المنشور

روما القديمة.. روما الجديدة


أسوأ توظيف لمفهوم «القابلية للاستعمار» الذي صاغه المفكر الجزائري مالك بن نبي، ذهب بنا إلى تبرئة الاستعمار من كل جرائمه وكوارثه ونهبه لثروات البلدان والشعوب التي استعمرها، كأن الاستعمار ما كان سيكون لولا أن الشعوب ذاتها جاهزة لأن تٌستعمر، لا بل وترضى بالاستعمار خياراً لها. وهناك من يذهب أبعد فيقرن الاستعمار بالتحضر، فلولاه لظلت الشعوب المستعمرة قابعة في الجهل والتخلف، مع أن الاستعمار غادر هذه البلدان وهي ترزح في كل ذلك.
 
نعم شقَّ الاستعمار بعض الشوارع في البلدان التي استعمرها، ونعم فتح بعض المدارس والمستشفيات التي غالباً ما قامت بها فرق التبشير التي أتت لا لغايات خيرية كما يبدو في ظاهر الأمر، إنما لأغراض ثقافية صرفة، من بين أهدافها تشكيل نخب محلية يمكن الاعتماد عليها في ترسيخ ركائز الاستعمار في البلدان المستهدفة، وتشكيل الرأي العام في بلدان تعاني شعوبها الفقر والأمية والمرض والجهل.
 
لم ينكر مالك بن نبي أبداً دور الاستعمار في صناعة التخلف، خاصة في بلده الجزائر، بل إنه رأى أن «القابلية للاستعمار» بحد ذاتها نتاج لذلك الاستعمار نفسه، وليست سبباً فيه، ولكنه أراد بهذا المفهوم تفكيك البنى التقليدية المحافظة التي تسهل على الاستعمار مهمته، لكنه لم يغفل أبداً أنه ما من شعب على وجه الأرض إلا وقاوم المستعمرين بصور شتى، بدءاً من المقاومة المدنية السلمية على طريقة المهاتما غاندي في الهند، أو بالكفاح المسلح على النحو الذي فعله الشعب الجزائري ذاته الذي قدَّم نحو مليوني شهيد للظفر بحريته واستقلال وطنه، وكما يفعل الشعب الفلسطيني البطل اليوم في مواجهة الاحتلال الصهيوني لأراضيه.
 
عالج عبدالله العروي هذه الإشكالية وهو يدرس تاريخ المغرب كاملاً، ذاهباً إلى زمن الإمبراطورية الرومانية، وهو يعالج إخفاقها فيما يصفه ب «رومنة» المغرب، حيث ذهب المؤرخون الغربيون إلى الزعم بأن ذلك عائد إلى خصائص نفسية لدى سكانها الأمازيغ، برغبة إخراج مقاومة المغاربة، آنذاك، لروما من دائرة رفض الهيمنة الأجنبية، شأن كل الشعوب التي تتمسك بسيادتها على أراضيها.

تحت ذريعة «تحضير» السكان المحليين قامت روما القديمة باستنزاف الأرض والقضاء على الغابات وتفقير السكان، وهو ما فعله المستعمرون الجدد حين استحوذوا على ثروات البلدان التي أخضعوها لهيمنتهم، لكن بدلاً من عنوان «التحضر» حلت مفردة «الدمقرطة» التي سوغت، فيما سوغت، للولايات المتحدة وحلفائها احتلال العراق وتدميره بعد أن أحكمت القبضة على نفطه.



22/12/2015