المنشور

ها قد تخلصتُ من لحية النبي

(( – لحيتي تزداد شيباً يوماً بعد يوماً..

– لا تحدثني عن الشعر الأشيب! إنه ينمو بكثافة على لحيتي كذلك..))

– من مراسلات ماركس وانغلز (7-8 مايو 1870)

            إن الجواب الذي يوفره دولوز لمعنى ممارسة الفلسفة هو ببساطة: أن تتصور ماركس حليقاً.

          مع ذلك، تبقى لحية ماركس التعريف الحقيقي له؛ كشيء ملازم له لا ينفصل عنه تقريباً.

          في العام الأخير من حياته، وجراء الحر الشديد في الجزائر في 1882، كتب ماركس إلى انغلز قائلاً:

          (( تخلصتُ من لحية النبي- مصدر معزتي وفخري، ولكنني (احتراماً لبناتي) أخذتُ صورة لنفسي قبل مروري على الحلاق الجزائري..))

          أهناك قناع ما شعر ماركس بأن عليه التخلي عنه في أيامه الأخيرة؟ وجه حقيقي يقف وراء ”لحية النبي“ هذه التي ظلت تخفيه لأكثر من نصف قرن؟ قد يكون ذلك جواباً، ففي النهاية هناك صورة أيديولوجية يكونها المرء لنفسه ويُسجن فيها لمدة طويلة جداً دون أن يتمكن من التحرر منها؛ وأين هو خير مكان لفعل ذلك لأوروبي غير الجزائر نفسها؟ إن يزيل القناع في مكان لا يدرك هذا القناع قناعاً حتى؟ هذا التفسير يعطي انطباعاً بأن ماركس قد سئم التنكر، وقد حان الوقت – بعد مدة طويلة جداً- أن ينهي حفلة التنكر هذه. ففي النهاية كان مدركاً بعبء ”أقنعة الشخصيات“ وكم هو صعب التحرر منها.

          لكن ماذا لو كان الأمر ليس كذلك؟ بل العكس تماماً؟ كان ماركس، يوماً، هيغلياً؛ ولهذا يدرك جيداً أن كل ما هو موجود يظهر، أو ما يتمظهر هو الماهية نفسها- ليست هناك ماهية تقع وراء الظاهرة في انتظارها أن تُكشف. ماذا لو أختار ماركس أن يتنكر عبر التخلص من “لحية النبي”؟ وأن لا توجد هناك حقيقة كامنة وراء لحية ماركس فعلاً؟ هل فعلاً لا يوجد هناك وجه وراء لحيته؟

          من الصعب أن نتخيل ماركس حليقاً؛ فيتشوه الخيال وتفقد الصورة ملامحها، كما لو كان التصور محال؛ أو قل: تظهر الصورة صورة شخص مختلف تماماً. أنت لا تتعرف إلا على القناع ولا توجد حقيقة إلا القناع نفسه؛ بما أن كل شيء هو عملية إضفاء القناع. هكذا عبر ويليام ييتس هذه المفارقة في قصيدته: “إن القناع اخترق خيالك/ وأحيا قلبك خفقاناً/ لا ما يتخفى وراءه”. بالمثل، نحن نعرفُ قناع ماركس؛ ولا يوجد، كما اعتقدنا، وكما اعتقدتُ أنا شخصياً يوماً، ماركس الآخر (سواء أكان هذا الآخر يتضمن سيرة النبي نفسه، أو السيرة النقيضة لصورته الرسمية)؛ فإن ماركس هو كما يظهر نفسه لنا: بسوء فهمه التاريخي، وبتناقضاته الفكرية والنظرية، وبمشاكله الجلدية، وهكذا إلى النقطة المايكروسكوبية في حياته. فإنهُ حدثٌ نظري؛ وأنه ككل الأحداث لا يأخذ شكلاً صاخباً: يأخذ وقتاً ليتشكل ويتقنع ويظهر بوحدة مزيفة.

          هذا يحيلنا إلى الإستنتاج الأول: ماركس ليس قناعاً (ولا حقيقة تختبأ وراء قناع ما)، أنه، على العكس، أقنعة- ليست من صنعه ولا هو من وضعها لنفسه، بل عبر عملية تاريخية شكّلت حقيقته، أو “وهم” حقيقته، التي نعرفها اليوم. المرء قد يفكر بلحيته: إنه لم ينبتها، بل نحن من وضعناها عليه على طريقة فن الكولاج، استعرنا ومزقنا شعيرات من مختلف الأجناس من البشر (الفاشيون ضمنهم كذلك) أو حتى الحيوانات (على المرء أن يفكر بلبدة الأسد على سبيل المثال)؛ بمثل الطريقة التي أضاف دوشامب شارباً رفيعاً على وجه الموناليزا.

          هذا يعني أن ماركس، أو ما يسمى بفكره، هو ليس واحداً؛ بل أنه، كأي فكر علمي، مبني على التخالف. لا أقول ليس واحداً بمعنى: الماركسيات المتشعبة والمتعددة – وأن هذا الأمر هو لظاهرة سياسية وحسب- بل بمعنى أن فكر ماركس نفسه هو قائم على مبدأ التخالف-الذاتي حيث لا يوجد فكراً يختزن وحدة إلا عبر الوهم. دوشامب لم يضف شارباً على وجه الموناليزا لأنه يمتلك فرشاة، بل وجه الموناليزا سمح، من حيث وجوده، لدوشامب أن يقوم بذلك؛ بمجرد أنه موجود. هكذا عندما يشير المرء بأصبعه ويسأل: ما معنى ذكرى مرور قرنين على ولادة ماركس؟ فإنه يشير إلى مجموعة كبرى من الأحداث النظرية، والسياسية، والأيديولوجية، التي وقعت تحت أسم “ماركس” والماركسية. إن ذكرى ولادته، التي تتضمن أيضاً ذكرى موته، بما إن حياته قد انتهت، تفتح المجال لإطلاق القوى التخالفية التعددية لما نعرفه بإسم هذا الفكر نفسه، التي عبرها يظهر من هذا الفكر امكانية ما يمكن إنتاج نفسه فكراً جديداً مادياً ثورياً.

          ذلك يطرح حقيقة: إلى أي مدى كان ماركس، أو أي واحد منا، مدركاً بوجهه؟ المفارقة هي أنه عندما قام بحلق لحيته وشعره، فهو قام بذلك فعلاً ليتخفى لا أن تُكشف حقيقته. لا حاجة لنا أن نتعمق فلسفياً لنستنتج ذلك، علينا أن نسمعه حين يقول لابنته جيني: “لقد أدركت أن لا شيء أشد أذيً لي أكثر من انتظار الناس لي في المحطة. فأرجوكِ ألا تقولي لأي أحدٍ أنني قادم هذا الأسبوع. أنا لا أرغب سوى في الهدوء المطلق معكِ أنتِ وأسرتكِ لوحدنا… ملاحظة: بالـ “الهدوء المطلق” أعني “الحياة العائلية”، و”ضجيج الصغار”، هذا “العالم المايكروسكوبي” مثير للإهتمام أكثر بكثير من العالم ”الماكروسكوبي”.

          إن الإصرار على التخفي لم يقابله إلا فعل الحلاقة الذي يعرف هذا التخفي. لكن ألا يمكننا أن نقول إن هناك ما يهرب من هذا الفعل نفسه؟ التحرر نفسه، بما إن التخفي هو التحرر، يُبطل من قِبل مثل الصورة الرسمية التي يكونها المرء لنفسه؛ كأنما نقول إن ماركس لا يوجد إلا بلحيته، وأن أي فعل يخالف اللحية يستحيل وجوده من قِبل صورته الرسمية المعروفة- لطالما يبقى حياً فهناك من سينتظره في المحطة. إن القناع الحقيقي كان الوجه الحليق في مقابل الوجه الملتحي؛ على الرغم من هذه المحاولة يبقى الوجه الأول أسير الثاني. أليست هذه الفكرة المركزية لقصة عبدالقادر عقيل (السلطان في المدينة)؟ السلطان هو ليس سوى صورته؛ في عزلته وتواريه عن الأنظار، أنه لا شيء سوى صورته الإيديولوجية التي كونها، أو تم تكونيها، لنفسه – مهما أراد الهروب تغدو الإرادة مستحيلة. اللحظة التي أعتقد فيها السلطان أنه تحرر من صورته، وانتحل صورة الفقير الذي يعيش بين الناس (بشكل مؤقت)، وجد نفسه خاضعاً لصورته خارج أسوار القصر نفسه: حين أراد العودة لم يصدقه أحد بأنه السلطان نفسه، الآن عليه أن يبقى خارج هذه الأسوار التي تحمي “السلطان”. لا توجد هنا حقيقة محايثة لوجوده، حقيقته هي هي لقبه- لا أكثر ولا أقل؛ خطأه يكمن في أنه اعتقد أنه متماثل مع صورته. يمكننا، إذن، أن نقول، تبعاً للاكان، إن السلطان لم يكن مجنوناً لأنه أراد أن ينتحل شخصية فقير ما، بل لأنه أساساً اعتقد أنه سلطاناً. بالمثل، ماركس لم يكن مجنوناً لأنه أعتقد أن يمكنه يتقنع بوجه حليق، بل لأنه فعلاً اعتقد أنه ماركس.

          هكذا، في اللحظة التي يجد ماركس لنفسه وجهاً جديداً، يجد الناس يناشدونه بوجهه القديم؛ المسألة لا تنتهي أبداً. لكن تبقى الحقيقة هي أن يمكنه أن يكون حليقاً، حتى لو لم ينجح في ذلك تماماً. وجود اللحية بحد ذاتها هي نفسها احتمالية عدم وجودها. عدم وجودها لا يعني أنه يحتفظ بالشارب وحسب، بل الخيال متروك لنا: وجه بلا أي لحية وشارب، وجه عليه شارب وحسب، وجه ملتحي من دون شارب، إلخ.. إن هذه التعددية هي الشرط الوحيد لإستمرار وجود ماركس إلى يومنا هذا.

          لهذا لا يمكن لرجلٌ مثل انغلز الإستمرار لوحده دون ماركس، ليس تبعاً لأي مفهوم رومانطيقي للصداقة أو ما شابه ذلك، بل لأنه اختار أن يكون مرتبطاً به – حرفياً. نحن نعلم أن انغلز تخلص من رسائله الشخصية، وبذلك طمس جزءاً كبيراً من حياته هو كفريدريك انغلز، بذلك قضى على وجوده المتعدد ولم يترك لنا سوى ما أرادنا أن نعتقده: رفيق كارل ماركس. إن لحيته – أعني انغلز- لا تشكل سوى التقليدية (ولا شك أن هذا انعكس على فكره)، حيث لم يكن أبداً مهتماً بأن تكون له لحية لو لا إصرار والده على ذلك (الذي طلب منه أن يخبىء شفرة الحلاقة إلى أن تنبت لحيته)، وبطريقة ما أصبح هذا الإصرار هووساً لم يتخل عنه طوال حياته؛ كما يتبين ذلك في توزيعه مناشير، حين كان شاباً، تناصر إطلاق الشارب على الجلسات التي يحضرها فقط من يطلق شاربه بكثافة، حيث هذه الطريقة الوحيدة، كما يقول، لـ “محاربة الإنحطاط”. بلا شك، بإمكانك أن تتخيل انغلز حليقاً، لكن ذلك لا يشكل شيئاً على الإطلاق، ولا يعني شيئاً إطلاقاً؛ فإنه ليس نبياً، بل أحد معاونيه – حتى لو كان أكفأ، وأقدر، وربما أذكى. يبقى هناك شيء عند ماركس تمكن من أسر الجميع؛ بلا شك المعرفة هي ضمنها، وبلا شك القدرة الذهنية هي ضمنها كذلك، لكن هناك شيءٌ أعظم بكثير. قد يكون (وأنا لا أستخدم “قد” بالتواضع الزائف للكتاب) أن لمحات العبقرية، التي فهمها انغلز جيداً، هي في الحقيقة لمحات نبوة. إن النبي هو نبي، لا شيء يبرر ذلك؛ أنه مؤمن ولا يتحدث إلا عن الإيمان – وهذا الإيمان قد يكون علمياً كذلك، فهذا لا يهم. ووصف ماركس بمختلف الأوصاف: من شبيه سقراط إلى الإله يوبتر، جميع من عاصره حاول أن يستخرج منطقاً ما، تشبيهاً ما، لكي يبرر حضوره البارز. لهذا حين يريد ماركس أن يتحرر من ذلك، فإنه يثبت بأنه ليس مدركاً بوجهه ولا بصورته على الإطلاق.

          لو كان مدركاً بذلك لرأيناه يرى نفسه كأحد الذين، كما يقول نيتشه، يولودون بعد الممات. ولرأيناه عاش في أفكار- ما-بعد -الموت؛ ولسأل: ماذا سيحصل لوجهي بعد أن أموت؟ لكن هذه الأسئلة ليست مهمة بالنسبة إليه. دريدا لم يكن مخطئاً حين تحدث عن وجود ماركس كشبح، بل كأشباح. والأشباح لا يصبحون أشباحاً إلا لأن عندهم نداء لا بد أن يسمعه أحد.  ماركس، لأنه قد مات، دائم التوجس، ودائم الإنتظار، مردداً (يوليوس قيصر) شيكسبير:

          “بروتوس: لماذا أنت هنا؟

          شبح قيصر: لأقول لك إن عليك أن تقابلني في فيلبي.”

          إلى ذاك اليوم الذي سنقابل فيه شبح ماركس في فيلبي إذن! الشبح يمكنه أن يتمظهر بمختلف الأشكال؛ فليس شرطاً أن يتوازى بشكله الدنيوي، ولهذا السبب فإن موته هو الشرط الوحيد لتخيله حليقاً.

          استمرار الوجود المؤثر للماركسية، إذن، فلسفياً ونظرياً على الأقل، اليوم قد يعود إلى حقيقة أن موضوعاتها لا تزال مرتبطة بواقعنا؛ مفاهيم مثل: الصراع الطبقي (والطبقات)، ونمط الإنتاج، والبنية الاجتماعية، والثورة، والدولة، والرأسمالية، إلخ.. لا تزال تشكل الأفق الكوني للعالم الذي نعيشه اليوم. بهذا المعنى، الماركسية لا تزال موجودة، أو يمكن رصد احتمالية وجودها الضعيف هذا، في الساحة النظرية؛ لأنها مرتبطة بما هو موجود، لأنها جزء من هذا الأفق الكوني. لكن هذا جانب واحد فقط من وجودها؛ صحيح، أنها توجد لأنها محددة بوجود الرأسمالية، لكنها موجودة أيضاً لأنها تُشكل غياب ما هو موجود فعلاً؛ لأنها تمثل غياب الرأسمالية نفسها، أو للدقة: توفر شروط غيابها. بهذا المعنى يمكننا أن نرى كيف يمكن للماركسية أن ترتبط بالرأسمالية؛ بمعنى اقراري ونفيي في آن. لأول مرة موت الماركسية قد يكون شرط اعادة بعثها من جديد.

          هذا هو التفسير الوحيد الممكن لعبارة ماركس الشهيرة: “بالنسبة إلينا، الشيوعية ليست نظاماً سيتم تأسيسه، فكرة مثالية يجب على الواقع أن يتكيف معه. نحن نطلق على الشيوعية تلك الحركة الحقيقية التي تهدم الأوضاع القائمة. ظروف هذه الحركة تنتج عن الإطار الذي نعيش فيه الآن”. الشيوعية بذلك ليست شكلاً إيجابياً لنمط انتاجي، وبنية اجتماعية، محدداً سلفاً يتعين علينا تطبيقه في الوقت المناسب؛ بل هي الحركة المناهضة للرأسمالية، حيث أنها نزعة كامنة فيها. ماذا سينتج من هذه الحركة متروك للمستقبل التصادفي المفتوح. الشيوعية اليوم، في أكثر أوقاتها العصيبة، بل والمستحيلة، هي المستقبل الوحيد للبشرية؛ هذه الحتمية قد، وربما، تتحقق، إذا كان الشيوعيون مستعدون لأن يسمعوا نداء ملاك التاريخ. نحن في اللحظة الكاثوليكية التي عبرها يكون ما هو “ليس – بعد” حاضراً “بالفعل”؛ بعثُ المسيح الذي لم يأتِ “بعد” هو “فعلاً” كامن بيننا.

          ماركس، كما تقول القصة الطريفة، كان مدركاً بذلك. حين كان مع ابنته إيلنور في كارلسباد، قالت له امرأة ما: “لا أستطيع أن أتخيلك تعيش في مجتمع خالٍ من الطبقات لأن عندك عادات أرستقراطية”، فأجابها: “لا يمكنني أن أتخيل ذلك أيضاً. هذا المجتمع سيأتي، لكنني وقتها لن أكون على قيد الحياة”. كان يدرك أنهُ، مع الحركة الشيوعية، مرهون بالرأسمالية؛ أنهُ لا يشكل سوى الجانب السلبي منها وحسب.

          ولهذا لن نستغرب من الاستنتاج الذي قدمه السياسي الذي ارسلته الأميرة فيكتوريا ليتحقق من نوايا الدكتور ماركس: “سواء رغب بذلك أم لا، لن يكون هو من سيقلب العالم رأساً على عقب”.

          السؤال: ماذا لو كان السير (مونتستوارت غرانت داف) على حق؟

نشرة التقدمي – يونيو – العدد 127