المنشور

الغلاء في مصر.. و”علاوة الغلاء”


بينما كانت مصر خلال الحقبة الناصرية ابان خمسينيات وستينيات القرن الماضي في طليعة البلدان العربية المعروفة بانخفاض تكاليف الحياة المعيشية فيها، ورخص السلع الاساسية وحتى الكمالية، ومن ثم تكيف الاجور – رغم تدنيها – مع هذا المستوى من الحياة المعيشية، أضحت اليوم في مقدمة الأقطار العربية من حيث ارتفاع تكاليف الحياة المعيشية، بما في ذلك الارتفاع الصاروخي لأسعار السلع مع بقاء أجور العاملين، على اختلاف مستوياتهم وتخصصاتهم، على حالها لا تكاد تتغير. وطبقا للتقارير الاخبارية الصحفية فان معدل التضخم السنوي بلغ في فبراير الماضي 5،12%، وفي خلال عام واحد فقط ارتفعت أسعار المواد الغذائية، وبضمنها أسعار الرغيف غير المدعوم بنسبة 5،26%. أما أسعار منتجات الألبان فقد ارتفعت بنسبة 20%، والزيت 40%، وثمة سلع غذائية اخرى ارتفعت أسعارها خلال عام واحد فقط 122% حسب معطيات الصحف القومية الثلاث شبه الرسمية (الأهرام، الاخبار، الجمهورية). ويشير الخبير الاقتصادي في مركز الاهرام للدراسات الاستراتيجية أحمد النجار إلى ان نسبة التضخم الحقيقية هي أعلى بكثير من الأرقام الرسمية المعلنة. أما برنامج الغذاء العالمي فقد قدر ان مصاريف الاسرة المتوسطة ازدادت بنسبة 50% منذ مطلع العام الجاري، في حين قدّر البنك الدولي ان ما لا يقل عن 20% من المصريين البالغ عددهم 78 مليون نسمة يعيشون تحت خط الفقر (2 دولار يوميا)، و20% يعيشون بالكاد فوق خط الفقر، و38% في حالة فقر مدقع. وفي مثل هذه الظروف المعيشية المتدهورة البالغة السوء شهدت مصر موجات متعاقبة من الاضرابات المطالبة برفع الاجور في مؤسسات القطاعين العام والخاص، لعل أشهرها اضراب مصانع النسيج في المحلة الكبرى خلال رمضان الفائت. وازاء هذه الاوضاع المعيشية المتفاقمة يبدو ان عدوى الاضرابات قد انتقلت مؤخرا إلى قطاعين حساسين قلما لجأ أي منهما إلى هذه الوسيلة وهما قطاع الاطباء وقطاع أساتذة الجامعات، وهما قطاعان يفترض بأن رواتب العاملين فيهما معقولة إلى حد ما. ولعل مشاهدة اصطفاف آلاف الناس أمام افران الرغيف منذ الساعات الاولى من الفجر ودخولهم في منازعات ومشاجرات عنيفة افضى العديد منها الى مصادمات قاتلة، هي من أكثر المشاهد الدامية لما فعله الغلاء بكرامة المصريين. ومع ذلك يمكن القول: إن ثمة محاولات رسمية تبذل لمواجهة هذا الوضع الذي ينذر بالكارثة الامنية وبخاصة في ظل انفجار سكاني حاد، وفساد متفاقم غير مسبوق في حجمه طوال تاريخ مصر، وعلى الأقل ثمة مؤسسات نقابية ومدنية، وهامش من حرية الصحافة واستقلال المؤسسة القضائية.. بينما هذه المزايا في مواجهة كارثة الغلاء تكاد تنعدم في أغلب الدول العربية، وعلى الأخص الخليجية. *** علاوة الغلاء كأنما ليس كافيا ان يقتنع المواطن البسيط بهذا المبلغ الزهيد المحدد بـ 50 دينارا كعلاوة غلاء ولمدة عام واحد فقط، وكأنما ليس كافيا ان يتفرج هذا المواطن منذ شهور على هذه المجادلات والإحالات والاجتماعات واللجان المشتركة بين الحكومة والمجلس النيابي أو بين المجلس النيابي ومجلس الشورى، أي ادخاله – المواطن – في “مرمطة” وبهدلة لا يعرف رأسها من كرياسها من أجل حفنة هذه الـ 50 دينارا، والتي هي اساسا من مال هو المال العام، فإذا به يجد نفسه من مشاهير الاعلام في الصحافة لوجود اسمه ضمن قائمة مستحقي علاوة الخمسين دينارا هذه لتنهال عليه المكالمات التليفونية من كل حدب وصوب مهنئة اياه بظهور اسمه ضمن مستحقي “الصدقة”. حقيقة لا أحد يفهم هذه النماذج المتناقضة من الشفافية في نشر الاسماء، ففي حين بحت اصوات الناس وهي تطالب منذ سنوات بنشر أسماء الطلبة المستحقين للبعثات والمنح في حين تصر الوزارة على نشر أرقامهم السكانية من دون نشر أسمائهم، وعلى العكس من ذلك فانه في الوقت الذي يفترض ان تنتفي الحاجة تماما إلى نشر اسماء مستحقي “صدقة” الغلاء فانه يتم نشر أسمائهم والتشهير بحاجتهم الى هذا المبلغ الزهيد على الملأ وكأنهم ربحوا 50 مليون دينار لا 50 دينارا لا تغني ولا تسمن من جوع. ولئن كان من حسن حظ الذين لم تشملهم القائمة ان اسماءهم حجبت لتحفظ ماء وجوههم – ولاسيما اذا ما كانوا من موظفي الحكومة – فان ماء وجوههم هذه سرعان ما ستتم إراقتها بإلزامهم مراجعة مراكز التسجيل لإثبات مستحقيتهم، وذلك لمجرد ان الجهات الرسمية المعنية وقعت في أخطاء فنية او بيانية او احصائية ما كان ينبغي ان تقع فيها. يا جماعة “الخير”، المسألة في منتهى البساطة ولا تحتاج الى كل هذه التعقيدات والتطويلات، فكما حصلتم على القائمة التي نشرت في الصحافة من الجهة الرسمية المعنية، فبإمكانكم الحصول على قائمة متكاملة للمستحقين الذين لم تشملهم هذه القائمة من الجهة نفسها، ولا داعي لهذا السحق المتواصل لكرامة المواطن المسحوق من أجل بضعة دنانير هي في الأصل من ماله العام.
 
صحيفة اخبار الخليج
26 مارس 2008

اقرأ المزيد

مؤتمر الحوار الوطني

تنظم لجنة التنسيق بين الجمعيات السياسية مؤتمرها الوطني‮ ‬الثاني‮ ‬في‮ ‬التاسع والعشرين من هذا الشهر،‮ ‬وسينصرف المؤتمر لمناقشة قضية الوحدة الوطنية في‮ ‬مواجهة مخاطر الانقسام الطائفي‮ ‬والمذهبي‮ ‬الآخذة في‮ ‬التزايد‮.‬ ويبدو اختيار القائمين على المؤتمر لهذا الموضوع منسجما مع ما‮ ‬يدور في‮ ‬المجتمع وفي‮ ‬مجلس النواب وفي‮ ‬مؤسسات المجتمع المدني‮ ‬وفي‮ ‬الصحافة من سجالات حول المسألة الطائفية بالذات وانعكاسها على الوحدة الوطنية وعلى المناخ السياسي‮ ‬في‮ ‬البلاد عامة‮.‬ وليست لدينا أوهام بأن مؤتمراً‮ ‬يستغرق‮ ‬يوما واحدا سيحل مشكلة عويصة بهذا الحجم،‮تتباين حولها الرؤى،‮ ‬إذا ما‮ ‬غصنا في‮ ‬جوهر الأمور وتخطينا الإطار العام الذي‮ ‬يمكن أن‮ ‬يكون محل اتفاق‮.‬ ‮ ‬ذلك أن الطائفية،‮ ‬وما هو على شاكلتها من عوامل فُرقة،‮ ‬باتت ثقافة راسخة في‮ ‬التفكير الجمعي‮ ‬لقطاعات واسعة،‮ ‬بل إن هناك جمعيات سياسية وتكوينات أخرى في‮ ‬المجتمع ذات طبيعة طائفية ومذهبية ملازمة لها بصورة بنيوية،‮ ‬ويصعب عليها،‮ ‬إن لم‮ ‬يستحل أن تتخطاها،‮ ‬بسبب التركيبة الفكرية والاجتماعية لها‮.‬ رغم ذلك فأن‮ ‬يتوجه هذا الطيف الواسع من الجمعيات السياسية في‮ ‬البلاد إلى تنظيم مؤتمر لمناقشة هذا الموضوع‮ ‬يُعد خطوة ايجابية على قدر من الأهمية‮. ‬فأمر طيب أن‮ ‬يلتقي‮ ‬ممثلو التيارات المختلفة وأصحاب التصورات والرؤى المتعددة في‮ ‬قاعة واحدة لمناقشة هذا الموضوع وقول كلمتهم حوله‮.‬ من شأن ذلك أن‮ ‬يساهم،‮ ‬إيجابا،‮ ‬في‮ ‬التأسيس لقاعدة مستقبلية لحوارات مشابهة تظهر‮ ‬يقظة المجتمع تجاه ما‮ ‬يدور فيه من إشكالات وتفاعلات،‮ ‬وما‮ ‬يختمر في‮ ‬القاع من إرهاصات لظواهر حَرية بالمعاينة والدرس‮.‬ وعلينا ألا نغفل أن مسألة بحجم المسألة الطائفية لم تعد مسألة محلية فقط،‮ ‬فقد باتت لها أبعاد خارجية،‮ ‬بسبب ما‮ ‬يعيشه إقليمنا القريب،‮ ‬وما هو أبعد منه أيضاً،‮ ‬من تجاذبات وانقسامات طائفية ومذهبية وإثنية،‮وهي‮ ‬أمور تنعكس على مجتمعنا الصغير بصورة مباشرة،‮ ‬خاصة مع وجود من‮ ‬ينفخ في‮ ‬أوار ذلك،‮ ‬غير آبه بانعكاساته الخطرة على مصير الوطن والشعب‮.‬ غنيٌ‮ ‬عن القول إن للحوار أطرافاً،‮ ‬فلا‮ ‬يمكن لأحد أن‮ ‬يحاور نفسه وإنما‮ ‬يحاور آخرين،‮ ‬لذا فالدولة مطالبة بأن تغادر موقفها السلبي‮ ‬من المشاركة في‮ ‬الفعاليات التي‮ ‬تقيمها الجمعيات السياسية ومؤسسات المجتمع المدني،‮ ‬وأن تأتي‮ ‬لمؤتمر السبت القادم بمن‮ ‬يمثلها لتستمع لما‮ ‬يقوله المشاركون فيه،‮ ‬وتدلي‮ ‬بدلوها في‮ ‬القضايا المطروحة‮.‬ سينظر إلى هذا الموقف نظرة ايجابية كونه سيعبر،‮ ‬فيما لو اتخذ،‮ ‬على انه مساهمة في‮ ‬مد جسور الثقة والتفاهم بين الدولة والمجتمع،‮ ‬ويعكس رغبةً‮ ‬في‮ ‬تحقيق التواصل والتفاعل البناء،‮ ‬بديلاً‮ ‬لموقف اللامبالاة وعدم الاكتراث الذي‮ ‬لا‮ ‬يعكس حرصاً‮ ‬على الاقتراب من هموم وهواجس وتصورات المجتمع‮.‬ 
صحيفة الايام
26 مارس 2008

اقرأ المزيد

التمييــز والتشريعــات

يحتل مبدأ المساواة أهمية بالغة في حياة الشعوب، إذ يعتبر من أهم المبادئ التي تقوم عليها الحقوق والواجبات العامة، وهو مبدأ تستوجبه الحياة المشتركة للجماعة البشرية، وقد حرصت الدساتير والتشريعات على اختلافها في جميع الدول الديمقراطية على تأكيد أهميته وجاءت نصوصها معبرة بعمق عن مضامين هذا المبدأ، فهو مبدأ يشكل حجر الزاوية في كل تنظيم سياسي ذي طبيعة ديمقراطية. وقد عنى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر في العاشر من ديسمبر عام 1948 باعتباره أول وثيقة تعنى بحقوق الإنسان بالتأكيد على المستوى الأممي على العديد من النصوص التي تتضمن الحق في المساواة بين المواطنين كما تناولت الكثير من المعاهدات والبروتوكولات والدساتير هذا المبدأ لما يشكله من محور مهم في تأكيد الحقوق ونبذ التمييز.
 
أولاً: مبدأ المساواة في النطاق العالمي:
– لقد تضمن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر في 10 ديسمبر 1948 العديد من النصوص التي تتضمن الحق في المساواة بين المواطنين أبرزها:
1-  يولد جميع الناس أحراراً ومتساوين في الكرامة والحقوق وهم قد وهبوا العقل والوجدان وعليهم أن يعاملوا بعضهم بعضاً بروح الإخاء (المادة 1).
2- لكل إنسان حق التمتع بجميع الحقوق والحريات المذكورة في هذا الإعلان، دونما تمييز من أي نوع، ولا سيما التمييز بسبب العنصر أو اللون، أو الجنس، أو اللغة، أو الدين، أو الرأي سياسياً وغير سياسي، أو الأصل الوطني أو الاجتماعي، أو الثروة، أو المولد أو أي وضع أخر (المادة 2).
3- الناس جميعاً سواء أمام القانون، وهم متساوون في حق التمتع بحماية القانون دونما تمييز، كما يتساوون في حق التمتع بالحماية من أي تمييز ينتهك هذا الإعلان ومن أي تحريض على مثل هذا التمييز (المادة 7).
4-   أ- لكل شخص حق المشاركة في إدارة الشئون العامة لبلده أما مباشرة وإما بواسطة ممثلين يختارون بحرية.
ب- لكل شخص، بالتساوي مع الآخرين، حق تقلد الوظائف العامة في بلده.
ج- إرادة الشعب هي مناط سلطة الحكم، ويجب أن تتجلى هذه الإرادة من خلال انتخابات نزيهة تجري دورياً بالاقتراع العام وعلى قدم المساواة بين الناخبين وبالتصويت السري أو بأجراء مكافي من حيث ضمان حرية التصويت. (المادة 21)
 
– كما تضمن العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الصادر في 16 ديسمبر 1966 (والذي بدء بالنفاذ اعتباراً من 23 مارس عام 1976 طبقاً للمادة 49 منه) وقد جاءت النصوص بالعهد في مجال تطبيق مبدأ المساواة بين المواطنين متعددة وأبرزها التالي: 
 1-  تتعهد الدول الأطراف في هذا العهد باحترام الحقوق المعترف بها فيه، وبكفالة هذه الحقوق لجميع الأفراد الموجودين في إقليمها والداخلين في ولايتها، دون أي تمييز بسبب العرق، أو اللون، أو الجنس، أو اللغة، أو الدين، أو النسب، أو غير ذلك من الأسباب. (المادة 2)
2-  يكون لكل مواطن، دون أي وجه من وجوه التمييز المذكور في المادة الثانية، الحقوق التالية، التي يجب أن تتاح له فرصة التمتع بها دون قيود غير معقولة: 
   أ‌- أن يشارك في إدارة الشئون العامة، أما مباشرة وأما بواسطة ممثلين يختارون في حرية، 
   ب‌- أن ينتخب أو ينتخب، في انتخابات نزيهة تجري دورياً بالاقتراع العام وعلى قدم المساواة بين الناخبين وبالتصويت السر ي، تتضمن التعبير الحر عن إرادة الناخبين. 
   ت‌- أن تتاح له، على قدم المساواة عموماً مع سواه، فرصة تقلد الوظائف العامة في بلده (المادة 25).
3- الناس جميعاً سواء أمام القانون ويتمتعون دون أي تمييز بحق متساوي في التمتع بحمايته، وفي هذا الصدد يجب أن يحظر القانون أي تمييز وأن يكفل لجميع الأشخاص على السواء حماية فعالة من التمييز لأي سبب، كالعرق أو اللون، أو الجنس، أو اللغة، أو الدين أو الرأي سياسياً أو غير سياسي، أو الأصل القومي أو الاجتماعي أو الثروة أو النسب، أو غير ذلك من الأسباب. (المادة 26)
 
– وكما تضمن العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الصادر في 16 ديسمبر 1966 (والذي وضع موضع النفاذ بدءاً من 3 يناير سنة 1976 طبقاً للمادة 27 منه) العديد من النصوص تتضمن الحق في المساواة بين المواطنين وهي كالتالي:
1-  أن ممارسة الحقوق المنصوص عليها في هذا العهد بريئة من أي تمييز بسبب العرق، أو اللون، أو الجنس، أو اللغة، أو الدين، أو الرأي سياسياً أو غير سياسي، أو الأصل القومي أو الاجتماعي، أو الثروة، أو النسب، أو غير ذلك من الأسباب (المادة 2).
2-  تتعهد الدول الأطراف في هذا العهد بضمان مساواة الذكور والإناث في حق التمتع بجميع الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية المنصوص عليها في هذا العهد (المادة 3).
 
ثانياً: مبدأ المساواة في النطاق الدستوري المحلي:
أن المشرع الدستوري ولبيان مكانة مبدأ المساواة وأهميته وحقيقة مضمونة فقد أكده في قمة هرم المنضومة التشريعية وهو الدستور حيث جاء في صدارة الدستور (بالمادة 4) من الباب الثاني بحيث جعل ذلك المبدأ أبرز المقومات الأساسية للمجتمع بالنص على أن “العدل أساس الحكم، والتعاون والتراحم صلة وثقي بين المواطنين والحرية والمساواة والأمن والطمأنينة والعلم والتضامن الاجتماعي وتكافؤ الفرص بين المواطنين دعامات للمجتمع تكفلها الدولة. كما جاءت المادة 18 من الدستوروالتي نصت على أن (الناس سواسية في الكرامة الإنسانية، ويتساوى المواطنون لدى القانون في الحقوق والواجبات العامة، لا تمييز بينهم من ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة وجاءت هذه المبادئ لصون حقوق المواطنين وحرياتهم في مواجهة صور التمييز التي تنال منها أو تقيد ممارستها.
 
ثالثاً: التمييز:التعريف والنطاق في التطبيق:
مما تقدم يتضح جلياً بأن المبادئ التي أستقر عليها التعاطي مع مبادئ المساواة سواء على صعيد النطاق الدولي أو النطاق المحلي هي تلك التي حددتها المواثيق والدساتير وإنما وكما هي تتصف بأنها على سبيل المثال وليس الحصر من حيث أنها لا تقتصر على ما كفله الدستور من حريات وحقوق وواجبات بل تتعدي ذلك إلى التي يقررها التشريع (القانون) والتي هي في ذاتها تأصيل للمبادئ الثابتة بالمواثيق والدساتير فإذا كانت صور التمييز المجافية للدستور يتعذر حصرها وكما سبق القول بأنها جاءت على سبيل المثال لا الحصر إلا أن تلك الصور قوامها كل تفرقه أو تقييد أو استبعاد ينال بصورة تحكمية من الحقوق والحريات التي كفلها الدستور أو القانون، سواء بإنكار أصل وجودها، أو تعطيل أو انتقاص أثارها، بما يحول دون مباشرتها على قدم المساواة الكاملة بين المؤهلين قانوناً للانتفاع بها. وبمناسبة ذلك فأن ما جاء بنص المادة 18 من الدستور البحريني لا يمكن تفسيرها بأنها صور حصرية للتمييز وإنما جاءت بمناسبة بأنها الأكثر شيوعاً في الحياة العملية ولا يدل بالتالي انحصارها فيها دون غيرها إذ لو قيل بأن التمييز المحظور دستورياً لا يقوم إلا في الأحوال التي بينتها المادة 18 من الدستور وهي حالات التمييز بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة، لكان التمييز فيما عداها مشروعاً وغير مناهض للدستور، وهو نظر لا يستقيم مع المساواة التي كفلها ويتناقض مع الغاية المقصودة من إرسائها، يؤيد ذلك أن من صور التمييز التي لم تصرح المادة المذكورة بالإشارة إليها ما لا يقل في أهميتها وخطورة الآثار المترتبة عليها من تلك التي عنيت بإبرازها، كالتمييز بين المواطنين في مجال الحريات والحقوق العامة التي كفلها الدستور لاعتبار يتعلق بالموالد أو المركز الاجتماعي، أو الانتماء الطبقي أو الانحياز لرأي بذاته سياسياً كان هذا الرأي أو غير سياسي أو العصبية والقبلية. وبالتالي فأننا نخلص إلى أن مظاهر التمييز متعددة في أي مجتمع من المجتمعات ألا أن تلك المظاهر إذا لم تواجه ببناء تشريعي قائم على أساس من المساواة ويجرم التمييز فأن استمرارية هذا النمط سوف يستمر ضاغطاً على أمكانية وجود الوحدة الوطنية بين مكونات المجتمع ونسيجه الاجتماعي وعليه: 
تجمع المواثيق والاتفاقيات على تعريف التمييز بأنه أي تمييز أو تفضيل أو استثناء أو تقييد يقوم على أساس العرق أو اللون أو النسب أو الأصل القومي أو الاثني و يستهدف أو يستتبع تعطيل أو عرقلة الاعتراف بحقوق الإنسان والحريات الأساسية أو التمتع بها أو ممارستها على قدم المساواة في الميدان السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي أو الثقافي. وبالتالي فان التمييز يعتبر الوجه الأخر من اللا عدالة والمساواة والتشريعات البحرينية ليست بمنى عن عملية التمييز حيث يعاني المجتمع البحريني من وتيرة تكاد في السنوات الأخيرة متصاعدة وصمت المجتمع بالانشقاق خاصة في ظل وجود طوائف وأعراق تشكل نسيجنا الاجتماعي، وتلك التشريعات بحاجة بلا شك لتعديل لتتوافق مع الإعلان والمعاهدات الدولية وما جاء بالدستور من نطاق التأكيد على المساواة بالإضافة إلى الحاجة إلى سن قانون يجرم أي انحراف عن أوجه العدالة والمساواة في المجتمع. والسؤال هنا هل نحن أمام ظاهرة أو عملية مبرمجة لتكريس النعرات الطائفية في المجتمع وهل هناك اتجاه حقيقي لمحاربةالتمييز بأشكاله؟ قد يكون من المهم التطرق إلى بعض الأمثلة التي تعبر بأن التمييز في التشريعات لا يؤسس إلى مغادرة مواقع التمييز بل انه يعززها في المجتمع ونرى من المهم تحديد التحديات التي تواجه المجتمع للوقوف على الكيفية التي من خلالها مواجهة التمييز.
 
رابعاً: التمييز في التشريعات:
المثال الأول: قانون الجنسية البحريني:
صدر قانون الجنسية البحريني في عام 1963 وعلى الرغم من الاشتراطات الواردة بالقانون لمنح الجنسية البحرينية للعرب والأجانب المقيمين ألا أن هناك انحراف في منح الجنسية وبصورة تميزية ففي حين ما زال بعض المولودين بالبحرين والمقيمين فيها والذين لم يعرفوا وطناً غيرها لا يحملون الجنسية يتم تجنيس أعداد كبيرة بصورة خارجة عن القانون ضمن منطلقات سياسية لا تخدم المجتمع. فإذا كانت المواطنة هي الولاء للوطن في عملية تراكمية لأصل الفرد من الأجداد إلى الآباء فأن التجنيس خارج إطار القانون بلا شك أصبح عبء كبير وقانون الجنسية لا يقف عن هذه الحدود وإنما يشكل تمييزاً أخر ضد المرأة حين هو يعترف لأبناء المواطن البحريني بحق اكتساب جنسية والدهم ولا يعترف بذلك الحق لأبناء المواطنة البحرينية إلا في حالتي كون والدهم عديم الجنسية أو إذا لم يثبت نسبهم لأبيهم قانوناً.
 
المثال الثاني: المساواة أمام القانون:
يرتكز جوهر هذا المظهر من مظاهر مبدأ المساواة على أن جميع المواطنين يشكلون طائفة واحدة، بلا تمييز لأحدهم على أخر في تطبيق القانون. ويلقى هذا المبدأ على الإدارة التزامان، أولهما إيجابي ويتمثل من إلزامها بمعاملة جميع الأفراد داخل المجتمع على قدر من المساواة، والثاني سلبي يتمثل في ضرورة امتناعها عن التمييز بين الأفراد المتماثلين في المراكز القانونية، ولا شك بأن المساواة أمام القانون لا تعني وعلى النحو الذي بيناه سلفاً المساواة الفعلية أو الواقعية، وإنما المساواة القانونية التي تعنى تكافؤا الفرص بين أصحاب المراكز القانونية المتماثلة ودون تمييز بين الأفراد على أساس تحكمي وغير موضوعي. وعلى ذلك فأن وأن كان قانون الخدمة العسكرية لم ينطوي في ذاته شروط استبعاد لفئة معينة أو عقيدة محددة ألا أن الواقع التحكمى غير الموضوعي في الواقع العملي قد كرس بأن هناك طائفة وأعراق بالمجتمع قد حرموا من أداء أسمى الواجبات الوطنية، وبالتالي فأن ذلك يعد تمييزاً وخارجاً على أبرز الضوابط بمبدأ المساواة في أداء الخدمة العسكرية وهي في أن تكون المساواة عامة. وقد أكد ذلك الدستور بالمادة 30/ب بالنص على أن “الدولة وحدها التي تنشئ قوة الدفاع والحرس الوطني والأمن العام ولا يولي غير المواطنين هذه المهام إلا في حالة الضرورة القصوى وبالكيفية التي ينظمها القانون”
 
المثال الثالث: قانون مباشرة الحقوق السياسية:
نصت المادة 1/هـ من الدستور على أن (( للمواطنين رجالاً ونساءاً حق المشاركة في الشئون العامة والتمتع بالحقوق السياسية ، بما فيها حق الانتخاب والترشيح ، وذلك وفقاً لهذا الدستور وللشروط
 والأوضاع التي يبيتها القانون . ولا يجوز أن يحرم احد المواطنين من حق الانتخاب أو الترشيح إلا وفقاً للقانون)) وهذا النص بلا شك يعبر بصورة خاصة بان تنظيم الحقوق يجب أن يكون بقانون ينظم ذلك الحق ، إلا أن قانون مباشرة الحقوق السياسية وإن كان قانوناً نظم مباشرة ذلك الحق إلا أنه انطوى بنصوص جاءت من التمييز في تحديد المناطق والدوائر الانتخابية وذلك بانتقاص الحق والإخلال بالمبدأ الدستوري المؤكد على إن التنظيم يجب إلا ينال من اصل الحق ، حيث أن نص المادة 17 من قانون مباشرة الحقوق السياسية قد أعطت الحق في تحديد المناطق والدوائر الانتخابية وحدودها من خلال مراسيم تصدرها السلطة بحيث جاءت ضمن توزيع لا يعكس العدالة والمساواة . وبالتالي فإن التنظيم التشريعي للدوائر الانتخابية بما يتضمنه من تنظيم لحقي الترشيح والانتخاب يكون مخالفاً للدستور إذا كان الأثر المترتب عليه هو الإهدار أو الانتقاص الجسيم من حق طائفة من المواطنين في الترشيح أو الانتخاب على قدم المساواة وعلى أساس من تكافؤ الفرص مع غيرهم من المواطنين المتماثلين معهم في المركز القانوني.
 
المثال الرابع: المحاكم الشرعية ودور القضاء:
بلا شك بأن المرأة والأسرة عموماً تعاني من عدم وجود قانون يحتكم إليه المتقاضي أمام المحاكم الشرعية مما يجعل الهوة بين إحقاق العدالة مقيده بانتماء القاضي للمدرسة التي يرى من خلالها ضمن منظوره للعدالة ويترتب على ذلك و في ظل عدم وجود القانون المنظم للتقاضي أمام المحاكم الشرعية إن مسالة المساواة قد ترتب عليها نتائج ساهمت في التمييز أبرزها عدم وحدة القضاء مما أدى إلى عدم إتاحة التقاضي من خلال إتباع ذات الإجراءات والحصول على ذات المعاملة لجميع المتقاضين دون تفرقه مما أوجد محاكم خاصة أو إستئنافية لأفراد معينين بذواتهم أو لطوائف أو طبقات اجتماعية معينة (المحاكم الشرعية مثالاً وقانون توارث الإمارة الذي أعطى الحق لمجلس العائلة الفصل في مسال الأحوال الشخصية للعائلة الحاكمة).
 
المثال الخامس: التمييز في حق الملكية:
أن مصادرة حق التملك ببعض المناطق ومنع التداول وقصر ذلك على البعض دون الآخر يعد في حد ذاته تمييز مخالفاً لأبسط الحقوق المصونة دستورياً، فمنع التملك بمنطقة الرفاع وتقيد التصرفات بالبيع والشراء للأملاك الخاص ببعض مجمعات منطقة المحرق يقع بلا شك في دائرة التمييز بين المواطنين. أن تلك الأمثلة نسوغها على سبيل المثال في حين أن هناك الكثير من مظاهر وصور التمييز سواء أمام المرافق العامة أو في شغل الوظائف العامة التي تأخذ في بعض تفاصيلها منحي طائفي وبذلك فإن الحقائق على الأرض والواقع لا يمكن إنكارها في وجود تمييز في الكثير من المجالات مما يدعوا إلى ضرورة وجود قانون يجرم التمييز بجميع أشكاله لضمان المساواة والعدالة في المجتمع.و لضمان ذلك فأن الدولة والجهة التشريعية وضمن نطاق المسئولية الدستورية عليها بأن تتبنى الخطوات التالية للخروج من حالة التمييز:
-    إصدار قانون مكافحة التمييز بكافة أشكاله، وتشكيل الهيئة الوطنية لمكافحة التمييز، وتعنى بمراقبة تطبيق القانون، بحيث يقوم مجلس النواب بتعيين أعضائها، وتكون مهمتها التأكد من التزام الدولة والمؤسسات الخاصة بقانون مكافحة التمييز.
-    تشكيل لجان تحقيق في طريقة التعيين والترقي في الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يمنع فيها بشكل واضح أبناء طائفة أو عرق معين من دخولها أو إعاقة الحصول على مراكز قيادية فيها.
-    ضمان الانتماء للمؤسسة العسكرية والأمنية لجميع المواطنين، وبحرنة هاتين المؤسستين ضمن برنامج زمني محدد.

اقرأ المزيد

ورقة جمعية الوفاق الوطني الاسلامية لمؤتمر الحوار الوطني



عنوان الورقة : المواطنة والطائفية وأثرهما على المشاريع الوطنية

 من منظور جمعية الوفاق الوطني الإسلامية



مقدمة :

رغم انفتاح نظام الحكم ، و توفرمشروع سياسي إصلاحي ، فإن ذلك لم يمنع من وجود شيء من التوترات لأسباب كثيرة ربما أبرزها هو إنعدام وجود حالة من الثقة بين المواطنين والدولة. فلا تزال أجواء الإنفراج حذرة ومتقلبة ، فضلاً عن غياب معيار المواطنة ، ووجود التمييز الطائفي الذي بات يتحكم في مفاصل العديد من الخطوات ، وهذا يعني إن أمامنا الكثير ؛ لمعالجة الآثار والوقوف على النتائج .
فمن خلال التشخيص الحالي للساحة السياسية يتضح بأن هناك تمييزًا طائفيًا صارخًا تشهده الساحة ويعاني منه المواطن البحريني ، فالتمييز في جميع الوزارات بلا استثناء ، وأن المشكلة تأخذ في التفاقم والإتساع بشكل متسارع ، لصالح الطائفة السنية في السابق والآن لصالح المجنسين ، وأن الطائفة الشيعية هي الطائفة المهمشة ، ومن هنا نشأت هناك حاجة ماسة إلى معالجة حالات التمييز الطائفي من خلال فتح حوارات مع القيادة السياسية ، ولأن أبواب الحوار موصدة أمام المعارضة صار لا بد من التفكير في آليات أخرى تعطي نتائج مقاربة ؛ لمحاربة التمييز الطائفي بأنواعه . إن التمييزالطائفي حقيقة قائمة وهي  نتاج  الإرادة السياسية للحكومة ، والذي يجعل المشكلة أكثر تعقيدًا رداءة تعاطي الدولة مع الملف ، فالحكومة تحاول جاهدة إلى إحداث شرخ بين السنة والشيعة وإيجاد توتر طائفي ؛ لتحقيق أهدافها .


مفهوم المواطنة :

المواطنة تعني مواطنين متساوين في الحقوق والواجبات داخل حدود الدولة ، وهو ما يعني أن كافة أبناء الشعب الذين يعيشون فوق تراب الوطن سواسية بدون أدنى تمييز قائم على الدين أو الجنس أو اللون أو المستوى الاقتصادي أو الانتماء السياسي والموقف الفكري، ويرتب التمتع بالمواطنة سلسلة من الحقوقوالواجبات  ، وأساس هذه المواطنة الخضوع لقانون واحد.
في حين إننا نجد واقعًا يختلف عما نفهمه عن المواطنة ،  والورقة الحالية تكشف لنا العديد من الحقائق والأرقام التي تؤكد ما نعيشه من تناقض صارخ ما بين النصوص والشعارات .
 
مفهوم الطائفية :
هي مجموعة الظواهر التي تعبر عن استخدام العصبيات المرتبطة بظاهرة المحسوبية ، في سبيل الالتفاف على القانون أو تحييده ، وتحويل الدولة والسلطة  من إطار لتوليد إرادة عامة ومصلحة كلية، إلى أداة لتحقيق مصالح خاصة وجزئية ، بمعنى آخر اختطاف للسلطة السياسية لأهداف خاصة.
 فالطائفية تعني استخدام كل أشكال التضامنات الخاصة ، القائمة على القرابة المادية، كالعشيرة والعائلة ، أو المذهبية، كما تنطبق مع آليات شراء الضمائر والرشوة ، والالتفاف على معايير الخيارات السياسية.
ونتيجتها تهديد الدولة ومؤسساتها بالتحول إلى أدوات ؛ لخدمة مصالح خاصة بدل أن تكون إطار لبلورة المصلحة العامة .
 إن الطائفية تنشأ عندما تنقل إحدى هذه الجماعات هذا التضامن والتكافل إلى مستوى الدولة ، والسبب في ذلك أن انتقال قانون الجماعة الخاصة أو العصبية، من مجال عمل المجتمع إلى مجال عمل الدولة يخرب الدولة نفسها ويحرمها من تحقيق أهدافها .


أصل التمييز الطائفي وأسبابه :

بداية لا بد من الإقرار بأن التمييز في البحرين واقع ملموس ، لأن المجتمع البحريني على رغم تكونه من طائفتين كريمتين فإن التمييز واقع في داخل الطائفتين ، وإن التمييز عبارة عن هرم من الإمتيازات في قمته مجموعة من العائلات التي تمثل “الحلف”، ومن ثم يأتي أسفلهم “أصدقاء الحلف”، فيما هرم طائفي آخر داخل هذا الهرم تقف على قمته عائلات الطائفة المغلوب على أمرها والمتحالفة مع هذا الحلف، ووضعهم أفضل من الآخرين الواقعين أسفل الهرم… وهكذا.
وفي محاولة جادة لفك طلاسم الموضوع نرى بأن أصل التمييز الطائفي سياسي الأصل وله علاقة بالولاء للسلطة الحاكمة ، فبعض العائلات الشيعية التي كان ولاؤها للسلطة مضمونًا حصلت على إمتيازات عدة ، فيما عائلات أخرى بقيت في قاع الهرم ، فالذي لا يضمن ولاؤه للقيادة السياسية لا يضمن أن يحصل على وظيفة قيادية في الدولة،ولا نتصور أن الإدارات بنيت على أساس منطق الكفاءة  ، ما أفرز التمييز الطائفي، ولذلك فإن التمييز بدأ سياسيًا وانتهى طائفيًا ، فالتمييز الطائفي في البحرين تمييز سياسي ، وتمييز لأعتبارات الولاء والقبلية ، أن التمييز في البحرين له دوافعه السياسية وليست المذهبية .
وتعمق التمييز نتيجة تضخم الدولة ولكونها أصبحت مصدرًا للثروة والمكانة والإمتيازات، فالبحرين الصغيرة أصبح فيها 45 وزيرًا أو مايوازي منصب الوزير، فضلاً عن مساعديهم ووكلاءهم والمديرين وما إلى ذلك.
في حين أن جلالة الملك كرر في الكثير من كلماته منذ مجيئه إلى الحكم عدم التمييز على أساس المذاهب أو الأعراق، وهذا يدل على شعوره بالمشكلة ، والمشكلة لا يمكن حلها فقط من خلال الشعور بها ولكنها تحتاج لإرادة للقضاء عليها ، ولدينا فرصة المشروع الإصلاحي فرصته أن يحتوي كل المشاكل العالقة والتي تحتاج إلى إصلاح ؛ لضمان فاعليته واستمراره ، ونحتاج إلى وضع معايير واضحة في تقلد الوظائف والمناصب المختلفة، يشمل الجميع بدءًا من مجلس الوزراء إلى أصغر موظف في الدولة. 

 الواقع الحالي يعكس الكثير من الحقائق التي تؤكد وجود طائفية ، وفيما يلي بعضًا منها :
ففي الحكومة الأخيرة التي شكلت في ديسمبر/ كانون الأول 2006، مثِّل الشيعة بأربعة مناصب وزارية؛ فالدكتور نزار البحارنة، المقرب إلى جمعية الوفاق الوطني، عين وزير الدولة للشؤون الخارجية، ومجيد العلوي وزير العمل، وعبدالحسين ميرزا وزير شؤون النفط والغاز، وهو أول وزير بحريني من أصل إيراني. ولأول مرة في تاريخ البحرين يشغل شيعي، هو جواد سالم العريض، منصب نائب رئيس الوزراء.
كما أن تقرير “الحرية الدينية في العالم” بين بأن الشيعة في البحرين مازالوا يعانون من التمييز الحكومي ضدهم في مجالات معينة؛ فالأفضلية في المناصب الحكومية الحساسة تعطى للسنة، كما أن الوظائف العليا، في بعض المواقع، حكر على السنة ، يشعر حينها الشيعة بأنهم مهمشون إقتصاديًا وإجتماعيًا ، وأن مناطقهم وتجمعاتهم يغلب عليها الفقر وسوء الخدمات.
 حيث اتجهت السلطة مؤخرَا إلى تقنين التمييز ولعل أبرز مثال على ذلك هو توزيع الدوائر الانتخابية ؛ لضمان أغلبية في التمثيل السني برغم كونهم أقلية. وبهذا فقد حصلت المحافظة الجنوبية قليلة السكان وذات الغالبية السنية على 6 مقاعد، في حين حصلت المحافظة الشمالية، ذات الكثافة السكانية الكبيرة وأغلبية شيعية  على 9 مقاعد، فرقٌ شاسع غير مبرر .
عملت الحكومة على الإستمرار في سياساتها من أجل إحداث التغيير الديموغرافي ؛ من خلال منح الجنسية لغير البحرينيين من العرب السنة ؛ لتقليل الأغلبية الشيعية ، لا توجد إحصاءات دقيقية ولكن نتكلم عن أعداد تفوق الـ  70,000 إلى 80,000 أعطيت لهم الجنسية  ، غير الـ 8000 سعودي المنتمين لقبيلة الدواسر والذين مارسوا حقهم السياسي في الإنتخابات السابقة 2002 .


وأن هناك العديد من القضايا قد ظهرت نتيجة لوجود التمييز الطائفي نستطيع رصدها والتحدث عنها :

التوظيف الحكومي: تمثيل الطائفة الشيعية في القطاع العام وخصوصًا في المراكز العليا محدود جدًا ، في حين تهيمن عليها أما العائلة الحاكمة أو الطائفة السنية الكريمة ، وأغلبية المتقدمين لدى الداخلية من الشيعة مازالت تُرفض طلباتهم ، كما أبعدوا عن التوظيف في قوة الدفاع .
 العزل: يعيش الشيعة في البحرين على واقع معزول بحسب السياسيات التي تفرض عليهم ، على سبيل المثال الرفاع الغربي هي للعائلة الحاكمة ، أما الرفاع الشرقي فهي مسموح بها للسنة فقط ، لا يقتصر المنع على السكن فقط ، بل حتى على امتلاك العقارات ، ويتم تطبيق التجربة حاليًا في مواقع أخرى كالمحرق مثلاً لتغلق بالكامل لطائفة محددة وعزل الأخرى .
الإسكان : يعيش عشرات الألوف من الشيعة الفقراء في مساكن ضيّقة وفقيرة في حين تمتلك العائلة المالكة أراض أكثر مما تستخدم وكذلك أهم العقارات.
البطالة :لقد كانت البطالة عاملاً رئيسياً في توليد التذمر لدى الأوساط الشيعة ، فبحسب الجهات الرسمية فإن نسبة البطالة تصل إلى 15% ، والرقم الفعلي أعلى من ذلك بكثير ، بحسب تقارير دولية  ، وثمة تقارير تشير إلى أن الشيعة يهيمنون على القوة العاملة لبعض الوزارات، مثل الصحة والصناعة ، وفي القطاع الخاص يعمل الشيعة في مهن متدنية المهارة، ومنخفضة الأجر، تقل عن 200 دينار بحريني في الشهر ، أي أقل من الحد الأدنى لأسرة مؤلفة من شخصين، والذي حددته وزارة العمل، والبالغ 350 ديناراً .
في حين أن التقرير الذي تبنّاه ديوان ولي العهد ذكر بأن: لدى البحرين إقتصادًا ناميًا ولكن لا يبدو أن  البحرينيين يتمكنون من الاستفادة منه ويزيد بأن حاليًا ثلثهم يعملون دون مستوى مهاراتهم وستزداد النسبة إلى 70% في العام 2013م بهذا الوضع الحالي ، وهذا يعنى أنهم غير قادرين على الحصول على مدخول يناسب مستواهم التعليمي وخبراتهم وتوقعاتهم ،  في حين كان متوسط دخل الفرد البحريني 420 دينارًا شهريًا  في 1990م فقد انخفض في العام 2002م إلى 352. وإذا ما استمر بهذا المنوال فان متوسط دخل المواطن سوف يكون 300 دينارًا شهريًا في عام 2013م .  
إن الطائفية في مجتمعنا البحريني لها صور عدة منها : جمعيات سياسية تحمل شعارات وطنية ، ولكنها تمارس التمييز مع من يريد الإنتساب إليها، وصناديق خيرية لا تساعد العوائل المحتاجة  إلا من ينتمي إليها مذهبياً أو طائفياً أو عرقياً، ومسئولون في الإدارات والمؤسسات والشركات يمارسون التمييز في التوظيف ، فلا يوظف إلا من ينتمي إلى نفس طائفته .
إن مقاومة التمييز قضية أساسية لارتباطها بمجموعة كبيرة من الحقوق السياسية والإجتماعية والثقافية وغيرها ، فضلاً عن إنضمام البحرين لإتفاقية مناهضة التمييز عام 1990 .
 
وفيما يلي بعض صور التمييز في مجتمعنا :
التمييز الطائفي : الإحصاءات تقول بأن  572 وظيفة عليا من بينها 101 لأبناء الطائفة الشيعية أي ما نسبته 18 % من مجموع هذه الوظائف ، النيابة العامة فيها 4 شيعة فقط من أصل 64 وظيفة بنسبة 6 % ، أما مجلس الشورى فمن مجموع 64 وظيفة 13 وظيفة لأبناء الطائفة الشيعية، وأكثر وظيفة يشغلونها هي وظيفة سائق 6 من أصل 13 وظيفة يعملون كسائقين ، كما أن إجمالي الوظائف في مجلس النواب 108 وظيفة ، 39 وظيفة فقط يشغلها أبناء الطائفة الشيعية، أي بنسبة تقل عن 37 % .
والتمييز الطائفي ينطبق على جميع الوزارات دون استثناء ، بل إن هناك مجموعة من الوزارات والمؤسسات الحكومية لا يوجد فيها أي شيعي في وظائفها العليا، كوزارة الإعلام، وزارة الدفاع، المؤسسة العامة للشباب والرياضة، الهيئة العامة لحماية الثروة البيئية، جهاز المساحة والتسجيل العقاري ومركز البحرين للدراسات والبحوث؛ فيما بعض الوزارات كوزارة الداخلية لا يتجاوز الشيعة في مناصبها العليا نسبة 3% .

ليس ذلك بحسب حيث تشير الإحصاءات في مناطق جديدة مثل مدينة حمد ومدينة عيسى، إلى أن كلاً منها بها 4 مساجد للشيعة فقط مقابل 20 مسجدًا للطائفة السنية، أما في منطقة عراد فهناك 6 مساجد للشيعة “في عراد القديمة فيما لم يسمح لهم ببناء مساجد في منطقة الإسكان الجديدة” مقابل 16 مسجدا للطائفة السنية، وقد افترضنا في ذلك أن تكون نسبة الطائفتين من السكان متساوية على الأقل.
التمييز ضد المرأة : وخصوصًا في تقلدها الوظائف العليا ، فنسبة المرأة العاملة في القوة العاملة البحرينية 26 % مقابل 74 % بالنسبة إلى الرجل، فيما تتقلد المرأة 7 % من الوظائف العليا في المملكة مقابل 93% للرجل .
بعد الاستعراض السريع لتلك الحقائق الرقمية ألا يحق لنا أن ننعت الوضع الحالي بأن هناك تمييز طائفي صارخ يهدد المشاريع الوطنية ؟


التحديات التي تواجهنا لمحاربة التمييز الطائفي :

أعتقد بأن جمعية الوفاق الوطني الإسلامية لوحدها لاتستطيع محاربة التمييز الطائفي لعدة أسباب على رأسها أنها المبتلية البلاء الأكبر منه ، إلى جانب التركيبة الحالية لمجلس النواب لا تسمح بتحقيق إنجازات فاعلة في هذا الملف ، وما شاكله  وأكبر مثال على ذلك ما سعت إليه الوفاق بهدف تشكيل لجنة تحقيق في موضوع التمييز الوظيفي وما لقته من إصطفافات طائفية حالت دون تشكيل اللجنة أو إدارة الملف لأن الوقوف مع الملف يعني خسارة إمتيازات لبعض قيادات بعض الكتل في البرلمان ، ولكون المجلس أيضا موصوم بالطائفية ، فضلاً عن أن الحكومة تمنع من الوصول إلى هذا الموضوع ولم تتعاون معه لأنها حينها تحارب مشروعها .
وترى الوفاق بأن التمييز بات واقعًا لا يمكن الاختلاف عليه، وستكون معالجته بطيئة جدًا نظرًا إلى الأعداد القليلة جدًا التي تتقاعد سنويًا ويتم استبدالها، وخصوصًا أن التمييز يتحدث بشكل أخص عن الوظائف العليا، والآن يبدو صعبًا حل هذا الإشكال إذ لا يمكن أن تقيل شخصا بعد توظيفه وإلا كان ظلمًا أيضا .
الذي يفسر وجود الطائفية واستمرارها  ، هو غياب الإرادات الإصلاحية أولاً وتجاهل السلطة للمشكلة وإنغلاقها على نفسها من خلال غلق أبواب الحوار ، وتبعثر جهود النخب السياسية الوطنية ثانيًا وإحباطات الشارع ثالثًا .
إن اخطر ما يهدد المواطنة هو التمييز الاجتماعي والطبقي ، والدولة إذا ما مارست التمييز سينعكس ذلك على ثقافة المجتمع، إضافة إلى الموروث الثقافي للمجتمع نفسه  ، وعلى الحكومة أن تعترف بمشكلة التمييز وبالأرقام، حتى لو لم ترد الحكومة أن تناقش أسباب هذه المشكلة فلنعترف بالمشكلة أولاً على الأقل ، فشعب البحرين متسامح وقد يغفر هذا الموضوع، فقد وجدتم كيف استقبل الملك في سترة على رغم شهدائها ومعتقليها. إن على الحكومة التعامل مع جميع الموضوعات بشفافية . 
   
مطالب الوفاق ؛ لمواجهة الطائفية :
مما لا شك فيه أنّ استمرار الوضع على ما هو عليه من تخندق طائفي ليس في مصلحة البحرين، وعلى الدولة أن تعي بخطورة هذا الملف على مستقبل البحرين ، وعليها أن تعترف بذنبها وأن تضع الخطط الإستراتجية ؛ لمواجهة ما اقترفته قبل فوات الآوان ، وفيما يلي بعض المطالب التي تصر عليها الوفاق :
1.      إصلاح دستوري حقيقي، لما يعطيه الدستور من هيمنة للسلطة التنفيذية ؛ مما يعرقل مهام السلطة الرقابية .
2.     ينبغي أن يكون التدريس في المدارس والجامعات شاملاً ، وليس على أساس المذاهب فهذا تكريس للطائفية .
3.  ضرورة أن تقدم الحكومة تقاريرها الحقوقية إلى لجنة مناهضة التمييز، حتى وإن كانت قوانين الأمم المتحدة تسمح بتأجيلها ، وينبغي أن تكون ملامسة للواقع ولا تذكر فقط ما هو في الدستور من مواد تمنع التمييز .
4.  على الحكومة إشراك هيئات المجتمع المدني عند صوغها تقاريرها المتعلقة بحقوق الإنسان ، ويجب أن تكون الهيئة عند تشكيلها ملزمة بقراراتها وليست رقابية تصدر بيانات فقط.
7. إعادة تنظيم الهيكل القضائي بحيث يحقق الاستقلالية وحاكمية القانون.
8. إعادة تنظيم الإدارات الحكومية .
9. إعادة بناء الجيش والشرطة ليدافعا عن الوطن كله وليس لفئة من دون أخرى.


التوصيات
  :

 وبدورنا نقدم بعض التوصيات والمقترحات ونرجو من الحكومة التوقف عندها :
· ندعو السلطة إلى قراءة واقع الطائفية والتمييز الطائفي التي خلفته ، والعمل على تقديم الحلول على أسس سليمة ، وعليها أن تستمع لهذه المشكلة.
· العمل على إنشاء هيئة مستقلة تضم الجانبين الرسمي والشعبي مهمتها مكافحة التمييز الطائفي ، من خلال الرصد والمتابعة ؛ للعمل على معالجته ومحاربته ، ومحاسبة المتسببين في ذلك .
· العمل على تشريع قوانين تعاقب على ممارسة التمييز، وعلى مجلسي الشورى والنواب بحث كيفية تطبيق البحرين لاتفاق مناهضة التمييز، وكيف توافق التشريعات الموجودة لهذا التطبيق.
· يمكن للحكومة أن تعقد مؤتمرًا وطنيا لمناقشة التمييز الطائفي كبادرة منها بالاعتراف بالمشكلة ، ومحاولة منها بإيجاد أنسب الحلول بمشاورة القوى السياسية والشخصيات الوطنية المحبة للوطن.
· تفعيل دور مؤسسات المجتمع المدني، وتشكيل لجنة وطنية مستقلة تعمل على مراقبة الهيئات الحكومية وغير الحكومية.
· الشفافية الكاملة في التوظيف واستملاك الأراضي والمناقصات والبعثات الدراسية والخدمات والتجنيس وعموم سياسات الحكومة.
وأخيرًا ترى الوفاق بأن الديمقراطية الطائفية تكرس إنقسام المجتمع ، وتقف حجرة عثرة  أمام الإندماج الوطني، وتعمل على إفراز أزمات متلاحقة ، وبدورنا نؤكد على موقفنا بأننا لانريد ديمقراطية طائفية بل ديمقراطية وطنية يشترك فيها الجميع سنة وشبعة بلا طائفية .


الخاتمة :

من المهم هنا التأكيد على أن المواطنة ليست فقط مجموعة من النصوص والمواد القانونية ، بل يشمل وعي الإنسان داخل هذه الجماعة ، بأنه مواطن أصيل في بلاده وليس مجرد مقيم يخضع لنظام معين دون أن يشارك في صنع القرارات داخل هذا النظام .
بالإضافة إلى كل المطالب التي عبرنا عنها وإلى التوصيات التي قدمت ، نؤكد هنا على مجموعة من المنطلقات ، وننتهز هذه الفرصة التي نثمنها للحكومة بمشاركتها في المؤتمر الوطني ونعدها بادرة إيجابية إعترافا منها بأن الوضع السياسي بحاجة إلى مؤتمرات وطنية تنعقد بين الفينة والأخرى ، نستغل الفرصة لنعلن عن موقفنا الرافض لكل محاولات تمزيق الوطن على أسس دينية أو طائفية أياً كان مصدرها ،كما نرفض بشدة الابتزاز الطائفي تحت أي مسمى أو سبب  ، كما نرفض التمثيل الطائفي في المجالس الشعبية والتشريعية أو التوظيف الطائفي أو العائلي في الوظائف العامة .
ونطالب الحكومة بالعمل على إلغاء  كل مظاهر التمييز في المجتمع ، بما فيها مظاهر الوساطة والمحسوبية وتوريث الوظائف العامة فضلاً عن التمييز الطائفي والديني، ولنعمل معاً من أجل الوصول إلى اليوم الذي تكون فيه معايير الكفاءة والنزاهة هي القيم الرئيسية التي يؤمن بها الجميع في تزكيتهم للقيادة والإدارة ، ونعلن دعمنا الكامل ومشاركتنا في الدعوة للتغيير السياسي ، وضبط إيقاع العمل السياسي الوطني ، بما يضمن صالح الوطن والمواطنين .
 كما نؤكد أن الحراك الذي يعمل في اتجاه المواطنة يجعل منا معنيين بوجوب ضمان إلغاء كل أشكال الالتباس في الساحة السياسية الحالية بسبب سيطرة السلطة التنفيذية على كل من السلطتين التشريعية والقضائية، وصولاً لضمان قدرة السلطة التشريعية على اختيار ومساءلة المسئولين التنفيذيين أياً كانت مواقعهم في السلطة بطريقة دستورية حقيقية وليست صورية، ودون عراقيل ومنغصات سياسية.
ندعو الحكومة وجميع القوى السياسية إلى السعي لجعل مبدأ المواطنة والمساواة بين كافة المواطنين قضية إجماع وطني لا تحتمل التأجيل أو الالتفاف عليها أو التلاعب بها. بل نطالب الكتل السياسية في المجلس التشريعي بإدراج صيغ قانونية محددة تعبر بوضوح عدم التمييز بين المواطنين على أساس المذهب وإقرار الآليات الواجبة ؛ لضمان عدم تجاوز هذا المبدأ .


وآخر دعونا أن الحمد لله رب العالمين

 

اقرأ المزيد

الغلاء يورث الفقر

تزداد يومياً وتيرة الغلاء بشكل تصاعدي مخيف، إذ ما أن يشتري المواطن اليوم حاجة معيشية ماسة بسعر غال معين، حتى يجدها ذاتها قد ازداد سعرها بنسبة مئوية عالية جداً.
 
خذ مثلاً الألبان ومشتقاتها،  فاليوم تشتري الحليب المجفف المعبأ بكيس نايلون بسعة 2.25كجم بمبلغ 3.990د.ب، حتى تفاجأ غداً بسعره الجديد البالغ 5.125د.ب، هذا عند أرخص البرادات والأسواق، وكذلك مسحوق صابون الملابس touch من الماركات الرخيصة نسبياً، فبالأمس عبوتان من وزن 2.350 كجم بسعر 1.750د.ب، واليوم بسعر 2.190د.ب، والرز ماركة rose  من 9.200د.ب، إلى 15.500د.ب، حيث صرح أحد كبار مستوردي المواد الغذائية، بأن أسعار الرز ستزداد بمعدل 36% ، والزيوت النباتية بمعدل كبير جداً خلال الأيام القليلة القادمة وكذلك جميع المواد الأخرى.
 
كنت قبل أيام عند أحد الأصدقاء من باعة قطع غيار السيارات، فجاءه شابان يسألانه عن نوع من بطاريات السيارات بقوة 40 أمبير، فأفادهم بعدم وجود ذلك النوع لأن سعره مرتفع جداً وان هناك البديل الأرخص نسبياً، فسألاه عن السعر وكان جوابه أن سعره كان قبل فترة وجيزة -/9 د.ب،والآن -/22د.ب. بشرط أخذ البطارية القديمة من المشتري لبيعها على السكراب، وضرب مثلاً على ذلك سعر البطارية بقوة 65 أمبير من نوع rocket حيث كان سعرها حتى يوم 2/7/2007، بقيمة -/23د.ب، لكنها زادت إلى -/38د.ب، بتاريخ 14/2/2008، أي بزيادة مقدارها 75% ، ثم أخذ يعدد بعض الأمثلة على ارتفاع أسعار قطع الغيار هذه الأيام مقارنة بالسابق القريب، وهذا ينسحب على الأدوية التي ارتفعت أسعارها كحد أدنى بمقدار 15% منذ بداية هذا العام 2008، وكذلك أسعار المواد الإنشائية التي ترتفع بوتيرة شبه يومية وتتبعها أسعار المقاولات الإنشائية.
 
أما عن أسعار الأراضي، فحدث ولا حرج حيث بلغ أكثر من عشرة أضعافه خلال سنوات قليلة، ومما زاد في هذه الأسعار،  قلة وبطء المشاريع الإسكانية اللازمة لمواكبة تطور نمو المجتمع سكانياً وكذلك التجنيس العشوائي وفتح الباب على مصراعيه أمام الاستثمار الأجنبي في مجال العقارات الإسكانية، ما حدا بالعديد من الكتاب والصحفيين البحرينيين المهتمين بالشأن الوطني، أن يرفعوا صرخاتهم الغضبى ضد سياسة التجويع والفقر، ففي مقال بعنوان ” أين العدالة الاجتماعية” المنشور في جريدة الوسط البحرينية بعددها المرقم 1964 في 22/1/2008م، تتساءل الصحفية ريم خليفة قائلة ” عندما نعيش في ظل أنانية بعض المسئولين، فأننا لا نستطيع أن نطالب المواطنين بشد الأحزمة أو الاستمرار في العطاء والتضحية مادام هناك شعوراً بعدم القدرة على مواكبة متطلبات المعيشة بما يتناسب والبحرين كدولة خليجية……

إن ما يطلبه المواطن يتمثل في نعمة الحقوق، راحة البال بالنسبة إلى الجانب المعيشي، والمشاركة الفعلية بالنسبة إلى الجانب السياسي، والعدالة الاجتماعية بالنسبة لتوزيع الثروة، ولكن ما نراه هو أن الفقير يزداد فقراً والغني يزداد غنى، والطبقة الوسطى تنكمش باستمرار لتلتحق بالطبقات الدنيا داخل مجتمعنا.

 حالياً لا يهنأ بالعيش إلا نفراً قليل، وهناك بعض من هذه القلة استطاعت العيش بوفرة من خلال التملق والعيش على العطايا جراء خدمات النفاق، وهذا النوع هو الذي يزداد ثراءً يوماً بعد يوم، وهو المقرب للدولة في كل شيء وهو الذي يتسلم المناصب والتعيينات التي لا يمكن أن يتخيلها المواطن العادي….الغريب أن الجهات الرسمية لا تبخل على فئات معينة وتبذر الأموال في كل جانب، ولكنها تتردد ألف مرة إذا كان الأمر يتعلق بكل الناس….أين العدالة الاجتماعية في هذا البلد؟ “.
 
آن الأوان وبدون إبطاء،  أن يبادر أعضاء مجلس النواب المفترض تمثيلهم للشعب، فوراً وبلا مماطلة أو تسويف، بوضع حد عاجل لما يعانيه المواطنون من إجحاف بالحقوق ومن استنزاف لمداخيلهم الضعيفة والقليلة  أصلاً.
 
أن أصحاب الكروش والهوامير  وعازفي طنبور التملق والقائلين بأن كل شيء على ما يرام، يتاجرون بآلام الناس ويجمعون المال، تاركين حبل الغلاء على غارب الأرصدة.
 
أن البحرين الحبيبة وطن لجميع الطيبين المخلصين والحريصين على سيادة السلم الأهلي، وهي تدعونا اليوم، أكثر من أي وقت مضى، أن نتوحد بكل مكوناتنا المتآخية وطوائفنا الكريمة، وأن نصد عنها غائلة الاحتقان والتمترس الطائفي والعرقي البغيض، وصولاً إلى دولة المشاركة والقانون والوحدة الوطنية.
 
إضاءة 
 
أيها الناس إذا رمتم  مـــرادا                       فاقدحوا من جذوة الوعي زنادا
واستعيدوا وحدة العشق فما                        خاب صف برؤى الحق تنادى
فستسقينا عــذاري حــبـــها                        ويشيع العدل في النـــاس ودادا

خاص بالتقدمي

اقرأ المزيد

لماذا تراجع الاهتمام بالقضية الفلسطينية؟

منذ سنوات غير قليلة ومع كل مجزرة جديدة ترتكبها قوات الاحتلال الإسرائيلي بحق الفلسطينيين يتصاعد الغضب والسخط العربي وعلى الأخص الفلسطيني للصمت العربي الرسمي تجاه العدوان أو المجزرة المرتكبة. وقبل ذلك بسنوات بعيدة تمتد إلى أواسط سبعينيات القرن الماضي مع بدايات ارتداد أنور السادات عن المشروع القومي الناصري وتضعضع قوة التضامن العربي كان السخط العربي يعبر عن نفسه لا للصمت العربي بل لغياب إدانة الدور الأمريكي وعدم اتخاذ إجراءات رادعة بحق المذابح والاعتداءات الإسرائيلية بحق الفلسطينيين والعرب، وهكذا وفي ظل مسلسل التراجعات العربية الرسمية المخزية منذ ثلاثة عقود تواضع الاستنكار العربي الشعبي الى مجرد الاحتجاج لعدم صدور حتى بيانات شجب عادية مخففة تجاه الاعتداءات والمجازر المرتكبة بحق الفلسطينيين. بيد أن الحال لم يقتصر على هذا الحال من مسلسل تفاقم الضعف والهوان في الممانعة العربية على الجانب الرسمي بل امتد إلى الجانب الشعبي، وهكذا بتنا لا نكاد نشعر بأي ردود فعل شعبية منددة ومستنكرة بقوة للممارسات الوحشية الإجرامية الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين، وان صدر شيء من هذه الردود فغالباً ما تكون محدودة واشبه بالخجولة لمجرد تسجيل مواقف بيانية للتاريخ ورفع العتب أو التخفيف من حدة ألم تأنيب الضمير. على العكس من ذلك في سني الخمسينيات والستينيات والسبعينيات حيث كانت ردود الفعل الشعبية العربية الاحتجاجية حادة وعنيفة وغالباً ما تعبر عن نفسها بالمظاهرات الصاخبة في الشارع العربي والاعتصامات وغيرها من أشكال الاحتجاجات القوية الأخرى والتي جميعها تمثل وسائل ضغط قوية ومؤثرة على الحكومات العربية لاتخاذ أدنى المواقف التضامنية مع الشعب الفلسطيني أو غيره من الشعوب العربية المتعرضة للاعتداءات الإسرائيلية. ولعل أسوأ مراحل الانحدار والتراجع في الهوان والضعف الرسمي والشعبي العربي هو الذي شاهدناه خلال وبعد المحرقة الجريمة الإسرائيلية التي ارتكبتها بحق أهالي غزة المدنيين والتي راح ضحيتها عشرات الأطفال والرضع والنساء والشيوخ الفلسطينيين وذلك ليس أمام تفرج العالم بأسره فلربما وجد من بين الرأي العام العالمي أوساط غير عربية أكثر تعاطفاً مع العرب واحتجاجاً ضد إسرائيل بل أمام تفرج العرب رسمياً و”شعبياً”، بغض النظر عن الأسباب الدافعة لاتخاذ كلا الموقفين الرسمي والشعبي. والحال لئن كان مفهوماً بالأمس أن تصدر مواقف شعبية عربية مستنكرة للصمت العربي الرسمي فمن الصعوبة بمكان اليوم أن تتفهم غالبية الأوساط السياسية الوطنية والشعبية في العالم العربي استنكار القوى والفصائل الفلسطينية للصمت العربي على الصعيد الشعبي وغياب تضامنه مع الموقف الفلسطيني في ظل استمرار حالة التشرذم والاقتتال الفلسطيني الداخلي السائدة، بل انتقالها من سيئ إلى أسوأ، ولاسيما بين الفصيلين الرئيسيين “فتح” و”حماس” حيث لكل منهما سلطة لا تعترف بالأخرى، الأولى في رام الله، والثانية في غزة.. ذلك بأنه لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يكون الموقف الوطني والشعبي العربي من الاعتداءات والجرائم الإسرائيلية بحق الفلسطينيين أقوى من الموقف الفلسطيني. فجزء مهم من تقوية المواقف والممانعة السياسية والشعبية العربية انما تستمد قوتها من قوة ووحدة الموقف الفلسطيني. كما أن رخاوة المواقف وردود الفعل الوطنية والقومية الشعبية في البلدان العربية ينبغي قراءتها جيداً قراءة سياسية تاريخية موضوعية. فهذه المواقف تعبر عن حالة من التراكم الاحباطي المديد المتعدد الأشكال من جراء الشعور بعدم جدوى تكرار أشكال الاحتجاج الباهتة، هذا إذا ما سمح بها أصلاً داخل البلدان العربية، فضلاً عن تقييدها وذلك في استمرار تكرس المواقف العربية الرسمية من التخاذل والهوان تجاه القضية الفلسطينية. والأهم من ذلك فإن روح ونفسية الإنسان العربي اليوم حتى بالرغم من مشاعره وقلبه مع أشقائه الفلسطينيين هي ليست مثل روحه ونفسيته بالأمس في ظل تعاظم وتفاقم مشكلاته الداخلية الاقتصادية والمعيشية والسياسية، فإذا كانت القوى السياسية القطرية تواجه صعوبات اليوم لجذب المواطن للأنشطة والفعاليات السياسية المتعلقة بقضاياه المصيرية الآنية الداخلية فمن باب أولى أن تواجه صعوبات جمة لجره للقضايا القومية الراهنة في ظل انشغال معظم الشعوب العربية بلقمة العيش، اللهم استثناءات وحالات محدودة أو غير منتظمة. ولعل الكاتب الصحفي الفلسطيني ماجد الكيالي هو من أكثر الكتاب الفلسطينيين القلة الذين حللوا هذه الحالة الفلسطينية تحليلاً سياسياً صائباً يعبر عن قراءة موضوعية معمقة لضعف الورقة الفلسطينية المتعلقة بالممانعة الشعبية والتضامن العربي القومي، فهو يقول في إطار نقده لمراهنة حماس المطلقة على العمق العربي الإسلامي: “إن الشارع العربي والإسلامي ليس في وارد هموم أخرى كبيرة وخطيرة، وهو شارع خارج السياسة أو اُخرج منها، وهذا الشارع الذي لا يخرج للانتصار للقمة عيشه وحريته وكرامته من الصعب عليه أن يخرج لمناصرة غيره…”.
 
صحيفة اخبار الخليج
25 مارس 2008

اقرأ المزيد

العلاج بالكتابة

ثمة قاعدة متداولة،‮ ‬شائعة ومتوارثة أيضاً‮ ‬تؤكد أن‮ “‬العقل السليم في‮ ‬الجسم السليم‮”. ‬ونحن جميعاً‮ ‬أسرى هذا الاعتقاد الذي‮ ‬هو بمثابة‮ ‬يقين‮.‬ ولو تأملنا في‮ ‬سيرة الكثير من العباقرة والمبدعين لبدا لنا أن كثيرين منهم كانوا ذوي‮ ‬أجسام عليلة،‮ ‬ناحلة،‮ ‬نخرها المرض،‮ ‬ولكنهم مع ذلك أبدعوا وهم في‮ ‬هذه الحال أجمل وأروع أعمالهم‮. ‬ويمكن أن نسوق في‮ ‬هذا المجال أسماء عدة،‮ ‬ونذكر على سبيل المثال لا الحصر،‮ ‬بدر شاكر السياب الذي‮ ‬كتب من على فراش مرضه في‮ ‬أحد المستشفيات بالكويت عدداً‮ ‬من قصائده الخالدة،‮ ‬وأمل دنقل الشاعر المصري‮ ‬الذي‮ ‬اختطفه الموت مبكراً‮ ‬كتب أعماله الأخيرة وهو على سرير المرض‮.‬ وأنضج أعمال سعدالله ونوس وأعمقها وأبعدها أثراً‮ ‬كتبها في‮ ‬السنوات الأخيرة‮ ‬يوم تسلل السرطان إلى خلايا جسده المنهك،‮ ‬وكرر في‮ ‬أكثر من مناسبة،‮ ‬بما في‮ ‬ذلك كلمته الشهيرة بمناسبة‮ ‬يوم المسرح العالمي،‮ ‬إنه‮ ‬يقاوم السرطان بالكتابة‮.‬ ونعرف من التاريخ أن المفكر الإيطالي‮ ‬الشهير انطونيو‮ ‬غراشي‮ ‬كتب أهم أعماله على الإطلاق،‮ ‬أي‮ ‬دفاتر السجن وهو‮ ‬يعاني‮ ‬من أمراض مختلفة لم تمهله طويلاً‮ ‬بعد خروجه من السجن الذي‮ ‬قضى فيه قرابة عشرين عاماً،‮ ‬وتضمنت هذه الدفاتر خلاصاته الأساسية في‮ ‬الفكر ومفهوم الثقافة والمثقف العضوي‮ ‬وأطروحاته الشهيرة عن المجتمع المدني‮.‬ وكان الروائي‮ ‬ديستوفسكي‮ ‬يعاني‮ ‬من نوبات الصرع التي‮ ‬تجتاحه بين الحين والآخر،‮ ‬ويظن بعض النقاد أن هذه الحالات كانت إحدى مخصبات الخيال الروائي‮ ‬والإبداعي،‮ ‬الذي‮ ‬أسعفه في‮ ‬تحليل دواخل النفس البشرية بالصورة التي‮ ‬جعلت البعض‮ ‬يعتقد أنه سبق فرويد في‮ ‬بعض حقول التحليل النفسي‮.‬ والحق،‮ ‬أن العلاقة بين الكتابة والمرض حالة تدعو أو تحرض على التأمل،‮ ‬خاصة حين نلاحظ أن كتابات هؤلاء الكتاب والمبدعين المرضى،‮ ‬الذين أشرنا إلى نماذج منهم،‮ ‬أكثر صحة وعافية وتألقاً‮ ‬من كتابات آخرين‮ ‬يتمتعون بكامل الصحة‮.‬ وليست هذه على كل حال مسلمة،‮ ‬كأن نقول إنه لكي‮ ‬يكتب الكاتب كتابة مبدعة وأصيلة عليه أن‮ ‬يكون مريضاً،‮ ‬وإلا لفقدت كل المطالبات بتحسين ظروف الكتاب ورعايتهم وتأمين العناية الصحية والمادية لهم كل مبرراتها‮.‬ وما دمنا في‮ ‬إطار الحديث عن العلاقة بين المرض والكتابة،‮ ‬حري‮ ‬بنا الإشارة إلى ما‮ ‬يسميه البعض مرض الكتابة،‮ ‬الذي‮ ‬يمكن أن‮ ‬يتحول في‮ ‬حالات كثيرة إلى مرض مزمن لا علاج له،‮ ‬إلا إذا انطلقنا من تلك القاعدة التي‮ ‬تعطي‮ ‬الدواء من نفس الداء،‮ ‬كأن تكون الكتابة نفسها نوعاً‮ ‬من التنفيس أو التسكين من أعراض وآلام المرض الذي‮ ‬ينتاب من‮ ‬يدمنها‮.‬
 
صحيفة الايام
25 مارس 2008

اقرأ المزيد

كيف نحول الحوار الوطني‮ ‬إلى حقيقة فاعلة؟


 
 
مدخل
 
ها نحن نمضي في عامنا الثاني ونركب نفس السفينة وبنفس الأوراق المكتوبة ’والطموحات والرغبات في إبعاد بلادنا عن اخطر شر يفتك بتمزيق ووحدة الشعوب وتماسكها ’ ألا وهو شرور تفشي وباء الطائفية والعرقية. لا احد يرفع صوته معارضا وشجاعا قائلا : نعم أنا مع الطائفية واحمل في داخلي جزء من مكونات هذا الجرثوم ’ وهو يتحرك من العمق إلى السطح كلما وقع شعور بالإحساس إن هناك تمييز اجتماعي وسياسي قائم ضدي على أسس طائفية . ترى كيف تستيقظ تلك المشاعر الدفينة ’والتي ربما جزء من مكونات اللاوعي الاجتماعي يختزنها ’ وقائم على الموروث الثقافي والانفصال والعزلة السكانية والمحيط المؤثر هنا وهناك ’ فهل نحن من يستولد تلك الظاهرة البغيضة وبرميل البارود ’الذي لم ننزع فتيله نهائيا ’ أم أنها جزء بنيوي من تركيبتنا السوسيو- تاريخية ’ وبحاجة إلى خطة إستراتيجية تساهم فيها أطراف عدة ’ ومن أبرزها الدولة ومنظمات المجتمع المدني ’ باعتبارهما مكونان فاعلا ومؤثران في تلك الظاهرة بوجهيها السلبي والايجابي ’ وهما يملكان مفتاح معالجتها متى ما جلس الطرفان ’وتناقشا على أساس من الصراحة والشفافية وبناء الثقة من اجل مجتمع بحريني مستقر ’وقائم على المواطنة الحقة بين كافة أبنائه .
 
 *في أي اتجاه نتحاور
 
لا تجتمع مجموعة سياسية ورموز وطنية ’ أهلية ورسمية حول طاولة للحوار إلا وهدفها انجاز مشروع ذلك اللقاء وبهدف تحقيق ما تصبو إليه . تلك حقيقة مهمة ’ والذين يأتون بغرض التشويش والمماطلة واختيار وسائل التعجيز واليأس فإنهم يضعون العربة أمام الحصان ’ ويدخلون المتحاورين في الدائرة المغلقة ’ مثل هؤلاء جلسوا منذ الخطوات الأولى للحوار بنوايا التصلب ’ وبروح لا ترغب في معالجة المعضلة ’انطلاقا من مبدأ إن لكل ظاهرة ومشكلة حلول وخيارات ’ المهم التعاون على وضع أسس ووسائل لتحقيق الهدف المرجو ’وهو الطائفية كمسألة خطرة على الوحدة الوطنية ’ ولا يجوز تركها للقدر والصدفة والتلقائية تعبث بها إلى جانب تلك العناصر المجتمعية والقوى السياسية والدينية ’تحركها كأوراق للابتزاز والضغط بين الحين والأخر ’ وتتركها دون رغبة في إنهاء كل ترسباتها ومولداتها وأسبابها . ما ينبغي للمتحاورين وهم يتقابلون أن يضعوا نصب أعينهم إمكانية التنازل المتبادل ’ إذا ما وجد كل طرف انه متشبث بجزء جوهري من أجندته السياسية. لهذا ينبغي الحوار أن يكون في اتجاه التوافق والانسجام فيما بين المتناقضات ’ فذلك يتيح للحوار اختراق صقيع الجليد المتجمد وعقبة الصراع وتذليل المعوقات .
 
هل ننطلق من المشروع الإصلاحي ؟
 
لا يعرف البعض عادة كيف نبدأ في مسك الخيط الرفيع للمعضلة ومن أين ننطلق كأرضية للحوار وماهو المرتكز الأساسي في مشروعنا للبحث في مسألة الطائفية وقضية الوحدة الوطنية كقطبين متداخلين ؟. اعتقد أن مفتاح نقاشنا يبدأ حول ما الذي قدمه لنا المشروع الإصلاحي حول رؤيته للطائفية والوحدة الوطنية ؟. مثل هذا السؤال يحيلنا مباشرة لمواد الميثاق والدستور ’ فمن خلال تلك الوثيقتين علينا الانطلاق ’ كونهما قدمتا لنا أساسا متينا من حرص الملك والعهد الجديد على ضرورة التمسك بالوحدة الوطنية وبرفض الطائفية. كل شيء يبدو في النص المكتوب رائعا ونبيلا ومهما لطاولتنا الحوارية ’ غير أن الحقيقة هو كيف عالج المشروع الإصلاحي تلك الظاهرة الإشكالية بمشروع تفصيلي يتعدى الخطاب السياسي ’ بحيث يصبح مكافحة الطائفية مشروعنا الحقيقي لكي لا نحفر في الماء ’ولا نركض خلف السراب أو نأتي كل مرة للحوار حالما يصل الفيضان إلى بيوتنا يهددنا بالغرق . فالطائفية كخطر يهدد المجتمع ’ ولا ينبغي أن نراه في مرحلتنا فقط ’ وإنما بمدى استمرار هذه المشكلة وتحولها للجيل القادم ’ والذي نهدف بان لا يقع في وبائها وشركها ’ بقدر ما نسعى أن تتشكل في وجدانه حقائق جديدة وقيم جديدة ونهج وسلوك جديد مناهضا لغريزته الوطنية ’ولكل ما يثير لديه شعورا بنعرة طائفية . ولب المشكلة وضرورتها وفق رأي’ هو سعينا لتجنيب الجيل القادم وباء توارثناه نحن خلال القرن المنصرم ’ وحان الوقت لكي نجعل الجيل القادم محصنة روحه ووجدانه من ركام ذلك الموروث السيئ ’ كحلم جميل يحقق صلابة في وحدتنا الوطنية. ولكن كيف ننجز عملا جبارا اسمه اجتثاث أمراض الماضي البعيد ’ دون ملامح وخطوط واضحة في كل جانب من حياتنا اليومية ’ تدلل بوجود الطائفية المعلنة وغير المعلنة ؟
 
 
مساحة الأمنيات وحقيقة التغيير
 
يحمل كل مواطن بحريني في داخله أمنيات كثيرة ’ وبطبيعته يميل إلى السكون والرغبات المستعجلة مثل طيبته ’ ولكن الحياة ليست كذلك. ولكي تنجز الأمنيات الأولية كالعمل والسكن والعدالة الاجتماعية والاستقرار ’ فان أدوات التغيير تتطلب شراكة متبادلة بين الدولة والمجتمع ’ على أساس من دينامكية التغيير وحقيقتها بفهم الواقع الجديد في مرحلة الإصلاح ’والآلية الضرورية للقفز والتغيير لموروث حقبة الماضي ’لدولة لم تستكمل مقومات وجودها الحقيقي ’ فقد ساهمت بتعميق مرحلة ما بعد الاستقلال بالمزيد من القمع وأدوات الكبت واستشراء الفساد ’ وتركت جذورها ممتدة متغلغلة في جسد المرحلة اللاحقة ’ مما يربك المستجدات الإصلاحية ’ ويترك في الساحة السياسية متناقضات لم تستوعبها الحركة السياسية أيضا ’كونها مبنية على ذهنية المعارضة المطلقة ونهجها التقليدي ’ ولم تتح للحيوية السياسية الجديدة للدولة والمجتمع بتلمس خطواتها ’وتحريك مشروع الإصلاح نحو الأعمق والفاعل باستمرار كنهج للتغيير والتطوير بآليات صعبة ’ ولكن بالإمكان تخطيها بشرط الشعور المتبادل بالثقة ’ بأن التدريج كمنهج يمر بقنوات أفضل وللأمام وليس العكس كما يراها المجتمع أحيانا ’ فلم يستوعب أن القديم مازال قائما وان الجديد يولد من رحم ذلك الماضي ’بعملية ولادة عسيرة وليس بقوانين خارجه تتحقق كمعجزة سماوية .
 
الديمقراطية والتنمية سبيلنا التاريخي
 
هل يوجد لدينا خيار مختلف عن خيار الديمقراطية وهي تنمو وتتطور ’وتنمية متراكمة يشعر الفرد بمؤثراتها الحياتية ويلمس معطياتها يوما اثر يوم ؟ لهذا علينا أن نؤمن بأن خيارنا الحقيقي هو تلك الحقيقتين المتداخلتين ’ السياسية والاجتماعية ’ اللتان حملهما لنا المشروع الاصطلاحي  ’ برغم كل العثرات التي واجهها كما لم يكن حاسما معها ’ ولم نكن جميعنا راضين عنها ’ ولكننا واصلنا نقدنا وملاحقتنا لترسبات ومتبقيات تلك الترسبات المحيطة بجسد وداخل الدولة والمجتمع’ نتيجة فضاء وهوامش الديمقراطية . وليس بإمكان أي دولة أو مجتمع اجتثاث جذوره بالسهولة المتخيلة ’ وإنما بوضع مناهج وأسس للتغيير فهي سبيلنا التاريخي الوحيد ’ وعلى طرفي الصراع ’ في الدولة والمجتمع التكاتف حولها ’ وإلا ستفرز عملية التجاهل والتغافل عنها ظواهرها الشرسة ’ والتي من أبرزها الطائفية ’  ففيها دمار الطرفين ’ فخطر الطائفية لا يعرف أحدا ’ عندما ينفجر كالشيطان ويبلغ العنف فيه التدمير الجامح دون توقف وبروح عصبية عمياء . سبيلنا التاريخي الوحيد أن نمسك بخيطنا الأساسي لنمضي في مواجهة الماضي المظلم من اجل حياة أفضل ’ وقد قدمها الإصلاح كمنفذ للسيطرة على الاحتقان في خطوته الأولى ’ ثم الخروج من دائرة النفق والدخول في مربع أوسع من الحياة السياسية’ والديمقراطية حلقتنا الجديدة بدائرة أعمق تحقق نجاحها التنمية الحقيقية للمجتمع وبصورة عادلة .
 
الانتقال من البؤس إلى تنمية محسوسة
 
عندما زار ولي العهد بعض القرى وشاهد بأم عينيه نموذج من البؤس ’ والتي لا ينبغي أن توجد في دولة نفطية وصغيرة بالسكان ’ وضعا مزريا يذكرنا بأحزمة البؤس في مدن العالم الثالث ’ والتي تحيط بالمدن الرئيسية القريبة من برميل الانفجار المحتمل في أي وقت . ولكي تتجنب الدولة والمجتمع حالة الانفجار الدائم والصدام العنيف ’ فلا بد من تنمية عاجلة وصادقة ومحسوسة وقائمة على برنامج تنموي فاعل ’تحققه الثقة والشروط الملموسة من أهمها مسألة التمييز الاجتماعي ’ وبعضها قد يصطدم مع جزء من ثقافتنا ونهجنا الحياتي ’ وهو شرط ضروري لتحقيق تنمية أفضل لتوزيع الثروة والدخل الوطني ’ فلا يمكن أن تتسارع الحلول في ظل وضع ديمغرافي أسرع مما نتصور ’ فثقافة القرية البحرينية – دون استثناء – بل ومدنها تحتاج إلى تنظيم النسل ’ فوحده يساعد على تحسين التنمية من نواح عديدة . مثل هذا الشرط لن ينجز ما لم يساهم في برنامجه أطراف عدة لكي ينجح في إقناع الناس ’بأن جزء من رفاهية الفرد وتحسين خدماته أيضا هو ذلك الإخطبوط السكاني لثروة نفطية متآكلة ’فلن تنجح برامج تخطيط وتنمية سليمة دون تعاون الأطراف جميعها ’باعتبارها حلقة واحدة وعلى رأس تلك الحلقة الدولة ورجال الدين ’ فلدى كل منهما عوامل تأثير كبيرة في الوعي الاجتماعي ’ وفي شكل الإنفاق والتوزيع وسد ثغرات مستفزة كالتجنيس في ظرف سياسي حساس يعزز روح الطائفية بدلا من مكافحتها ’مهما حاولنا التبرير والتقليل من المخاوف المؤثرة  .
 
مما نخاف في الداخل.
 
يبدو سؤالنا واضحا وبسيطا ولكنه من المختلف الإجابة عليه. ربما ظواهر عدة تولد أحزمة التفخيخ والانفجار الاجتماعي ’ كالفقر ’ البطالة ’ والطائفية ’ أما المناهج  والسلوكيات الأخرى كالفساد المالي والإداري ’ فان السيطرة عليهما أسهل طالما وجدت الإرادة الصادقة والمستمرة في ملاحقة الحيتان وليس الأسماك الصغيرة . تبقى عناصر تفرز وتؤثر في بعضها البعض ’ فالبطالة عنصر متداخل مع حالة الفقر ’ فكلما زادت البطالة تعمقت ظاهرة الفقر’ وكلما تم مكافحة تلك الظاهرة تراجعت نسبته ’ هذه المعادلة سهلة في علم الاقتصاد ولكنها صعبة في واقع حياة تتخللها ظواهر فاسدة ’ لهذا تتكاثر وتتعمق ظواهر أخرى كالجريمة وتستعيد نفسها شبح الطائفية إذا ما وجد العاطل عن العمل إن فرصة التوظيف مبنية على أسس التمييز الاجتماعي والعرقي ’ فهل بالإمكان تجنب هذا الخطر الداخلي المتضخم كالسرطان القاتل ؟ الإجابة نعم متى ما رغبنا في بناء شراكة حقيقية في وطن يقدم لكل أبنائه شعورا بالمواطنة والانتماء ولولاء واحد ولمرجعية واحدة لا تعلو عليها مرجعيات سياسية أخرى ’ هما الدستور وشرعية الحكم التي قبلت كل أطراف الخلاف بمرجعيته وأقسمت على صونه . وبدون أن نقتل الطائفية من مهدها ’ فان المخاوف ستبقى كابوس ليلي دائم للأمن الاجتماعي والتنمية ’وكل مشروع إصلاحي يرغب بنقل البحرين نحو ألفية ’ أكثر استقرارا من الماضي المزدحم بالاحتقانات والصدام والألم.
 
جذور الطائفية
 
ربما تقليب أوراق وصفحات الماضي تسهل علينا قرءاه كل الحقائق التاريخية ’ ولكن التاريخ عملية متحركة ومتناقضة ومؤلمة أحيانا ’ ولا يجدي الاستعانة بها من اجل بناء دولة عصرية تسعى إرساء لبنة مستقبل أفضل. وطالما التاريخ مؤلم يرثنا البكاء والتحسر فلماذا نستعين بجذوره ومواجعه ’ ونقف أمام جثته نستجدي ؟ فكل تاريخ الشعوب قام على الصراع والتجاذبات القبلية والطائفية والعرقية ’ ولسنا وحدنا نتميز بتلك الظاهرة السلبية ’ ما أخطأنا كشعب ونظام إننا لم نجتث مخاطر الطائفية ونسينا إن حقيقة ’’الطائفة ’’مسألة تاريخية لا يجوز تخطيها ’ولا يمكن فعل ذلك غير أن ’’الطائفية ’’نزعة ونعرة سياسية ’ وبين التاريخ والسياسة بون شاسع ولكن ممتد ومتداخل لشعوب وأنظمة تركت في جسدها جروح تنكأ وتتواصل روح الطائفية دون وعي بمكامنها العميقة ’ حيث تمَوّج تاريخنا بمحطات سياسية امتصت مظاهر التاريخ الطائفي إلى الوراء دون إلغائه ’ وتركته في العمق يمرر كيفما يشاء ’ وينفجر ويستيقظ كلما تذكر انه يعيش هامشية الواقع الاجتماعي . كان لدى الدولة المستقلة الحديثة فرصتها التاريخية بوضع برامج في اتجاه هذا العدو الداخلي ( الطائفية ) ولكن انشغال الدولة بفلسفتها القمعية واعتمادها على عناصر التمزيق الاجتماعي والطائفي عمق وعزز من الظاهرة ’ لهذا وجد المشروع الإصلاحي نفسه أمام معركة عميقة ’ وقد ساهم في فترة استقلالنا ولادة وتعزز ظاهرتين هما الطائفية والطائفية المضادة ’فازداد واقعنا بالسموم والكراهية ’ الأولى كانت من الضفة الإيرانية مع انتصار الثورة ’فوجدت الطائفة نفسها وبلا وعي تشعر بنوع من الطمأنينة الداخلية بانتصار المذهب على كل شيء وفي عالميته ’متجاوزا جغرافية الوطن والولاء ’ حيث كان الوطن منقسما والولاء غائبا ’ ولم يكن ذلك ما تملك شعور شيعة البحرين كلهم ’ وإنما لدى الشيعة في الجوار الإيراني كله ’ كالباكستان وأفغانستان والعراق والكويت وشرق المملكة العربية السعودية . بدت تلك الحقيقة واضحة في سنواتها الأولى خاصة مع فكرة تصدير الثورة ’ وان وجدناها تلبست بأقنعة أخرى فيما بعد ’عن طريق تزاوج فكرة دبلوماسية الدولة ومواصلة فكرة الاستنفار الثوري المتروك شأنه للحرس الثوري ’ أما الظاهرة الثانية فقد تعززت من ضفتين الوهابية وأفغانستان ’ حيث وجدت نفسها مستنفرة كعالم سني أمام قوتين جديدتين في المنطقة ’هما الغزو السوفيتي والغزو الإيراني الجديد ’ فكان الأب الروحي حاضرا في تحويل المخاوف وأولية الصراع ضد الخطر الشيوعي مستنفرا العالم الإسلامي دون تمييز ’ بينما في العمق كان ذلك التناقض ظاهرا فتم استنزاف إيران بحرب جانبية مع العراق ’ وتذكيرها في الوقت نفسه إن انتصار الدبابات السوفيتية في أفغانستان يعني قضمها بالكامل وهي في نضارة ثورتها ’حيث منابع النفط في الخليج كانت هي الهدف ’ و800 كيلومتر من كابل وتلك المنابع لا تعني شيئا في العمليات العسكرية الإستراتيجية ’مما دفع إيران للمساهمة مع اللواء الإسلامي في الحرب ضمن الأربعة عشر دولة ’ التي جندت في مواجهة الاتحاد السوفيتي ’ وليس المجاهدين الأفغان والمسلمين العزل وحدهم ’ فبدون حرب طويلة لا يسندها المال والسلاح وكل التسهيلات الأخرى لسفر المقاتلين ’ وإعلام موجه لم تكن العملية سهلة أبدا. ومع انسحاب السوفيت 1985 وانتهاء الحرب الإيرانية العراقية 1988’ رأينا كل المشاهد الطائفية كيف خرجت من مكامنها ’ وعاد الشيطان الأمريكي وحلفائه يلعب بأوراقه العرقية والطائفية  ’ ووجدت الأنظمة نفسها مثل حطب الشطرنج بعد انهيار نظام صدام مهددة من كابوس الطائفية المدعومة ’ بوجهين إيراني وأمريكي وعربي ’ غير أن الطائفة الواعية أدركت أنها تحل مشكلتها الداخلية وحدها ’ دون تهميشها وطنيا ’ وهي ترفض الانصياع خلف الأجنبي . ذلك الولاء الحقيقي للوطن ينبغي أن يتعزز بالولاء لنظام الحكم وشرعيته الدستورية ’ ولكنه الولاء يبقى مشروطا بالحقوق والشراكة في مواطنة حقيقية وحياة أفضل . فكيف ننجح في الانتقال في عهد الإصلاح من تجذر شعور الغبن لماض طويل إلى شعور الاستقرار في وطن يقدم عدلا لكل أبنائه ’لكي تصبح المواطنة لها معنى حيا يفعّل مواد الميثاق ودستورنا الصامت .
 
هل لدينا أعداء خارجيين
 
لا يجوز دفن رؤوسنا بنهج نعامة دبلوماسية ونجيب نفيا ’  لا يوجد ذلك العدو الخارجي المحتمل ’ وقد كان تقلبات ومزاج صدام العقائدي درسا قوميا مؤلما ’ فهل يستقر شعور الأمان في بلدان مجلس التعاون من تزايد التسلح الإيراني ’ وتلويحه عبر قنوات أخرى تمثل واجهته بالتهديد مستخدما المنطق القديم / الجديد في حقوقه التاريخية . هذا الخوف الكامن يجد له مرتعا لدى من تملكتهم نعرة الطائفية في الداخل ’وتعززت لدى مجموعات أخرى كلما شعرت بالتمييز المستمر دون معنى . فكيف ننجح في قطع الجسور الداخلية مع حالة المخاوف الخارجية من وجود عدو خارجي ؟  قصائد الولاء المستباحة لحظتها غير مجدية ولا أقنعة المسرح تصبح ذات معنى ’ ففي لحظات الحرب والغزو تتكشف المرجعيات وتنهار قيم الولاء ’بل وتصبح لحظتها نمط من الصراع بين ولاء حقيقي وولاء مصطنع . لا نود أن نمر بامتحان الغزو كما حدث للكويت الشقيق ولا نتمنى من جارنا إيران أن تخطو خطوة متهورة ضد أي بلد مجاور بحجة الانتقام لنفسها مع حربها المحتملة من عدو أخر ’ فمن لا يستطيع ضرب الحمار يفرغ ضربه في البردعة أو كما نقول في ( العدة ) . بين منطق العدو المحتمل والممكن ومنطق العدو المتخيل ’ تتحرك في الدبلوماسية الواقعية كل الخيارات الممكنة ولا تجدي في السياسة صلوات الغفران حينها .
 
تجذير الطائفية أم اجتثاثها
 
لن يحقق هذا الحوار الوطني بعصا سحرية الحل العاجل في اجتثاث الطائفية كنزعة ونعرة سياسية ’ ولكنه بالتأكيد انعقد من اجل نزع فتيلها المتقد وإطفاء كل مكونات الحريق ’ ولكن الأبعد في إستراتيجية هذا الحوار يتمنى اجتثاث تلك النزعة وليس ترك الفتنة نائمة ثم نلعن من أيقظها ’ وإنما بالتركيز على مسألة المواطنة كعنوان جوهري لوحدتنا الوطنية ’ وسيترك المتحاورين بعد الانتهاء من نقاشهم المثمر نواياهم ورغباتهم وتوصياتهم كرؤية وطنية بضرورة الوحدة الوطنية وتماسك نسيجها الاجتماعي ’ وبسد كل منافذ  الحقد والكراهية والتمييز بين طوائف وأعراق شعبنا . بين خيار التجذير وبقائه وامتداداته التاريخية وبين رغبة الحل الفعلي لاجتثاث الطائفية ’فان قطبي المعادلة يتحركان معا وبصورتين متعاكستين ’فكلما عمقنا وحدتنا الوطنية تراجعت بالضرورة كل أشكال التمزيق وأسلحة التفكيك المستخدمة ’والمداخل لها من أعداء هذه الوحدة في جماعات تتمترس خلف الطائفة ’ وتؤجج الصراعات وتقلب التناقضات ’ وتجعل كل أولوياتها الدفاع عن الطائفة متمظهرة بالوطنية تارة وبحقوق الإنسان تارة أخرى ’ دون أن تدرك أن وحدة الشعب الحقيقية هي ما ترتكز عليه من نضالات موحدة ومشتركة تضع خيار الوطن والشعب ومصالحهما فوق الجميع ’ فكل ما يتم انتزاعه من حقوق ومطالب عادلة بالنتيجة انجاز لوحدة هذا الشعب وطوائفه دون تمييز . وعلى قوى المجتمع المدني أن تضع في حوارها ’ إن مستقبل الدولة والمجتمع مرهون تقدمه بتلك الشراكة ووحدة الطرفين ’ دون الحاجة لرؤية الشعب من منظور قبلي أو طائفي ’ فتلك الاتكاءت العرجاء على مسيرة التقدم لا تخلق دولة حديثة متطورة ’ وإنما دولة هشة بكيان طائفي وقبلي في الوقت ذاته . علينا جميعا الترفع عن هذا المنظور العدائي للشعب ومكوناته ’ والعودة إلى أسس الدولة الصحيحة التي تحقق للشعوب ازدهارا وتقدما ’ وتكتسب شرعيتها من أسس دستورية تتضمن عدم التمييز بين المواطنين مهما اختلفت أديانهم ومللهم . لذا ينبغي على المتحاورين أن لا يتركوا خلفهم الأوراق الميتة تتطاير في الهواء ’ليعودوا في حوار وطني ثالث ’ دون أن يقيسوا خطواتهم بين كل فترة وأخرى ’وهل حقق الحوار أهدافه وأمنياته ولو خطوات قليلة للأمام ’ فعلى الأقل يدرس المؤتمر الوطني الثاني انجاز ولو جزء ضئيل من الحلم في اجتثاث الطائفية .
 
على من نراهن في التغيير ؟
 
لا بد لكل مشروع تاريخي طموح بحجم الوحدة الوطنية ومكافحة الطائفية ’وغيرها من ظواهر التعطيل والعرقلة لمشروع الإصلاح ’ وأن يمتلك المشروع أدوات واضحة وقوى فاعلة وحية تؤمن بضرورة التغيير ’مواجهة الخصوم الذين يناصرون الطائفية ويغذون الشعب بسمومها ’ وفي الوقت ذاته يمزقون نسيجنا الوطني بسكاكينهم الحادة البغيضة في السر والعلانية . إن دعاة وحملة هذا المشروع الوطني لا بد وإنهم أولا أن يكونوا فعلا ’يضعون الوطن أمامهم في قمة المصالح العليا . ومثل هؤلاء بوصلتهم الوطنية تدرك هدفها ومرفأها الحقيقي ’ وتدرك أنها لكي تنجز هذا المشروع الهام أن تستعين بكل قوى التنوير الوطني والتقدم الاجتماعي ’معتمدة على طبقات وشرائح توحدها مكونات طائفية مشتركة لكي تقدم نفسها نموذجا حيا لتلك الوحدة ’ وتصبح طبقتنا العاملة نموذجا حيويا لذلك ’ وهي قادرة على جمع شرائح من المجتمع المدني ومنظماته المهنية والسياسية والنقابية والطلابية والنسوية والشبابية ’ وكل من يرى نفسه نصيرا حقيقيا للمشروع الوطني ’من رجال الأعمال والدين والثقافة ’ حيث من الضروري أن تقود تلك العملية جبهة واسعة يهمها وحدتنا الوطنية واستكمال تحقيق المشروع الإصلاحي ’الذي دعا لمناهضة الطائفية كخطر يمزق الشعب والوطن . إن بناء جبهة عريضة تتضمن كل المكونات المجتمعية ضرورة تاريخية ’ لتحقيق وحدتنا الوطنية المنشودة ’وهي أهم سلاح في توافقنا الاجتماعي والسياسي ’مهما تنوعت واختلفت مشاربنا الفكرية والطبقية والسياسية.
 
الدين والطائفة والدولة
 
تعترض حوارنا الوطني قضايا مفصلية لتخطي إشكالية التناقضات القائمة في جسد المجتمع ونسيجه ’سوى من حيث بعده التاريخي أو الآني أو المستقبلي’ ولكي يصبح الحوار ناجزا ومؤثرا في عملية تماسك الوحدة الوطنية وتقطيع جذور وعوامل مكونات الطائفية ونزعتها ولو من منظورها القريب ’ ومن جهة أخرى الحفاظ على كل جوانب الحقوق المدنية والدينية لذلك النسيج ’ إذ لا يمنع تطور المجتمع تدريجيا في بنيته الطائفية والقبلية نحو الدولة الحديثة الدستورية ’إلا بشروطها التخلي عن استخدام وتوظيف تلك النعرات من اجل ديمومتها ’لشعورها أن ذلك يحقق لها الهيمنة على السلطة دون الاعتماد على شرعية وحدة الشعب والدستور ’ اللذان ينبغيان أن يكونا هما المرجعية الفعلية للجميع ’ ولن ينجز ذلك إلا بتنفيذ وتفعيل تلك المرتكزات الأساسية فيه ’ من حريات وحقوق وسلطات فاعلة وعادلة . لكي لا ندخل في دهاليز الصراع القبلي والطائفي ودولة مشوهة الكيان ’ حيث نراها مشدودة لذهنية الماضي ’ بينما تيار التغيير وقوة التفاعلات العالمية تقتضي الانخراط أكثر نحو دولة محددة الكيان والحداثة ’ مستكملة شروط وشكل تفاصيلها الدستورية ’ في وضع مؤقت مقبول ومستقبل يسعى الجميع لاستكماله معا’ إذ برهنت الحقبة السابقة ’إن ذلك النموذج الاستبدادي المتكئ على عنوان القوة والكبت ومراسيم التسلط ’ لم تقد وتدخل البحرين إلا نحو التوترات والتنمية البطيئة المتشحة بالفساد . ولكي يكون مشروع الإصلاح الذي جاء به عاهل البلاد فاعلا ’ عليه / ممثلة بالدولة وعلينا ممثلة بالمجتمع المدني ’المساهمة في نسج توافق مشترك لنوعية ذلك المستقبل والدولة العصرية ’ التي من ضروراتها الأساسية إعطاء كل النسيج حقوقه وإبعاد الطائفة والدين عن التعامل مع السياسة من منظورهما الضيق ’ الديني والطائفي ’ بحيث لا يمكن أن تستقيم دولة حديثة تدير المجتمع والدولة بذهنية طائفية وسلطة دينية ’ فذلك يدخل فكر الدولة ونهجها السياسي إلى تناقضات متضاربة ’ في كيفية وطبيعة سلطة الشعب ووحدته السياسية والاجتماعية والحقوقية . الإسلام حقيقة في أوال والطوائف حقيقة بحرينية كذلك ’وهما حقيقتان تاريخيتان ترسخت جذورهما في تربة البحرين منذ نشوء الإسلام ’ ولكن الدولة العصرية والطبقات الاجتماعية والعلاقات الدولية وتعقيدات فكر الدولة والحقوق المدنية وبرامج التنمية المستدامة وغيرها من حراكية دائمة داخلية وخارجية ’هي جزء من معطيات الحياة الإنسانية وعناصرها الحضارية المتفاعلة ’ وهي ضرورة من ضرورة التغيير ولا يمكن إقحام التاريخي بالديني بالسياسي بصورة ميكانيكية ’ تدخلنا في الصدام الأهلي ’ ما لم نكن قد استوعبنا تلك الحقيقة ’ وبأن تجارب الدولة الدينية لا يمكن أن تستمر في عصرنا ’ فهي في نهاية الطريق تدخل نفسها في تعرجات العصر ’ وترى نفسها مجبرة على التنازل يوما اثر يوم ’ حتى وان احتفظت بقيافتها ومظهرها الخارجي ’ وحاولت تفسير الأمور الدينية بمرونة ’ إذ هناك ثوابت دينية لا تقبل التغيير بينما الدولة فكرها السياسي ومجتمعها المدني مبنيا على أساس مبدأ التحول المستمر وبأن قانون الصراع الاجتماعي احد محركاته الأساسية .
   
الثقافة الوطنية صمام الأمان
 
لن ينجح أي مشروع إصلاحي وطني لتذويب الحساسية التاريخية والاجتماعية بين السكان بطوائفهم وأعراقهم وثقافاتهم المتباينة ’إلا بالتوافق على حل سؤال هام وهو ما هي ثقافتنا الوطنية المشتركة ؟ التي ينبغي زرعها في نفسية وذهنية أطفال الوطن ؟ كيف نغربل برنامجنا الثقافي الوطني القائم على المزيج والتنوع المشترك دون خوف من الشعور بطغيان الأخر ’ فالمهم هو المستقبل الذي يقدم نوعية جديدة من الثقافة المشتركة التي ستحدد ملامح الأجيال القادمة ’ والتي نراها مجسدة بلا وعي مفروض في تداخل فنوننا ومزاجنا في الملبس والطعام ’ وغيره من التنوعات ’ التي بهذا القدر أو ذاك تفرض نفسها بصورة طبيعية ’ دون حاجة لممارسة الهيمنة الثقافية وتسلطها الفوقي ’ خشية من ذوبانها وضياعها في تيار ’’ تتوهم ’’ انه سيجرفها بقوته ’ متناسية أن المساواة وحدها تخلق روحا جديدة ’ والتمييز والتسلط يدخلنا في دائرة الانغلاق عن الأخر والخوف منه وكراهيته بصمت ’ لكونه يمارس التهميش والقسر الثقافي  . ولن تكون أفضل لثقافتنا الوطنية ’ من مناهج المرحلة المدرسية الأولى إلى أعلى درجة في الجامعة ’ كما أن التداخل السكاني لكل مشروع ووحدة سكانية تؤسس على التداخل دون النظر بروح النسبة والحصص ’ وإنما بأهمية توزيع عادل لحقوق المواطنة ’ فمن كان رقمه أقدم من حقه أن يحصل على حقه دون مماطلة ’ كما أن ممارسة مواصلة بناء المشاريع بروح فئوية وطائفية وقبلية ’ لا يجوز تكريسها وتعميقها بإرادة ووعي يسهم بسياسة التفتيت والتقسيم والتمايز ’ وبدلا من أن نطوق فكرة التطويف والنزعة القبلية ’ نسعى إلى دولة الطوائف اعتقادا منا على أنها طوقنا وحصننا المنيع ’ في مواجهة المشاكل الاجتماعية والسياسية الناجمة عن صراع أعمق في مظاهره البنيوية .
 
موت المعجزة في عالم لا يؤمن بالمستحيل
 
انتهى زمن المعجزات ’ وبان القدرة الإنسانية والمعرفة قادرة على معالجة شتى أنواع الظواهر ’ والتي من المهم أن نضع لبنات وأسس صحيحة لحلها ’ ولن تكون البحرين بلدا أعمق واعقد في نسيجه الاجتماعي والديني عن بلد بحجم الهند والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ’ ومع ذلك تخطوا كل ما يمكن أن يخلق شعورا بضياع الهوية الحقيقية للمواطن الأمريكي والهندي والأوروبي ’ وهو ضمن هويات عدة من السهل تصفيفها وفرزها على الأساس الحقوقي للفرد والجماعة ’ بحيث لا تتصادم تلك الهويات المتعددة في مصالحها وطبيعتها ’ بقدر ما برهن إن التنوع والثراء الثقافي يضيف قيمة وقوة لتلك البلدان . وليس بالضرورة أن نخلق نموذجا مثاليا في فترة قياسية ’ ولكن بالإمكان أن نبني نسيجا اجتماعيا منسجما تحت ظروف وشروط شرعية وقانونية ’ تكفل للشعب حقوقه العادلة ’ والتي قبلت الدولة والمجتمع بالتوازن والاتفاق عليهما ’دون الحاجة للعيش بروح الشك والكراهية والتمييز الإنساني بين السكان والمواطنين . المهم أن نؤسس للروح الجديدة للوطن والشعب المتحد المتماسك المستقر ’ وبأن لا شيء مستحيل حله ’ طالما هناك إرادة جماعية ترغب في العيش المشترك وتحترم الأمن الاجتماعي والسلم الأهلي كقيمتين ومفهومين أساسين لوحدتنا الوطنية .
 
  
10/ مارس /2008
 

اقرأ المزيد

مجيـد.. المثـقـل بالمـوسـيقى والحـديـد


يناديني أهلي وأصدقائي « أبومجيد »، ولقد ولد مجيد في 17 سبتمبر/ أيلول 1975  ، وكان ذلك بعد أقل من شهر على حل المجلس الوطني (البرلمان) في البحرين ودخول البلاد نفق قانون أمن الدولة المظلم الذي لم تخرج منه البحرين إلا مع نهاية القرن الماضي وبداية المشروع الإصلاحي.
كنت على اعتقاد بأن القادم بنت، وجهزت « لها » اسم « أمل »، أمل الخروج من ذلك النفق. أما وقد جاء ولداً فقد استنفرت على الفور كل جوارحي لأهبه اسماً ذا مغزى. وقد يبدو الاسم عادياً تماماً ما لم يفكك. فهو، كما تقول الإعلانات الدعائية، ثلاثة في واحد.
 لقد نسبته إلى ثلاثة من أعز أصدقائي، اسم كل منهم مجيد: رجل الأعمال والشخصية الاجتماعية الوجيه مجيد الزيرة، صديق مقاعد الدراسة الثانوية والعمر كله. مجيد ملا حسن البلوشي، زميل الدراسة الجامعية، دكتور في العلوم الزراعية، وهو اليوم عاشق للعلوم الفلسفية وضالع فيها، يدعوك ويغريك أو حتى يستفزك للدخول معه في جدل عميق يغتني منه الاثنان. أما الثالث فهو بطل موضوعنا اليوم، وبطل البحرين أبداً، الموسيقار الكبير مجيد مرهون. 
مساء الأحد الماضي، 16 مارس/ آذار، وفي مركز الشيخ إبراهيم بن محمد آل خليفة للثقافة والبحوث تم تدشين القاموس الموسيقي الذي بدأ مجيد العمل عليه في السجن منذ العام 1975 وعكف على إنجازه نهائياً بعد خروجه وحتى العام 2002. وبعد محاولات لم تنجح مع مؤسسات عدة إما بسبب كُلفه أو لعدم إدراك قيمته، أعربت الشيخة مي الخليفة عن استعدادها لتبني المشروع الذي خرج في تسعة مجلدات تعتبر إضافة نوعية مهمة للمكتبة الموسيقية العربية.
 أعرف أن كثيرين في بلادنا العربية لا يعرفون مجيد مرهون. برلين، ستوكهولم، موسكو، لندن وغيرها من العواصم الأوروبية، وكذلك القاهرة عرفته قبل أن تعرفه العرب. ذلك أن بلاده ذاتها لم تعترف به إنساناً موهوباً إلا في وقت متأخر جداً. وأنى لحكم الاستعمار البريطاني أن يرى في قول الكاتب الروسي ليونيد أندرييف (1871- 1919) وكأنه يتحدث عن مجيد مرهون «في الحياة كثير من العتمة، وكم هي بحاجة إلى أناس موهوبين ينيرون طريقها. إنه ليجب الحفاظ على كل واحد من هؤلاء كأفضل قطعة ألماس».
 وقد حافظ حكم الاستعمار البريطاني على «ألماستنا» الثمينة 23 عاماً، لكن في السجن الذي دخله منذ العام    1969  ، وهي أطول فترة قضاها سجين بحريني، ليخرج حاملاً لقب «مانديلا البحرين».
 قصة مجيد مرهون بدأت منذ نشأته وقد عكستها كتابات كثيرة. لكن قصته الأسطورية بدأت قبيل انتفاضة مارس/ آذار 1965.  عرفته في صيف العام 1964 في بلد عربي وكلانا في قرابة السادسة عشرة من العمر. لم نكن نعرف أننا أبناء حزب واحد جئنا لأداء مهمة واحدة مع مجموعة من الشباب. كان مجيد دائم المرح خلال شهرين من أداء المهمة الصعبة. ولعله كان يرى فيها نزهة قبالة ما ينتظره في البحرين.
 مارس/ آذار 1965 كان عام الانتفاضة الكبرى التي استخدم فيها الشعب كل أشكال النضال بما فيها المسلح ضد الاستعمار البريطاني، والذي يعتبره العالم نضالاً مشروعاً في مواجهة الاحتلال الأجنبي. أدرك المستعمرون أن هذه الانتفاضة وضعت بكل جدية مسألة استقلال البحرين على جدول الأعمال. لذلك تعاملوا معها بكل وحشية. وبعد أن أخمدت واصل الحكم الاستعماري تنكيلاً بمن شاركوا فيها، وحتى بكثيرين ممن لم يشاركوا. لم يكن أمام شعبنا إلا التخلص من رأسي جهاز التنكيل الأجنبيين وإزاحتهما. وكان مجيد لإحدى المهمتين اللتين نفذتا في الذكرى الأولى للانتفاضة. وبعدها دخل السجن. وهناك تفرغت الأنامل التي فعلت ما فعلت لأعمال غاية في الحس الرهيف – الموسيقى. ولعل مجيد لا يتفق فكرياً مع الكاتب الروسي ألكسندر بلوك (1880 – 1921)، لكنه ربما رأى فيما قاله من أن «الموسيقى وحدها القادرة على وقف حالات سفك الدماء التي تصبح عملاً مبتذلاً وكئيباً» تعبيراً عن اعتكافه في محراب الموسيقى وإبداعاته. غير أن مجيد ظل فخوراً بكل ما قام به وصار مدرسة لأجيال مرت به في السجن وتعلمت منه الموسيقى والنضال الوطني معاً. ومن السجن تسربت موسيقاه التي حملها رفاقه إلى العالم لتلعبها فرقة الإذاعة في ألمانيا الديمقراطية وليدرسها مختصون في الأكاديمية الملكية في السويد. ومن على أسطوانات بلاستيكية رقيقة طبعت في ألمانيا صدحت مقطوعات من موسيقى مجيد مرهون في مهرجانات الشبيبة والطلبة العالمية، ومنها إلى بلدان العالم المختلفة.
 ذات صيف في الثمانينات قصصت على الأستاذة فريدة النقاش ونحن في بلغاريا حكاية مجيد التي أبكتها. ولما عادت إلى مصر سعت لدى رفاقها في حزب التجمع ليقام مهرجان حاشد عزفت فيه «أزميرالدا» و«نستالجيا» وغيرها من مؤلفات مجيد مرهون القابع في السجن.
 لقد آمن مجيد بأن أعماله الموسيقية ونضاله الوطني وجهان لرسالته الإنسانية. وفي الأولى قرع الأجراس ليوقظ فينا الثانية. ألم تقل الكاتبة الفرنسية أفرورا لوسي ديوبين (1804-1876) التي أخفت كل نتاجها الأدبي خلف الاسم الذكوري جورج ساند، إن «هدف الموسيقى هو إيقاظ القلق الروحي. وليس ثمة فن آخر قادر على تحريك مشاعر نبيلة في قلب الإنسان، وعلى تصوير جمال الطبيعة أمام عيون الروح، وروعة التأمل والتنوع الذاتي لدى الشعوب وعنفوان طموحاتها وثقل همومها بقدر ما تفعله الموسيقى».
 مساء 16 ديسمبر/ كانون الأول وفي يوم تدشين قاموسه الموسيقي لم ينفخ عازف السكسفون في آلته. لم تسمح بذلك صحته المتردية التي أهملها سجانوه والدولة وحتى رفاق الدرب. لكن الحاضرين استمعوا إلى موسيقى مجيد التي عزفها فنانون من الغرب والشرق في ذلك المساء. لقد فعلت فينا موسيقى مجيد ذلك السحر الذي تحدثت عنه جورج ساند.
 أحد النقاد الموسيقيين الذي درس مؤلفات مجيد قال إنه يسمع في ثنايا موسيقاه رنين سلاسل حديدية لعلها القيود المضروبة حول رجليه وتصدر أصواتها عندما يمشي مثقلاً بها.


فسلام عليك مجيد.. مثقلاً بالموسيقى والحديد.

 
صحيفة الوقت
24 مارس 2008

اقرأ المزيد

وطن الشعب أم وطن الطوائف؟‮!‬

كل شيء في‮ ‬البلد‮ ‬يصبح طائفياً‮ ‬أو‮ ‬يكاد‮.‬ نواب‮ ‬يعلنون عن سحبهم لاستجواب الوزير منصور بن رجب ليعاودوا القول في‮ ‬اليوم التالي‮ ‬عن تراجعهم عن هذا السحب،‮ ‬لأن كتلة‮ “‬الوفاق‮” ‬مصرة على المضي‮ ‬في‮ ‬استجواب الوزير أحمد عطية الله‮.‬ كأن لسان حال هؤلاء النواب‮ ‬يقول‮: ‬نحن إزاء مقايضة طائفية‮: ‬نسحب استجوابنا مقابل أن تسحبوا استجوابكم،‮ ‬واحدة بواحدة،‮ ‬وإن لم تفعلوا فنحن ماضون في‮ ‬استجوابنا‮.‬ لا الوزير منصور بن رجب عضو في‮ ‬الوفاق أو محسوب عليها،‮ ‬وليست هي‮ ‬من رشحه أو دفع به الى الوزارة،‮ ‬ولا الوزير عطية الله عضو في‮ ‬المنبر الاسلامي‮ ‬أو الاصالة،‮ ‬ومع ذلك فإن السجال في‮ ‬أمر استجواب الوزيرين‮ ‬يخرج عن مقاصده الأصلية ويتحول الى تراشق طائفي‮ ‬مكشوف‮.‬ أين هو‮ – ‬إذاً‮ – ‬شعار مكافحة الفساد ومحاسبة الفاسدين،‮ ‬إذا كانت بعض الكتل النيابية ستقيم الدنيا وتقعدها وهي‮ ‬تعلن عن نيتها استجواب وزير،‮ ‬وإذا بها تظهر الاستعداد لصرف النظر في‮ ‬أمر هذا الاستجواب لقاء مقايضة طائفية‮.‬ يمكننا أن نذهب في‮ ‬تعداد الأمثلة حول أن كل شيء في‮ ‬البلد‮ ‬يصبح طائفياً‮ ‬أو‮ ‬يكاد‮.‬ مشروع اسكاني‮ ‬تنفذه وزارة الاسكان،‮ ‬وحين‮ ‬يصل مرحلة الانجاز النهائي‮ ‬والتسليم‮ ‬يرتدي‮ ‬طابعاً‮ ‬طائفياً،‮ ‬أيذهب الى سكان شيعة أم سكان سنة؟ وندخل بعد ذلك في‮ ‬جدل من هم الأكثر أحقية،‮ ‬ويتوارى موضوع المواطنة المتكافئة في‮ ‬الحقوق والواجبات لصالح القسمة المذهبية والطائفية في‮ ‬أكثر صورها ابتذالاً‮.‬ كيف سنؤسس لمجتمع صحي‮ ‬ومعافى متوجه نحو بناء دولة ديمقراطية بآليات حديثة على قاعدة القانون والمؤسسات،‮ ‬إذا ظلت الأمور تدار بالذهنية الطائفية الرائجة بضاعتها هذه الأيام،‮ ‬حين‮ ‬يجري‮ ‬التدقيق في‮ ‬أمر المذهب والطائفة،‮ ‬لا الاحتكام الى فكرة المواطنة التي‮ ‬تتخطى هذه الانحيازات التي‮ ‬لا‮ ‬يمكن إلا أن تكون ضيقة بطبيعتها في‮ ‬مجتمع متعدد التكوين،‮ ‬عليه أن‮ ‬يغلب المشتركات التي‮ ‬تجمع،‮ ‬وأن‮ ‬يبلور وينضج معلم الهوية المشتركة لبشر‮ ‬يعيشون على أرض واحدة ويشتركون في‮ ‬حياة مشتركة متداخلة لا‮ ‬يمكن تفكيكها الى عناصرها الأولية،‮ ‬إلا إذا شئنا ضرب فكرة الدولة الحديثة في‮ ‬جوهرها القائم على الدمج وعلى صوغ‮ ‬النسيج الوطني‮ ‬المشترك،‮ ‬والبديل ساعتها لن‮ ‬يكون إلا بالعودة مجدداً‮ ‬الى عوالم الطوائف والقبائل والأعراق المتنافرة‮.‬ والى مثل هذا البديل‮ ‬يقودنا متصدرو المشهد السياسي‮ ‬الراهن في‮ ‬البحرين،‮ ‬لا بل وفي‮ ‬المنطقة العربية عامة،‮ ‬الذين لا‮ ‬ينطقون بأسماء أوطان ومجتمعات مشتركة،‮ ‬وإنما بأسماء طوائف وإثنيات ومذاهب‮.‬ هؤلاء محبوسون،‮ ‬بحكم التكوين،‮ ‬في‮ ‬بوتقة ضيقة تكاد تحكم الخناق عليهم،‮ ‬وهم لا‮ ‬يستطيعون الخروج منها لأن مقاساتهم تشكلت على حجمها،‮ ‬لذا سيبقون أسرى لها ما قدر لهم أن‮ ‬يبقوا‮.‬ البديل الوطني،‮ ‬الديمقراطي،‮ ‬الحديث سيكون على أيدي‮ ‬أناس وقوى سواهم،‮ ‬معقود لهم هذا الدور الذي‮ ‬يجب أن‮ ‬يكونوا مستعدين له‮.‬

صحيفة الايام
24 مارس2008

اقرأ المزيد