المنشور

من سالييري لموتسارت.. لقد تجاوزتك..لكنه كان انتصارا حزينا للغاية*

يحدث أن تلمع شرارة الموهبة في أي وقت من حياة الإنسان؛ إن كان محظوظاً استشعرها وطورها، وإن لم يكن كذلك ستكتم، ولن تظهر إلا على شكل ومضات لا تُرى. الأسوأ أن تكون الموهبة فريدة وأصيلة، لكن صاحبها غير مكتفٍ بنفسه، ويتطلع إلى ند حقيقي، أو وهمي، ليستصغر ما بيده، حتى تعطب آلة الإبداع، أو تتوقف، لأن كل التركيز متجه لشيء آخر، غير الذي عنده! وهذه هي حكاية مستمرة مدى الحياة. فالإنسان يستسهل أن يلقي باللوم -في هذه الحالة- على “الآخر”، في حين أنه لا يتمعن في أسباب النضوب الذي يحصل لموهبته.
إن في قراءة السير التاريخية للمبدعين، الذين يستلهم من سيرهم التميز والنجاح وكثير من الكفاح والعمل، دروس إنسانية، وعبر. وتقديم السير الإبداعية يحتاج إلى ضبط كثيرمن التفاصيل المهمة، لأنها تكون مِلكاً للناس وللتاريخ. والشاعر الروسي بوشكين التقط هذه الثيمة، وكتب نصاً من فصل واحد (موتسارت وساليري)، عن العلاقة التي جمعت بين ولفجانج أماديوس موتسارت (1756-1791م)، وأنطونيو سالييري (1750-1825م)، اللذين تزاملا في القصر الملكي في فيينا، كموسيقييْن بارعيْن في العصر الكلاسيكي.
ورغم أن سماع الموسيقى الكلاسيكية قد يبدو للبعض في الوقت الحالي فعلاً شاقاً، كونها غير مقترنة بغناء يضفي معنى “مادياً” لامتزاج آلات موسيقية، إلا أن الذائقة في العصور التي سبقت وتلت العصر الكلاسيكي، مثل الباروكي والرومانسي، قد أظهرت أسماء أعلام موسيقية -على التوالي- مثل باخ وفيفالدي/ شوبان تشايكوفسكي وفاغنر/ بالإضافة إلى بيتهوفن وهايدن، بنفس فترة موتسارت وسالييري الذي تمكن الحسد منه لما شاهد تفوق زميله “المستجد” بالقصر، فتخلص منه بطريقة أو بأخرى، أفضت للموت.
تتعدد المصادر التي تؤيد أو توثق هذا الحدث، بتجميع أدلة مع أو ضد، إلا أنها كانت إشارة للكاتب المسرحي البريطاني بيتر شافر لإعادة كتابة هذا المحتوى على هيئة نص مسرحي في عام 1979م، وليقدم مرة أخرى في فيلم (AMADUES) أنتج عام 1984م، حصد ضجة أخرى غير تلك التي بدأت ببوشكن، عبر تكوين فكرة رئيسية معنية برؤية المبدع لذاته وخلقه؛ هل يعجب الفنان بصنيعته، أم يعجبه الإبهار الذي يراه في عيون الآخرين؟ هل تؤثر المنافسة فيه، أم أنه منافس نفسه؟؟
لا تتوقف هذه الأسئلة عن طرح نفسها في كل الأجواء؛ المهنية منها تحديداً. لكن تظل مؤطرة في حدودها النظرية، تماماً كما يتحدث معظم الناس بمثالية في كل الأمور، حتى وقت تعرضهم لها! يحدث هذا الاختبار الحقيقي للجميع، والنفس، لو لم يتم تشذيبها ستتصرف بـ”سالييرية” غالباً. فالإيثار، وتقديم الآخر الأجدر والأكفأ عن رضا وقناعة، فعل ليس بالهين على الإطلاق، خاصة في مجال الإبداع الذي لا يحده سقف ولا معيار.
ومن المنطقي أن يقدم النص المسرحي سرداً تاريخياً لحياة موتسارت، باعتباره الأكثر شهرة ورواجاً في سماع موسيقاه. لكن الحاصل أن شافر اختار أن يقدم ثيمة رئيسية في شعور ساليري تجاه موتسارت، وبناء عليه تفهم تركيب الشخصيتيْن الرئيسيتيْن: موتسارت حضر بسمعته التي عرفت أنه عبقري منذ صغره، وقدم أول مؤلف موسيقي في الخامسة من عمره، لوالده الذي كان موسيقياً أيضاً، واهتم بتعليم ابنه الموسيقى، رغم سوء الظروف الاقتصادية لديهم، وشخصية أماديوس -محبوب الله باللغة اللاتينية- برزت في المسرحية وفي الفيلم بأنها الشخصية المرحة/ العابثة/ البسيطة، والعبقرية في مجالها، المأخوذة طول الوقت بسحر الموسيقى، والحياة، والحب، والحياة الاجتماعية.
وبينما يبدو أن المسرحية/ الفيلم يسلط الضوء على حياته، يتم استخدام موتسارت من أجل إبراز شخصية سالييري، الموسيقار المعتمد في البلاط، ذي الصيت المحترم جداً، والرصين/ الموهوب/ المتدين والحاسد أيضاً! وقد يبدو آخر وصفين له متناقضين، حيث تدعو الأديان في العموم إلى تجنب الخطايا، وقد صنف الحسد في الدين المسيحي على أنه أحد الخطايا “السبع المميتة”، والمقرونة باللعنة الأبدية، ما لم يندم صاحب الخطيئة، ليأتي سالييري ضمن الموسيقيين الذين يذكرهم التاريخ، ليس بالمؤلفات الموسيقية التي خلفوها، بقدر العداوة المضمرة لموتسارت!
ويشير بيتر شافر -منذ البداية- إلى سالييري، الذي ينتقل إلى مستشفى الأمراض العقلية لمحاولته الانتحار، بعد ثقل همه وعظم مصيبته في كل ما فعله بموتسارت، وبعد سنوات طويلة من وفاة الأخير، ووجود سالييري على رأس عمله وموهبته أيضاً، لازالت موسيقى موتسارت تصدح وتُطلب، ولازال فنه خالداً، واسمه مذكوراً، ولازال سالييري نفسه يسمع موسيقى غريمه في الأجواء، وليست موسيقاه. لذلك لجأ الفيلم إلى خاصية “الفلاش باك”، حتى تنفض كل الاعترافات بشكلها المجرد للقسيس الذي جاء خصيصاً لهذا الغرض. ولما كانت حكاية فاوست الشهيرة تقوم على المعاهدة مع الشيطان مقابل المعرفة الكاملة، قامت نفس هذه المعاهدة في AMADUES حين عقد سالييري اتفاقاً مع الرب، المتمثل رمزياً في التمثال الخشبي، لكي يمنحه الموهبة والتوهج في الموسيقى، وقد مُنح ذلك بالفعل، إلى الوقت الذي قابل فيه موتسارت، وأدرك أن لديه الهبة الحقيقية التي تنزل كوحي متدفق لا يتعثر، حينها فقط صغر ما في يديه، وبات كل تركيزه –حسب شافر- في القضاء على غريمه، وتقليص حجمه بأي ثمن.
ولم يصل سالييري لمنصبه في البلاط، إلا لأنه يملك الكفاءة المهنية اللازمة، أي أنه ليس بمعدوم الموهبة، أو اسماً غير معروف قدم على غير تخصصه عبر وساطة ما، لكن علاقته مع نفسه مرتبكة –أو ارتبكت لاحقاً- في ظهور موتسارت في القصر بغير إرادته، علاقته مع الرب التي اعتبرها “توكلاً”، فيما أن “السعي” هو المطلوب للاستمرار، وأخيراً علاقته مع غريمه “الوهمي”، والذي بين شافر أن موتسارت لم يميز كل الألاعيب التي مارسها سالييري عليه، لأنه ببساطة كان يمضي في حياته وشغفه دون الالتفات إلى أي منها، حتى مات مجهداً من التكليف الذي أوكله إليه سالييري –حسب شافر-، أو حسب مصادر أخرى مسموماً في شرابه/ أو حتى متأثراً بآلام الكلى التي عانى منها منذ طفولته وحتى بلغ الخامسة والثلاثين.
في الواقع، إن شافر قدّم في نصه المسرحي جانباً مظلماً من سيرة سالييري، في مقابل أن يظهر صورة محبوبة لموتسارت، الذي يبدو أنه منحاز لشخصه أو فنه، ونجح في بناء النقيضين جنباً إلى جنب، حتى أن الحوار لم يخرج عن هذا النهج. ومن المهم الإشارة إلى المشهد الذي أدرك فيه ساليري أن منافسه -الذي لا ينافسه أصلاً- يكتب نوته الموسيقية بدون تصحيح كما يفعل جل الموسيقيين في عملهم، تعابيره التي دلت على غرقه في بحر غيرته لا عودة منها! وصفه إياه بأنه يتلقى “وحياً ما” يجعله يسطر النوتة كاملة بدون تصحيح أو مراجعة، هو اعتراف ضمني مهزوم، يبين حجم الغيرة الحارقة التي نهشت من روح سالييري الكثير، وأظهرته بشكل الشر المطلق تجاه غريمه الذي يتعاطف معه المتلقي ويحب شخصية موتسارت؛ بكل عفويتها، وفجاجتها المفتقرة إلى اللباقة الاجتماعية، والبذاءة في السلوك مع العامة، دون أن يستطيع نفس المتلقي كره سالييري، الذي افتقد كثيراً من سمو الفنان، ورجع إلى كينونته كإنسان طبيعي؛ تغلبه نفسه إلى ما تدعو الأخلاق إلى تهذيبه.
وما يثير الانتباه والتنبُّه أيضاً في فكرة بيتر شافر -نصاً أو عرضاً- أنه عرَّى صفة بشرية موجودة مختبئة، ذلك أن الشبه بيننا وبين سالييري في هذا الجانب متفاوت؛ كل تصرفاته كانت من منطلق ألا يفقد مكانته، ويحافظ على توهجه، ونحن نفعل مثله بطريقة أو بأخرى؛ ننتقد أي جديد يطرأ ويفاجئنا إن حظي بقبول ما، بينما يتطلب الإيمان بالنفس مجهوداً مضاعفاً في تمييز قدراتنا، وأشواطاً كثيرة من التدريب، والمعرفة، والتسلح، حتى الوصول إلى قناعة “امتلاك الموهبة”، ستبدو واضحة وقابلة للنمو والتطور، تشاغل صاحبها في الصحو والنوم، وتملأ أوقاته حول المضي قدماً لتحقيق تقدم ما، أو ستقضي عليه، حتى لو انتصر ظاهرياً، ستهزمه جثة متورمة ماتت في يوم بائس، بجنازة لم يمشِ فيها إلا خمسة أشخاص، لكنها خلفت كنزاً إبداعيا للبشرية جمعاء.

المصادر:
1. AMADUES, A Play by patter Shaffer
2. مسرحية AMADUES ، بيتر شافر، https://www.youtube.com/watch?v=nepWR0SUrPU
3. فيلم AMADUES https://www.youtube.com/watch?v=HL_AS2PKtlw
• عبارة مقتبسة ومتخيلة من انطونيو سالييري لولفجانج أماديوس موتسارت.

كلام الصور بالترتيب:
1. Tom Hulci في دور موتسارت بفيلم Amadues
2. Murray Abraham في دور انطونيو سالييري بنفس الفيلم
3. انطونيو ساليري
4. ولفجانج أماديوس موتسارت