المنشور

المدينة الشفافة

عثرتُ على الكتابِ بالصدفة، صدفةٌ خالصةٌ بينما أرتبُ كومةَ نشراتٍ إعلانيةٍ وأوراقاً متفرقة، ولا أدري لأي سببٍ أخذتُه ولم يكن الوحيدَ بين تلك الأوراقِ والنشرات، أخذتُهُ رغم أن العنوانَ لم يثرني، بل كان أدعى عندي لتركِه فلا نيةَ لديّ للاستسلامِ مجدداً لأيِّ شيءٍ في ظلِ الخرابِ المتلاحقِ الذي تُصدّرهُ الأحداثُ ومجرياتُ الأمورِ في هذا العالمِ منذُ سنوات.
في اليومِ التالي وبالصدفةِ ذاتِها اخترتُ أن أحملَ الكتابَ معي، رغم أني كنتُ ذاهبةً للتسوقِ على عجالة، لكني منّيتُ نفسي بالمرورِ بالمقهى بعد ذلكّ وتصفُّحِهِ على سبيلِ التغييرِ فلستُ ممن يرتادون المقاهيَ بغرضِ القراءةِ غالباً ، ولا أنكرُ أن الصدفةَ هنا كانت جزئيةً فحجمُ الكتابِ وخفتُهُ جعلتني أفضّلهُ على كتابين آخرين.
قبلَ التسوقِ وقبل المقهى، في السيارةِ تصفحتُ الكتاب، قرأتُ السطورَ الأولى من الروايةِ، أحببتُها، بدأتُ بامتداحِها لأختي، ولصديقتي من بعدها، بعد أيام امتدحتُها لصديقٍ آخرَ كان قد استعار مني كتاباً.
المحصلةُ أني صرتُ امتدحُ الروايةَ التي لم أقرأ، امتدحُها لأيامٍ وأيامٍ بحماسٍ هائلٍ كنتُ قد فقدتُه في حديثي عن أيِّ شيءٍ يجذبُني. (استسلام) قرأتُ الروايةَ أخيراً، أعني بدأتُ القراءةَ، سطراً تلو سطرٍ، صفحةً تلو صفحة، ذكّرتني بمزرعةِ الحيوانِ لجورج أورول، بالكونترباص لزوسكيند ، بالسكير لزولا، تلك الأعمالُ الساحرةُ التي تقول شيئاً لا يمكنُ تجاهلُه بعد القراءة، الشيءُ ذاتُه الذي لم نعد نلتفتُ له عادةً.

استسلمتُ لعبقريةِ النصِ، روايةُ (استسلام) لراي لوريغا، صرتُ أسألُ عن ماهيةِ هذه الروايةِ اللامعقولة.. روايةٌ تقولُ كلَّ شيءٍ، كلُ القضايا مطروحةٌ هنا على صفحاتِها: عن السلطةِ، عن العلاقاتِ، الحربِ، الحُبِ، الجسدِ، الكذبِ، السُكرِ، الخجلِ، الطفولةِ، العملِ، الأهليةِ، الاستحقاقِ، التجسسِ، الدسائسِ، الكتبِ، الأسئلةِ، التمويهِ، الحذرِ، الخوفِ، الرحيلِ، والصمتِ والخداعِ، الطمأنينةِ الساذجةِ، الخطأِ، السعادةِ، المرضِ، الأبوةِ، التجاهلِ.. كلُّ ذلك بسلاسةٍ نادرة.
فنتازيا مدهشةٌ لكشفِ الطريقةِ التي ابتكرها هذا العصرُ لتدجينِ البشر، عبرَ وهمِ الرضا الدائمِ الذي يتبدّى عبرَ حوائطِ المدينةِ الشفافةِ.. المعادلِ الموضوعيِ للحياة المعروضةِ عبر فضاءاتِ وسائلَ التواصلِ الاجتماعيِّ حيث تتم صياغتُك لتكونَ معداً لدورِ محدد، ولعل هذا ما اسماهُ الكاتبُ (التبلورَ) حيث تتمُ صياغتُك فلا يعودُ هناك مجالٌ للتخفي أو الأسئلةِ، لا مجالَ لكيانِك المتفردِ عن الآخرين مثلُ ألّا مجالَ لقلقِك الخاصِ أو غضبِك المباشرِ والمعلنِ الرافضِ لأيِّ شيء،وكأن الخيارَ الوحيدَ المتاحَ لكلِّ فردٍ هو الاعجابُ الساذج بكلِّ ما يُطرح أو الصمت.
مدينةٌ شفافةٌ تحكمُ حياةَ الفردِ بسلطاتٍ لا متناهيةٍ تُخضِعُه في كلِّ شيءٍ، تحددُ له كلَّ الخياراتِ سلفاً حتى لا تعودَ له رغباتٌ خاصةٌ، و طبيعةٌ خاصة.. حيث أنت مجردُ فردٍ ضمن آخرين تمّت بلورتُهم جميعأ كي يكونوا ( بلا رائحة).