المنشور

الأزمات تكشف المستور

تعاني الشعوب العربية من التخلف العلمي والاقتصادي والسياسي ومن عدم المساواة وانعدام العدالة الاجتماعية والاقتصادية بين المواطنين، وحرمانهم من تمتعهم بالحريات العامة وحقوقهم الإنسانية، وحرمانهم من ان يحكموا أنفسهم بأنفسهم وبمحض ارادتهم، مسترشدين بدستور يجسد العقد الاجتماعي ويكرّس سيادة الشعب ويشرع لنظام ديمقراطي يلغي كل اشكال التمييز بين المواطنين على أساس عرقي او قبلي او ديني وطائفي. نظام ديمقراطي يكرس الشفافية، ويتمتع افراد الشعب بتكافؤ الفرص في العمل للجميع. دستور يؤسس لنظام حكم ديمقراطي حقيقي، وليس يافطة دعائية لتحسين سمعة تلك الأنظمة الخاضعة للهيمنة الامريكية ودول حلف الناتو.
لقد حان الوقت لوضع حدٍ نهائي وذلك بإخضاع هذه الأنظمة إلى عملية تطوير وتأهيل لتصبح أنظمة حكم ديمقراطية وتصير فيه الدولة مؤسسة قانونية توفر الخدمات والأمن لجميع المواطنين من دون تمييز. لقد بددت هذه النظم العربية ثروات بلداننا في أعمال البذخ أو في صرفها على شراء الأسلحة وتكديسها في القواعد العسكرية.
كما نتج عن التبعية السياسية للغرب صرف مليارات الدولارات في الحروب العبثية، بدلًا من أن تصرف على البنية التحتية الخدمات الصحية والاجتماعية والثقافية وتطويرها بما توفره السوق الدولية من التقنيات العلمية. تلك الأخطاء العربية التي تراكمت، فوتت آلاف الفرص الاقتصادية والعلمية والتكنولوجية في توظيفها في البناء الوطني والتنمية المستدامة. انغماس أنظمة الحكم في الانحياز في الصراع الدولي والتورط في أنشطته العدوانية أدى إلى بقاء الدول العربية في مقدمة الدول المتخلفة في النظام العالمي.
لقد أشار العديد من القيادات الغربية بالنقد الى حكومات الدول العربية، وكان على رأسهم الرئيس الذي كان مستمرا في كل مناسبة في توجيه اللوم والتقريع لقيادات الدول العربية السياسية الذي وصفهم انهم غير ديمقراطيين ينتهجون سياسات معادية لمصالح شعوبهم رغم وجود الثروات الطبيعية والثروة البشرية المقموعة والمحرومة، من الاستفادة من تلك الثروة في توظيفها في عملية التطوير، وتحسين المستوى المعيشي وتطوير البنية التحتية والتعليم والصحة والصناعة وانجاز الدولة المدنية الحديثة القائمة.
وعندما تمّ انتشار جائحة فيروس كورونا انكشفت سوءات الأنظمة الغربية التي تتبنى اقتصاد السوق واقتصاد الشركات التي اختزلت حقوق الشعوب الغربية الكادحة، وهشاشة منظوماتها الأخلاقية والقيمية في مفهوم الاستثمار لتحقيق الأرباح، وفرض الضرائب على المواطنين. هكذا نأت أنظمة الحكم الغربية من تحمّل المسؤولية تجاه مصالح شعوبها في الشؤون الصحية والاقتصادية والتعليم وتكدّست الثروة في جيوب 2% من عدد السكان، وزاد الانفاق على التسلح وأنشطة التجسس وشنّ الحروب ضد أنظمة الحكم التي تغرد خارج هيمنة حلف الناتو بقيادة الولايات المتحدة الامريكية.
فأي مسافر إلى دول أوروبا مثل بريطانيا وفرنسا وغيرها من الدول الغربية يمكنه أن يرى ألوف المتقاعدين من الطبقة العمالية الذين أحيلوا إلى التقاعد يعيشون في مستوى الفقر، يتسكعون في الشوارع ويركنون بأنفسهم في المقاهي طوال النهار ويلبسون ملابس متواضعة. فلا الشركات تهتم بهم ولا الحكومات ترعاهم وتوفر لهم الضمان الصحي المباشر، بل تستمر في فرض الضريبة عليهم، وأن الإعفاءت على مداخيلهم هامشية.
فقد تركت الأنظمة الرأسمالية الغربية مسؤولية الخدمات الصحية الى المستشفيات الخاصة، التي تبين أن هذه المستشفيات تفتقر إلى الأجهزة الطبية الحديثة التي تستخدم في علاج الحالات الحرجة والخطيرة، وأن المصابين بفيروس كورونا يتعرضون للموت، وخصوصا كبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة، وأن على المرضى أن يدفعوا مصاريف العلاج مقدمًا إلى المستشفيات أو العيادات، ومن ثم تقديم فاتورة العلاج إلى شركة التأمين المعنية لاحقًا، ومن لم يكن له المال الكافي للدفع مقدمًا إلى المستشفى، فإنه لا يستطيع الحصول على العلاج.
فيروس كورونا فضح الزيف المستور. فإذا بالدول ألوروبية المتطورة والولايات المتحدة الأمريكية تعاني من مشكلة نقص المستشفيات، ونقص الكمامات والأجهزة الطبية في المستشفيات التي تسهم في انقاد أرواح المصابين الذين يموت يوميا منهم المئات في هذه الدول.
لقد تنفست الدول العربية الصعداء، لتزعم أنها أفضل حالاً من الدول الغربية وأمريكا، وأن النظام الصحي في بلداننا العربية مازال بخير، وأفضل من نظيره في الدول المتقدمة. فكل دولة عربية مستمرة في دعم الخدمات الطبية المتعددة وترصد لها مبالغ كبيرة من الملايين في الموازنات العامة للدولة، لكن حال الخدمات الصحية في الكثير من دولنا العربية مغاير لما تروج له الماكينات الإعلامية. المستشفيات في الغالب الأعظم من هذه الدول قليلة، وتنقصها الأجهزة الطبية التكنولوجية الحديثة، وإن وجدت فإن عددها في كل مستشفى قليل وبعضها معطوب ويحتاج إلى صيانة دائمة. فأجهزة القلب وغسيل الكلى والتنفس الصناعي والتصوير الحديث كلها محدودة. كما ان الرقابة الفعالة على السلع الغذائية والتفتيش الصحي على محلات البيع أيضا ضعيفة أو معدومة.
قلة الإصابات والوفيات بفيروس كورونا ليس بسبب تطور الخدمات الطبية في الدول العربية، وإنما بسبب قلة الكثافة السكانية، وضعف حركة المواصلات البرية والبحرية والطيران بين الدول العربية، وضعف الأنشطة الاقتصادية بشكل عام. كذلك اختلاف المناخ السائد في الدول العربية، عنه في الدول الغربية وأمريكا، فلو الجائحة أصابت دولنا بنفس القوة التي أصابت بها الدول الغربية، لأصبح عدد الإصابات والموتى يعدّ بالآلاف وواجهت الشعوب العربية ازمة صحية تضاهي ما تواجهه الان امريكا ودول أوروبا والصين وايران وكوريا الجنوبية واليابان.