المنشور

إنجلز ضد ماركس؟* (2- 3)

مائتا عام من فريدريك إنجلز

بقلم : Paul Blackledge
ترجمة: غريب عوض
إن أقرب دليل قاطع لتأييد ماركس لإطروحة الإختلاف هو رسالة مُضحِكة كتبها إلى إنجلز في الأول من أغسطُس/آب عام 1856. ويؤكد كارفر، في هذهِ الرسالة، كيف اشتكى ماركس في هذهِ الرسالة من كتابة أحد الصحفيين لهُما كما لو أنهما شخص واحد. وكان الكاتب المعني هو لودويغ سايمون Ludwig Simon، نائب مُهاجر من جمعية فرانكفورت عام 1848-49، الذي أظهر ما أسماه ماركس “ميلاً” غريباً للغاية للتحدث عنا في صيغة المُفرد “يقول ماركس وإنجلز” إلخ…” “والآن، خارج النص المكتوب المُشتَرَك، هذهِ العِبارة بأي مقياس هي شاذة نحوياً. ومع ذلك، في مِزاحهِ حول “النواح” الذي كتبهُ سايمون بشكل سيئ، كتب إلى صديقه القديم أنهُ “عاجلاً سوف يملأ رغوة الصابون أو يشربها مع زرادشت على شخ البقرة الساخن بدلاً من قراءة كلُ تلك الأشياء”- كتب ماركس في الواقع عن النكات التي أطلقها إنجلز أثناء الثورة كما لو كانت تخُصُهُما “في صيغة المُفرد”: حتى النكات التي أطلقاها على سويسرا في الريفيو” تملئهُ بالسُخط.”
وبالرغم من زعم كارفر بأن ماركس “لا يقول شيء إيجابياً” في هذهِ الرسالة “أو في أي موقع آخر بأي مقياس حول معايير الفصل والتداخل بينهُ وبين إنجلز، فإن الحقيقية هي أن ماركس استخدم مِراراً وتَكراراً المُصطلحات نحنُ، لنا، ونحنُ عند الإشارة إلى علاقته السياسية والنظرية مع إنجلز. وعلى الرغم من أن تعليقاتهِ على هذهِ العلاقة قد لا تكون مكتوب “مُطولاً”، إلا أن الأدِلة الموجودة تدعم بشكل ساحق الإدعاء بأن ماركس كان يعتقد أنهُ كان مع إنجلز شراكة فكرية وسياسية فريدة. ولعل تعليقهُ الأكثر شُهرة حول أهمية تعاونهُ مع إنجلز موجود في مُقدمة عام 1859 لـ مُساهمة في نقد الإقتصاد السياسي:
فريدريك إنجلز، الذي حافظت معهُ على تبادل مستمر للأفكار عن طريق المُراسلة مُنذُ نشر مقالتهُ الرائعة حول نقد التصنيفات الإقتصادية … وصلتُ بطريق آخر (قارن حالة الطبقة العاملة في إنجلترا) بنفس النتيجة عندي، وعندما جاء في ربيع عام 1845 للإقامة في بروكسل، قررنا أن نضع معاً مفهومنا على عكس المفهوم الأيديولوجي للفلسفة الألمانية، في الواقع لتصفية الحسابات مع وعينا الفلسفي السابق.
بعد عام، في 22 تشرين الثاني/نوفمبر 1860، أعاد التأكيد على هذا الإدعاء وعززهُ بالفعل في رسالة إلى بيرتالان زيمير Bertalan Szemere أصرَ فيها على أن إنجلز “يجب” “اعتبارهِ كِبريائي المُتغيّر”. أما فيما يتعلق بقُدرات إنجلز الفكرية، فقد كتب ماركس إلى أدولف كوس Adolf Cuss، في 18 تشرين الأول/أُكتوبر 1853، أنهُ “لكونهِ موسوعة علمية حقيقية مُتنقِلة، فإن إنجلز “قادر، سواء كان مخموراً أو رصيناً، على العمل في أي ساعة من النهار أو الليل، [فهو] كاتبٌ سريع وشيطاني سريع الإستيعاب.”
وبدورها، كتبت إلينور Eleanor إبنة ماركس بأن والِدُها إعتاد أن يتحدث مع رسائل إنجلز “وكأن الكاتب هناك أمامه،” يتفق، يختلف، ويضحك أحياناً “حتى تنهمر الدموع على وجنتيهِ.” وعن صداقتهُما كَتَبَت، “لقد كانت تلك التي ستُصبِح تاريخية مثلُ صداقة دامون Damon و بيثياس Pythias في الأساطير الإغريقية.” وبالمثل، ذكر بول لافارج Paul Lafargue، صِهر ماركس، بأن ماركس “يحترم [إنجلز] باعتبارهِ الرجل الأكثر عِلماً في أوروبا” و “لم يتعب أبداً من الإعجاب بعالمية عقله”. في الواقع، خلافاً لإقتراح كارفر الذي لا أساس لهُ والتشهير الصريح للسمعة بأن ماركس التزم الصمت إنتقاداتهِ لعمل إنجلز بسبب “فائدة موارد إنجلز المالية”، فإنهُ لا يمكن تصور أي شخص سوى “الرجل الأكثر علماً في أوروبا”، وإلى جانب ذلك، يمكن لواحد من أعظم النُشطاء الثوريين في ذلك الزمن أن يُحافظ على شراكة مُتساوية مع رجل في مكانة ماركس لمدة أربعة عقود تقريباً. كما كتب كريس آرثر Chris Arthur، إن مُحاولات التقليل من تأثير إنجلز على ماركس غير عادلة لماركس مثلها مثل لإنجلز: “لم يكن ماركس أبداً من يحكم باستخفاف على أوجه القصور الفكرية للآخرين، ومع ذلك فقد اختار تشكيل، مع إنجلز من بين جميع مُعاصريه، شراكة فكرية وثيقة.
تم التأكيد مُجدداً على تقدير ماركس لأهمية تعاونه مع إنجلزفي كتابهِ المنسي إلى حد كبير “السيد فوغت/ Herr Vogt (1860). في تعليق على مقال إنجلز “نهر بو ونهر الراين/ Po and Rhine”، الذي كتبهُ ماركس ، ونُشِرَ “بموافقتي” والذي وصفهُ بأنهُ يُقدم كلمة إجلانية (نسبة إلى إنجلز) “علمية” سيئة، وهذا “يُثبت عسكرياً” أن ألمانيا لا تحتاج إلى أي جزء من إيطاليا من أجل دِفاعاتها، “وكتب أنهُ وإنجلز يعملان عموماً على خِطة مُشتركة وبعد إتفاق مُسبق”. وبالرغم من الحقائق القائلة بأن ذلك البيان الذي لا لبس فيه المكتوب على الورق، وأن درابر Draper سلط الضوء عليه في نظرية الثورة لكارل ماركس، فإنهُ يميلُ إلى تجاهلهُ من قِبل أُولئك الذين يهدفون إلى فرض الإنقسامات بين ماركس وإنجلز.
ولم تنتهي تعليقات ماركس المُفضلة لديه حول تعاونه مع إنجلز في عام 1860. بعد سبعة عشر عاماً، في 10 تشرين الثاني/نوفمبر 1877، في رِسالة إلى ويلهلم بلوس Wilhelm Blos، كتب عن “أنا وإنجلز” و “نحنُ” عند استعراض المواقف السياسية السابقة لديهما سبق أتخذاها معاً. والشيء الأكثر أهمية، في رسالة لأدولف سورج Adolph Sorge مؤرخة في 19 أيلول/سبتمبر عام 1879 – كُتِبت مُباشرةً بعد صدور كِتاب “ضد دوهرنغ Anti-Dühring” وقبل أقل من أربع سنوات من وفاتهِ – يُثبت ماركس الدرجة العميقة من التعاون بينهُ وبين إنجلز. لقد كتب ليس فقط عن “وثيقة اتفاق” أن إنجلز يعتني بـ “شئوون العمل والعمولات” أثناء تواجدهِ بعيداً في إيجازة، بل كتب أيضاً عن كِتابة إنجلز للرسالة الدورية الشهيرة آن ذاك في عام 1879 إلى قيادة الحزب الإجتماعي الديمقراطي الألماني بإسميهُما والتي بِها “يتم تحديد وجهة نظرينا بوضوح”. وفي غضون ذلك، كتب عن “موقفنا، “دعمنا”، “نُتمسك بـ”، أنا وإنجلز، “شكوانا”، “نختلف عن [جوهان] موست [Johan] Most،” أسمائنا”، وضد مُحاولات شدنا” لدعم المواقف المُختلفة التي اختلفوا معها. كُلُ هذا مع الإشادة بدحض إنجلز، من وجهة نظرهم المُشتركة، للإصلاحيين “أنصار التنمية السلمية”. كَتَبَ يقول، أظهر إنجلز مدى عُمق الهوة بين [Höchberg – PB] وبيننا “لنقول رأينا صراحة فيه.”
هذهِ الرسالة ورسائل كثيرة أُخرى شبيهة بِها تُشير إلى في حين أنهُ قد يكون من الحماقة مُعاملة ماركس وإنجلز بصيغة المُفرد، ومن السُخف أكثر بكثير الزعم، كما يفعل توماس Thomas، أنهُ “لا يوجد دليل على اي عقيدة مُشتركة خارج إصرار إنجلز على أنها كانت موجودة بطريقة أو باُخرى.” هذا بِبِساطة غير صحيح، وإن إنكار توماس للأدلة من ماركس حول عقيدة مُشتركة مع إنجلز يُشيرُ إلى أن بحثهُ يُعاني من مشكلة يتوق إلى أن ينسبها للآخرين: “جهلٌ مُذهل بما كتبهُ ماركس”.
وبطبيعة الحال، لم يكُن توماس جاهلاً بما كتبهُ ماركس. ولكن لماذا إذاً الإستمرار في الإصرار على أطروحة الإختلاف في حين أن الأدلة الموجودة، كما يُشير هونلي Hunley، “يجب أن تُثبت لأي شخص لا تُعميه الأيديولوجيا تماماً أن ماركس وإنجلز يتفقان بشكل أساسي مع بعضهما البعض”؟ ويبدو أن مؤيدي فرضية الإختلاف مدفوعون بالأيديولوجيا أكثر من بالدليل. في الواقع، لا يُجادل كارفر وتوماس فقط (وبشكل مُبرَر) في إن إرث ماركس يجب أن يُفّصل عن ميراث الستالينية ولكن أيضاً (وبشكل غير مُبرر) ينبغي فصله بالمثل عن السياسة الثورية الحديثة. ويختلف موقف توم روكمور Tom Rockmore المُناهض لموقف أتباع إنجلز عن موقِفي كُلٌ من كارفر وتوماس وذلك لأنهُ يوافق على أن “ماركس وإنجلز يتفقان سياسياً، “في حين أنهُ يَصِرُ على أنهما “لايتفقا فلسفياً.” تستفيد مُحاجة روكمور من الاعتراف، بما يتعارض مع إدعاء كارفر بأن ماركس تصوّر الإنتقال إلى الإشتراكية من خلال وسائل “دستورية” و “سلمية”، وأن إنجلز كان على حق عندما قال في تأبين ماركس أن مُساعِدهُ كان “ثورياً فوق كلُ شيء”. ومع ذلك، فإن روكمور مُخطئ بِشأن الخلافات الفلسفية المُفترضة بين ماركس وإنجلز.
إن تقييم إنجلز الخاص لدورهِ في صياغة الأساس النظري لوجهة نظرهُما السياسية هو تقدير مشهور وإنكار للذات دون داعٍ. وبعد مرور عام على وفاة ماركس، أدعى في رسالة كتبها إلى يوهان فيليب بيكر Johann Philipp Becker، في 15 آب/أغسطس 1884، أنها كانت مُجرد “ألة كمان ثانية” بمعنى “خِدعة” لماركس:
ومن سوء حظي أنهُ مُنذُ أن فقدنا ماركس كان من المُفترض أن أُمثِلهُ. لقد أمضيت عُمري أفعل ما كُنتُ مُهيأ لهُ، أي العزف على الكمان الثاني، وأنا أعتقد بالفعل أنني برأتُ نفسي بشكل معقول. وكُنتُ سعيداً لأن لدي كماناً رئعاً مثل ماركس. ولكن الآن بعد أن توقعت فجأهً أن آخذ مكان ماركس في المسائل النظرية وألعب دور الكمان الأول، ستكون هناك حتماً أخطاء فادِحة ولن يدركها أحداً أكثرَ مني. ولن نُدرِك حقاً ما فقدناه في ماركس إلى أن تُصبِح الأزمنة أكثر إضطراباً إلى حدٍ ما. لا أحد منا يمتلك اتساع الرؤية التي مكنتهُ، في نفس اللحظة التي دعت فيها إلى اتخاذ إجراء سريع، للتوصل إلى الحل الصحيح بشكل ثابت وفي الحال الوصول إلى لُبُ الموضوع. وفي الأوقات الأكثر سلاماً يمكن أن يحدث أن تثبت الأحداث صحة ما أقول وخطأ ما يقول، ولكن في مُنعطف ثوري كان حُكمهُ معصوماً عن الخطأ.
وبعد مُضي أربع سنوات في كِتاب لودفيغ فيورباخ ونهاية الفلسفة الألمانية الكلاسيكية، أوضح هذا التقدير المُتواضع لمُساهمتهِ المطبوعة:
تمت الإشارة مؤخراً إلى نصيبي في هذهِ النظرية، ولذا لا يُمكنني تجنُب قول بضع كلمات هُنا لتسوية هذهِ النقطة. لا أستطيع أن أنكر أنهُ قبل وأثناء تعاوني مع ماركس لمدة أربعين عاماً، كان لي نصيب مُستقل مُعيّن في إرساء أُسُس النظرية، وبشكل أكثر تحديداً في صياغتها. ولكن الجزء الأكبر من مبادئها الرئيسية الأساسية، خاصةً في مجال الإقتصاد والتاريخ، وفوق كل شيء، صيغتهما النهائية القوية، تخُصُ ماركس. ما ساهمتُ بهِ على أي حال، بإستثناء عملي في بعض المجالات الخاصة، كان من المُمكن أن يفعلهُ ماركس جيداً بدوني. إن ما أنجزهُ ماركس ما كان لي أن أحققهُ. لقد وقف ماركس في مكان أعلى، ورأى أبعد، وأخذ نظرة أوسع وأسرع منا جميعاً. كان ماركس عبقرياً؛ كُنا الآخرين موهُوبين في أحسن الأحوال. بدونهِ لن تكون النظرية على ما هي عليه اليوم. لذلك فهي تحمل إسمهِ بِحق.
وبالطبع، سيكون من الحماقة إنكار الجزء الأكبر لماركس في تعاونهِ مع إنجلز. ولكن هذهِ الحقيقة ليست مُفاجِئة بالنظر إلى أنهُ حتى في شبابهِ، شعر أحد مُعاصريه، موسى هيس Moses Hess، بأنهُ من الإنصاف وصف ماركس على النحو التالي:
إنهُ ظاهِرة … الأعظم … ربما هو الفيلسوف الحقيقي الوحيد في الجيل الحالي. عندما يظهر للجمهور، سواء كِتابةً إو في قاعة المُحاضرات، سوف يجذب انتباه كل ألمانيا … سيُعطي دين القرون الوسطي وفلسفتها إنقلابهما، فهو يجمعُ بين الجدية الفلسفية العميقة والذكاء اللاذع. تخيّل روسو Rousseau و فولتير Voltaire و هولباخ Holbach و ليسينج Lessing و هاين Heine و هيجل إندمجوا في شخص واحد – أقول أندمجوا وليس جنباً إلى جنب – ويكون لديك الدكتور كارل ماركس.
إن القول بأن إنجلز (أو أي شخص آخر غير أرسطو في اليوم الأخير) فشل في مُطابقة المُستوى الفكري لشخص يمكن وصفه بشكل معقول بهذهِ المُصطلحات ليس بالأمر المُنير. ومن المُثير للإهتمام أكثر أن نُدرِك، مع أندرسون Anderson، أن إنجلز كان يتمتع بنقاط قوة فكرية كبيرة وأنهُ قدم عدداً من المُساهمات المُهمة في منظوره النظري المُشتَرَك مع ماركس.
وبالفعل، كان ماركس أول من أدرك نِقاط قوة إنجلز ونأى عنهُ التواضع الذي لا مُبرر لهُ. على سبيل المِثال، في رِسالة في 4 تموز/ يوليو، عام 1864، كَتَبَ: “كما تعلم. أولاً، أنا دائماً بعيداً عن الهدف في كلُ شيء، ثانياً، أنا حتماً أتبع خُطواتك.” وهذا التأكيد كان صحيحاً بشكل خاص في أربعينيات القرن التاسع عشر عندما يلعب إنجلز دوراً مُهماً فحسب، بل لعب دوراً رائداً أيضاً في شراكتهما الفكرية والسياسية. وبعد ذلك، عمل الرجلان معاً بشكل وثيق في تعاون تعلم من خِلاله كلٌ منهُما من الآخر وأصبح كِلاهُما أكثر بكثير مما كانا عليه لو كان كلٌ مِنهُما يعملُ بِمُفردهِ.
وعلى النقيض، تَميلُ إطروحة الاختلاف إلى إجراء الكثير من الأختلافات الطفيفة نسبياً بين الرجُلين، وفي أسوأ الأحوال، لإختراع الإختلافات حيثُ لا وجود لها لِتُناسب التنبؤات الخاصة لكل ناقد. وتعليقاً على مُتغيّر ليفين Levine لهذهِ الحجة، يقول ألفين جولدنر Alvin Gouldner أنهُ “من سِمات ليفين … أن صياغاتهِ ليست غير دقيقة فحسب، بل سخيفة”. ويُضيف بأن الفكرة القائلة بأن إنجلز هو من بدأ إبتذال أفكار ماركس تستمر في التأثير “بسبب تبريرها الفكري أكثر من كونها بسبب الحاجة التي تخدمها”: وتسمح أسطورة الإختلاف فعلياً لِنُقاد الماركسية بِإلقاء اللوم على إنجلز في أي جانب من جوانب الماركسية الكلاسيكية يُريدون رفضها. في الواقع، لقد أدت هذهِ المُقاربة إلى الميل إلى إعادة تصور إنجلز، كما قال إدوارد طومسون Edward Thompson، على أنهُ “كبش فداء” الذي كان مُثقلاً بأي عيب “يختاره المرء ليطعن في الماركسية اللاحقة”. ومع ذلك، فإن الأدبيات المُناهِضة لإنجلز سلبية إلى حد كبير في نِطاقها وبعيدة عن الترابط. ولأن نُقاد إنجلز يلقون عليه عموماً أي جزء من الماركسية لا يحبونه، فإنهم يميلون، كما يُشير هونلي Hunley، إلى مُناقضة “بعضهم البعض وأحيناً مُناقضة حتى أنفسهم”. والأهم من ذلك، فإن ما يُسميهِ آرثر Arthur أدب إنجلز الرهابي يميل إلى أن يكون حريصاً جداً على إدانة إنجلز لدرجة أن مؤلِفوا هذا الإقناع يتجنبون المُشكلات المُهمة في حججهم الخاصة.
هذا النقد صحيح بشكل خاص فيما يتعلق بمحاولات مُنتقدي إنجلز إثبات درجة مُعيّنة من التماسك بين آرائهِ ونسخة ستالين المُنحطة عن الماركسية. فكارفر وتوماس، على سبيل المِثال، يُشارِكان ليفين في اعتقادهِ بأن أديولوجية ستالين يمكن اشتقاقها من “الإنجلانية” (نسبة إلى إنجلز). وكما كتب كارفر في عام 1981، “تتضمن الحياة السياسية والأكاديمية في المؤسسات الرسمية للإتحاد السوفيتي … إلتزاماً إيجابياً بالمادية الديالكتيكية التاريخية المُستمدة من عمل إنجلز ولكنها تتطلب شهادة ماركس بعد وفاتهِ. وبعد عامين، كَتَبَ يقول، بأن “عقائد” أعمال إنجلز الفلسفية “تم تمريرها إلى مُحاضرات، وكُتيبات تمهيدية، وكُتيبات، وصولاً إلى الديالكتيك السوفيتي الرسمي.”إلا أنهُ، بالرغم من تكرار تفسير ستالين للمادية التاريخية الديالكتيكية (هيستمات Histmat و ديامات Diamat كما أصبحا معروفين في الإتحاد السوفيتي) مُشتق من عمل إنجلز، إلا أنهُ يُلاحَظ في كثير من الأحيان أن مُحاولة ستالين إضفاء الشرعية على نظامه المُعادي للثورة بالرجوع إلى الماركسية وثورة أكتوبر قادتهُ إلى تجرُع فكر ماركس وإنجلز في جوهره الثوري.
وفيما يتعلق بفكر إنجلز، رفض ستالين صراحةً عددٌ من الأفكار الرئيسية المُشتقة من عمله. لقد شطب نقد إنجلز من النظرية السوفيتية الرسمية لفكرة الإشتراكية في بلد واحد، ورأيه القائل بأن الإشتراكية ستتسم بتلاشي الدولة، وزعمِهِ بأن قانون القيمة سيتوقف عن العمل في المجتمع الإشتراكي. وفيما يتعلق بالفلسفة، حذف ستالين مفهوم “نفي النفي” من حِساب الديالكتيك الذي أصبح تقليدياً في روسيا في الثلاثينيات. لم تكُن هذهِ الأجزاء من فكر إنجلز جوانب غير جوهرية من ماركسيتهُ. وكما يُشير ألفرد إفانز Alfred Evans في زعم يجلس بشكل مُثير للسُخرية إلى جانب مُحاولات كارفر وآخرين لإنتزاع ماركس من الماركسية من أجل إعادة تخيّله كمُنظّر لتغيير دستوري سلمي، وعززت “إبتكارات” ستالين إعادة تفسير الماركسية التي تم من خلالها تقديم “أي آثار ثورية للتطور الإشتراكي”.

*هذا المقال هو إقتِباس من مُقدِمة كِتاب Paul Blackledge الأخير، فريدريك إنجلز والنظرية الإجتماعية والسياسية الحديثة.