المنشور

موسم الهجرة من البحرين إلى الخارج

طلبت مني ابنتي، كما توقعتْ، كتابًا لرحلة الغربة إلى بريطانيا، لتسليتها في الطائرة وهي الشغوفة بالقراءة والبحث، فما كان مني إلا أن انتقيت لها كتاباً بالمناسبة هو رواية (موسم الهجرة إلى الشمال) للروائي السوداني الطيب صالح، التي تصبّ في نفس الاتجاه، أي نحو بريطانيا العظمى، التي احتلت دولنا العربية ومنها بلادنا البحرين، وأصبحت امبراطورية تدير الشرق والغرب، ولا تغرب عنها الشمس إلا تحت تأثير نضال شعوب المستعمرات للإنعتاق من ربقة الاستعمار مما أجبرها على الرحيل لتغيب شمسها، وتغرب عن مستعمراتها مضطرة وتركت لنا إرثاً نتجرع مرارته حتى يومنا هذا.

ابنتي ندى حصلت مؤخراً على عقد عمل كطبيبة في مستشفى شيفيلد بانجلترا، لتلتحق بركب الأطباء الذين قدّموا إمتحانات أهلّتهم للقبول في مستشفيات إنجلترا بعد جهد جهيد، ليتم قبولها للعمل في ذلك المستشفى، وهي ليست الوحيدة بالمناسبة، فكثير من الأطباء البحرينيين غادروا قبلها.

قبولها للعمل هناك خلق لدينا، نحن عائلتها، فرحة عارمة، وفي نفس الوقت غصة في النفوس بابتعادها عنا وعن خدمة بلدها، ولكن طالما أن البلد لا يقدّر الكفاءات التي صرف عليها الغالي والنفيس لتؤدي واجبها في خدمته، إضطرها ذلك إلى الخيار الأصعب ألا وهو الهجرة، فواحسرتاه على بلد يلفظ أبناؤه، ويتركهم لقمة سائغة تتلقفها الدول الأخرى لتستفيد منها رغم ما صُرف على هذه الكوادر من قبل الدولة ليصبحوا مؤهلين للعمل في المرافق المختلفة، فأية سياسة هذه وفِي أي خانة يمكن أن نضع ذلك!

إنه العقوق من قبل الدولة، التي يفترض فيه احتواء مواطنيها المتميزين، والحفاظ عليهم لا تركهم يتجرعون الغربة، وهم الذين بإمكانهم أن يقدّموا الغالي والنفيس في خدمة بلدهم، ولكن ماذا عسانا نقول تجاه مثل هذه السياسات التي تحبذ الأجنبي وتكرّمه، وتقدم له التسهيلات على حساب مواطنيها. إنها نكبة بلد!

ندى زهرة تفتحت وأينعت، فمنذ صغرها كانت ذات شخصية جادة، مهتمة اهتماما تاماً بالدراسة والتحصيل العلمي كأختيها سمر وزينة، وبالجد والاجتهاد والصبر والجلد فاقت المتوفقين، وصبرت وصابرت وعملت المستحيل، ولم تترك للقدر أن يتحكم بها كما تحكّم في كثيرين غيرها من المتفوقين في هذا البلد، بل عملت ومن خلال تخصصها على تطوير مهاراتها العلمية فسافرت في سبيل ذلك الى صربيا ونيوزلندا وإيرلندا والولايات المتحدة، واجتازات دورات وقدّمت إمتحانات، وأخيراً أتتها الفرصة للعمل والدراسة في المملكة المتحدة، وآن الأوان لأن تؤتى ثمار التحصيل العلمي والبدء في حياة جديدة ومتجددة ملؤها العمل الجاد لتصبح في أعلى المراتب، ونحن واثقون من ذلك شأنها شأن البحرينيين المغتربين.

فحسن الاستعداد لبعض الأمور يستغرق ردحاً من الوقت، وقد حان أوان العمل المضني في سبيل تحقيق الأحلام، وليس على ندى كما عرفناها بمستحيل. فهي شأن الكثيرين غيرها من الأطباء الذين تركوا وطنهم ولجأوا إلى الخارج للعمل، بينما الدولة تستقدم الأجانب وتركن مواطنيها يعانون البطالة والإحساس بالغبن واليأس بعد كل هذه السنين من التحصيل العلمي، فكم من عاطل من الأطباء المتخرجين، وكم من الأجانب المستقدمين، معادلة تستوجب المراجعة على أقل تقدير، فأي بلدٍ يقوى بسواعد أبنائه، وهذا ما نفتقده مما يشكل معادلة مختلة لا تليق بدولة تحتاج لهذه السواعد لتكبر بمواطنيها.

فهل هكذا يكرّم المواطن المتميز؟ وهل لهذه السياسة أفق لديمومة الاقتصاد وتطور المجتمع وسلامة الحياة الاجتماعية، وإبعادها عن شبح الصراعات الحادة؟ سؤال نترك الإجابة عليه إلى المسؤولين عن هذه السياسات، التي يمكن أن تؤدي إلي خضات إجتماعية لا تحمد عقباها، ولا نريدها لوطننا.

ينبغي على المرء، طبعاً، أن يجيد الانتظار شريطة ألا يفوٌت الفرصة كما يقول أمبرتو إيكو في روايته الشيقة “باودولينو”، وهاهي الفرصة قد أزِفت لابنتنا آملين لها ولكل المغتربين اضطراراً التفوق والنجاح في دراساتهم وأعمالهم ليقدموا المفيد للبشرية جمعاء ولا عزاء للبحرين في هجرة عقولها المبدعة لبلدان أخرى، فنحن في موسم الهجرة من البحرين لا إليها للأسف بسبب السياسات الطاردة للمواطنيين المتفوقين، مجبرة إياهم على الرحيل، والبلد في أمس الحاجة إليهم في هذه الظروف بالذات.