المنشور

كورونا يتنزه في العالم وكلمة السر: فانغا!

فايروس غير مرئي بالعين المجردة أوقف العالم على قدم واحدة، صنفته منظمة الصحة العالمية على أنه يشكل حالة طوارئ صحية عالمية، فجاء الهلع راكضاً، مصحوباً بكمية التقارير الطبية المعجونة بأرقام وحقائق وتفصيلات لا يهتم بقراءتها الشخص العادي في سائر الأيام. ولعل الفضول والرغبة في معرفة الأساسيات تدعو البعض للإنصات قليلاً، لكنه اهتمام لم يطل؛ لأن الإعلام بأوجهه المتعددة، خصوصاً في وسائل التواصل، دخل بقوة لينثر فوضى لا مسئول لها، تخرج بفتاوى وتصورات ونصائح في الموضوع من خلال منصته/هاتفه النقال؛ من خلطات المناعة المعدة منزلياً، وحتى الاحتياطات الواجبة والمبتكرة أيضاً، إلى حد التحذير من بعض الأدوية التي تأتي على هيئة صوتية أو مرئية مقرونة بمنصب طبي لإضفاء شيء من الجدية والوقار للمادة!
في مقابل كل الخوف من انتشار الفايروس والموت به، أطلقت الشعوب العنان للفكاهة والنكت التي تسعى لتخفيف وطئة العزل/ الحجر/ المرض/ الموت، كلها كانت سواء في وقت لاحق، بعد أن استوعب عامة الناس خطورة ما سخروا منه في البداية، حيث بدا أنه شيء ما حاصل في الصين أو ما جاورها من البلاد، والبعد الجغرافي يمكن أن يخلق التعاطف وبعض الاهتمام لوقت قصير جداً، يتلاشى بسرعة تحت مُلهيات الحياة “الأهم”، لذا تبقى النكتة تعبر عن واقع يرفض الناس تصديقه أو مواجهته، كحيلة نفسية دفاعية ومعتادة أيضاً. هكذا بدأت الأمور، لما كانت لا تزال غير ملموسة، لكنها حين اقتربت أكثر في محيطنا بدأت الحكومات تتخذ احترازاتها الوقائية، وصلت إلى الإعلان عن إغلاق الأماكن العامة التي تجمع عدداً كبيراً من البشر وهو أمر مخالف، لطبيعة المرض الذي ينتقل بسهولة؛ بالملامسة، والتقارب، والرذاذ، وغيرها. وظهرت ثلة من الجهلة، المعروفين بشكل أو بآخر للناس، ممن استصغروا – خاصة قبل تفاقمه عالمياً – وسخروا ممن يحذر منه، مدعين أن مناعتهم التي يغذونها عبر وصفات الثوم والبصل والخل وغيرها قادرة على الفتك بالكورونا(1)، أو أن القدرة الإلهية في دور العبادة ستزيل أي مكروه يأتي من مسبب “مادي”، وليس من الضروري الإشارة إلى التحذير الديني بتجنب سبل التهلكة، والتي دعت إليها كل الديانات.
لكن التبجح في هذا الظهور غير الواعي بالحقيقة العلمية المادية للإصابة بهذا الفايروس، أودى بمسار حياة أشخاص كثر، ظهرت نجمتهم المفضلة وهي تضحك برقاعة على الإعلام الذي يضخم موضوعاً تافهاً! أو ظهور رجل دين مخفور بالورع في كنيسته، أو مسجده، أو معبده، يدّعي أن مكانه محمي بقدرة الرب، تحت ذريعة أن المرض والموت وما سواهما من المقدرات التي لا يمكن تغيير مسارها مهما فعل الإنسان، لذلك فإن الاستمرار بالعبادة – دون الأخذ بالأسباب – هو طريق النجاة الوحيد!
وليست هذه القوالب الوحيدة التي تتعرض لها المجتمعات في هذه الأزمة أو سواها، فهناك فقرة مهمة تصاحب مثل هذه الأزمات في باب نظرية المؤامرة “المزمن”. فقد ظهرت الكورونا في المواد المرئية بشكل صريح في المسلسل الكوري My secret terries المنتج في 2018، يتم الحديث بشكل مفصل ومذهل عن الفايروس، تماماً كما في المسلسل الكارتونيthe Simpsons الذي تنبأ بإصابة النجم الأمريكي توم هانكس بالفايروس من دون ذكره بالإسم، لكن عبر وصفه بـ”الفايروس التاجي الذي يتفشى في أقصى الشرق ويجتاح الكوكب..”. ولم يقف الأمر عند حدود الدراما التي نجهل من وراء تصنيعها، حتى بظهور أسماء العاملين عليها في تترات المقدمة والنهاية، حتى يأتي دور العرافة البلغارية الكفيفة “فانغا”، والتي توازي دور وقيمة العرافات في تاريخ المسرح اليوناني، الذي يرسم خارطة طريق للأبطال بناء على أقوال العراف/ة. وفانغا التي قضت نحبها منذ عام 1996، لكنها عادت للصدارة مؤخراً من خلال تذكير بعض المصادر بالنبوءات التي تحققت مسبقاً حول “الوباء الخطير الذي سيكتسح العالم في 2020″، كل هذه الأخبار تأتي من غير مصادرها، لأنها مجرد أخبار مختصرة ومتنقلة وراء حجاب وسائل التواصل المتاحة، فلا أحد يهتم بالبحث عن الحقيقة من منبعها الذي يبدأ بفكرة “توصل العلماء إلى دراسة تحذر من …..”، ربما كانت إشاعة مؤلفة للتسلية، أو زرع الرعب في النفوس، والضحك على ردود فعل البشر الذين يرون في الحياة ما يستحق أن يعاش، أو أنها حقيقة مضاف إليها قليل من الزيادة التي تربك حياة شعوب بأكملها.
لكنه في النهاية فعل مؤثر على الآخرين وعلى حياتهم، ليس على سبيل المبالغة، لكنه تأثير القوة الناعمة التي تكون عبارة عن “امتلاك القدرات على التأثير في أسلوب الآخرين لجعل الأشياء تنفع”(2)، وهو تأثير سلبي، لأنه مصحوب بجهل، وقلة وعي، ومجاهرة لابد أنها أثرت على فئات كبيرة، خاصة ممن يربطون العلم بالدين، وهما شيئان منفصلان، رغم تقاطعهما في شؤون حياتنا. والقوة الناعمة أيضاً تأتي عبر التأثير بالسلوك دون أوامر مباشرة، فيكفي أن يعرف الآمر السياق العام، حتى يعرف كيف يحرك عن بعد من يريدهم أن يتبعوه. قد يكون هذا الآمر فرداً، أو مؤسسة، لديهم أغراض قصيرة المدى، مثل جني مشاهدات، ونيل العديد من الإعجابات التي تنقل صاحبها لمستوى آخر، أو أهداف استراتيجية بعيدة المدى، لكن النتيجة واحدة والأمر سيان. وفي أزمة الكورونا الحالية، لم يترك قاموسurban dictionary هؤلاء الذين يستخدمون تأثيرهم السلبي دون أن يضيف لهم ما يستحقون، فقام بدمج كلمتي covid التي تشير إلى فايروس كورونا وكلمةidiot التي تعني غبي أو أحمق، فظهرت كلمة جديدة هي covidiot وتعني الشخص الذي يتجاهل التحذيرات المتعلقة بالصحة العامة والسلامة. ولا أظن أن هناك كلمة أدق من هذه لتوصيف المشاهير الذين ساهموا بحمقهم في تفشي الوباء الفكري والكوروني لدى متابعيهم!
في حين أن شخصاً بشعبية المطرب الكويتي نبيل شعيل، قد فطن إلى قوة التأثير التي يمتلكها، بعيداً عن جفاف تقارير الأخبار، وتحليلات الأطباء المستمرة – والمتناقضة أحياناً – قد ظهر بشكل بسيط، وغير متكلف، في بيته موجهاً خطابه للناس بضرورة الالتزام في البيت، لئلا يسهل نقل العدوى من شخص لآخر، بالذات أن الفايروس ينتقل بخبث من شخص لآخر بلا أعراض ظاهرة تتطلب الحذر، مما يجعل التراكم كبيراً، والضغط الهائل على الكوادر الطبية، فلخصها لجمهوره في جملة بسيطة: كيف أستطيع أن أدعو لمنزلي ألفي شخص، في حين أني لا أملك إلا عاملتين بالمنزل؟
ربما لم يكن شعيل هو الأول، لكنه استثمر قبوله وجماهيرته للتوعية.. نموذج آخر من مصر، قد لا يعرفه الكثيرون، لأنه يتعامل مع فئة خاصة غير تلك التي يتعامل معها الإعلام بعمومية، هو الدكتور محمد صلاح موسى، الذي يعمل في تأهيل العلاج النفسي للمدمنين وعلاج الإدمان، والذي توجه للإرشاد والتوعية للفئة المستهدفة عنده، المدمنين غير المتعافين، والذين سيسهل نقل العدوى بينهم، وبالتالي لكل مخالطيهم، عبر بث مباشر نستطيع أن نطلق عليه بثاً متخصصاً(3). وعلى مستوى المهرجانات التي تتطلب تجمع عدد كبير من الناس، قام المخرج بدر قلاج من المغرب بالإعلان عن المهرجان الأول لـ”المسرح المصور” الذي تنظمه جمعية مسرح أسوار مواكز الفني، وجمعية فوازير للفنون والثقافة والأعمال الاجتماعية، تحت شعار “أبقى فدار والمسرحية تجي لعندك”(4)، على اعتبار أن المسرح تحديداً، دون الفنون الأخرى، الجمهور هو الذي يذهب إليه، وليس العكس، وهو ما قام به منذ سنوات فنان الماريونت المصري محمد فوزي، بتأسيس مهرجان عبر الإنترنت، يستضيف عروضاً دولية بخاصية البث المباشر، بالإضافة إلى ورش وندوات حية(5). كل هذه المبادرات، ضمن نماذج كثيرة تستحق الإشادة الحقيقية، والتي تتابعت بعدها مبادرات فردية ومؤسساتية، هي نماذج قد تحتمل الفشل والنجاح، القبول أو عدمه، لكنها تبرهن أن القوة الناعمة في امتلاك القدرات أو الموارد التي يمكنها أن تؤثر على النتائج، وتغير من الواقع، على أن نسلم زمام الأزمة التي سببها فايروس بيد العلم المؤكد، غير القائم على الغيبيات، والاقتراحات، وتحديث نبوءات فانغا ومن سواها، على مقاس التشاؤم الذي سيقضي على ما تبقى لنا من وقت ونحن على قيد الحياة. ما عدا ذلك، فسوف تنطبق علينا المقولة الرائجة حالياً “من منظور آخر، نحن الفيروس الذي أصاب الأرض، وكورونا هو العلاج”!

المصادر
1. https://m.youtube.com/watch?v=Rx0TX-yMLRs&feature=share
2. القوة الناعمة: وسيلة النجاح في السياسة الدولية، جوزيف س.ناي، ترجمة: محمد توفيق البجيرمي، مكتبة العبيكان، الطبعة الأولى 2007م
3. https://m.facebook.com/story.php?story_fbid=2658221087640520&id=100003579655506
4. https://m.facebook.com/story.php?story_fbid=2704351089834115&id=100007777512444
5. https://kayanmarionetteegypt.wixsite.com/egypt/festival

كلام الصور
ص 1
العرافة البلغارية فانغا
ص 2
نبيل شعيل
ص 3
د. محمد صلاح موسى
ص 4