المنشور

لعصر العيد.. مرثية

اعتاد واعتدنا أن يطرز عصر كل عيد بوصله الجميل تزينه خيوطٌ ملونة باهية تحيط به وبنا من كل ناحية. نعرف وقته، نتهيأ، نتأهب لرنة الجرس. جمع أجراسٍ العائلي يطرق الباب، وما إن نفتح حتى يطل بابتسامته الرائقة الحميمة التي تنفذ إلى القلب، كأنه يقول: ” كلنا بخير، كيف أحوالكم أنتم”. تغمر الابتسامة المشرقة الجمع المرافق قبل أن يخطو من عتبة الباب ويلج المجلس. يدخل محيياً ومباركاً بالعيد بصوته المميز الذي لا تخطئه أذن.
لم يخلف الصديق الغالي سلمان زيمان عصرَ عيد سوى مرات تقل عن عدد أصابع اليد الواحدة ولظروف جد قاهرة. ظل عصر العيد – كل عيد – ولما يربو على الثلاثة عقود يزدان ويزهو بمقدمه برفقة أفراد عائلته الكبيرة، بعض الأشقاء والشقيقات، زوجاتهم، أزواجهن وأولادهم وأحفادهم. قد يغيب البعض في عيد أو آخر، لكن المجلس يمتلئ بحضورهم المحبب عصر كل عيد.
يعرف مكانه بقرب رفيقه في لمسة وفاء أصيل متواصل، وهل هناك وفاء أصدق من زيارة ثابتة لصديق مدرجة على الأجندة العائلية لزيارة الأهل والأقارب عصر كل عيد. وفاءٌ مقيمٌ لصاحب المجلس الذي كان هو الآخر يدرجُ على أجندته اليومية المرور كل مساء على مقر أجراس سنوات تألقها على الساحة الفنية في بحرين التسعينيات، لحضور تدريباتها تقديراً وتشجيعاً لفرقة مختلفة ومحبة خالصة لأعضائها.
المجلس يعبق بأنفاسك يا أبا سلام وبكلامك وضحكاتك، دخلته في كل وقت، في أيام اللين والشدة، أيام الفرح والألم. لم تفوِّت زيارة عصر العيد أنت وأجراسك الشجية حتى حين غاب صاحب المجلس لفترةٍ عنا وعنكم. لم تفوِّتها حين ألمَّ به المرض وصعُب جلوسه بقربك في المجلس. لكنه سرعان ما نهض، تمكَّن من ذاته واتخذ مكانه بقربك عصر العيد التالي.
كنت دؤوباً بهمةٍ عالية ومودةٍ صافية، وبكل ما أوتيت من سبل لتمكينه من الاندماج في الحياة. تستمع له بصبرٍ خرافي، تطرح عليه شتى الأسئلة في محاولةٍ لاستنطاقه، ولا تهدأ نفسك إلا حين تشعر بتقدم ما. تجول به في مناطق البحرين المحببة له، تستنهض ذاكرته. تجلس معه بالساعات كي يتمكن من الانفتاح على عالم شبكة المعلومات الالكترونية. أنت من أدخله وفي خضم حالته المرضية لهذا العالم الذي غدا وجهته اليومية بمقدار ما يحوز من مهارات ذهنية للتواصل مع الحياة وعوالم المعرفة. كنت أيها الصديق الحميم علاجاً مكيناً ونجحت في كل ما بذلت.
وكنت حريصاً على توثيق مسيرة حياته، تبحث بهمة عالية وسمو لا يُضاهى عن سبلٍ لدفع الآلام عنه. أحضرت آلة التصوير الفلمي وجلست معه ما شاء لكما من وقت، منحته ثقة التكلم أياً كان. ولم يلبث أن جاء صديقكما بآلة تصويره الفوتوغرافي، وانغمرتم في صدقٍ خالصٍ يرفرف عليكم ما يجمعكم من محبة وفيرة.
كيف لك أن تغادر وتتركه يكابد لوعة الغياب وعصف الاشتياق تحيط به غيوم حزنه عليك من كل جانب، لا ينفك يستعيد بقلب ملتاع التسجيل الفلمي، تحتقن عينه بحزن كظيم ويتألم حد البكاء. كنت يا أبا سلام تبغي توثيق سيرة رفيقك وحفظها، وها هي اليوم بعد غيابك قد غدت فصلاً من فصول سيرة محبتك ووفائك الأصيل لأصدقائك يحفظها هو ويتلذذ أو يتألم باستعادتها كل وقت.
أبا سلام، يا من أدميت قلوبنا برحيلك المفاجئ، كيف لنا أن نتحمل هذا الفراق اللعين الذي لن ينتهي. لربما يُحسب لوباء كورونا أنه عوَّدنا على عدم انتظار رنة جرس أو طرقة باب في الرابعة عصر العيد. لكن ماذا نحن فاعلون حين تغرب الغمَّة وتعود حياتنا لإيقاعها الطبيعي، من سننتظر؟ من سيطرق الباب؟ وماذا سيخيم على المجلس عصر العيد؟