المنشور

أزمة القراءة في المجتمعات العربية

عند الحديث عن القراءة ومستوى الإقبال عليها في الدول العربية نجد أنها ضعيفة لعدة أسباب، أهمها ارتفاع نسبة الفقر والأمية في العديد من الدول العربية. ويضاف إلى الأمية الأبجدية الأمية الثقافية التي تتمثل في أن أكثر المتعلمين لا يقرؤون، إما لعدم القدرة على التفاعل مع الثقافة أو لعدم الرغبة في هذا التفاعل.
حتى في المدارس والجامعات العربية نجد أن الغالبية العظمى من الطلبة يكتفون بالكتب المقررة، في ذلك تستوي الجامعة مع المدرسة، فلا المدرسة تشجع على المطالعة، ولا الدراسة الجامعية تتطلب غير ما يقوله أو يكتبه دكتور المادة. يقول بو علي ياسين: “الطلاب العرب هم عموماً طلاب شهادات، والشهادة مطلوبة من أجل فرص العمل، ومن ذلك حتى التدريس في الجامعة بشهادة الدكتوراه، والغالبية العظمى من هؤلاء الطلبة لا يقرؤون بعد مغادرتهم للمدرسة أو الجامعة، لا كتاباً ولا حتى جريدةً، الشهادة، كوثيقة رسمية وحدها تكفي، حتى لو كان صاحبها قد نالها بالغش”.
في السنوات الأخيرة لجأت بعض المدارس العربية إلى فرض القراءة فرضاً على الطلاب كل يوم، فكانت النتيجة عدم تفاعل الطلبة مع هذا المشروع، ليس لأنهم فاقدين لهذه المهارة، إنما كان ينقصهم التحفيز والرغبة الداخلية لحب القراءة. فِعْلُ القراءة يجب أن يكون نابعاً من الداخل ومدفوعاً بالفضول المعرفي والتساؤل الفلسفي، وهذا ما يفتقده القرَّاء الصغار والكبار في مجتمعاتنا العربية. وتفسير ذلك يطرحه بعمق جوستاين غاردر في روايته الشهيرة (عالم صوفي) حيث يقول: “الفارق الكبير بين معلم المدرسة والفيلسوف الحقيقي يكمن في أن المعلم يعرف كماً من الأشياء لا يتوقف عن تعليمها لطلابه بالقوة، بينما يحاول الفيلسوف أن يجد إجابات عن الأسئلة التي يطرحها بالمشاركة مع تلاميذه”.
من الملاحظ على أغلب القرَّاء العرب التبعية العمياء، خصوصاً للمؤسسة الدينية، حيث يكون القارئ العربي أسيراً للخطاب الديني في رؤيته للوجود والأخلاق والمجتمع والسياسة والفن والثقافة بصورة عامة. فهو أشبه بوصف فيليس مندل للقارئ الفاقد للرأي المستقل بالأسفنجة التي تمتص الماء، وهنا ينصح القارئ أن “لا تقرأ مثل الإسفنجة، تنتظر بشكل سلبي حتى تمتلئ بالمعلومات، بل اقرأ بتمعن وتساؤل، وتعاملْ مع المقروء بنديةٍ وأقحمْ نفسك داخلها موافقاً أو مخالفاً أو مُضيفاً أو معدلاً أو مقدراً، وتعلمْ إضافة الملحوظات الهامشية لحظات القراءة فهي لا تتكرر وتعكس مهاراتك العالية في التحليل والتركيب”.
أنواع القرَّاء عديدون، فمنهم من يقرأ للتسلية، وآخرون من أجل سدّ وقت الفراغ، ومنهم من يقرأ لتحقيق النجاح في دراسته والحصول على شهادة توفر له عمل ودخل جيد. ولكن هناك من يقرأ لأن الحياة عنده سؤال وبحث لا يتوقفان حول كل المعارف والأفكار والقيم بما فيها الثوابت والمسلمات. والقارئ النهم الذي لا يتوقف عن قراءة الكتب يتميز دائما بأن مفرداته وأفكاره ومواضيعه تتجدد باستمرار.
القارئ المميز هو من يقرأ بصورة مغايرة عن الآخرين. فهو لا يقرأ الكتب التي يقرؤها الغالبية من القرَّاء، ولا يؤمن بذات الأفكار التي يسلِّم بها أفراد مجتمعه. بينما الجماعات والأحزاب الأيديولوجية التقليدية من دينية وعلمانية أعضاؤها عادة ما يتطابقون فيما يقرؤون فلا يتباينون كثيراً فكرياً وثقافياً. ولهذا ينتقد هاروكي موراكامي القارئ الذي يضع نفسه في إطار جماعته المحدودة ” إن كنت تقرأ الكتب التي يقرؤها الآخرون فقط، ستفكر فيما يفكر فيه الآخرون فحسب”.

ولا بد من التمييز بين التعلم والقراءة وبين الفكر، حيث الأخير يشير إلى قدرة العقل على تصحيح الاستنتاجات بشأن ما هو حقيقي أو واقعي، وبشأن كيفية حل المشكلات. بينما التعلم عملية تذكر وتدريب للعقل وتعديل في السلوك. وبتعبير شوبنهاور: “القراءة والتعلم شيئان يستطيع أي إنسان أن يزاولهما بمحض رغبتهِ، أما الفكر فلا، فالتفكير يجب أن يقدح كما تقدح النار في تيار من هواء”. فهل مشروع تحدي القراءة -مثلا- الذي يعتمد على الكم وليس على الكيف يتقاطع مع ما دعا إليه شوبنهاور أم يتناقض معه؟!
القراءة الكمية السطحية شيءٌ، والقراءة الفكرية العميقة شيءٌ آخر. الأولى هي أقرب للتسلية وملء وقت الفراغ، أما الثانية فهي قراءة تحليلية يقوم فيها القارئ بتحليل الأفكار بشكل عميق، والتفكير بأسلوب نقدي. القراءة الكمية السطحية في الغالب صاحبها مقيد وأسير لثقافة بيئتهِ ومجتمعه، بينما الفرد الذي يتصف بالقراءة الفكرية العميقة أُفُقُهُ المعرفي مفتوح على مجمل الثقافات الإنسانية وليس لسقفهِ النقدي من حدود.