المنشور

“أنثى السراب”: معاناة تُعاش في الظّل

“هل سبق وأن قرأت رواية عشت وقائعها بالتمام والكمال؟” – سألني أحد الأصدقاء، مضيفًا: هل لك أن تتصور حالك وأنت تقرأ روايتك طولًا وعرضًا أحداثًا مرّت بك كالطيف الهارب منك تلك السنيين وأنت ترى هشاشتك النفسية في عدم مقدرتك على أن تواجه تلك الحالة المستعصية وكأنك رجل من ورق؟

تلك الأحداث الواردة في الرواية تعيدك إلى حالتك التي يجب أن تعيشها واقعيًا قبل تلك السنين فجروحا قد استقيقظت لم تكن في الحسبان، ولكن للحياة أحكام. قد تكون الأنانية هي ما تجعلنا نودّ ألا يفلت منا من نحب، حتى ولو كان لغيرنا ولا يود أن يستمر في علاقة معنا قد انكسرت، ولكن أن تستيقظ فيك تلك الهواجس بعد تلك السنين الطوال أمر لا ينم إلا عن أن تلك الأحداث ظلت مخبأة في داخلك ولا تريد أن تقّر بواقع الحماقات التي مارستها خارج مدارك الحياة الواقعية بحكم الموروث الاجتماعي والتقاليد البالية التي لا تجعل من كل الأطراف في حلٍ منها.

بقى لهذه الذاكرة أن تشيخ إلا من أحداث مثل هذه تستدعيك يومًا في البوح بما هو مكبوت في دواخلك خلال تلك السنيين، وقد ذهب من ذهب إلى الحياة الأخرى وأنت متربع في وسط هذا الضجيج الداخلي المؤرق الذي يسرق منك بقية ملذاتك في الحياة رغم وجودك الواقعي مع من تُحبّ ووجود ذريتك ونسلك، إلا أنك تعيش حالة انفصام لا إرادي.

هل نتج كل ذلك عن قراءتك لرواية؟ – سألته – أم أنك كنت فعلاً مهيأ لذلك؟ أمر محيرفعلاً، هل لهذا الشعورشيء من الواقعية؟ وما هي تلك الرواية التي جعلتك تبوح بأسراريفترض أن تظلّ مطمورة في بيتك، قال أقترح عليك قراءة رواية واسيني الأعرج (أنثى السراب).

ثم عاد، وقال لا أدري ولكن هذا الإحساس لازمني واستمرّ، وليس بالإمكان التخلص منه وأنا في مصيدة تلك الرواية المعذّبة التي أخذت مني فرحي وتركت بصماتها على كل مسام جسدي المنهك أصلًا!. لا شك أن الحياة صعبة ومعقدة شئ ما، ولكن أن تظهر لك كل تلك التعقيدات من خلال رواية، فهذا قد يعني أنك إنسان من ورق فعلًا.

كيف لهذا القلب أن يتعافى من تلك الجراح ولا أقصد بهذا أحدًا منا، فكلانا منهكين ومخدوعين قال، فللمرأة أن تحب وتختار من تُحب، وتلك هي الأقدارغير المنصفة لكلا الطرفين، مما ولّد هذه الحالة الشاذة في إقتسام الحياة، فكيف لنا أن نفسر اقتسام الحياة الزوجية في سرير تفكر فيه زوجتك في رجل آخر – تساءل – وهي في أرقّ اللحظات الحميمة وفِي فتنة الفراش المشترك؟

يقول واسيني الأعرج في روايته (أنثى السراب): “نظلّ له وحده حتى في أدق اللحظات حميمية. تصوّر حتى عندما أنام معه، أجدني في الفراش معك ولست معه، ظللت وفيّة لرجل واحد، حتى وأنا في فراش غيره”.

أسئلة نكش جروحها واسيني الأعرج في روايته هذه، لتعيد حالة إنكار نعيشها نحن البشر في مجتمعات لا تؤمن بحرية المرأة في الاختيار، ونتجرع مرارتها لاحقًا بعد تلك السنين لنموت ونحن نعتقد بأننا اجتزنا تلك المحن والخيبات والنكبات ولكن كل ذلك يتضح بأنه حمل كاذب. نكأ واسيني الأعرج جراحًا لم تندمل بعد، وفتق جروحا كنا قد اعتقدنا بأنها قد تعافت ولكن كل تلك الجروح فتحت على مصاريعها منذ أول سطر من تلك الرواية.

كيف لنا أن نفسر تلك الولادات القسرية بين تلك الأزواج؟ هل هي بحكم العلاقة الخالية من أية عاطفة، وبالتالي العلاقة البيولوجية البعيدة عن الحميمية؟ وهل هي بحكم الواقع المفروض على الطرف الضعيف، وهو بالتأكيد المرأة في مجتمعاتنا؟

لا شك في ذلك، وعليه تصبح تلك العلاقة في أرجوحة الوفاء بالتزامات المجتمع لا غير، بعيدًا عن العواطف الجياشة والحب الصادق البعيد عن الرياء.

هل يعني ذلك بأننا كنا مخدوعين طوال هذه السنيين أم كنا نعيش في ظل سرابٍ يغطي عواطفنا الحقيقية من أجل مجتمع لا يفهم معنى للعواطف ولا يقيم وزنًا لسلطان الحب؟ وهل هناك من مرارة شبيهة بالموت أكثر من أن تعيش مخدوعًا مع شخص يحب غيرك وأنت معه تحت سقف واحد؟ وأسوأ خيانة للرجل والمرأة على حد سواء، وأقساها وأكثرها ظلمًا هي أن تعيش امرأة معك وهي تحلم بغيرك، “فالهزائم الروحية التي لا قوّة في الدنيا تستطيع ترميمها، مدمرة عندما تتوغل بين العظم واللحم”، كما يقول واسيني الأعرج .

الجرأة التي تحلّت بها تلك الزوجة في رفض زوجها المفروض عليها قسرًا قوبلت بقسوة من أهلها وذلك الزوج المخدوع ظل وفيًا لأحساسيه المشيدة على كذبةٍ أراد لها أن تكون غير ذلك من إقناع نفسه بأن كل تلك العلاقة مع من تحب كانت نزوة عابرة، واقتنع بهذا اليقين المبني على تلك الكذبة زاعما أن العواطف تجاه الحبيب تزول مع الأيام وتخبو وإذا بها تعود في كل محطة من محطات الحياة .

أبدع واسيني الأعرج في تصوير تلك الحالة من خلال الرسائل المتبادلة بين الحبيب (سينو) وحبيبته ( ليلى)، وسرّب للقارئ وقائع مسكوتًا عنها ومخبؤة في دهاليز أسرة الأزواج. أوليست أغلب بيوت مجتمعاتنا تعرف مثل هذه الحالات، نراها تتعذب وتنوء تحت ثقل هذا الوضع الملتبس المؤذي للشعور، والمنهك للنفس وللقلب؟ أم أن كل ذلك من نسج خيال الراوي؟ أوليس الراوي من لحم ودم وهواجس وكوابيس يعيش الرواية كما هي في الواقع؟

ترك واسيني للقارئ الحصيف أسئلة غير قادر على فهمها ولا هضمها ولا حتى رتقها. قلت له مودعًا كما قال واسيني في روايته (أصابع لوليتا): “تعلّم كيف تنسى آلامك أو تكتبها لتستمر في الحياة بأقل الكوابيس ضرر”.

رواية جديرة بالقراءة وهي محصلة لمعاناة يعيشها الكثير، ولكن في الظل بعيدًا عن أعين المجتمع لتترك لمصيرها تتألم وترتعد وتقفز من نومها جزعًا وخوفًا كما يقول الكاتب، فالحياة نعيشها بأشكال مختلفة، لكن الألم واحد في النهاية، فأي ألم قاتل أكثر من ذلك وأي سراب يعيشه المخدوعين؟.