المنشور

حامل في زمن “كوفيد”

طرقت عاملة المنزل باب غرفة مخدومها والذي يقيم في غرفة منفصلة عن زوجته. قالت: “سيدي أودّ أن افاتحك بأمر يخصني”. توجس الرجل شراً، أسرعت هي بالقول: “أنا حامل ولا أدري ماذا أفعل”. ارتسم الغضب والاستياء على وجه الرجل، حامل في زمن كوفيد، حيث صعوبة السفر وإغلاق المطارات وتعثر استقدام العمالة من الخارج، لم يدر ما يفعل إزاء هذه المفاجأة، قال لها: غداً افاتح زوجتي بالأمر، ونناقش المسألة بمختلف جوانبها، قبل أن يغلق باب غرفته،علقت العاملة: “سيدي، دعني اذهب إلى بلدي وأسوي أموري واعود إليكم. أنا فقيرة وعائلتي تعتمد على راتبي ولا أود خسارة ذلك من أجل خطأ غير مقصود”.

في الصباح اجتمعت الأسرة واضعة أمامها عدة خيارات للتعامل مع حمل الشغالة، الابن الأكبر أصرّ على أخذها إلى الشرطة والتبليغ عن واقعة الحمل ثم تسفيرها على أقرب وأنسب رحلة طيران على حسابها الخاص عقابا لهاً على استهتارها. الأب اختار المعالجة الهادئة بعيداً عن “الشوشرة” والفضائح مفضلاً تسفيرها قبل تطور الحمل وإلغاء تأشيرتها والبحث عن عاملة منزلة جديدة .

أما الأم التي كانت أكثر حزناً من الجميع لشعورها بخسارة عاملة المنزل التي وثقت فيها، وقامت بتدريبها وتحملت أخطاءها وغفرت لها مراراً، فرأت منح عاملة المنزل فرصة جديدة ومختلفة هذه المرة لتصحيح ومعالجة خطأها في بلدها ومنحها تذكرة سفر مرجعة واستعادتها مجدداً.

وما هي إلا عدة ساعات حتى انقلب البيت رأساً على عقب. احتدم النقاش والصراخ وقرر الابن أنه سيترك البيت إذا تمّ الإبقاء على هذه المرأة التي رأى أن الأسرة تكافئها على خطأها بدلاً من معاقبتها وتسريحها وتحميلها وزر ذنبها.

عاملة المنزل الإفريقية تبلغ من العمر 27 عاماً، على قدرٍ من الجاذبية والجمال.عاشت مع الأسرة أربعة أعوام تخللتها زيارة واحدة إلى بلدها قالت إنها تتهيأ للزواج من أحد أبناء بلدها، حين عادت راحت تشتري لوازم للبيت المستقبلي من ستائر وأوانٍ منزلية وغيرها، لا تبارح البيت إلا برفقة مخدومتها أو لشراء لوازمها الخاصة. لم تعترف عاملة المنزل بمن تسبب في حملها بل تذرعت بالقول إنها دخلت دورة مياه غير نظيفة في أحد الأسواق، وربما كان ذلك هو السبب. قال لها الابن بغضب: “قولي لزوجك إن والد الطفل هو الحمام”.

الأخطاء تحدث وعلى جميع الأصعدة مع هذه النماذج من البشر الذين يفدون إلينا حاملين معهم إرثهم وثقافتهم المختلفة عنا، تاركين خلفهم عائلاتهم وعلاقاتهم وملاذاتهم الاجتماعية الآمنة، وكل يوم تسجل مراكز الشرطة ومقار إيواء العمال الوافدين والسفارات مئات الشكاوى للعمال ولعاملات المنازل، وللنساء النصيب الأكبر فيها، إذ قد يتعرضن للاغتصاب أو يستسلمن لنداء الطبيعة ولغريزة الجنس الجبارة الطاغية، أو يتم اغوائهن فينتهي الحال بهن إلى الحمل المباغت أو الإقدام على الإجهاض بوسائل بدائية أحيانا قد تعرض حياتهن للخطر.

انتصر قرار الأم وسافرت عاملة المنزل على أمل العودة بعد شهر، لكنها كتبت إلى مخدومتها رسالة على الواتس اب بعد وصولها تقول فيها: “سيدتي: شكراً على تعاطفك معي ومساعدتك لي، ولسوف أكون ممتنة لك طوال عمري، لكن الاجهاض فضلاً عن أنه محرم في ديني فإنه قد يحرمني أيضاً من فرصة الإنجاب مستقبلا”.

ثم كتبت لاحقاً: “أنا في حيرة من أمري، ولا أدري ماذا أفعل؟ لكني أعتقد أنني سأبقى على الطفل هنا في بلدي وسوف ترعاه أمي وزوجي وأختي في حال حصلت على وظيفة جديدة خارج بلدي، وإذا رغبتم في استقدامي فسوف أكون جاهزة للقدوم بعد ولادة طفلي”.

هذه العمالة المنزلية تعيش بين ظهرانينا، لها ما لها وعليها ما عليها، إلا أنها تتوغل عميقاً في أدقّ تفاصيل معاشنا، تربي أبناءنا والمسنين منا، ترعى شؤوننا في حضورنا وغيابنا، تصير جزءاً من نسيج حياتنا، لكن حين يصدر عنها خطأ ما يجري التعامل معها بوصفها مخلوقات غريبة، وكثيرون عند حدوث الإشكالات معها، ينزعون عنها لا مجرد حقوقها القانونية بل حتى هويتها الإنسانية التي يتشارك فيها جميع البشر، وهم “إما أخوة لنا في الدين أو نظراء لنا في الخلق” كما يفصل الإمام علي، ترى لو أن أحد ابنائنا أقدم على أخطاء مماثلة، هل كنا نكيل بنفس المكيال؟