المنشور

الظل في الطابق الخامس

ظل الكرسي على أرضيّة الغرفة، ظل الممثلة في شاشة التلفزيون على الجدار، ظل كوب القهوة على الطاولة، الظلال تمتزج مع أبواق السيارات ورائحة البشر وفكرة الزمن و تدخل من نافذة غرفتي في الشقة رقم 1 من الطابق الخامس، كظل واحد له هيئة الظل وروح الحقيقية.
ولو حرّكتُ الكُرسي من مكانه لانتقل ظله للمكان الذي أخذته إليه، ولو غيّرتُ القناة التلفزيونيّة التي تعرض المسلسل لقناة أخرى تعرض برنامجاً عن عالم الحيوان لاختفت الممثلة وظلّها وحلّت محلها مجموعة من الحيوانات، حتى أن ظل كوب القهوة يمكن أن يكون ظلاً لمجموعة كتب لو إني وضعت مجموعة من الكتب على الطاولة بدلاً من كوب القهوة.
قد يبدو الأمر عبثيّاً، مُراقبة الظل وهو يغيّر هيئته من كرسي وأمرأة وكوب قهوة لكرسي وحيوانات ومجموعة من الكتب، قد يبدو الأمر عبثيّا مراقبة الظل وهو يغيّر مكانه من أرضيّة الغرفة للطاولة للجدار؛ فالظل في نهاية الأمر مجرد حدث يحكمه قانون السببيّة، مما يجعل وجوده وجوداً آنياً مرتبطاً بكميّة الضوء وتوفر أسطح معتمة قادرة على صناعته.
غير أن الظل يدهشني، وكل ما يمكن أن نمرّ عليه ونتجاهله يدهشني، كل شيء كوّنا عنه مفهوماً وفق التجربة والمعايشة ثم كدسناه وكومة من الأشياء في مخزن الذاكرة كنوع من المفروغ منه يدهشني. اللحظة الأولى التي التفتُ فيها للظل وأشكاله أكثر أهميّة عندي من اللحظة التي حاولتُ فيها اكساب الظل أشكالاً أخرى غير الأشكال التي ظهر فيها، اللحظة التي كان فيها الظل يتصرّف على هواه – مختبئاً وراء الكرسي والممثلة وكوب القهوة – لحظة إستثنائيّة، تلك اللحظة التي كان فيها الظل حدثاً جدير بالتأمل، حين دخلتُ في حالة من الصمت العميق، أوقفتُ مفاهيمي وفتحت حدقتيّ الحلم على اتساعهما، ودخلتُ في هبوط وصعود مع الظل والهيئات التي اتخذها والأمكنة التي استراح فيها.

هذه النكهة بالغة الأهميّة بالنسبة لي، نكهة نسيان السبب فيما حدث، نكهة النظر للشيء منفصلاً عن أسبابه، هذه النكهة التي توجد مع اللحظة الأولى التي نلتفت فيها للأشياء، اللحظة التي يكون فيها الحدث شعوراً أكثر من كونه حدثاً، اللحظة التي يتغلب فيها الحدث النفساني على الشكل المنطقي.إنها نكهة الحُبّ لامحاولته، نكهة التأمل لامحاولته، نكهة ما يأتينا لاما نستدعيه.
غداً في مثل هذا الوقت وفي الشقة رقم 1 في الطابق الخامس سيكون الظل هو الظل لكنه لن يأخذ شكل كرسي وممثلة وكوب قهوة، وقد يأخذ هذه الأشكال إلا إنه لن يكون ذاته ظل اليوم، لأنه ومنذ لحظات كتابتي عنه ولعبي معه عبر تطويعه ليتخذ أشكالاً جديدة صار كياناً آخر، خرج من حالته الغُفل لحالة أخرى أقل إدهاشاً، حالة دخلتها أفكاري العبثية التي تحاول تفكيك ظل يعبر غرفة.
قد يكون الظل غداً في شقة أخرى من شقق الطابق الخامس وقد يعثر عليه طفل فيلعب معه لعبتي ويمنحه أشكالاً جديدة لم أحاول أن أمنحها إياه، قد يمرّ بجانب رجل يدخن سيجارته فيمتزج الظل بدخانه ويتبدد، وقد يمر بجانب سيدة فتتجاهله كما لو كان حدثاً عابراً، وقد يمرّ بحدقتي مراهقة حالمة فتحاول ملاحقته أو إعطائه معنى جديداً لم يعد يعرفه الكبار الذين توقفت أدمغتهم عند القوانين والأسباب.
أيها الظل أحييك لقد فاجئتني.لم تخبرني حتى أن الصمت تجربة، حين يتلاقى سكون الظاهر وضجيج الباطن. أحييك أيها الظل إلى حين، فمن يدري ربما حين تزورني غداً أكون سيدة أخرى فأحاول إزلتك بمحلول إزالة البقع أو تبديدك بالإنشغال عنك بالمكالمات الهاتفيّة.