المنشور

خمس عشرة مرآة.. ولا أرى وجهي

مرآة الرواق

حين لم تعد مؤمناً.. ولم يعد يعنيك شيء، صارت الأشياء كلها ملساء لا وجه لها، وصرتَ تقرض أظافركَ أمام الدخان، وتتعثر بالكلمات التي لم تعد تثق بقوتها. تندسّ في حضنٍ من رماد، وعيناكَ تدمعان صدأَ خوفك..
حين لم تعد مؤمناً، وبأصابعك الملفوفة تحكُّ ملامحنا الواضحة تطلق علينا رصاصات العمى من مسدّس إغماض.. تفتلُ شاربي هلعك أمامنا بتجاهلٍ يشبه النسيان.

مرآة الحقيبة

الآن أنتِ فقط صفعة مفاجئة على الزجاج
وعَرَقٌ خفيف من أصابع طرية، يترك بصمة حقاً
لكن الغبار كفيل بمحوها
الآن، أنا فقط تهشّم الزجاج إثر الصفعة
لم يتفتت، بقي متماسكاً،
والغبار، الذي سيمحو البصمة
سيشكل على خطوط الزجاج المتقاطعة
بصمة أخرى
كأنما بصمة الزمن.

مرايا واجهات البنايات

أول اليأس يسحبك كالغريق إلى القعر
بعد أن تترك نفسك له، بعد أن تيأس من اليأس؛
سترى أنك ثابت، كأنك شجرة ميتة، أو حجر مهمل

لا تخش بعد، لليأس حيلة أخرى
في مرحلته الثالثة، يعطيك اليأس خفة غريبة
كأنك تسبح في ماء، أو تتحرك في اللاجاذبية
إنك السمكة في حوض صغير وضيّق
لا تحتاج أكثر منه.

مرآة الحلاق

هذا حزن خفيف يقشر الروح ولا يحفرها، كحجل يرف قرب الأرض لا يثقب سماءه ولا يكاد التراب يشعر بقدميه، حزنُ ما انتهى ونُسي ولم يبق منه إلا خاطر مموه،
حزن تناديه ليحط على كتفك وأنت ماض في هدوء الذاكرة، تستطيع التفاهم معه بعينين لا تطرفان، أو تنهيدة لا تحس، حزن خفيف كالتفاتة لخلف خائف.

مرآة فيلم

لا أحد يشبهك
تأخذ بيدي كل ليلة
تضغط على رقبتي
ولا تترك قبلا
كمنوم مغناطي تتركني أغمض عيني
تدخلني عوالمك، تتغول في عوالمي
تصف لي الحياة، وتنصفني منها
أنت، بميلان خدك الداكن
وصوتك الحاد كقطرة مطر على الزجاج
يا خوفي، يا خوفي
لا أحد يشبهك
حين تضع رأسي في حجرك
وتبدأ في الفحيح.

مرآة المحمول

ثمة من يحاول أيها العدم..
يحفرك من الجهة الأخرى
لا، ليس النجاة التافهة
إنما الصدمة بك
رفع القماشة الأخيرة عن وجهك
والقول بكل يأس
كم أنت جميل
كم أنت جميل أيها العدم
كأنك اللست شيئا
تلتمع عيناه
في ضوء شبحي
آت من مشكاة بعيدة
هي الحياة
هي الحياة
لا علاقة لنا بها..

مرآة في غرفة الطبيب

إني أتنفس
إني حيّ
وبالرغم من هذا، ثمة من يجري لي تنفساً اصطناعيا
يضغط على صدري
يقبلني قبلة الحياة
بين حين وحين
في يوم أو آخر
ومهما قلت له، إني اتنفس
لا يسمعني
إني حي
لا يلتفت لي
يضغط أكثر
وينفخ في فمي
كل الهواء..
الهواء الذي أختنق به
ولا أموت

مرآة المصعد

سيكون لانهياري صوت القهقهة
سيظنون أني أضحك
وحين ينتبهون
لن يروا سوى غباري
يغطي وجوههم المتفاجئة
سيضحك واحدهم على الآخر
سيقهقهون كذلك..
وعندها فقط
سيكون لانهياري معنى.

مرآة البار

أعمى، ولكن لا يرى عماه
وكلما اصطدم بحائط
تخيل حضناً

مرآتكِ أنتِ

كالسكين
ابتسامة الهزيمة
التي تقطع وجهي الآن
..
كالسكين
خروجك السلس
من الحكاية
..
كالسكين
حاد ولا يسع خطوتي
طريق الرجوع هذا..

انعكاس الصورة، على كأس متسخ

أمد أذرعي في زوايا العالم
هل أنا عنكبوت؟
لا خيوط عندي
عندي انتظار الوقوع
عندي وهن المصيدة
أمد أذرعي لا كالمصلوب
ولا كالرجل الفيتروفي
لا أحصل على شيء
لا أحصل على شيء
قبضتي جمرات
بيتي يحترق
قصيدتي الكرة المجوفة،
أنا فأر السيرك
قولي للقدر يمد يده
ليقع العنكبوت

ليرى البعيد يرحل
ليرى التائه يصل
ليرى المهتز يتوقف عن الاهتزاز
أمد يدي في زوايا العالم
أعمى يتحسس الفراغ
لقد طردتني الريح،
ها أتقلب في ضحكة
تمضي نحو كهف من الأسئلة.

وجه غريب، يعادل مرآة

اليوم رأيت الحزن، كان طويلاً وبلا ظل. لم تثر فيّ رؤيته عاطفة ما، كأني رأيت غريباً ولم أنتبه. لم يبد هو الآخر أن شيئاً أثير فيه، فرك لحيته وهو يحدق في وجهي؛ ليس كمن يتذكر، إنما كالذي يفكر في أمر بعيد ثم مضى..
بعد أن اختفى تماماً تذكرت، ليس الحزن، وليست العاطفة، تذكرت الشحاذ العجوز الذي حين كان يأتي إلى قريتنا، يطرق الأبواب كلها، أما بيتنا فيدخله دون اسئذان، يجلس مطولاً مع والدي ويتسارران، ويخرج دون أن يأخذ شيئاً.
كان حينها هو أيضاً يلتفت لي، ويفرك لحيته ويفكر، مثله تماماً.. أما أنا فأسأل نفسي، دائماً: لماذا هذا العجوز من دون ظل؟

مرآة حمام البيت

اليوم هو اختبارك، ليس الأمس أو الماضي،
حيث التفاتة حنين، أو زفرة راحة،
ليس الغد أو المستقبل، وما فيهما إلا فراغ كأس
يملؤه القدر أو التذكر
اليوم اختبارك،
اليد الرطبة قابضة على الساعة،
اليوم حيث لا تفاصيل، ولا هلاوس،
اليوم حيث ما يكون فيه يختصر في طرفة عين،
اليوم عليك أن تعيشه
وما إن ينقضي، وتعرف أنك لم تفلت من قبضته،
لم تنفرج قضبانه عن ضوء؛ حتى تتركه خلفك،
أثراً يرشد الذاكرة إلى الوهم،
فتاتاً تستدل به عجلات الزمن الذاهبة في المجهول.
اليوم حيث لا شيء يحدث،
لا الزمن حبل مشنقة يصير،
ولا المكان ورقة تلوكها الريح التي مضت
آخذةً صورتك.
اليوم
أيها الوحيد كتمثال أبيض،
لم يتحرك فوقه ظل.

وحل

الحقيقة أني هربت، من يغمض عينيه بدلاً مني؟ من يقترح على الحياة قسوة مغايرة؟ لو التقينا، أنا وأنتَ وكل العابرين في نفق هروبنا هذا، لو التقينا مرة صدفة، في بياض مفتوح مثل لطمة مفاجئة، لاعترف أحدنا للآخر، لا أخطاء لنندم عليها، ولا مرايا لنحرفها عن الضوء، أيدينا المتعرقة في أيدي بعض، وليس علينا أن نخمن، أنا وأنتم، طابور طويل من السكاكين والخناجر، وسلسلة طعنات لا تحصى، لذا لو التقينا صدفة، في مصعد كبير مثل حلم، لصمتنا جميعاً، ونحن نحدق للأعلى، حينما الأسرار تنتقل من أحدنا للآخر بالعدوى، يقول أحدنا في سرّه: ليتني خرجت من الغبار. آخر: كان الدم مستورداً وكنت أنت الضحية. آخر: جواز سفري مزور. آخر: الحلم ضيق، وأصابعي حادة. آخر: على الموت أن يلتفت للخلف الآن. آخر هو أنت: الحقيقة أني هربت.

مرآة، زجاج، عيون

أمام البحر
وفي هذا الجو الرطب والبارد
سأفتح يدي كنبي
أو ممثل يؤدي دور نبي
كذلك فمي سأبقيه مفتوحاً
حتى يملأ صدري الهواء الرطب
وأصاب بالبرد
وسأسعل مثل موجة
حتى تطنّ في أذني نحلة ساخنة
ومن يدي المفتوحة
ستخرج القبل كلها
التي ظننت أني تركتها على شفتيك
ومن فمي المفتوح
لن يخرج قليل من الهواء
سأحاول أكثر، ولن أستطيع
أختنق ولا أستطيع، لن يخرج هواء
سيحمر وجهي
وأسقط على الرمل المبلل
ولن يخرج من فمي هواء

وحين سيجدونني، ستكون علامة الاستفهام الكبيرة
تسد فمي، والقبل التي ظننت أني تركتها على شفتيك
تروح وتجيء، مع الموج البارد، أمام البحر.