المنشور

ڤايروس كورونا والموبوؤن بالطائفية

طاعون القرن الواحد والعشرين، هكذا وصف ڤايروس كورونا. انطلق من مدينة ووهان الصينية، وانتشر في أغلب بلدان العالم، حاصداً الآلاف من الأرواح والمصابين. ووجّه ضربة موجعة للاقتصاد العالمي، وأوقف الكثير من الأنشطة البشرية اليومية.

لم يميز هذا الڤايروس في عداوته للناس وانتشاره، بين الدول الغنية أو الفقيرة، بين دين وآخر، بين عرق وآخر، فالكل سواء في المعاناة ومواجهة الڤايروس للتغلّب عليه.

غير أن النفوس المريضة بالحقد والكراهية من أفراد وجماعات ومؤسسات ودول لم تتوانَ للحظة في استثمار هذا الڤايروس القاتل لأجندتها العدوانية وغير الإنسانية. فلا غرابة من أمثال هؤلاء أن يرفعوا صوتهم عالياً بأن يطلبوا من دولتهم ترك مواطنيها العالقين في الدول الموبوءة بڤايروس كورونا مواجهة القدر المجهول المتمثل بعناء الغربة وخطورة الإصابة بالداء الخطير .

بل أكثر من ذلك يتم اتهام من كان عالقاً في دولة ما ومن ثم عاد إلى أراضي وطنه، بأنه عميلٌ لتلك الدولة من خلال نشر ڤايروس كورونا؟! هكذا يتم بكل وقاحة تحويل قضية إنسانية إلى قضية سياسية وطائفية وتآمر على الوطن.

وفي الواقع فإن أمثال هؤلاء الموبوئين بالحقد الديني والطائفي هم أخطر من ڤايروس كورونا، لأن الأخير لن يستمر طويلاً، بينما العقلية الطائفية لهؤلاء ستستمر لسنوات عديدة، وربما يتأثر منها البعض، فتشكّل خطورة على مساحة التسامح والتعايش السلمي بين مكونات الشعب.

وحين تتسع دائرة الخطاب الطائفي في دولة ما فتصدّر من مؤسسات المجتمع المدني أو المؤسسات الرسمية، حتماً ستكون النتيجة أكثر سوءًا، لأن حجم انتشار سموم هذا الخطاب – الذي يتصف بالتعصب والتقسيم والتمييز البعيد عن المواطنة المتساوية – ستكون سلبية على الجميع وخصوصاً المتضررين منهم.

أما على مستوى الدول، لم يثبت إلى الآن صحة التهم الموجهة للدولة العظمى الأولى عالمياً بأنها خلف ظهور ڤايروس كورونا، وهو ما لمّحت إليه روسيا والصين. وهو اتهام خطير بلا شك ويحتاج إلى أدلة قطعية لا ظنيّة. ومن المؤسف أن بعض الدول قد مارست التشفي في حق دول أخرى انتشر فيها وباء كورونا بصورة واسعة، وبالتالي حصد المئات من الأرواح والآلاف من المصابين، فضلاً عن شبه الشلل الاقتصادي فيها. في حين برزت على السطح تسريبات نشرتها بعض الصحف العالمية تشير إلى توصل شركة ألمانية طبية من اكتشاف دواء للقضاء على كورونا، وسعي الأمريكان الحثيث بقيادة ترامب في شراء هذا الدواء واحتكار بيعه عالمياً.

الدرس البليغ الذي أعطاه ڤايروس كورونا لكل دول العالم وشعوبها وحكامها، أن قدرنا ومصيرنا واستمرارنا كبشر على كوكب الأرض بأمان وسلام، يكمن في تقبلّنا لبعضنا البعض وفي ترابطنا وتكاتفنا في مواجهة الصعاب والمخاطر بشتى أشكالها. فڤايروس كورونا ضرب الجميع ولم يستثنِ أحداً بسبب لونه أو عرقه أو دينه، فالكل سواء، ومع ذلك يصر الموبوؤون بالحقد الديني والطائفي أو الرأسمالي المتوحش، على تقسيم البشر من حيث القيمة والحقوق الأساسية والطبيعية لكل إنسان على هذه الأرض.