المنشور

الموت وما بعد يحاصران العالم الفلسفة مشروع لا يمكن أن يكتمل (1)

الفلسفة الكبيرة لاتموت، والفيلسوف الكبير لا يموت، فهناك شيء يبقى خالداً في كل فلسفة كبيرة، لأن الفلسفة ليست علماً، بل طريقة معينة لطرح المشكلات وللتفكير، والفيلسوف لا يكون فيلسوفاً إذا لم تجد في قوله قولاً تتوجه به إلى البشرية جمعاء، إلى كل إنسان بما هو إنسان. ومن العبث أن نجعل للفيلسوف انتماءً ضيقاً، فشرف الفلسفة يأبى أن نزجّها في الطرق الضيقة – الفلسفة ليست خبريات ما تلبث أن تفقد أهميتها بعد حين، هي طريقة معينة في تناول المشكلات التي يطرحها العقل البشري وفي إعادة طرحها، إنها طريقة مختلفة في التفكير، وعندما تتغير طريقتنا في التفكير يتغير معها كل شيء، إذ لا نعود نرى الأشياء كما كنا نراها من قبل، الفيلسوف ليس علامة، بل مبتكر طريقة جديدة، ولكل فيلسوف طريقة في التفكير.
في كتاب (الفرق والتكرار) يقول دولوز: “إن تاريخ الفلسفة هو إعادة انتاج للفلسفة ذاتها”، وفي كتاب (جيل دولوز وتجديد الفلسفة) نقرأ مايلي: “تتضمن كل قراءة للفلاسفة قدراً كبيراً من الخيانة. وهي تتم من خلال وجهة نظر معينة، ويسعى دولوز من وراء هذه القراءة إلى توليد مولود جديد من ظهر الفيلسوف يشبهه لكن يختلف عنه. إنه أقرب إلى المسخ منه إلى مولود طبيعي وهذا ضروري لنتمكن من إدماج أفاهيمه في القول الفلسفي المعاصر.”
فالفلسفة في صيرورة دائمة “لا يؤمن دولوز بهويات ثابتة للأشياء ولا للفلاسفة. ولا يعتقد ان هم البحث عن الحقيقة هو ما يميز الفلسفة، لأن الفلسفة لا تعني بالصواب والخطأ، بل بالافت والبارز والهام من هنا عمد إلى البحث عما هو لافت وبارز وهام”.
يقول: “ينبغي أن لا نبحث عمّا إذا كانت فكرةً ما صائبة أم خاطئة بل ينبغي أن نبحث عن فكرة أخرى مغايرة لمكان أخر، في مجال أخر، بحيث أن شيئاً ما يمر بين الاثنين، لا يكون في الأولى ولا في الأخرى”.
فمفاهيم دولوز تتكرر في غالبيتها من كتاب لأخر، لكنها بصورة مختلفة في كل مرة، تبعاً للمسائل التي تعالجها، وتبعاً للأفق المتحرك الذي تنشأ فيه: “أصنع أفاهيمي وأعيد صنعها، وأمكنها انطلاقاً من أفق المتحرك، من مركز منزاح دائماً، من محيط متنقل دائماً، يكررها ويفرقها”.

الفلسفة مشروع لا يمكن أن يكتمل أبداً.
يقول دولوز: في كتاب “منطق المعنى”: “أحاول أن أقول كيف ينتظم الفكر وفقاً لمحاور واتجاهات متشابهة: مثالاً الأفلاطونية والارتفاع اللذان سيوجهان الصورة التقليدية للفلسفة، فلاسفة ماقبل سقراط والعمق… الرواقيون ومنهم الجديد للسّطوح… بحسب الاتجاهات، لا نتكلم بالطريقة ذاتها، ولا نلقي المواد ذاتها: في الواقع، هذا ايضاً قضية لغة وأسلوب”.
“المطلوب اذاً مسح الأرض بدلاً من النزول إلى أعماقها أو الصعود إلى السماء، فالأعمق هو الجلد، فالأعمق هو السطح وليس العمق. الحقيقة ليست في الأعماق ولا في السماء. انها على الأرض وتحديداً على سطحها”.
وهذا مايجده دولوز عند رواقيين، إذ يقول: “إنه الاكتشاف الرواقي العظيم الموجه ضد فلاسفة ماقبل سقراط وضد افلاطون في نفس الوقت: واستقلال السطح، بشكل مستقل عن الارتفاع والعمق، ضد الارتفاع والعمق، اكتشاف الاحداث اللاجسمانية، المعنى أو الآثار، التي لا تختزل إلى الاجسام العميقة كما إلى الأماثيل العالية، كل ما يحصل، وكل ما يقال، يحصل ويقال على السطح”.
كل أنواع الأفاهيم الفلسفية والشخصيات الأفهومية، فالأفاهيم الفلسفية هي أولاً موقعة وتبقى كذلك، جوهر ارسطو، كوجيتو ديكارت، منادة لايبنتس، شرط كانط، قوة شيلنغ، ديمومة برغسون. كل ابداع فريد، والأفهوم بوصفه ابداعاً فلسفياً خاصاً هو فرادة دائماً.
فالمبدأ الأول للفلسفة هو أن الكليات لا تشرح شيئاً، وعليها نفسها أن تشرح.
الفيلسوف يهتم بالمسألة الفلسفية أكثر مما يهتم بالإجابة عن الأسئلة، يهتم بالطريقة أكثر مما يهتم بالنتيجة، يهتم بالمنهج أكثر مما يهتم بما يؤدي إلى المنهج، الفلسفة لا تزودنا بقناعات جديدة، بل تسألنا عن الطريقة التي بها كوّنا قناعاتنا، انها طريقة معينة في التفكير حيث يعمد الفيلسوف إلى إعادة تقطيع الأشياء بطريقة مختلفة، غير مألوفة مما يؤدي إلى تغيير نظرتنا إلى الأمور.
فديكارت اكتشف حقل الذاتية في الفلسفة وكانط اكتشف حقلاً جديداً في الفلسفة هو حقل شروط الإمكان. ابتداع مشكلة جديدة في الفلسفة: تخلق فضاءً فكرياً جديداً وتسمح بإمكان القول وتجدده، ديكارت طرح المشكلة التالية: كيف يمكن لما هو ذاتي أن يقوّم ما هو موضوعي؟، أي كيف لي أن أصل إلى اليقين انطلاقاً مما أجده في داخلي من نور طبيعي؟
وهذه المشكلة الفلسفية الجديدة خلقت مناخاً فكرياً وفضاءً فلسفياً جديداً، يختلف عن ما كان موجوداً في القرون الوسطى حيث كانت تسود مشكلة العلاقة ين العقل والنقل، فالكوجيتو الديكارتي أو (الأنا افكر) الأفهوم الرئيسي في فلسفة ديكارت.
والشخصية الأفهومية هي الشخصية الحقيقية في الفلسفة، شخصية الأبله في فلسفة ديكارت وشخصية سقراط في فلسفة أفلاطون وشخصية زرادشت في فلسفة نيتشه. فكل فلسفة تجيب بطريقتها الخاصة والمختلفة عن السؤال التالي: ما معنى أن نفكر اليوم؟
ما التفكير؟ وهذا السؤال له علاقة بالصورة التي يقدّمها عن نفسه أي صورة الفكر؟ وهناك مرتبة أخيرة يسميها دولوز (الذوق الفلسفي) ومهمتها التوفيق بين مختلف المراتب والعناصرالأخرى.
فالفلسفة هي أن نفكر بطريقة مختلفة، أي أن نطرح طريقة مختلفة وجديدة في التفكير.
وفي رأي الكثيرين أن الفلسفة ختمت مع هيغل، خاتم الفلاسفة. والفلاسفة من بعده لن يكونوا إلا بمثابة رسل، لا جديد لديهم سوى اضاءة أو شرح بعض الجوانب الغامضة في فلسفة هيغل، لكن مع البقاء ضمن العباءة أو المظلّة الهيغلية.
مؤدى المذهب الهيغلي هو أن الكون كله، بجميع من فيه وما فيه، ما هو إلا تعبير عن “روح” مطلق لا تحده حدوده، ولا تقيده قيود، مظاهر العالم التي ندركها بحواسنا، فلئن كان العالم المحسوس متطوراً في مراحل أدى إلى مراحل أعلى، فما ذلك إلا تطور في كشف “الروح المطلق” عن نفسه كشفاً متدرجاً، كأنما هو الشريط المنطوي يبسط نفسه بسطاً ليبدو منه ما قد كان مخفياً، وليس الكون على هذا المذهب بمختلف عن الكائن العضوي ذي رغبات وأهداف. ومعنى ذلك بعبارة واضحة هو أن هذه الأفراد والمفردات التي تصادفها من حولك لا تزيد على وسائل تختم الكل في تحقيقه لأغراضه.
فإذا جعل (عمانوئيل كانط) العالم شطرين، أحدهما حقيقي خارجي، لا نعرفه لأنه لا ينساق في أجهزتنا العقلية والآخر ظاهري، أي أنه الظواهر التي تلتقطها حواسنا بحكم استعداداتها الإدراكية، ثم تحيلها إلى مقولات العقل ينسجها مفهومات وقضايا، فإذا كان العالم الطبيعي الذي هو مجال الفكر العملي خلقناه لأنفسنا بعقولنا، أو بناه وصممه العقل الإنساني، فإن هذا العالم الطبيعي الذي اسلس للعقل قياده، ليس هو الحق، بل بقي من حقيقته جانب فوق متناول الانسان إذا اقتصر الانسان على عقله النظري.
جاء (هيغل) ليتمم هذه العملية – عملية تعقيل الطبيعة إلى الشوط الأخير، فإن مهمة الفلسفة هي أن تجعل العالم معقولاً بمعنى أنها تجري مجرى القوانين العقلية، لأن العالم والذات العاقلة التي تدركه حقيقة واحدة متناغمة ولكنه يختلف عن مقولة عمانوئيل كانط في رفضه أن يفرق بين الحقيقي والظاهري، بأن يقول كما قال كانط إن الأشياء في ذواتها ممتنعة عن ادراكنا، وإننا لا ندرك بالحواس والعقل إلا ظواهرها، يرفض هيغل هذه التثنية التي تجعل المعرفة العقلية مقتصرة على وجه من الكون دون وجه، قائلاً:
إن الكون كله معقول، لا فرق فيه بين باطن وظاهر، بل أن العالم الواقعي والفكر العقلي المنطقي اسمان على مدلولٍ واحد، فالواقعية هي فكرتها، والفكرة هي واقعها، كل ما هنالك من فرق هو ان الجانب الواقعي بمثابة التعبير الذي يفصح عن فكرته العقلية.
يقول كانط: “نحن نملك إذاً ثلاث مفاهيم بوسعنا وفقها أن نعتبر شؤون البشر، لنا النوع البشري وتقدّمه، ولنا الانسان بوصفه كائناً أخلاقياً… ولنا البشر في صيغة الجمع… هذا التمييز بين هذه المفاهيم الثلاث هو شرط أولي وضروري لفهم فلسفة كانط أن النوع البشري أو الانساني هو موضوع القسم الثاني من نقد ملكة الحكم… أما الإنسان فهو موضوع نقد العقل المحض ونقد العقل العملي.. أما البشر في صيغة الجمع وهو اكتشاف خاص بملكة الحكم الاستطيقي”.
إذاً هناك أهمية لدائرة الاستطيقا بوصفها ميداناً خاصاً في جميع البشر في تعددهم واختلاف انظمة تدبير الذائقة الجمالية بميزان معاً الجميل بما هو حقل شرعي يختص جميع البشر. والجميل خاص بالبشر باعتبارهم جمعاً، اما ميدان الجميل هو الميدان الوحيد لولادة الحرية، بوصفها تنبثق مباشرة من ما يسميه كانط اللذة بلا منفعة)
هذه العبارة سببت الاستياء والغضب لدى فلاسفة ومفكرين أمثال نيتشه وهيدغر وادورنو ودريدا. ولا يكون بوسعنا اذاً أن نشترك في الإنسانية المأمولة إلا متى صرنا أحراراً، أي مستقلين عن أشكال الوصايا التي تعاني منها شعوب العالم.
الجميل الكانطي كفيل بالوعد بمشترك الحرية ضد رعاية القصور الناتج عن الجبن والهواء والهوية والهاوية في كل أشكالها. وحكم التفكر منذ الفقرة الأولى لكتاب نقد ملكة الحكم تتعرف على قرار كانط الحاسم والذي يتعلق بضرورة الخروج من [أنا أعرف إلى أنا أتفكر] أي من الحقيقة إلى الذوق ومن العقل الخالص إلى الشعور.
يقول كانط: (اننا من أجل أن نميز الشيء ان كان جميلاً أو غير جميل فإننا لا نعيد تمثل الشيء إلى الذهن من أجل المعرفة، بل اننا نعيده بالمخيلة إلى الذات وإلى الشعور باللذة أو الألم الخاصين بها. ليس حكم الذوق إذاً حكم معرفة أي هو حكم منطقي انما هو استطيقي، أي هو حكم ليس بوسع مبدأه المعين ان يكون شيئاً سوى مبدأ ذاتي)
وهنا يذهب كانط نحو ميدان استطيقيا الذوق بوصفها تقوم على نوع خاص من الأحكام لا ينتجها العقل النظري بل تنتجها المخيلة. والتفكر هي ملكة تأمل حر، لانفعي ولا مفهومي ولا غائي، ولا هو نظري ولا هو بالعملي، إنما ضرب من اليوطوبيا التي تسمح للشعور بأن يتدفق على نحو حيوي طليق تحت راية مايسميه كانط (شعوراً حيوياً) ولذلك فإن كتاب نقد ملكة الحكم يخلوا تماماً من استخدام الحقيقة كما ترى (حنة ارندت).
يقول كانط: في نقد ملكة الحكم (إن حكم الذوق لا يمكنه أن يكون أنانياً، لكن ينبغي أن يكون ضرورة ذا قيمة تعددية)، وفي آخر كتبه (الأنثروبولوجيا) الصادر في 1798 اعتبرالتعددية المبدأ الأساسي للإلتقاء من الأشكال الثلاثة للأنانية، أي الأنانية المنطقية والأخلاقية والأستطيقية، من أجل ادراك مقام المواطنة في العالم.
يقول كانط: (ليس بوسعنا أن نواجه الأنانية إلا بالتعددية، أي بطريقة التفكير التي نسلك وفقها لا بوصفنا أوصياء على العالم برمته في أنفسنا، وإنما بوصفنا مجرد مواطنين في العالم) وهذا يجعل كانط يغير من أسماء الإنسان داخل (نقد ملكة الحكم الاستطيقي) مرات عديدة من الإنسان والأنا والذات إلى (نحن) و(كل امرئ) و(أيٍ كان) أو (الآخر) و(الغير) و (كل أخر) و (الآخرين) و(الجميع)
كيف يمكن توفر الجميل على امكانيات الشعور بلذة كونية بالامفهوم وبلاموضوع في شعور شخصي محض!
لقد حاول فلاسفة كثر الخروج من السستام الهيغلي من أمثال (فويرباخ) الذي كان معاصراً لهيغل ومن جملة الوسطاء بين هيغل وماركس، وقد ألفّ كتاباً مهماً جداً تحت عنوان (جوهر المسيحية) كان له تأثير بالغ على المفكرين في ذلك الوقت.
وقد ذكر ماركس وإنجلز: (إننا كنا جميعاً من أتباع فويرباخ لمدة من الزمان، وطبعاً فإن ماركس بعد ذلك تجاوز مدرسة فويرباخ ولم يقبل بتحليله عن الدين المسيحي، وذهب إلى أن تحليل فويرباخ للمسيحية هو تحليل مفهومي وعلم نفسي، في حين أننا نحتاج إلى تحليل اقتصادي واجتماعي، فلا يكفي أن نظهر المسيحية بأنها وهمية أو خرافية، بل يجب البحث عن السبب في هذه الخرافة ولماذا توغلت إلى أذهان الناس وامتدت إلى وعيه، ولماذا نرى كل هؤلاء الأتباع المؤمنين والمتعصبين لهذه العقائد الخرافية، ومن هنا فإن ماركس في مقام نقد أفكار فويرباخ طرح احدى عشرة مقولة عرفت فيما بعد بمقولات فويرباخ، وتبين جوهر الأفكار التي طرحها ماركس حول الدين، والمجتمع ومعيشة الإنسان وبعض هذه المقولات تتحدث عن الفوارق بين العالم القديم والحديث.
يتحدث ماركس في الموضوع عن أن الفلاسفة قاموا حتى الآن بتفسير العالم، ولكنهم لم يتحدثوا عن تغييره. وهكذا يميز ماركس بين مقولتين: مقولة التفسير ومقولة التغيير، وقال: إن المفكرين القدماء وعلى الخصوص هيغل الذي وسع من الفلسفة الميتافيزيقية بشكل كبير، كانوا يهتمون بتفسير نظام العالم، فكانوا يريدون إزاحة الستار عن ضرورات الأمور، ويكشفون عن البنى التحتية والمواد الأولية التي بنى منها العالم والإنسان والتاريخ، فكانوا يؤكدون العناصر الضرورية في العالم والتاريخ، أو العناصر الثابتة وغير المتغيرة، لأنه لا يمكن تفسير نظام العالم بالعناصر الأمكان والعرضية، ويقول ماركس: إن منهج هؤلاء الفلاسفة والمفكرين في العالم القديم وإلى الآن كان بهذه الصورة، أي تفسير العالم، لكن المهم هو الحديث عن تغيير العالم، بمعنى أن الانسان منذ هذا الوقت فصاعداً بدأ يفكر بنمطٍ جديد وإرادة جديدة ناظراً إلى التغيير، فالإنسان من الآن فصاعداً يريد تغيير العالم بيده.
إن المفكرين والفلاسفة في الماضي كانوا متفرجين على نظام العالم والتاريخ، ولكننا نريد مفكرين ينزلون إلى ساحة الملعب ويشاركون في اللعبة، فنحن كما ردد ماركس: (لم نأت لنتفرج على مسرحية الوجود، بل جئنا لنشارك في هذه المسرحية ونلعب دوراً فيها، ولذلك فإن عصر التفسير قد ولى وجاء عصر التغيير، فالانسان الحديث غير قنوع) بل يقول: (مَن قال إن هذا العالم هو أفضل مايكون وأن نظامه هو أفضل نظام؟ فلعل هناك نظاماً أفضل من هذا النظام وعلينا السعي لتحقيقه على أرض الواقع.)
إذاً الفلسفة الماركسية هي فلسفة التغيير وليست التفسير والتحليل.
رأى ماركس أن المجتمعات كلها ماعدا الشيوعية تمرّ بصراع طبقي. إن التملك الخاص هو ديدن هذه المجتمعات، وبالتالي حاول المُلاك وأصحاب العمل ان يسيطروا على المجتمع وأن يرفدوا بأفكار وهمية تبريرية غايتهم منها أن تبقيهم في مكانتهم، فنشأت الأيديولوجيات كمبرر لهم، وأدى ذلك إلى أن يكون هناك اغتراب في المجتمع، وليس على الصعيد الاقتصادي فحسب بل على الصعيد السياسي والفكري، لاسيما الديني الذي أعطى قدسية كبيرة للمجتمع فضلاً عن أنه كان المموّل الرئيسي للطبقات المسيطرة.
وفي افتتاحية البيان الشيوعي يقول ماركس: (إن تاريخ المجتمعات كلها حتى يومنا هذا لهو تاريخ الصراع الطبقي، ذلك أن الحر والعبد، النبيل والعامي، السيد والخادم، المعلم والصانع، فإن المستغلين والمستغلين كانوا دائماً في مواجهة محتدمة تنتظم بصراع غير منقطع). وتاريخ المجتمع يتطور ويتحول من مرحلة إلى أخرى ويحكمها الصراع بين مالك الإنتاج، القوة المسيطرة، وبين العمال أو العبيد غير المسيطرين على الإنتاج، إذ يرى أن المجتمع مايحويه من نظم ومؤسسات لايمكن فهمه فهماً حقيقياً دون دراسة مادية تاريخية.
والأفكار الرئيسية لتطور المجتمع هي:
1- العامل المحدد للتطور التاريخي
2- العلاقة الجدلية بين قوة الانتاج وعلاقات الانتاج
3- نظرية القاعدة والهرم
4- نظرية (التركيبات الاجتماعية الاقتصادية الخمسة)
والحياة هي التي تحدد الوعي، وليس الوعي هو الذي يحدد الحياة.
والأهم في عمل ماركس ليس أنه وضع مخططاً عاماً عن المجتمع، إنما لكونه درس مجتمعاً مشخصاً محدداً بالزمان والمكان، المجتمع البرجوازي الرأسمالي محللاً تناقضاته الواقعية متابعاً تشوءه وازدهاره كاشفاً إليه سيره وعوامل سقوطه، وهذا المجتمع الذي ولد بعد المجتمع الزراعي لم ينهِ الفوارق الطبقية، بل زادت وكثرت مع ازدياد المصالح والمصانع والسوق التي توزع بها البضائع، وهذا الحال قد أدى إلى شرخ أكبر في المجتمع، فكبرت الفجوة بين المجتمع وازدادت الطبقية التي حافظت على وجودها الدولة وأصحاب رؤوس الأموال.
وكل المجتمعات تمر بصراع طبقي ماعدا الشيوعية التي لايكون فيها اغتصاب لعمل أو احتكار، بل على ماذا يكون الاحتكار إذا كان الانتاج بيد المجتمع كله.
يقول ماركس في مقدمة الأيدولوجية الألمانية”: (اصطنع البشر باستمرار حتى الوقت الحاضر تصورات خاطئة عن انفسهم وعن ماهيتهم وعن ما يجب ان يكونوه، ولقد نظموا علاقاتهم وفقاً لأفكارهم عن الله، والانسان العادي ولقد كبرت منتجات عقولهم هذه حتى هيمنت عليهم، فإذا هم الخالقون ينحنون أمام مخلوقاتهم، ألا فلنحررهم إذاً من الأوهام والأفكار والعقائد والكائنات الخيالية التي يرزحون تحت نيرها، ألا فلنتمرد على حكم هذه الأفكار).
لقد جاءت الثورة الروسية، في أكثر البلدان الرأسمالية تأخراً، أي لبلد لا يصلح للتطور مابعد الرأسمالي، بالمعنى الماركسي للكلمة، التي شهدت لتوها نمو أولي لنبتات الرأسمالية الصناعية الحديثة، على شكل جزر في المدن الكبرى الرئيسية كموسكو وسانت بطرسبرغ، ومدراء المصانع يستوردون من انجلترا، ويعملون في ظروف لم يتبلور فيها بعد حتى انضباط العمل المصنعي المعروف، ولم تمدّ الرأسمالية فيها بعد تأثيرها التنظيمي، الانتاج لأجل السوق، عقلنة الانتاج، الحساب الاقتصادي، انضباط العمل، إعادة الانتاج الموسع أو تأثيرها المؤسساتي، اتحادات الصناعيين، نقابات العمال المؤسسات القانونية لحماية الملكية الخاصة المستقلة من الدولة أو تأثيرها الثقافي، فكرة الفرد المستقل، التعاقد الحر، حرية السوق. (يتبع).