المنشور

عن مسافة الأمان في حياتنا

يتردد مصطلح مسافة الأمان كثيرا في حياتنا هذه الأيام، وذلك على خلفية جائحة كورونا، وضرورة التقيّد بالتباعد الجسدي اتقاء لوباء سريع الانتشار. رحم الله امي التي لم تصدق مرض كورونا ولم تقبل به، ولم تعترف بمسافة الأمان الضرورية التي اعتمدناها في التعاطي معها منذ بداية الجائحة، بل كانت ترى الأمان الجسدي والإنساني العاطفي في قربنا منها وفي تحلقنا حولها وفي قبلاتنا واحتضاننا وملامستنا لها، وتجد في هذا التلاحم والتلاصق بلسماً ودواءاً يعين على مواجهة ألم الشيخوخة ومرارة العزلة وقسوة الضجر.
مسافة الأمان الضرورية للسلامة وحماية الناس كانت غائبة في مرفأ بيروت عندما جرى تخزين مواد شديدة الخطورة وقابلة للاشتعال، وتمّ تأجيل البت في أمرها قانونياً وسياسياً وقضائياً حتى انفجرت وأودت إلى كارثة كبرى.
بعد الانفجار طرح التساؤل في كل مكان: كم هو مقدار الأمان الذي يتوفر في منشئآتنا الحيوية والخدمية التي تستخدم الأدوات والأجهزة والمواد الخطرة ؟ وهل نحن محصنون من انفجارات مماثلة ؟
لكن قبل أن نستطرد دعونا نتساءل: ألسنا نتعاطى يوميا مع مسافات الأمان المادية والمعنوية والصحية والسياسية والاجتماعية في حياتنا وعلاقاتنا ومعاملاتنا؟ ألا تتضمن العقود التي نوقع عليها في شؤون معاشنا العديد من مسافات الأمان التي يجدر بنا معرفتها جيداً، إذ عبرها يتحدد دورنا ومسؤوليتنا وحقوقنا، في قبال مسؤولية الآخرين، كي نعرف لاحقاً من نساءل ومن نلوم ومن نقاضي إذا انفجر الجهاز أو تصدعت المؤسسة التجارية أو انفرط عقد الشراكة السياسية ؟
ولعلنا لا نجافي الحقيقة إذا قلنا إن مسافة الأمان السياسية الغائبة في العالم العربي هي التي قادت إلى الاضطرابات والانفجارات السياسية عام 2001 . منح الحكام لأنفسهم كل الأمان وكل وسائل الحماية وباعدوا بينهم وبين شعوبهم التي لم يترك لها أي وسيلة للتنفيس وللحركة والتعبير أو الاحتجاج ضمن مسافة الأمان المعتادة والطبيعية بين الراعي والرعية. في كل المجتمعات الديموقراطية الحرة المتحضرة، تصنف الدول العربية ومنذ سنوات في اسفل قوائم حقوق الانسان والحريات الصحفية والسياسية وحرية الانترنت وحرية التغريد .
على أن هناك مسافات امان أخرى، مرئية وواضحة أحيانا أو متوارية أحيانا أخرى، أو ربما معروفة بداهة أو عرفاً، بيد أنها تبرز عند المحك، وأولها العلاقة مع النفس، ثم مع الآخر، القريب والبعيد، الشريك والزوج، رب العمل، الخادم، الأجير، الطبيب. إن رسم طريق الأمان لا يتأتى دون الوعي والإدراك بكل التزامات المرء وحقوقه في مقابل حقوق الآخر.
وحين نأتمن قائداً أو رئيساً أو شريكاً على مصالحنا وأموالنا ومستقبلنا، فإننا نكتب العقود الموثقة ونحدد مالنا وما علينا ضمن مسافات الأمان التي تحمي حق كل طرف.
وفي العلاقات الزوجية والاجتماعية والتجارية على اختلافها، تنشأ المشكلات حين يفتح أحدهم ثغرة في مساحة الثقة والأمان متوسلا الخديعة والتلاعب، ونحن نقول في امثالنا “أعطيناه الخد فتطاول الشفاه”، “اذا رأيت صديقك حلوا فلا تأكله كله”، وكلها أمثال تشي بانتهاك مساحات الأمان المسموح بها.
ويتعامل الكاتب والصحفي بوصفه ضمير الأمة كل يوم مع مسافة الأمان هذه للإبقاء على راسه حراً وقلمه مستقلا ً.
وليس هناك أوضح من تلك المسافة المرورية الآمنة التي نعرفها جميعا ونحن نقود سياراتنا، وحيث تشير علامات الطريق إلى الحدود والضوابط، وتقع أغلب الحوادث القاتلة والمميتة حين نتخطى مسافاتنا أو سرعتنا تهوراً أو استهتاراً أو سهواً أو انشغالاً بهواتفنا المحمولة.
الشفافية والوضوح والصدق والمصارحة والرضا عناصر مهمة في كل العقود والمواثيق الضامنة للأمان المادي والمعنوي لكل الأطراف المشاركة فيه، وذلك منعاً للتجاوز وتجنباً للكوارث الراهنة اوالقادمة.
على أن مسافة الأمان ليست ثابتة بل متحركة ومتغيّرة ومتحوّلة، وفقا لتصاريف الزمن ومعطياته وقوانينه، فلكل عصر ثوابته وحدوده التي يُعدّ الالتزام بها علامة على وعي المجتمع ورقيه وتحضره.
لكن هذه المسافات تظل موجودة وفاعلة ومؤثرة دوماً، خصوصاً إذا حظيت بالاتفاق والإجماع والقبول من كل الأطراف، واسوأ الأمم والشعوب تلك التي تلكأت أو أجلت وضع المسافات الآمنة في كل مفاصل دساتيرها وعقودها وقوانينها وعلاقاتها بغيرها.