المنشور

مُريد الذي أرانا رام الله

تعرفتُ على مريد البرغوثي، أول مرة، أواخر سبعينيات، أومطالع ثمانينيات، القرن الماضي، حيث التقينا مرات في مؤتمرات وفعاليات اتحاد الشباب الديمقراطي العالمي (WFDY)، الذي كان مريد عضواً في لجنته التنفيذية ممثلاً لفلسطين، وأذكر موقفه الداعم لاختيارمنظمتنا الشبابية يومها، اتحاد الشباب الديمقراطي البحراني، في إحدى الهيئات القيادية في الاتحاد العالمي المذكور.
توطدت صداقتنا لاحقاً في التسعينات، فترة عملي في الشارقة، ومن خلاله تعرفتُ على زوجته ورفيقة دربه الراحلة الأديبة والناقدة الكبيرة د. رضوى عاشور، حيث زارا الشارقة أكثر من مرة للمشاركة في أنشطة ثقافية، معاً او منفردين، أحدها كان معرض الشارقة الدولي للكتاب في إحدى دوراته، حيث أقام مريد أمسية شعرية، فيما قدّمت رضوى محاضرة قيّمة عن ثلاثيتها الشهيرة: “غرناطة، مريمة، الرحيل”، التي كانت، يومها، حديثة الصدور في طبعتها الأولى عن دار الهلال.
وبعد عودتي للوطن في مطالع الألفية الجديدة، التقيت بمريد في البحرين أكثر من مرة، وأذكر أني قدّمته في أمسية بمركز الشيخ إبراهيم آل خليفة عن كتابه النثري الثاني: “ولدتُ هناك.. ولدتُ هنا”، حيث قرأ منه أحد نصوصه، بعد أن تحدث عن فكرة الكتاب ومحتواه.
علاقتي بمريد الشاعر والأديب لا تقل عن علاقتي به كإنسان، أنا الذي أُخذتُ بنصوصه الشعرية، حتى أني اخترت مقطعاً من أحدها لأصدّر به كتابي: “ترميم الذاكرة”، وهو المقطع القائل: “أتعبتني يا دورة المفتاح/ في الباب الذي ما خلفه أحد”، تعبيراً عن وحشة المنفى، الذي كابده مريد، لأنه، شأنه شأن أجيال من الفلسطينيين، وجد نفسه محروماً من العودة إلى فلسطين، هو المولود في إحدى بلداتهأ، بلدة “ديرغسانة” بالضفة الغربية، ليس بعيداً عن رام الله، بعد احتلالها من الصهاينة في عدوان 1967، وكان يومها يدرس الأدب الإنجليزي في جامعة القاهرة.
ليست فلسطين وحدها من وجد مريد نفسه منفياً عنها، فقد أبعد من مصر التي أقام فيها رفقة زميلته في كلية الآداب، التي أصبحت زوجته وأم ابنهما الوحيد الشاعر تميم، رضوى، حيث عمل مريد، بعد تخرجه من الجامعة، في إذاعة فلسطين في القاهرة، ولكنه أبعد قسراً بعد زيارة السادات للكنيست، ليجد نفسه يتنقل بين المنافي، حتى أنه أحصى في كتابه “رأيت رام الله” عدد البيوت التي عاش فيها، فبلغ رقماً كبيراً تجاوز العشرين.
لا يكفي الحديث عن مريد الشاعر المتميز فقط، إذ لا بد من الوقوف مطولاً أمام كتابيه النثريين: “رأيت رام الله”، و”ولدتُ هناك .. ولدتُ هنا”، ويمكن النظر إلى الأول بصفته واحداً من أهم وأرق وأعمق كتب السيرة الذاتية في الأدب العربي الحديث، وكتبه بعد زيارته الأولى لرام الله ودير غسانة بعد غياب طويل دام ثلاثة عقود، لا ليحكي فيه سيرته وحده، وإنما سيرة التراجيديا والبطولة الفلسطينيتين عامة.
ولبلوغ هذه الفكرة لن أجد أبلغ من قول مريد نفسه: “أنا أكبر من إسرائيل بأربع سنوات (في إشارة إلى أنه ولد في العام 1944)، والمؤكد أني سأموت قبل تحرير بلدي من الاحتلال الإسرائيلي. عمري الذي عشت معظمه في المنافي تركني محملاً بغربة لا شفاء منها، وذاكرة لا يمكن أن يوقفها شيء. عندما سمح لي بزيارة فلسطين بعد ثلاثين سنة من العيش في أماكن الآخرين. لم أكن بحاجة لمعايشة أماكن الماضي، بل ماضي الأماكن”. وفي هذا يصف مريد شعور كل من وجدوا أنفسهم طويلاً خارج أوطانهم قسراً.
ومريد الذي كان يعرف أنه سيموت قبل أن تتحرر بلده من الاحتلال، كان على يقين أيضاً من أن الفلسطينيين لم يخسروا وطنهم “في مباراة للمنطق” بحيث يستردوها “بالبراهين”. المساجلة في هذا أمر عبثي، وربما هذا ما أراد مريد شرحه في “رأيت رام الله”، حين أوضح أنه “من السهل طمس الحقيقة بحيلة لغوية بسيطة: ابدأ حكايتك من “ثانيا”. وهو الأمر الذي يعني تجاهل ما حدث أولاً، فغالباً ما يكون أولاً هو المقدمة و”ثانياً” هو النتيجة، حين تلغي أولاً تصبح النتيجة سبباً وردة الفعل تصبح هي الفعل، وما أكثر التجليات لهذا الأمر في الحياة، كم من “الوقائع” تفبرك دون أن تكون قد حدثت أصلاً، وكم من الوقائع تُخرج من سياقها، وتُسقط بعض عناصرها، فتحمل من الدلالات نقيض ما كانت عليه في الأصل.
هذا ما حدث ويحدث مع القضية الفلسطينية؛ طمس البدايات، والبدء مما تلاها في صوغ سردية مزيفة عما جرى حقيقة، ومع أن مريد يؤكد على أنه “علينا أن نعترف بأننا مسؤولون أيضًا. جهلنا مسؤول. قصر نظرنا التاريخي مسؤول، وكذلك صراعاتنا الداخلية، وخذلان عمقنا العربي المكوّن من دول معجبة بمستعمريها حد الفضيحة”، لكنه يرى أن “تاريخنا ضبطَنا في لحظة كنا فيها في قاع الضعف. في قاع النعاس. بوسعنا الآن أن نقول لأطفالنا إن النعاس لن يظل نصيبهم إلى الأبد ولا إلى بعض الأبد”.
وفي النظر إلى الإنسان الفلسطيني، فإن مريد لا يختلف عن محمود درويش، في التأكيد على ضرورة كسر الصورة النمطية عن الفلسطيني المحصورة في “الضحية”، أو “البطل”، إنه كما محمود يؤكد على أننا “نحب الحياة ما استطعنا إليها سبيلا”، ففي قصيدته “الشهوات”، يُعبّر مريد عن مجموعة رغبات، والتي على فرط بداهتها و”طبيعيتها” لم تعد متاحة للفلسطينيين، الذين كان قدر أجيال منهم أن تولد لتناضل من أجل استعادة الحق المغتصب، لا من أجل أن تعيش حياتها العادية بكل تفاصيلها.
من بين تلك الرغبات التي عبّرت عنها القصيدة: «شهوة لبلاد تطالب أبناءها/ بأقل من الموت جيلاً فجيلاً، وفيها من الوقت وقت نخصصه/ للخطايا الحميمة والغلط الآدمي البسيط/ وزحزحة الافتراض البطولي عنّا قليلا/ فمسكينةٌ أمة حين تحتاج كل البطولات من كل أبنائها/ وتعيش الحياة قتيلاً قتيلاً”.
من تلك الرغبات أيضاً، حسب الشاعر “شهوة أن تضايقنا فى المرايا ككل العباد/ التجاعيد حول الجفون”، في إشارة إلى الفتيان والشبان الذين يستشهدون مبكراً وهم في مقتبل الحياة، فما أن تتفتح زهرات أعمارهم حتى يخطفهم الموت، فلا يبلغون كهولتهم أو شيخوختهم، كي تضايقهم في المرايا تجاعيد الوجوه، ككل العباد، “شهوة أن نُعلق فى غرف النوم لوحاتنا الغامضاتِ/ وليس شريط السواد على صورة الغائبين”.
***
برحيل مريد خسر الشعر الفلسطيني، والعربي عامة، واحداً من أكثر وجوهه موهبة وتميزاً ورقة، كما خسرت الحركة الثقافية الفلسطينية واحداً من أكثر وجوها نقاء والتزاماً بالموقف الوطني الفلسطيني المبدئي، وهو الموقف الذي عبّر عنه، لا في نصوصه الشعرية والنثرية وحدها، وإنما في مجمل مواقفه المعلنة، مع ما جرّه عليه ذلك من تبعات، سواء كانت تلك المتصلة بالسياسة الرسمية الفلسطينية، خاصة بعد توقيع إتفاقيات “أوسلو”، أو تلك التي تتصل بالشأن العربي عامة.
قبل عشر أعوام، حين اندلعت الانتفاضات والاحتجاجات العربية من أجل الديمقراطية والحرية والخبز والكرامة الإنسانية، رفض مريد إطلاق مصطلح “الربيع العربي” كإشارة للثورة، مؤكداً أنه “مصطلح زراعي موسمي تافه، يغفل الدم المسفوك وجرائم القتلة ويطمس شرف السعي الدائم للكرامة”، مضيفاً: “أن الثورة لها اسم واحد هو”الثورة”، وأن الحاكم يسميها “مؤامرة” والراغبون في دخولها خريف الموت يسمونها “الربيع” والإعلام يتواطأ مع الطرفين “ضدها”.
قال مريد أيضاً: “إن الثورة هي أقصى درجات النقد الجماعي للدكتاتور، ولا تستمر إلا إذا واصلت نقدها لذاتها أثناء النضال وبعد نجاحها أيضاً. الثورة هي استمرار النقد”، وتابع قائلاً : “حتى الطغاة يمكن أن يكونوا مع”الربيع” فهذا لا يكلفهم شيئاً لكن العسير أن يكونوا مع “الثورة” لأنها تكلفهم عروشهم، واستطرد:”ما أتفه مصطلح الربيع العربي”.
أكانت تلك نبوءة شاعر مبدع؟ ربما، ولكن لمريد نبوءة أخرى لا تقلّ بلاغة، وردت في أحد دواينه الشعرية قبل احتجاجات 2011 بعقود، اختارها المفكر المصري الكبير نصر حامد أبو زيد ليستهل بها كتابه المهم: “التفكير في زمن التكفير”، وفيها يقول مريد: “قبائلنا تسترد مفاتنها/ في زمان إنقراض القبائل”. أليس ذلك توصيفاً أو ما يشابهه للحال التي نحن فيها من انفجار الهويات الفرعية، قبلية وطائفية ومذهبية وعشائرية؟.
أهل الاستبداد ماهرون في “ابتكار” سبل استمرار استبدادهم، حتى لا يكون هناك مكان للرأي الآخر، الرأي الرافض لاستبدادهم والساعي لاقتلاع جذوره. أليس هذا ما عناه مريد في قصيدته ” المرآة” عن والٍ حذّرته عرّافة من الموت إن هو لم يستشر الرعية في أمور الولاية، وخوفاً من الموت دعا الوالي وجهاء القوم للمشورة. وحين دخل عليهم وهم ينتظرونه أخرج مرآة من جيبه، وحدّق بإعجاب في صورته. سأل الصورة المشورة، ولما أجابت شكرها، ثم كسرها “مخافة أن يعوّدها على حق الكلام!”.