المنشور

البحرين بلا سلمان؟!

هكذا بهدوء، وبسلام تام رحل أبوسلام، ذلك الإنسان الذي كان يحمل همومنا أكثر منا نحن أنفسنا، بعد أن حمل في قلبه وعقله ووجدانه هموم وطنه البحرين ووطنه الآخر فلسطين، إلى جانب مكان مشرق من نفسه وضع فيه حب الكويت، التي كان من عشاقها، وكان يبتهج إذا زارها ويراها موطن ميلاده الفني ومستودعاً لأفضل ما عاشه من أيام حياته، بل إنه كان أول من اتصل بي وأنا في أميركا عندما احتُلت الكويت، وفي أول لقاء لي به بعد المشاركة في مؤتمر جدة طلب مني قصيدة مسفر الدوسري (شفاه الله) “أمي قالت” ليلحنها ويغنيها للكويت مع “أجراسه” .
لم أره أو أسمعه يوماً يشكو همه الشخصي، اللهم إن كان ناجماً عن فقدان عزيز أو رحيل حبيب، لذا عندما رقد في المستشفى منذ شهر مارس، أخفى عن أحبته هذا النبأ، إشفاقاً عليهم من مشقة التفكير في حالته وهم غير قادرين على زيارته بسبب الأوضاع وإغلاق المطارات وتوقف السفر، غير أنني بطبيعة فضول المحب وأسئلتي عن صحته نصبت له شباكاً محكمة لم يجد معها مفراً من أن يبوح بحالته، لكنه أصر على أن يبقى الأمر بيننا وثالثتنا رفيقة دربه وحبيبته أم سلام، حتى في تلك الحالة المتقدمة من آلام المرض، كان تفكيره في محبيه أكثر من نفسه.
رحل أبوسلام دون حتى أن نتمكن من التعزية فيه أو تقبل العزاء به، وهو الذي لم يترك مناسبة سعيدة أو حزينة لدى أحد من أحبائه، وما أكثرهم، إلا سبق إليه ليتواصل ويساعد ويؤازر ويشارك… رحل أبوسلام تاركاً كنزاً من أجمل الذكريات وتاريخاً من العطاء، وقبلهما فراغاً كبيراً لن يملأه أحد بعده.
قبل انتشار الوباء، التقيته، ذات مناسبة حزينة، بعد فقدنا صديقنا وأخانا سيد علي، فقلت له حينئذ: كيف سأزور البحرين مرة أخرى وأنا أعلم أني لن أرى سيد؟! فرد على الفور: وكيف لي أنا أن أعيش في البحرين، وبيني وبين بيت الفقيد مجرد أمتار قليلة وهذه أعماله الفنية وصوره التي أبدع التقاطها، تحاصرني في كل مكان؟! والآن يا أبا سلام بعدما لحقت بصديقنا، ها أنا أكرر عليك السؤال بعدما زادت صعوبته صعوبةً، ومرارته مرارة وغصة: كيف لي أن أرى البحرين بعدما فقدتكما أنتما الاثنين؟
بغيابك يا صاحبي وأخي ورفيقي، غابت أضخم طاقة إيجابية حملتها الأرض، فقد كان مجرد مرور طيفك على خاطرنا أو حتى الحديث إليك يشحن روح محبيك بكل معاني السعادة والاطمئنان والرضا، كيف كنت قادراً على بث مثل هذا السرور في كل مكان ترتاده أو بعثه في كل شخص يراك… آه ما أطيب الحديث عنك، وما أمر رحيلك وأقساه!
منذ التقينا في “ربوع الكويت” في بداية ثمانينيات القرن الماضي، لم تفترق أرواحنا وأسرتانا ودائرة أصحابنا وأحبابنا التي كانت تتسع مع كل لقاء جديد، يشهد ما يشهده من الحب والمرح والثقافة والحديث والمناقشة وطرح الآراء المتعارضة والمتساندة والإنسانيات وهموم الحياة وتخوفاتها.
سلمان زيمان أكبر من أن تعدد مآثره في مقالة ضئيلة الحجم قليلة الأسطر، فقد كان قامة عظيمة إنسانياً وفنياً، ومهما قلت ففي القلب شيء لا تترجمه الأحرف، وليس لنا في هذا المقام إلا أن نعزي أنفسنا وأسرته ومحبيه في غيابه جسداً، لا روحاً، إذ سيبقى ماثلاً في ذاكرتنا، حاضراً في قلوبنا ومناسباتنا بأجمل “ذكريات” تقاسمناها معاً.
وختاماً، أقول لأختي الغالية أم سلام ولأبناء أخي: سلام وأيمن ودعيج، والأحفاد ولجميع أشقائه وشقيقاته وإخوته ولآل زيمان جميعاً: بوسلام باق بوجودكم، فقد عشتم في كنفه ونهلتم من صفاته الطيبة، وأنتم استمرار لذكراه وتاريخه وعطائه… ولروحه السلام وليس لنا سوى الصبر.