المنشور

كيف عرّت “كورونا” الرأسمالية المتوحشة

منذ زوال نظام القطبية الثنائية قبل 30 عاماً، الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة، بانهيار الأول وتفرّد الثانية تقريبا بالهيمنة الدولية، وعلى مدى مائة يوم ونيف خلت منذ أن اُكتشف فيروس ” كورونا” المعروف ب “كوفيد – 19″ في مدينة ووهان الصينية أواسط ديسمبر الماضي لم تُمتحن أخلاق الرأسمالية في طورها المتوحش المتعولم خلال الثلاثة عقود الماضية وتتعرى أنانيتها؛ ناهيك عن جشعها النهم للأرباح، كما اُمتحنت وتعرت أمام العالم أجمع؛ فقد بات واضحاً للأسرة الدولية بأسرها عدم توّرعها عن توظيف الأزمة الصحية التي ما برحت البشرية تعاني منها لخدمة مصالحها الأنانية الضيقة، وذلك بعد أن أخذ الوباء في التفشي سريعاً في معظم أرجاء كوكبنا الأزرق. والمؤسف أن ذلك يحدث في عالمٍ بتنا نصطلح على تسميته ” القرية الكونية” بفضل التطور الهائل في وسائل المواصلات والاتصالات.

لسنا بطبيعة الحال مع أصحاب “نظرية المؤامرة ” الذين أعتادوا على توجيه أصابع الاتهام أتوماتيكياً أو جزافاً إلى إلولايات المتحدة المتحدة باعتبارها بؤرة الشر المطلق في العالم، وبأنها من تقف وراء زرع الفيروس في الإقليم الصيني المنكوب، لا سيما وأن القيادة الصينية نفسها كانت وفي أوج محنة شعبها منصرفة عن الرّد على الحملة النفسية التشمتية الشعواء التي كانت تقودها واشنطن بصفة خاصة وحلفاؤها الغربيون عامة تجاه بكين، بينما كانت هذه الأخيرة مشغولةً بقيادة شعبها في معركة وجوده المصيرية لمكافحة الفيروس القاتل ذي القدرة على الإبادة الجماعية البطيئة؛ وفقط بعد ما لاحت بوادر ملموسة بتكلل حربها على الوباء بالانتصار في أواسط شهر آذار/ مارس الماضي لمّح المتحدث بإسم الخارجية الصينية تشاو ليجيان – بشكل غير قاطع – بأن الجيش الأميركي قد يكون وراء زراعة الفيروس في “ووهان” .

وفي الوقت الذي كانت فيه ماكينة الحرب النفسية الغربية على الصين منفلتة من عقالها، فيما هذه الأخيرة تواجهه الوباء القاتل وحدها، كان من اللافت والمثير للدهشة والاستغراب مواقف تلك الدول الرأسمالية الغربية التي بدت مطمئنة تماماً بأنها ستظل بمنأى عن الوباء إلى الأبد حتى وهي تعيش في عالم تقلصت فيه أطول المسافات من أقصى المعمورة إلى أدناها، وباتت تٌعرف – كما ذكرنا – بالقرية الكونية.

ومع أن وسائلها الإعلامية، وعلى رأسها الاميركية، أخذت تتنافس في التباهى بأسبقيتها في تذكير العالم بتنبؤها المسبق بظهور فيروس كورونا في الصين، سواء عبر صحفها أو من خلال أفلام هوليودية اُنتجت بهذا الخصوص مطلع العقد، بينما أنفرد بعدئذ الرئيس الاميركي دونالد ترامب بنعته ب”الفيروس الصيني” وظل متمسكاً به رافضاً التراجع عنه، غير آبه باحتجاج الصين، ولا باعتراض منظمتي اليونسكو والصحة العالمية على هذا الوصف لما ينطوي عليه من دلالة عنصرية، كانت ثمة أقلام معتدلة ومواقف شجاعة من داخل الدوائر الإعلامية والسياسية الغربية والاميركية اليمينية تمجُ ذلك الخطاب المهووس والهذيان المنفلت في تلك الحرب النفسية اللذان تجاوزا كل الحدود والمعايير الأخلاقية الإنسانية، وتحذّر أيضاً من وهم انحصار الكارثة في البر الصيني والاطمئنان الواهم بعدم تمددها إلى داخل الدول الغربية، بما فيها الولايات المتحدة، وهو ما حدث.

وعلى سبيل المثال فإن الكاتبين الأميركيين ديلان بوشير وليزا كريغر دحضا بقوة في تقرير لهما معززاً بالأسانيد العلمية نشرته “تربيون ميديا” الخرافات التي رُوجت إبان تلك الحرب النفسية المستعرة على الشعب الصيني والرامية لاحتقاره والحطّ من حضارته وثقافته الغذائية بأن حساء الخفافييش الذي يقبلون عليه في وجباتهم هو المسؤول الأول عن نقل الفيروس التاجي الجديد، لا سيما إذا ما عُلم بأن أكثر من 200 من الفيروسات التاجية الأخرى بإمكانها نقل العدوى إلى مختلف الحيوانات، لا الخفافيش وحدها، أو الثعابين والقطط والكلاب كما قيل، علماً بأن مثل تلك العادات الغذائية مستوطنة ومعروفة ليس لدى الصينيين وشعوب شرقية مجاورة منذ مئات أو آلاف السنين فحسب، بل ولدى شعوب عديدة في إفريقيا وآسيا وحوض المحيط الهادئ.

وإذا كان من السابق لأوانه القطع بوجود أيادٍ خفية في زرع الفيروس في مدينة “ووهان” فإنه من الثابت، حتى الآن على الأقل، بأن تلك المواقف للدول الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، ظلّت طوال الأزمة الصحية التي مرّت بها الصين والعالم تتسم باللامبالاة والتفرج المثيرين للريبة؛ لا بل لم تتورع شركاتها عن استغلال الأزمة بعد أن طاولت بلدانها لتوظيفها في ترويج سلعها الدوائية والعلاجية، والمضاربة في أسعارها جراء شحّها من الأسواق الناجم عن تداعيات الأزمة، ناهيك عن تسابقها المحموم للتفرد بالوصول إلى اللقاح الناجع الذي يعطيها حق احتكاره.

والحال فمن الثابت والموثق تاريخياً أن ذلك السلوك المريب الذي مارسته وتمارسه الدول الرأسمالية المتقدمة حيال تفشي وباء كورونا، كما تابعنا، غير مقطوع الصلة تاريخياً بدورها الاستعماري الإجرامي في نشر الأوبئة بين شعوب بلدان مستعمراتها السابقة قبل تحررها ونيلها استقلالها، وذلك بغية تكريس هيمنتها عليها، وهي ما انفكت إلى اليوم تواصل لعب هذا الدور القذر في مرحلة مابات يُعرف ب “الاستعمار الجديد” وعلى رأسها الولايات المتحدة، وإن استبدلت (أي الدول الاستعمارية السابقة والولايات المتحدة) الأساليب والأشكال والطرق القديمة بأساليب وأشكال وطرق جديدة أكثر خبثاً ومكراً.

وفي كتابه “رأسمالية الكوارث” يكشف لنا الباحث الاسترالي أنتوني لوينشتاين جوانب من تلك الطرق والأساليب التي مارستها وتمارسها الرأسمالية المتوحشة والتي تكشف وجهها القبيح ودورها الإجرامي في تلويث الكوكب الأزرق مما أفضى إلى تحوّله إلى بيئة كونية خصبة لتفشي الأوبئة العالمية من على أي بقعة من العالم قد تكون بؤرة لهذا الوباء أو ذاك الوباء ليتحول إلى جائحة عالمية على نحو ما نتابع فصوله المؤلمة الراهنة لفيروس كورونا (كوفيد – 19).

ولا يعني ذلك بأننا نعفي الصين من أي مسؤولية في هذا التلوث العالمي، إلا أن حجم نصيبها لا يُقارن البتة بأي حال من الأحوال بأحجام الدول الرأسمالية مجتمعةً. بيد أن الرأسمالية المتوحشة لم تتوانَ عن توظيف الكوارث الطبيعية التي تبتلي بها الشعوب المستضعفة، فضلاً عما تُبلى به من حروب وصراعات تسببت هي – الرأسمالية – في خلقها للتربح منها ومواصلة نهبها الممنهج لخيراتها ومواردها واستنزافها على أيدي شركاتها الكبرى والمتعددة الجنسية.

وبالرغم من أنه لم ينقضِ من عامنا الجاري الجديد سوى ربعه؛ إلا أن كل المؤشرات تقطع بأننا نعيش عاماً مفصلياً تاريخياً بمعنى الكلمة، ستكون له آثار وتداعيات بعيدة المدى والأثر فور انقشاع الكارثة كما هو مؤمل مع نهاية العام كأقصى حد، وذلك لما فعلته جائحة “كورونا” من هزة عالمية طاولت شتى مناحي الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية في معظم دول العالم، أقواها وأضعفها على السواء، وعرّت خلالها الدور الإجرامي القذر للرأسمالية المتوحشة والأنظمة التابعة لها خلال ثلاثة شهور فقط من اكتشاف الفيروس كما لم تعرِها من قبل على مدى ثلاثة عقود خلت منذ انهيار الاتحاد السوفييتي والتسويق لمقولة “نهاية التاريخ” بتسيّد النظام الرأسمالي لفوكو ياما أو نهاية الفكر الإشتراكي !