المنشور

فنجان قهوة

لونه كحبة قهوة ورائحة كلامه كلون الليل، ينسج بيارق الألم وهو يكلمني، غافلته ورسمت ابتسامة رقيقة على شفتي، كانت رسالة بريئة ودعوة مفرطة لترك هذا الألم، غافلني وقهقه بصوت حزين، ضحكت وتناثر صوت ضحكاتنا في أرجاء ذلك المقهى، اغرورقت عيناه بالدموع من شدة الضحك لكنه صمت مرة أخرى وراح يهلوس ويتمتم بكلمات مبهمة.

ماتت وغادرت أرضاً تحمل لها النوارس وتزرع ياسمين الحلم على عنقها، كانت رقيقة، ناعمة، مخلصة تصوري ماتت على يدي، بين أحضاني وهي تُسمعني اعترافات حب مزقه الصمت: أنت من أحببت دائما، كنت هنا وتشير لقلبها تسكن حناياه بهدوء لم تكن كالآخرين، تحب في هدوء ويقين لا طمع في مال ولا جسد، وكنت أنثر حولك نظرات مليئة بالحب والعطف، لم أكن أستطيع أن أبثك حبي أنت بالذات، لا أستطيع أن أبثك هذا الحب إلا وأنا على هذا الفراش، أحببتك دائماً. أخذت يديّ واحتضنتهما بين دموعها، كانت تلوم هذا القدر الذي يجعل منا طبقات، قبلتني ونامت، نامت كملاك يحرس قلبي وبقت على حراسته حتى اليوم، لا يمكن لأنثى أن تفك هذه القيود وتزيح حراستها. كيف يمكن أن أحتمل؟ مرت السنون وأنا أذكر نظرتها وأحقد على المرض والطبقات.

كان يتكلم وهو ينخر في قلبي ذكرى لا تندمل جراحها: أيها الموت ماذا لو أعطيتني قليلا من الوقت لأراه؟ كان يرفل في الحب، وكنت متيمة، وكانت المسافة تخرق القلب، والبعد لا يصنع إلا قربا أتنفسه ويعيش على هوائي، نقتات بكلمات رسائلنا ونثرثر بأيام اللقاء القليلة، نشرب ذكرياتنا مرا وعسلا، وكان المرض ينهش كليتيه، كان يكابر كي لا أعرف ولم أعرف ولكنني كنت في شك دائم. هناك أمر ما تركني وترك الشك يساورني، كان يهدف أن أكرهه وأحقد عليه وكنت في شك من أن ينساني، كانت الصديقات المقربات يعلمن وكنت أردد لهن لماذا يتركني؟ وتمر الأيام متشابهة سلاحف تجر ثوانيها، ومازال حبه يغرد بصمت.

داخلي هتاف لا ينفك يتطوح مع أنفاسي ينادي باسمه كصدى الليالي الباردة في كهوف الوحدة، كيف يحرك نرجسات العشق بداخلي وهو الذي خذلني وتركني فريسة لوحوش الظنون تقتات من قلبي؟ لماذا لا أكرهه؟ لماذا هذه الذكرى تحاصرني وتشد قيودها وتترك آثارها على معصم القلب وتغلفه بحزن قاتل؟ لماذا لا يتناغم قلبي مع غيره وهو المخادع في نظري، ولكن هيهات، للقلب حس صادق، وشهقات الحب مازالت تصلني عبر ابتكارنا الخرافي “ناديني فقط حين يضيق بك الوقت سأنفلت من المكان وأرسل محطات قلبي لتستريحي عليها” وأناديه وكان يحضر متعبا يملأ القلب بصليل لا يهدأ، كانت الصدفة وحدها التي أخبرتني أن هناك خطبًا حين رأيته كان هزيلاً. رميت بجسدي المثقل بالهم والحب عليه. ذكرني حينها أننا في الشارع سألته عن صحته ولما هو هزيل، ضحك وقال: العمل كثير، كنا نودع صديقاً مشتركا ولم أره بعدها إلا بعد معرفتي بمرضه.

أمه من أخبرتني حين اتصلت بحجة واهية أطلب المساعدة بما أني غريبة عن بلدي. قالت: “يا عيني عليه هو بالمستشفى مريض.. ألا تعلمين؟ تكلمت كثيرا لا أعرف كيف انتهت المكالمة ولا كيف عدت لبيت صديقتي التي تستضيفني كل ما أعرفه أني تمرغت على أرض الألم أصرخ بجنون وعتب لصديقتي لما لم تخبروني؟ والتقيته كان لقاء الوداع ودعته قبل أن يسافر لأحدى الدول طلبا للعلاج.

عدت لبلدي وكان الهاتف هو همزة الوصل، إلى أن كان ذاك اليوم اتصلت فيه للاطمئنان على صحته، وكنت أغالب حلم فسره أحد الأصدقاء بما لا أرغب، كلمني أخوه بعد سلام قصير (……….)، هل يمزح؟ ماذا يقول؟ كيف أتصرف؟ لمن ألجأ؟ كل دموع الدنيا لا تشفي غليلي كل الحزن يتواضع أمام حزني، هو هناك في البلاد البعيدة وأنا أغالب وجعي، هل أبتر الحزن ودموعي؟ أبتر روحي؟ وأكمل لك حكاية قلب حين غادر الحب كيف استحال رمادا.

من أجل حزنك اختصرت كل الحزن، لم أذكر التفاصيل الموجعة وتغاضيت عن مشاعري، من أجل حزنك نفيت روحي لبلاد الصمت ومزقت ذكرياتي على فنجان قهوتك، حين زرته كان شاهداً واسماً. صمت كثيراً قبل أن يطلب فنجان قهوة أخرى ويطلب مني أن أحتسي الحزن وألم الفقد.