التي تحيق اليوم بمجتمعات عالمنا المعاصر، بمثابة السلعة الثمينة
النادرة التي يعز الحصول عليها؟.. وما سبل ووسائل التمكين من بلوغ مناه
والإمساك به برفق غير متفلت؟


هو، على ما نزعم، مجموعة من المكونات التي
تنتظم مداره وتدور في فلكه بدقة متوازية مع دقة وحساسية وتعقيد العلاقات
البشرية بفعل الضغط الهائل والتكالب على موارد حيزها الجغرافي. وهذه
المكونات هي في الحقيقة عبارة عن سلة الشروط الواجب توافرها لبلوغ غاية
الاستقرار، تماماً كما هي على سبيل المثال التقريبي، المكونات الشرطية التي
يستلزم توفرها للحكم على طبيعة مناخ الاستثمار السائد في بلد ما والتي تضم
مجموعة مؤشرات قياسية أساسية ، إما أن تزكي أو أن تنزع صفة الإيجابية في
المناخ الاستثماري السائد في البلد محل التقييم. 


هذه الاشتراطات أو المقومات تتمحور بصورة كلية حول بند أساسي عريض
عنوانه «انتفاء أو إزالة أو تحييد بؤر التوتر بين كافة مكونات الدولة
والمجتمع». ومع أن استهداف هذه الغاية هو من صميم وظائف الدولة وأجهزتها
الفاعلة، إلا أن الدولة وحدها لا تستطيع القيام بها وتحمل ثقل أعبائها
وأوزارها وحدها. فهي، كما ترون، مهمة صعبة في غاية التعقيد النابع أصلاً من
تعقيدات نوازع النفس البشرية التي ما انفكت تطارد فرائس طموحاتها
وتطلعاتها، المشروعة منها، والجامحة المخلّة بموازين المكنونات الذاتية،
والأخرى غير المشروعة. فالمسألة بحاجة إلى جهد ثقافي تراكمي جبار يخفف من
وطأة هذه النوازع الباعثة على التضاد والصراع ، ويؤصل ويشيع فضيلة القناعة
في الثقافة الشعبية. وكل هذا بموازاة إدارة حصيفة وعادلة للموارد وتوزيع
منصف لعصارة الجهد التنموي الكلي المتمثل في إجمالي الناتج المحلي. 


ومع
ذلك سوف نسارع ها هنا للتقرير بأن الدولة، حتى لو اهتدت وتوفقت قيادتها
الحصيفة لمكونات هذه المعادلة الدقيقة المؤمِّنة للاستقرار النسبي إياه،
فإنها وبرغم ذلك لن تكون قد انتهت من مهمتها. ذلك أنها لو استدارت قليلاً
وتلفت حولها فستجد أن بانتظارها اشتراطات أخرى خارجية يتعين تأمينها هي
الأخرى.


هذه الاعتبارات المطلوب تأمينها هي الأخرى، تماماً بنفس أهمية
وضرورة تأمين الاشتراطات المحلية ، هي عبارة عن التحصل على «قبول عام أو
عدم ممانعة»، للمسار السياسي/ الاقتصادي/ الاجتماعي الذي وقع عليه الاختيار
لتأمين الاستقرار المستدام المنشود. 


فالقوى الإقليمية والدولية النافذة في فضاء العلاقات الدولية، تملك من
النفوذ والأدوات المحلية المستقوية بدعم الخارج لتعزيز تموضعها وموقفها
وأوراقها في الصراعات الداخلية، ما يسمح لها بإعاقة أو على الأقل التشويش
على المسار توطئة لإفشاله، سواء بصورة سافرة أو ضمنية. هنا سوف يتعين العمل
على تفادي استخدام هذه القوى لتعابير دبلوماسية ذات دلالة ، بغية إيصالها
رسائل تعبر بها عن امتعاضها أو عدم موافقتها أو عدم ارتياحها من توجه الحكم
الرشيد حتى فيما خص حق الدولة السيادي في توفير شروط استقرارها. عبارات من
قبيل «الإعراب عن القلق»، أو «الإعراب عن القلق العميق» من الخطوات التي
أقدمت عليها حكومة الدولة المعنية لتأمين معادلة استقرارها الداخلي
المستدام، أو «الإعراب عن الثقة في قدرة حكومة الدولة المعنية على العمل
بما يخدم ويحقق مصالح شعبها ويستجيب لتطلعات الأسرة الدولية»، أو «الإعراب
عن الأمل في أن تتخذ حكومة الدولة المعنية خطوات بنّاءة تحفظ السلم الأهلي
ولا تخل بالاستقرار في المنطقة».. إلخ ، من مثل هذه المفردات التي يفهمها
الوسط الدبلوماسي بما هي تعبير ملطف ومختصر عن عدم الرضا.


ذلك أن تأمين
الشروط المحلية للاستقرار المستدام من دون استكمالها باستيفاء شروطه
الخارجية، يضع مشروع الاستقرار في حالة الاستعصاء ، تماماً كما هو حال
المواقع العسكرية المكشوفة في الحروب الممتدة. فهي تبدو من الناحية النظرية
خلال فترات هدوء جبهات القتال وأخذ طرفي النزاع هدنة ضمنية ، تبدو نظرياً
ساقطة عسكرياً بالنسبة للطرف الكاشف لها، ولكنها ليست كذلك من الناحية
العملية ، نظراً لافتقارها للغطاء السياسي الخارجي، الإقليمي والدولي، الذي
يمكن أن يبدي ردة فعل سلبية تجاه اجتياحها.


ومن نافلة القول إن إدارة
الاستقرار أضحت اليوم عملية في غاية الصعوبة مع تطور عملية تجزئة وتوزيع
السلطات إلى سلطات محلية (بلدية) وسلطات تشريعية ، ومنظمات مجتمع مدني
وغيرها من مراكز القوى الصغيرة الأخرى. فلربما تطلّب الأمر، والحال هذه،
تخصيص جهاز صغير وحديث وفعّال لإدارة متطلبات الاستقرار على الصعيد الوطني،
وآخر لإدارة شقها المتعلق بالصعيد الدولي، وثالث لإدارة متطلباته على
الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي، بحيث تعمل هذه الأجهزة بصورة متكاملة
ومتناغمة. وفي الجهة المقابلة سوف يتطلب الأمر تحلي أطراف الصراع الكلاسيكي
على تقاسم عصارة الجهد التنموي الكلي الذي يختزله إجمالي الناتج المحلي
السنوي، بالواقعية فيما خص هذه القسمة التي تتعين استجابتها نسبياً لمبدأي
العدالة والمساواة المدبجين في المواثيق والمعاهدات الدولية.