المنشور

تبقى .. كأنك لم تمت

للوهلة الأولى .. فكرت بأنه حصد بلا شك جائزة جديدة . “بسرعة ، سأرسل تهنئة”، قلت. ثم فجأة بدأت حروف النعي تصفع عيني بقسوة. وعقلي لا يصدق. فطوال سنوات كان يعارك المرض. وينهض. يتوعك. ويفوز . ماذا استجد الآن ليخسر المعركة؟.
“قولوا إنني أحلم”. قولوا إننا جميعا نحلم، سألت بعضاً من أصدقاءنا المشتركين. كان عندي بصيص أمل بأن يجيب أحدهم بأن الخبر كاذب. لقد “أخطأوا” . أو “تسرعوا”. إنه خبر بشع كاذب وسيحاسب من تعمد إطلاقه ليحزننا. لكن أحدا لم يرفق بي وينكر الخبر.
هل يكفي ذلك ليجعل من رحيلك حقيقة بالنسبة لي ؟؟
الحقيقة .. الحقيقة هي أنني كنت أشق الطريق وحدي لسنوات، ثم منّ الله عليّ بمعرفتك. شاءت الظروف أن نلتقي في منعطف الطريق، فكنت أول من اهتم بي ومدّ لي يد العون. ولست أنسى أبداً المرة الأولى التي هاتفتك فيها لأطلب منك – على استحياء – مساعدتي، لما عرفه عنك الجميع من تقديم الدعم لـ (الشباب) الذين كنت في ذلك العمر “أحسب” في عدادهم. ومن يومها، وأنا أرسل إليك أفكاري العادية فتحوّلها إلى قطع من ذهب. تعالج كل نص بشكل خارق، وبطريقة لا تخطر على بال أحد سواك. لم تقل يومابأن “لا وقت لديك” للوقوف إلى جانبنا. ولم تشتك يوما بأن تلقيك العلاج يحول دون ” معالجتك ” نصوصنا .
أنت أول من دلني على الطريق. ووضعني على أول السلم. بفضلك، حققت أشياء كانت فيما سبق من أيام تبدو حلما مستحيل الحدوث لمن هو مثلي . وحين كنت تقدمني للآخرين، كُنتَ تلمع صورتي وتقول عني كلاما أكبر مما أستحق. فأخجل من تواضعك ، ومن مساندتك ، ومن لطفك الذي قلما يجد مثله أحدنا في هذا العالم . ثم فجأة، أشعر بالرغبة في الاختباء. أنزوي على نفسي لأنني أخاف أن لا أكون جيدة حقا كما تتصورني وتصور عني للآخرين. أخاف أن يأتي يوم أخذلك فيه وأخيب ظنك.
بصفتي ممرضة، كنت تسألني أحيانا عما نراه من أنواع المعاناة البشرية المختلفة. كيف يتقبل الناس نصيبهم من الحياة؟. وبصفتي “كاتبة “، كنت تسألني إن كنت أفضل الكتابة بالليل أم بالنهار. وما هي طقوسي قبل أن أكتب. ما الكتب التي أقرأها؟ وماذا يجب عليّ أن أقرأ. كيف أطور “أدواتي”. تعاملني، أنا المجهولة، وكأنني أنا “المهمة هنا”! . كأنني أهم منك!.
نصائحك .. ربما فشلت في اتباعها كلها. فلم أصبح بعد أقلّ خجلا كما يلزمني. ولا أكثر شجاعة. أترى … ما زلت في حاجة للكثير من الدعم . فانهض.. من أجلي. ومن أجل كل من أحبوك هنا في هذا العالم الذي لم يستحق يوما وجود ملاك مثلك على أرضه. انهض .. ما زلت بحاجة للكثير من النصح والإرشاد، والمحبة التي تغدق بها على الجميع. أيأست مني لهذا الحد ولن تعود لتمد لي يديك؟. هل فشلتُ كثيرا إلى حد أن غضبتَ مني ورحلت؟؟ .
ألن يصادف أن ألتقيك مرة أخرى، في ندوة ما؟ . أحقا .. لن نتجول معا من جديد في معرض الكتاب؟ ولن نلتقي مجددا في أي مهرجان سينما؟ في نادي السينما؟.. أو في مشاريع كتابة مشتركة تحدثنا عنها مطولاً من قبل ثم ألهتني الحياة، وشغلك المرض فتأخرنا عنها؟. ألن تعدني مجدداً، بأن تحضر لي في المرة القادمة كتاباً مهماً عن السينما يجب أن لا أفوت قراءته. أو تسمي لي فيلماً جديداً لا بد أن أشاهده ؟
يا صاحب الأفضال عليّ، كيف تركتني في منتصف الطريق؟. خدعتني بابتساماتك حين تحكي عن مرضك، فصدقت أنني برغم ما تقول لن يأتي علي يوم أسمع فيه خبر موتك. خدعتني .. إلى حدّ أن تجرأت مراراً وشكوت لك بعض همي وكأنك لست أكثر تعباً في الحياة مني. فكم أنا خجلة الآن من نفسي.
أتساءل الآن إن كنت قلت لك ما يكفي من المرات قبل أن ترحل، كم أنا ممتنة لكل ما قدّمته من أجلي. هل شكرتك بما يكفي؟. هل علمتَ، قبل أن تغادر هذا العالم، كم أدين لك بالعرفان؟ إن كنت لم تعلم فعد إلى هنا لدقيقة أخيرة. أو لنصف ساعة، لن تكفيني لشكرك على كل ما فعلت. ولكنني على الأقل سأعرف أنها فرصتي الأخيرة لأفعل، ولهذا فلست أنوي عتابك على رحيلك المفاجئ، لا تقلق.
بدل العتاب، سأطمئنك ..
هل قلت لي مرات من قبل بأنك تحب محمود درويش؟ . وهل قال درويش ذات قصيدة “تنسى كأنك لم تكن” ؟… حسناً، فأنا أقول بأنك “تبقى … كأنك لم تمت. نعم، فالشعراء يخطئون أحياناً. وأحيانا يكذبون !.
أما الحقيقة..الحقيقة التي سأطمئنك إليها فهي أننا وإن ظلت الحسرة في القلوب، فإن لك في الذاكرة من نبل المواقف ما لا يمكن للزمن أن يمحوه. وفي الروح، لنا منك عطر أخير.
عطر لقاءات لن تكون . ولن يبدد الوقت عطرها.