المنشور

أسباب صعود وانكفاء التيار القومي

قبل ما يقرب من شهر اجرت قناة الحوار الفضائية معي والدكتور جاسم المهزع رئيس “جمعية الوسط العربي الاسلامي” حوارا سياسيا مطولا شاملا تحت عنوان “واقع التيارات القومية في منطقة الخليج”، ادار الحوار الاعلامي البحريني القدير الزميل الدكتور عدنان بومطيع، وقد تمحورت اسئلته حول كيفية انبثاق وصعود التيار القومي في العالم العربي ثم اسباب انحسار وانكفاء هذا التيار بدءا من هزيمة 1967 ومرورا بتصاعد وتيرة هذا الانحسار منذ اواخر السبعينيات وبخاصة بعد الثورة الايرانية عام 1979 حتى يومنا هذا، وهي الفترة ذاتها التي شهدت تنامي وصعود التيار الاسلامي سريعا بكل تلاوينه على نحو غير مسبوق في تاريخ العرب الحديث.
لقد قدم كل منا: الدكتور جاسم المهزع وكاتب هذه السطور، رؤيته الخاصة وتحليله في الاجابة عن كل سؤال من الاسئلة المتعددة التي أثارها وطرحها مقدم البرنامج الصديق الدكتور بومطيع والتي تمحورت – كما ذكرت – حول القضايا المذكورة، وفي اغلب الاجابات كنا متوافقين او متقاربين في وجهات النظر حول ما لعبته التيارات والحركات القومية من ادوار وطنية وقومية مهمة في حركة التحرر الوطني إن على صعيد الوطن القطْري وإن على الصعيد القومي، ولاسيما ابان خمسينيات وستينيات القرن الماضي خلال ما كان يعرف بـ “الحقبة الناصرية”.
ولكن بدت اجاباتنا متباينة بهذا القدر او ذاك في تحليلنا وتشخيصنا لبعض الاسباب وعوامل انتكاسات المشروع القومي الذي كان يحمله الزعيم الوطني والقومي الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر، وكذلك في اسباب صعود وانحسار اليسار عامة، واذ لست هنا في حل للتحدث نيابة عن الاخ الدكتور المهزع فيما طرحه من آراء في اجاباته فإني سأحاول ما استطعت اعادة ما طرحته في اجاباتي بتكثيف واضافة ما يمكن اضافته عليها مما لم يسعفني وقت البرنامج للاستفاضة فيه او توضيحه في سياق وجهات النظر والرؤى التي قدمتها في الحوار التلفزيوني ذاته.
فكما ذكرت فإن اعظم انجازات التيارات القومية انما تحققت خلال الحقبة الناصرية اي ابان المكاسب والانجازات التي حققتها ثورة يوليو المصرية بزعامة جمال عبدالناصر في عقدي الخمسينيات والستينيات على الصعيدين الوطني والقومي.
واذا ما نحينا مكتسبات الصعيد الاول جانبا، فلقد لعبت ثورة يوليو على الصعيد القومي ادوارا تاريخية مهمة في دعم ومساندة حركات التحرر الوطني العربية المناهضة للاستعمار الغربي الذي كان جاثما على اراضي اوطانها وشعوبها، بدءا من الحركة الفلسطينية، ومرورا بثورة الجزائر وحركة التحرر اليمنية فالحركات الوطنية في الخليج العربي، وليس انتهاء بالثورة الليبية 1969م، بغض النظر عن وقوعها بعدئذ في اخطاء وممارسات بالغة الخطورة، واذا كانت هذه الانجازات لا يستطيع ان ينكرها الا مكابر او متحامل يستبد به الهوى السياسي والتعصب فإن ذلك لا يعني معصومية الحركات القومية والمشروع القومي الناصري من الاخطاء الخطيرة القاتلة سواء على مستوى الحركات التي خارج السلطة ام على مستوى الحركات او القوى والرموز الموجودة في السلطة، وعلى وجه الخصوص في النظام الناصري، وفي مقدمة هذه الاخطاء التغييب شبه الكامل للديمقراطية وارجاء مهمة بناء نظام دستوري ديمقراطي قائم على الفصل بين السلطات الثلاث واستقلالية القضاء، وحق تشكيل الاحزاب والتعددية السياسية، وارساء مبدأ حق تداول السلطة بموجب انتخابات حرة نزيهة، وضمان حرية الصحافة وسائر الحريات العامة، واستقلال مؤسسات المجتمع المدني والنقابات عن السلطة القائمة وابتعاد هذه الاخيرة عن التدخل في شئونها وفرض وصايتها عليها لتكون نسخة طبق الاصل من الحزب الحاكم او الطغمة القومية الحاكمة، كما حصل ومازال يحصل حتى اليوم في كل الانظمة القومية الحاكمة المتبقية من دون استثناء حتى بعد انكفاء النظام الناصري ومشروعه القومي.
وبسبب هذا التأجيل المستمر للمسألة الديمقراطية ترهل النظام القومي في مصر سريعا، وسرعان ما اصيب في مقتل اثر هزيمة 1967 القاصمة بعد ان نخر الفساد المؤسستين السياسية والعسكرية وتحكمت الطفيليات الفطرية الانتهازية والمنافقة في الكثير من مفاصل النظام وهي التي كانت قبلا وراء هزيمة يونيو 1967 ثم وراء وأد المشروع القومي ومبادئ ثورة يوليو والاجهاز على مكتسبات ومنجزات الثورة بعد رحيل زعيمها عام 1970، حيث لم يتخلص عبدالناصر بالكامل منها عند مماته.
أما على الصعيد الحركي والحزبي فإن غياب مبدأ المراجعة والنقد الذاتي هو احد الاسباب الرئيسية لانكفاء وانحسار لا الحركات والاحزاب القومية فحسب بل الحركات والاحزاب اليسارية كافة ايضا، وهذا ما يهدد كذلك الحركات والاحزاب الاسلامية بالانكفاء والتراجع. لكن يظل اكبر الاخطاء القاتلة والمدمرة لهذه الاخيرة، وإن كانت مازالت في اوج صعودها، ليس هو عجزها بامتياز عن اجتذاب مختلف الوان الطيف الاجتماعي والديني لشعوبها خلف مشروع ديني واحد موحد فحسب بل امعانها بامتياز وعن كل جدارة “تحسد” عليها في تفتيت الانسجة والمكونات الوطنية والاجتماعية لشعوبها ومجتمعاتها العربية، وهذا اكبر خدمة تقدمها للاستعمار الجديد والغرب بعد حمله على الانسحاب الكولونيالي من المنطقة في حين كانت المشاريع والحركات القومية على الاقل مشاريع وحركات موحدة لا مفرقة ومفتتة لشعوبها حتى في ظل ممارستها لأخطائها السياسية الكبيرة.
ولنا عودة للموضوع مستقبلا.

صحيفة اخبار الخليج
6 يوليو 2010

اقرأ المزيد

الموظف الكبير والتاجر

لقد احتاجت تحولات الغرب التقليدي ليصير حداثياً إلى عشرات الحروب الدينية والقومية والعالمية، أي سفكت دماء مئات الملايين من الضحايا رغم وجود الفلسفات والعلماء.
وفي عالمنا العربي الإسلامي العالمي لا توجد عمليات وعي لما يدور لكي لا نكررَ تاريخيةَ الغرب، أي كيف نعي سببيات حداثته، ونقفزُ فوق حروبِهِ ونستفيد من منجزاته.
المسألةُ تبدأُ من خلايا صغيرة.
بين التاجرِ والموظفِ المسيطرِ فروقٌ كبيرة.
إن ظهورَ التاجر في العالم العربي الإسلامي كان صعباً، فبعد قرونٍ من هيمنةِ قطاعِ الطرق وفوضوية السلطات، كان التجارُ في الدولة العباسية هم ضحايا الأزماتِ الماليةِ للحكم، فكلما فشلَ الموظفُ الكبيرُ (وهو هنا أميرُ المؤمنين)، في تحصيلِ الخراج وفرغتْ الأموالُ من الخزائن لجأ إلى الضرائب ومصادرة أموال التجار.
كان ظهورُ التاجر صعباً، واستمراره كان أصعب، وثقافته وجلبه لثقافةٍ جديدةٍ أشد خطورة.
لكن الموظفَ الكبيرَ بين العصر العباسي والعصر الراهن لم يختلفْ نوعياً، فالموظفُ الكبيرُ يطلع وتكون الأرزاق بين يديه، يغدو عقلهُ معطلاً، فالأموالُ تحضرُ بين يديه، يغرق في الدواوينية والكسل، يتضخمُ جسمهُ من الطعام الذي هو ليس بحاجةٍ إليه، تكثرُ به الأمراضُ الجسدية، يعيش ليلاً وينامُ نهاراً، يتقوقعُ دمهُ في أسرته، يعيشُ على التسليات الكثيرة نظراً لضخامةِ الملل الذي يرتبط بعقله الصغير وجسمه الكبير، لا يعرف كيف ينمي الثروة العامة، يلجأ للطرق السهلة السريعة، يجعل الخراج (الأموال العامة) يصلُ إلى جيوبه أكثر مما يصل لعروق المصالح العامة ويمدها بأسباب الحياة.
التاجر يخرج في العصر الحديث العربي مُحاصراً من كل الجهات، التاجر الذي يرتبط بالسلطات ويطلب الحماية والرزق الوفير يخضع لمتطلبات السلطة، يحصرُ تجارتَهُ في متعِ الموظفِ الكبير، وقد ظهرتْ السياراتُ الفخمةُ في الخليج قبل السيارات العادية بعقود (فورد أولاً)، وقبل آلات الحرث، ولم تجئ تراكتورات الحرث، وصار مستوردوُ السياراتِ الفخمةِ ملاكاً متجمدين.
حين يُخضع الموظفُ الكبيرُ التاجرَ لمتطلبات الاستهلاك البذخي تخسرُ التجارةُ على المدى البعيد، فلا تتحول إلى صناعاتٍ تفجر الأرباح بل تغدو استنزافاً للميزانيات. فتنشأ الأزمات المالية الاقتصادية الكبرى فيما بعد من كثرة العارضين للسلع المتماثلة المستوردة.
وبعدها تجيءُ جحافلُ التجارِ الصغار التابعين للتاجر الكبير التابع للموظف الكبير.
والموظف الكبير لا يترك الاستهلاك البذخي الآكل لموارد الأمة. فالقصورُ والتحف الثمينة، والأعراس الباذخة، والفساتين والعطور تُحضرُ من باريس على طائراتٍ خاصة، والقرميدُ الغالي يُستورد ليزهو فوق السطوح، وحفلاتُ الأعراسِ تكلفُ الأمةَ أكثر من المصانع، ويُجلب الشعراءُ صانعو قصائد المديح، والمطربون والمطربات للغناء في ختان أولاده، وأعراسهم، ويتوجه الموظف الكبير ليقطف ثمار الثروة ولآلئ البساتين والجزر والشواطئ والخلجان، والذهب يستنزف والموارد تضيع.
التاجرُ يظهرُ في دكانٍ بسيط، يجمعُ الدرهمَ على الدرهم، يخففُ من الشموع، ويطفئُ القناديلَ خوفاً من ضياعِ الزيت، يدققُ في البضاعة، يرى الأرباحَ الصغيرةَ تفلتُ من يده، يجمعُ الأموالَ بصعوبةٍ شديدة عبر عشراتِ السنين، ينشئ عائلته على التوفير، يوجهُ أولادَهُ للأعمال المدرة للأرباح، وللزيجات العامرة بالكثير من المال والقليل من العيال، وبعد عقودٍ مرهقةٍ يسخرُ الناسُ من بخله ويمدحون الموظف الكبير الكريم!
بعد أن يؤسسَ التاجرُ الاقتصاد بأموالهِ وبالضرائب التي عليه، وتظهر الطرق والمؤسسات، يسرقُ الكثيرون دورَهُ السياسي، أي التتويج النضالي للحداثة الذي تهربَ هو نفسهُ من ختامها الكبير، نظراً لخوفه من مصادرةِ رأسمالهِ الذي شقي في تجميعه، في حين يتقدم أناسٌ بلا رأس مال، غير خائفين من مصادرة سنين من حياتهم، ولكنهم لا يملكون سبيل الحداثة الرأسمالية الوحيدة في شق طريق التطور.
وبعد سنوات طويلة يكتشفون ضياعَ سنوات أعمارهم وعدم تكوين رأس المال، إلا من تحايل بين الطرق الاجتماعية، وغدا حاوياً على الحبال الاجتماعية.
لا يجتمع الموظفُ الكبير والتاجرُ على مائدةٍ مشتركة لإدارة وضع الأمة الاقتصادي، هما منهجان مختلفان: فهنا منهج تضييع وبذخ وعدم تخطيط للاقتصاد، وهناك منهج تخطيط وحرص، لكن التجار الصغار ورجال الدين والموظفين الصغار والثوار يتوجهون للاستفادةِ من هذا النزاع التاريخي الطويل، يحتلون مقاعدَ السلطات، ينظرون لملءِ الفراغ، يخطفون عقوداً طويلة من تاريخ الأمة، يصنعون بعضَ الأشياء المفيدة، ثم يدخلون حروباً طاحنة، تنسفُ الكثيرَ من الإيجابيات التي صنعوها، ويصيرُ الموظفُ الكبير عقيداً يلتهم وأسرتهُ مزارعَ النفط وخراجَ الأرض.
حتى الآن لم تستطع الأمةُ أن توجد العلاقة الديمقراطية بين الموظف الكبير والتاجر بعد كل هذه التجارب الطويلة. ولايزالُ الموظفُ الكبير يتحكمُ بغيمةِ الزراعة أو بغيمةِ النفط التي تمطرُ في جيوبه.

صحيفة اخبار الخليج
6 يوليو 2010

اقرأ المزيد

رحيل محمد حسين فضل الله

سيمرّ وقت طويل قبل أن تهبنا الحياة رجلاً في وزن محمد حسين فضل الله الديني والمعرفي، وفي حصافته الفكرية ورصانته المعرفية، وفي شجاعته باجتراح الجديد المستقيم مع روح الإسلام والمتسق مع تعاليمه، وفي تأكيده على ضرورة وحدة صفوف المسلمين في وجه مساعي تفتيتهم إلى ملل وطوائف متضادة، متنازعة ومتحاربة.
ولا جدال في أن رجل الدين والدنيا محمد حسين فضل الله الذي رحل عنا، هو من أكثر وجوه لبنان والعالمين العربي والإسلامي إشراقاً وتفتحاً وعمقاً ورهافة إنسانية، هو الذي ترفع بنضج نادر عن الانتماء الطائفي الضيّق، وأصبح رجلاً للأمة كلها بمذاهبها كافة، بل إنه بتكوينه المعرفي الواسع، تحوّل إلى قيمة إنسانية مطلقة، حين أفلح، في ما أخفق الكثيرون في تحقيقه، في أن يصالح بين الدين والعصر، وأن يؤكد ما في روح الإسلام من قيم التسامح كونه دين يسر لا دين عسر.
أخذ من لبنان، وهو اللبناني الذي ولد وتعلم وعاش ردحاً من حياته في النجف، روح التفتح والتعايش المشترك، والانفتاح على المكونات الفكرية والفلسفية كافة، ناهيك عن الدينية بطبيعة الحال، كونه مرجعاً دينياً رفيع المقام، وصاحب الكلمة المسموعة لدى الملايين من مريديه ومقلديه.
كان رجل دين مقاوماً، وكان أيضاً رجل دين متسامحاً، وطنياً لبنانياً، بعيد الأفق، يدرك أن قوة لبنان في وحدة أبنائه من شتى الطوائف، ووسط الغلواء الطائفية التي تجتاح المنطقة، كان أوعى وأبعد نظراً من كل أولئك الذين غرقوا في وحل الطائفية والمذهبية الضيّقة، بوعي منهم أو من دون وعي.
ما أن انزاح الاحتلال الصهيوني عن ضيعته عيناتا ليس بعيداً عن بنت جبيل عام 2000 مجبراً أمام صمود المقاومة اللبنانية، حتى ذهب اليها، ومن هناك، قال: ليس للمسلمين في لبنان إلا المسيحيون، وليس للمسيحيين في لبنان إلا المسلمون، لقد تحرّرت الأرض وعلينا أن ندخل في معركة تحرير الإنسان من الحقد، لقد بقيت المعركة ضد الطائفية.. إنّ الدين قيمة والطائفية هي عشائرية متخلّفة.
لم تخدعه المظاهر والقشور، كان مفكراً عميق التحليل، ويرى ما خلف الظاهر من الشعارات البراقة التي تطلق للاستهلاك، وهو يلاحظ أن هناك مسحة حضارية تخدعنا، ولكن هناك عمقاً متخلّفاً يعيش في أعماقنا: «تعالوا عقلاً بعقل وقلباً بقلب، (والقول له)، تعالوا البلد الجميل لنغرسه بالمحبة، وأن تكون حركتنا في خطّ الجمال وصنع الجمال في الإنسان، فلبنان دُمّر جسدياً وأخشى أن يُدمّر إنسانياً».
مازلت أذكر دراسة قيمة كتبها فضل الله عن الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش، جدير بالكثيرين من رجال الدين أن يتعلموا منه ومنها. يقول فيها لقد عاش شاعر فلسطين معنى إنسانيته، ومعنى شعبه، وانطلاقاً منه، فإنّ الذين يعيشون معاني إنسانيتهم وإنسانية وقضايا شعوبهم لا يمكن أن يبتعدوا عن نوافذ الانفتاح على الله تعالى… وعن الإيمان الذي هو حركةٌ في العقل ونبضةٌ في القلب وحركةٌ فيه وفي التجربة والحياة، ولهذا حين تسمع محمود درويش لا تشعر بابتعاده من الإيمان في تجربته الإنسانية… علماً أننا لا نفصل بين الإنسان وفنّه الذي ينطلق من داخله، فالخارج هو صورة الداخل، والفنّ ليس شيئاً معلقاً في الهواء، بل هو انطلاقة العقل ونبضُ القلب وحركة الواقع.
 
صحيفة الايام
6 يوليو 2010

اقرأ المزيد

القشعريرة السياسية

أين بإمكاننا تلمس القشعريرة السياسية هذه الأيام بل وعلى مدار كل الأيام؟ مثلما نتلمس قشعريرة الصيف ووهجه في صيف ستكون تحضيراته النيابية متوترة من جهتين كونه يأتي مبكرا بعض الشيء والأمر الآخر سيكون في أغسطس الأكثر شهور السنة حموة وحرارة ورطوبة برفقة شهر الصيام، مما يجعل القشعريرة السياسية تتحول إلى ’’ عصبيات وقلق ’’ تتجلى في تصريحات إما متشنجة أو إنها مضخمة حول الذات والقدرة على استباق النتائج وحسمها نهائيا قبل ’’ الإعلان عن المسابقة السياسية !! ’’ أو حتى دخولها، وكأنما القشعريرة تسربت بسرعة للأبدان والعقول المهسترة، التي مسها الغرور السياسي، كونها مهيمنة ومسيطرة على الشارع السياسي ’ الديني ’ وإذا ما قلنا الديني فان مفردة الطائفي تتبعه لكون تلك القشعريرة السياسية ترمومترها العام يتجسد في الانحيازات الطائفية لمشروعات بدت ظاهرها مصالح وطنية وباطنها توجهات عصبية فئوية بحتة.
ما نلحظه من الاهتزازت الأولى لتلك القشعريرة تحرك الكبار والصغار من المسؤولين من السلطة التنفيذية، وانتشار حالة المجسات الأولية في المجالس الشعبية وتصدر الرموز والوجوه الوطنية مقالات وتصريحات وحتى تشخيصات تكاد تبلغ التنظير ما بين فكرة المغلق والمفتوح لفلسفة معقدة في الدوائر، فإذا ما أخضعنا المقولة لمنطق فلسفي، فلا يوجد فصل ميكانيكي بين المطلق والنسبي والمفتوح والمغلق في تلك الدوائر، وإنما هناك مسألة نسبية ودلالية وسياسية، فما هو بالأمس مغلق وتابو سياسي لا يمكن اختراقه، فان مع مرور الوقت بالإمكان فتح ثغرة.
من حيث اللحظة التاريخية وبحساب الأرقام ونتائج نواب مجلس 2006 فهناك مرشحون حصلوا على نتائج عالية فاقت التسعين في المائة، مما يعني أن المنافس الجديد عليه فهم حقيقة الرقم الذي أمامه ’ إما الدوائر ’ التي كانت نتائجها ما بين 70-80% فان الفرص تبدو أيضا أصعب من دوائر نيابية تحركت الأصوات فيها للفائزين بأرقام تراوحت بين 55 -65%، حيث المؤشرات في تلك الدوائر تعزز من فكرة النسبية وتأرجح وضع نوابها في الدورة القادمة، حتى وان حاولت أية جمعية المبالغة بحقيقة هيمنتها على كل المناطق بدرجة متساوية تحت تعبير ’’ الدوائر المغلقة ’’ إذ يتعارض القول مع الحقيقة والأرقام، فلا يمكن تلبيس بدلة واحدة وبقياس واحد على نائب يبدو لنا قياس دائرته مثل وزنه وطوله وملامح وجهه بل وحتى كرشه السياسي وتصريحاته البهلوانية.
ما بين المغلق والمفتوح والنسبي والمطلق هناك مقولة أهم وهو مسألة اللحظة الراهنة والمنظور القريب والبعيد، حيث تتوالد عدة أسئلة لدى الناس بل وسؤال محوري هل توجد دائرة مطلقة من حيث اللحظة التاريخية ؟– نقول نعم سنجدها في تلك النسب المرتفعة حسب منطق الأرقام وليس منطق الرغبات أو منطق التهويل السياسي وحالة تضخم الذات، ولكن في الوقت نفسه تبدو لنا القشعريرة السياسية المصابة بها بعض الجمعيات هو تعميم لمقولة (المغلق ) إلى حد القداسة، كما لو كانوا يقدسون إن النظام الإيراني ليس بالإمكان اهتزازه بهزة حركة طلابية وشبابية وانتخابات عامة فما بالنا لو تمت الهزة بالجيش او الطبقة العاملة، حيث ما زال الشارع الإيراني يهز مقولة المطلق والنسبي لأنظمة توهمت أنها مقدسة للأبد، ولا يمكن لحركة التاريخ أن تفعل فعل بقشعريرتها السياسية الصادمة لرجال الفكر والسياسة، عندما قرؤوا التاريخ بذهنية المطلق الجامد، فيتم ترجمة الفلسفة بصورة خاطئة في علم السياسة والعكس أحيانا. وإذا ما تمعن المرء في كل دائرة على حدة، ووضع حولها تلك الأرقام، فانه سيكتشف بكل سهولة إن هناك أيضا دوائر ’’ مفتوحة ’’ من حيث اللحظة التاريخية والمنظور القريب، غير إن كل الدوائر من حيث المنظور البعيد تتحول إلى دوائر مفتوحة باعتبار إن المغلق أبدا مفهوم خاطئ بالمطلق أيضا إذ لا في علم السياسة ولا في منظور الفلسفة المادية، الرضوخ لمبدأ إن الحياة جامدة لا تعرف التغيير والانتقالات .
أتذكر في فرنسا كيف كان الشيوعيون الفرنسيون فخورين في مناطق محددة اعتبروها مناطق تأثيرهم ونفوذهم وكانت تسمى مناطق حمراء، لكثافة حضورها العمالي واليساري، ولكن دوائر الأمس أصيبت بالتصدع وذلك الحزام العمالي في أطراف باريس ما عاد نفسه، كما هو قبل الحرب العالمية الثانية ولا حتى في الخمسينات والستينات المزدهرة بحركة زاخرة بالفعل والقوة والنفوذ، فقد خسر الحزب دوائر انتخابية وصار رصيده النيابي لا يتعدى 2% بل وحظي التروتسكيون بما يقرب من 4% في يوم كان الحزب الشيوعي يسخر من طروحاته، بل وصعد للمسرح السياسي شبابا منافسين في الأربعين والثلاثين من عمرهم من الجماعات التروتسكية ينافسون عتاة الحزب وكباره وينتزعون منهم الأمكنة المغلقة .
فإذا ما تم في داخل البيت الواحد تفتيت تلك الدوائر، فان بالإمكان نزع تلك الدوائر بشخصية من خارج هذا البيت والدائرة المغلقة، متى ما أدركت الشخصية القادمة بمعول الهدم من أين تضرب في وجه ذلك الجدار الأسمنتي، الذي يتوهم انه مطلق، متناسيا أن السياسة علم وفن الممكن، فبالأمس القريب كان الإنسان البدائي يهدم ويكسر صخوره بيده، مستخدما طاقته الجسمانية، ولكنه اليوم صار يكسر صخور جبال صلدة بأصابع ديناميت، فمن خلال عقله نجح في كيفية فهم هدم الأشياء وإعادة بنائها.
ما ينطبق على أية قوة سياسية سابقا سينطبق على إخوتنا في الجمعيات الدينية، ومن يتوهم إن الانتصار التاريخي هو ليس بأكثر من مسألة نسبية في حركة التاريخ ومساره، فانه لا يعي ولا يفهم بأكثر من مسافة أرنبة انفه. انه وهم إيقاف حركة العقل عن التفكير وانخراط الإنسان بهدوء وصمت في انشغاله بالثورة الجينية، التي تمضي نحو المستقبل بتبديل أمور لا يمكن تخيلها، تفوق ما نملكه من الكترونيات أولية. المجد للعقل، والمجد للحياة والمجد للتاريخ، عندما يزلزل تحته كل جبروت الطغيان والتخلف الساعي عنوة لإيقاف نهر الحياة الجارف.
هنيئا للمنتصرين الآن وبعد غد، ولكن ماذا عن المستقبل البعيد وليس مجرد دورات نيابية – نعرف جميعنا طبيعتها – يتمرن فيها الشعب والجيل الجديد كيف يتلمس القشعريرة السياسية المتقلبة المرتبطة بالانفعال السياسي وغياب الوعي العميق بماهية التاريخ .

صحيفة الايام
6 يوليو 2010

اقرأ المزيد

في الحالة الشمولية

لم تستطع الدول الشرقية الكبيرة خاصةً في المرحلة الراهنة أن تشكل وضعاً ديمقراطياً، وبطبيعة كل العالم تسوده هيمنات القوى الرأسمالية الكبيرة، لكن بخلاف الغرب الذي جرى فيه حراك ديمقراطي واسع النطاق. ولهذا فإنه في الشرق لم تنقطع الشموليات فيه على الرغم من الأحاديث والمهرجانات الكثيرة عن الديمقراطية، فلا توجد عملية تبادل الكراسي، فالكرسي يظل مستمراً أبداً.
لكن علينا أن نقرأ الأسباب الاقتصادية لهذا الثبات الكبير. لا تنقطع سلسلة الدكتاتورية إلا بوضع ديمقراطي يصعب على عموم الشرق تكوينه حتى الآن إلا في دولٍ استثنائيةٍ ولها أسبابٌ استثنائية، لكن الآن تتكون في المرحلة الليبرالية الجديدة البازغة، التي يحدث فيها اندماج الرأسماليات الشرقية الشمولية بالرأسماليات الغربية الديمقراطية لتكوين سوق عالمية موحدة في هذه اللحظة من التاريخ البشري.
يحاول الشرق أن يحافظ على تكويناته الاجتماعية التقليدية وهو ينخرط في العملية الديمقراطية العالمية، مثلما أن الغرب يقوم بتوسيع أسواقه.
ولهذا فإن الديمقراطية الشرقية لم تصدر عن طبقة برجوازية متحدة قامت بالتصنيع، وقامت بتفكيكِ نسيجِ الشمولية في الدين والحكم وفي علاقاتِ الهيمنة الذكورية في الأسرة وفي الثقافة وغيرها.
وحتى الآن فإن الرأسمالَ الشرقي العام مقلقلٌ، فهو شركاتٌ حكومية ترفضُ أن تخضع للبرلمانات الهشة المهمشة، وهو موزعٌ بين عدةِ أنصبةٍ كبرى أ: نصيب الطبقة الحاكمة، ب: نصيب المؤسسات العسكرية، ج: نصيب الفئات البرجوازية المتداخلة مع (أ) و(ب) والمستقلة، د: نصيب الشعب.
لم تقمْ (الديمقراطيات) الشرقية بتغيير هذه القسمة، وهذا في حد ذاته يوقفُ التنميةَ الواسعة العميقة، ويجعل الصناعات مرتبطة بتدخلات تلك الأنصبة، ويجعل الفوائض مرتبطة بسياسات ذاتية، علينا أن نقرأ مثالاً ملموساً لذلك لمعرفة هذه السببيات التي لا تُعرض.
فروسيا توجهُ فوائضَها نحو بيع السلاح والمواد الخام، وهو أمرٌ يخدم الفئات البيروقراطية الحاكمة، رغم أن البنيةَ الاقتصادية تتطلب تحولاتٍ عملاقة في التقنية، وفي ديمقراطية المصانع، وفي ارتفاع مستوى العمال التقنيين، وفي تحولاتِ نوعية لعمل النساء، وفي اختصار المؤسسات الحكومية البيروقراطية التي تمسكُ الرأسمالَ القومي الروسي، أي يتطلب ذلك توجيه فوائض كثيرة نحو تطوير مستوى حياة العمال، وهذا الصرف يتوجه لمعيشتهم ولأجورهم ولتعليمهم ولكن ذلك يشفط كثيراً من أرباح الفئات البيروقراطية. ودون رفع مستوى تقنية العمال لا يمكن لقوى الإنتاج أن تزدهر خاصة بمقاسات الثورة العلمية الراهنة الهائلة. ولكن تظل روسيا متخلفة على المستويين: الصناعي المتطور والممارسات الديمقراطية.
يتم في (الديمقراطيات) الشرقية الحفاظ أساساً على البيروقراطيات الحكومية، وتغدو اسوأ مع تغلغلِها في الرأسمالِ العسكري، فشراء الأسلحة ينهك الاقتصادات، ويغدو أكثر خطورة مع توجههِ لبؤرِ التوتر وقيام قوى عسكرية حاكمة.
إن التقليصَ وإعادةَ هيكلةَ البنية الادارية – الاقتصادية – الاجتماعية مهمةٌ كبرى وشديدة الصعوبة، وكلما كانت بُنية الإدارةِ متضخمةً، متغلغلةً في شتى قوى الاقتصاد والسياسة، صعب القيام بتحولاتٍ ديمقراطية فيها، وتعذر متابعة الشعب الشرقي للحراك الاقتصادي العالمي الناجح.
فثمة فروقٌ كبيرةٌ بين روسيا والمجر، فروسيا عاجزةٌ ديمقراطياً، لأنها أسستْ بنيةً حكوميةً هائلة، متداخلة مع صناعات السلاح الكبرى، وشركات المواد الخام الوطنية العامة، ولهذا فإن الديمقراطيةَ فيها شبه مستحيلة حسب هذا البناء، فيظل حزب السلطة ورموزه هي المهيمنة وليس لأن الشعب الروسي متخلف أو لا يريد الديمقراطية.
في حين ان المجر تطورت بشكلٍ مختلف، تقول موسوعة ويكيبيديا:
(اتبعتْ المجر منذ التغيير السياسي في نهايةِ الثمانينيات، سياسةً اقتصاديةً حرة تشابه مثيلاتها في دولِ غرب أوروبا. تثبتُ المجرُ يوماً بعد يوم أنها ستكون إحدى الأسواق الواعدة ضمن الدول التي انضمت حديثاً في عام 2004 للاتحاد الأوروبي. تملك المجر، مع التشيك وسلوفينيا، أحد أعلى مستويات المعيشة في شرق أوروبا. يسهم القطاعُ الخاص بزهاء 80% من الناتج القومي العام للبلاد. يذهب زهاء ثلث الاستثمارات الأجنبية الاجمالية لمنطقة وسط أوروبا للمجر وحدها.).
إن المساهمةَ الكبيرةَ للقطاع الخاص هو جوهرُ العملية الديمقراطية الراهنة في الشرق، فقد أُزيحت المؤسسات الحكومية التي تهيمن على الاقتصاد، وخلال ذلك تبدلت الحياة الاقتصادية، عبر هذا التداخل والتعاون والصراع بين البرجوازية والعمال في نظامٍ ديمقراطي تعددي تداولي للسلطة، والتداول يغيرُ الصخورَ المعرقلة للتطور في أجهزة الدولة.
كانت روسيا مقر الاستبدادِ في الشرق في حين كان بعضُ دول أوروبا الشرقية واعدة بتطور ديمقراطي، ومن هنا انتفضتْ المجر في مراتٍ عديدة على الهيمنةِ الروسية، وكان فيها نخبٌ ثقافيةٌ ديمقراطية كبيرة، وظهرَ فيها أهم فيلسوف ماركسي في القرن العشرين وهو جورج لوكاش.
كان حراك المجر أسرع من روسيا في تفكيك الهيمنة الاستبدادية في الحكم وفي الأسرة وفي الثقافة ومن هنا تقدم الآن لشعبها مستوى حياة أفضل بكثير من روسيا.
ولا يعني ذلك أيضاً عدم طموح عمالها وشعبها لمساواةٍ أعمق وعدم الصراع مع الرأسمالية كذلك، أو أن الأخيرة حالة أبدية على مر القرون.

صحيفة اخبار الخليج
5 يوليو 2010

اقرأ المزيد

حكايات قاسم حسين

استمتعت بقراءة حكايات الكاتب الصحافي قاسم حسين عن طفولته وصباه التي جمعها كتاب صغير، تضمن أيضاً مجموعة من الصور العائدة للمؤلف في تلك المرحلة المبكرة من حياته، عنّونه باسم «روافد من بلادي».
وقاسم حسين من الكتاب الذين تحظى مقالاتهم بمتابعة القراء، لحرصه على أن يكون قريباً من معطيات الحراك السياسي في البحرين في هذه المرحلة.
أكثر ما أمتعني في الكتاب هو حديث الكاتب عن أماكن أعرفها حق المعرفة، فرغم أني أكبره سناً، ولكن بأقل مما كنت أتوقع من السنوات، حين اكتشفت أننا كنا في مدرسة واحدة في الآن ذاته، هي مدرسة الخميس الابتدائية الإعدادية يومذاك، رغم أني كنت، بحكم السن، في صفوف أعلى، ولكن يبدو أن الفترة كانت متقاربة لدرجة انه يتحدث عن معلميه الذين كان بعضهم قد علموني قبله في الصفوف الأولى من المدرسة إياها.
بعين الطفل الراصدة وبذاكرته اليقظة يروي قاسم حسين حكايات عن مدرسته وعن قريته بلاد القديم، التي أعرفها بعض الشيء، لا لكون المدرسة قريبة منها فقط، وإنما لأنها القرية التي عاشت فيها إحدى خالاتي رحمها الله، ومازال أبناؤها الأحياء يقيمون فيها.
ويرصد الكاتب ذكرياته عن مواقع أثيرة في القلب كمسجد الخميس، وسوق الخميس قبل أن تندثر، والعيون المحيطة بالمدرسة أو القريبة منها مثل عين عذاري وعين قصاري وعين أبوزيدان، وهي مرابع ذكريات حميمة فقدناها تباعاً، فلم يعد سوى الحنين إلى أيامها سلوى تعوض بعض ما فات.
سيقطع قاسم حسين في تدرجه الدراسي نفس المسار الذي اجتزته، فيذهب إلى مدرسة النعيم ليجتاز فيها الصف الأول من الثانوية، قبل أن ينتقل مثلي إلى مدرسة الحورة الثانوية، لذا وجدت في حكاياته ما يلامس مناطق مؤثرة في نفسي، خاصة وانه روى تلك الحكايات بأسلوب يجمع بين البساطة والتشويق.
إلى ذلك سيأخذنا قاسم إلى مذاق تلك السنوات المفتقد، إلى لياليها الرطبة وأيامها المليئة بمتعة الاكتشاف، وتلمس الخطوات الأولى على طريق الحياة، بكل ما في ذلك من متعة، يوم كانت بحرين الستينات والسبعينات تعاين نفسها بوعي وهي تزج نفسها بجسارة في مسار الحداثة والتغيير.
مازلت أذكر مقالاً كتبه قاسم حسين عن الشهيد سعيد العويناتي، رفيقي وصديقي الحميم، ابن بلاد القديم قرية قاسم، كتبه أيضاً بعين الصبي الذي يتذكر ذلك الشاب الوسيم بخصلات شعره الكثيفة المنحدرة على جبهته، تتحرك كلما استدار بوجهه. في ذاكرة قاسم برزت صورة سعيد الشاب الذي يحمل بين يديه كتاباً، وهو يقف بانتظار باص النقل العام.
لقد رحل سعيد باكراً بالشكل الفاجع الذي يعرفه الوطن، ولو انه عاش أكثر يا قاسم، وقدر لك أن تقترب منه بعد أن تكون قد كبرت قليلاً، لاكتشفت أن من الكتب التي يحملها بين يديه، والتي لن يتردد في إهداء بعضها إليك سيطل وجه بابلو نيرودا وناظم حكمت ولوركا، حيث بهجة الشعر وثورته.
ربما كانت الأقدار ستضيف إلى حكاياتك الجميلة التي جمعتها في روافدك، حكاية أخرى عن سعيد الذي مررت بجواره، ولكن خطاه إلى الموت المبكر كانت أسرع، لأن الوطن ساعتها ضاق حتى على الشعر والشاعر.
 
صحيفة الايام
5 يوليو 2010

اقرأ المزيد

معوقات تنامي‮ ‬الدور الإقليمي‮ ‬لتركيا


هل هي مجرد صدفة أن يعود الكفاح المسلح الذي يخوضه أكراد تركيا ضد الدولة التركية للانفجار من جديد على هذا النحو المتصاعد في هذا الوقت بالذات؟ هل أن الأمر مرتبط كما تذهب بعض التحليلات إلى حلول موسم الصيف الذي عادة ما تنشط خلاله الخلايا المسلحة لحزب العمال الكردستاني (PPK)؛ أم إن للمسألة أبعاداً أخرى تتصل بديناميكية الدور التركي الذي برز بصورة لافتة للغاية على الصعيد الإقليمي الشرق أوسطي؟

لسنا هنا بصدد مناقشة مشروعية أو أحقية الشعب الكردي في جنوب تركيا في الكفاح من أجل الحصول على حقوقه المشروعة التي كفلتها له القوانين والمواثيق الدولية، فهذا الحق لا جدال فيه على الإطلاق؛ إنما يقع هذا في الإطار العام الذي نفترض أن لا يقيد حق مناقشة الملابسات السياسية التي قد تعتري نشاط أي حركة سياسية، ناهيك عن حركة تحرر وطني.

إنما تصعيد حزب العمال الكردستاني هجماته المسلحة ضد الجيش التركي في هذا الوقت بالذات، وعلى هذا النحو المفاجئ والكبير، ينطوي على شيء من الغرابة وقد يشي بما هو أكثر من ذلك.
أحد مكامن الغرابة هنا يتعلق بكون حكومة أردوجان هي من بادرت لتقديم تنازلات مهمة للأكراد، منها ما يتعلق بلغتهم الكردية، مع وعود بمزيد من ترتيبات جديدة للحكم الذاتي.

فقد يكون لهذا التصعيد علاقة مع نهوض تركيا السياسي الشرق أوسطي، وإقلاقها وإزعاجها بصورة متصاعدة للدولة العبرية، لم لا؟.. فما الذي يمنع حزب العمال الكردستاني من قبول ‘رشوة’ إسرائيلية، في صورة معونات عسكرية أو مالية مقابل هذا التصعيد؟.. لا شيء على الإطلاق، فقد سبق لعديد حركات التحرير الوطني أن فعلت ذلك، المرحوم الدكتور جورج قرنق الذي صنف نفسه يسارياً لم يتأخر عن قبول دعم ومساعدة الإسرائيليين له في حربه ضد نظام الحكم في السودان.

الرئيس السوفييتي الراحل جوزيف ستالين وقع اتفاقاً مع الزعيم النازي أدولف هتلر في نهاية عقد ثلاثينيات القرن الماضي، أي مع بداية تشكل غيوم الحرب العالمية الثانية، يقضي بعدم استهداف الجيش الألماني للأراضي الروسية حال غزوه للقارة الأوروبية.
وكما يقال في علم العلاقات الدولية، فإن السياسة تبيح المحظورات، فكم من حركة تحرر تعاونت وتلقت مساعدات مادية ولوجستية من أنظمة عُرفت باستبداديتها، ومع ذلك لم تتردد تلك الحركات في تلقي ذلكم الدعم من تلك الأنظمة التي كانت تنعتها بالوطنية والثورية.

وإسرائيل التي اعتادت على أن لا تفوت أي موقف تعده عدائياً لها، ليس بعيداً أن تكون وراء تحريك خيوط أعمال التصعيد الكردية التركية الأخيرة ضد الدولة التركية، رداً على التصعيد التركي الأخير ضد الحصار الإسرائيلي لقطاع غزة.
فما فعلته تركيا في قضية كسر طوق الحصار الذي تفرضه إسرائيل على قطاع غزة منذ 4 سنوات قد أضر كثيراً بإسرائيل وبسمعتها، خصوصاً لدى الرأي العام الغربي، الذي تحول ضدها على نحو ما حدث مع نظام جنوب أفريقيا العنصري، فلن تقوى بعدها الحكومات الغربية على الصمود طويلاً في وجه انتقادات شعوبها للدعم الأعمى والمنحاز لإسرائيل.
واعتباراً بهوية الدولة القلقة من غدها ونرجسيتها المفرطة وعنصريتها -المترتبة على كل ذلك- فإن إسرائيل تتوجس كثيراً من تنامي الدور الإقليمي لتركيا، وهي تريد خصوصاً وقف اندفاع تركيا نحو تبني القضية الفلسطينية، وإعادة الجولان السوري إلى سوريا، بما يمهد لنهوضها كقوة إقليمية ذات نفوذ سياسي واقتصادي وعسكري.

المشكلة التي واجهتها الاستراتيجية التركية الإقليمية الجديدة، أنها قررت ‘ركوب هذه المغامرة’ وظهرها مكشوف على عدد حساس جداً من الجبهات، التي يسيل لها لعاب الموساد واللوبيات الصهيونية عبر العالم، حال تلقيهم ‘الإشارة’ من مراكز قراراتهم بالتحرك لالتقاطها.

وعندما نقول ظهرها مكشوف فإننا نعني بذلك نقاط الضعف التالية التي تعتريها:

(1) الورقة الأرمنية، ونحن نعلم قوة اللوبي الأرمني في عدد من عواصم صنع القرار الدولي خصوصاً في واشنطن وباريس، وعلاقات هذا اللوبي الوثيقة مع اللوبي الصهيوني.

(2) الورقة القبرصية، حيث لازال انقسام قبرص بين القبارصة الأتراك والقبارصة اليونانيين، يشكل مصدر خلاف بين تركيا وبقية الدول الأوروبية، ويمكن إثارته كيدياً في أية لحظة من لحظات توتر العلاقات بين تركيا وخصومها.

(3) القوى العلمانية والليبرالية التي ما برحت تواصل ضغطها على حزب العدالة والتنمية الحاكم، حيث مازالت تتوجس من خياراته وتوجهاته.

(4) هذا بالإضافة طبعاً للورقة الكردية التي أتينا على ذكرها سلفاً.

وأمام هذه المعطيات الضاغطة على حرية حركة الحكومة التركية في الفضاء الشرق أوسطي، هل تستطيع تركيا الصمود والثبات في وجه القوى التي ستعمد لاستغلالها لتثبيط عزائمها؟ أم إنها ستذعن لها وتسحب نفسها بهدوء لدرء الأضرار التي قد تلحق بها جراء هذا الانعطاف الحاد في سياستها الإقليمية.

هي بالتأكيد ليست مغامِرة ولا شعبوية، ولكنها بالمقابل أثبت أنها لا تتنازل عما تعتقد أنه يصب في مصلحتها ويخدم استراتيجيتها، قد تنكفئ قليلاً بدهاء الساسة الميدانيين، إنما من غير المستبعد أن تتراجع عن المكاسب التي حققتها لها هذه الانعطافة في سياستها الإقليمية.

 
 
الوطن 3 يوليو 2010

اقرأ المزيد

ساحة محمود درويش في باريس


 
قبل فترة وجيزة تناولت في هذا المكان القيمة والمكانة اللتين يحظى بهما مبدعونا العرب في البلدان الغربية أكثر مما يحظون بهما في أوطانهم وبخاصة حينما تتبوأ إبداعاتهم في أي مجال من المجالات منزلة عالمية تفرض احترامهم من قبل شعوب عديدة متعددة الثقافات والحضارات، واعتبرت ذلك منجزا حضاريا وقوميا في الوقت نفسه لطالما عجزت التيارات الإسلامية عن أن تضاهي فيه التيارات الوطنية والليبرالية، وضربت مثلا في هذا الصدد بقرار فرنسا تسمية احد شوارع باريس باسم عبقري ومبدع السينما المصرية الراحل يوسف شاهين الذي أسهم بالعديد من إبداعاته السينمائية في الإخراج في التعبير عن قضايا مصر الوطنية والاجتماعية وعن القضية الفلسطينية.

وها هي آخر الأخبار الواردة من فرنسا قبل أيام قليلة خلت تطلعنا بخبر قرار المجلس البلدي لباريس إطلاق اسم الشاعر الفلسطيني محمود درويش على إحدى الساحات التاريخية المشهورة في باريس، وقد جرى احتفال كبير بهذه المناسبة حضره الرئيس الفلسطيني محمود عباس ورئيس بلدية باريس برتراند دولانويه وممثل عن الخارجية الفرنسية والسفراء العرب لدى “اليونسكو” وأدباء وشعراء واعلاميون فرنسيون وعرب والمترجمون الذين انكبوا على ترجمة أعمال درويش الى الفرنسية التي سيطلع عليها ليس الشعب الفرنسي فحسب بل عشرات الشعوب الناطقة بالفرنسية أو التي تعتبر الفرنسية في بلدانها لغة ثانية مما يعد مكسبا مهما ثقافيا وفلسطينيا للقضية الفلسطينية، ومن هؤلاء المترجمين الشاعرة فينوس خوري والياس صنهر مندوب فلسطين لدى اليونسكو.
عمدة باريس عبر في كلمته عن مغزى اختيار اسم الشاعر الفلسطيني لإطلاقه على الساحة باعتباره كان “شاعر الحياة” و”مناضل من أجل الحرية والحب”  و”مدافع عن حقوق الشعب الفلسطيني”.

وبقدر ما تثير هذه المبادرة الفرنسية الارتياح في نفوس عشرات الملايين العرب والفرنسيين بقدر ما تثير الألم والاشمئزاز كون فرنسا الدولة التي تحكمها دولة يمينية سبقت الدول العربية قاطبة في خطوة رمزية معنوية لتكريم مبدع ومناضل فلسطيني كبير راحل كان الأجدر هي التي تبادر إليها وتسبق الدول الاجنبية فيها، تماما مثلما سبقت فرنسا مصر والدول العربية في اطلاق اسم يوسف شاهين على احد شوارعها.

وليت الأمر يقتصر على الامعان في تجاهل المبدعين والمناضلين الفلسطينيين الذين خدموا القضية الفلسطينية وقدموا تضحيات من أجلها، بل ها نحن شهود على عصرنا العربي السياسي المجدب حتى في إدارة ظهورنا لمن ضحوا بدمائهم الزكية من أجل تلك القضية، فما هي العاصمة العربية التي مجرد فكرت او خطر ببالها ان تكرم اسم الشهيدة الامريكية راشيل كوري التي جعلت من جسدها الانثوي الرقيق سدا للحيلولة دون هدم احدى جرافات الفاشية الصهيونية منزل احد الفلسطينيين لتهرسها الجرافة بوحشية وتلقى مصرعها؟ من ذا الذي فكر في اطلاق اسمها على شارع او طريق أو ساحة أو ميدان او مدرسة؟

ولننح اسم راشيل جانبا لنتساءل: مَن مِن العرب يتذكر او يعرف اسماء الأتراك التسعة البواسل الذين سفحت دماؤهم الزكية على ظهر السفينة “مرمرة” احدى سفن قافلة الحرية المتجهة من تركيا إلى فلسطين لفك الحصار عن غزة فيما هم يقاومون ويتصدون بشجاعة بصدورهم العارية دفاعا عن السفينة وركابها المدنيين للإنزال البربري الجوي للكوماندوز الاسرائيلي الذين هبطوا على ظهر السفينة مباغتة تحت جنح الظلام فجر يوم 30 مايو الماضي في المياه الدولية؟

فلا الاعلام العربي والا الصحافة العربية فكر أحد منهم ولو مجرد اجراء تحقيقات صحفية او اعلامية لمعرفة قصة بطولة أولئك التسعة الاتراك البواسل وقبسات من سيرهم الذاتية والسياسية.

وإذا كان الحال كذلك فكيف لنا ان نتوقع ان تبادر واحدة من الدول العربية إلى تخليد اسم الشهيدة الامريكية العظيمة راشيل نصيرة القضية الفلسطينية باطلاقه على احد شوارعها او ميادينها او على أي مؤسسة من مؤسساتها الثقافية والعلمية؟

وكم يتمنى المرء على الجهات الشعبية العربية والعالمية المنهمكة الآن في التحضير لتسيير قوافل سفن جديدة ستتوجه الى غزة لكسر الحصار الصهيوني عليها لو بادرت إلى اطلاق اسم كل شهيد تركي من الشهداء التسعة الذين سقطوا مضرجين بدمائهم على ظهر السفينة “مرمرة” وافتدوا بأرواحهم القضية الفلسطينية على كل سفينة من السفن الجديدة التي سيتم تسييرها.
 
 
أخبار الخليج  3 يوليو 2010

اقرأ المزيد

إمكانيات الليبرالية الوطنية


على الرغم من ان التاريخ السابق يكتم أنفاس الحريات السياسية فإن مجتمعات الخليج كانت تتطور في مسائل الحريات الاجتماعية والفكرية، وكانت تتوقعُ مع عهودِ الانفتاحِ السياسي أن تغدو البرلمانات مراكز لصياغةِ الحريات العامة وتعزيزها.
لكن هيمنة المحافظين المذهبيين على هذه البرلمانات وجهت المسار إلى الوراء، وضاعتْ المسألةُ المحورية في إعادة لحمة شعوبنا على أساسٍ عربي ديمقراطي إسلامي إنساني.

لكون السياسيين السائدين مذهبيين هو أمرٌ في حد ذاته يجلبُ كلَ مشكلاتِ الانقسامِ بين المسلمين أو بين المواطنين، وحين ينقسمون تصعب إدارة أي نضالٍ وطني ديمقراطي بين الشعب نفسه، وبين الشعب والدولة، ويصبحُ كلُ صراعٍ تهديدا لوجود الوطن ذاته، وتتداخل الخيوطُ بين الداخلِ الوطني التائه في صراعات، وبين الخارج صانع الدسائس أو المستثمر للصراعات، وبهذا تنسدُ الآفاقُ أمام أي نضالٍ عقلاني مستقبلي، وتنفتحُ دهاليزُ الماضي، وتقوم كلُ طائفةٍ بتصويرِ نفسها أنها صاحبة الحق.

إن التشكيلات المذهبية السياسية هي بحد ذاتها مشكلة، وهي بحاجة إلى إصلاحٍ أولي، حتى تستطيع أن تصلح الآخرين، أي أن تتقدم لقراءة الديمقراطية العصرية داخلها بشكل حقيقي.
وبالتالي فإن المذهبيين السياسيين بحاجةٍ إلى إعادة النظر في فهمهم الإسلام وفهم الديمقراطية والحداثة وأن يقاربوا كل ذلك، وبالتالي يشاركوا في العملية السياسية التغييرية الحقيقية.

وهذا القفز الذي حدثَ هو بفعلِ قطع العملية الديمقراطية البحرينية الوطنية وما ترتب عليها من نتائج ومشكلات، ومجيء عملية التحول الراهنة في فترة اضطرابات من كل نوع وخاصة صعود الدول الطائفية، وبعد التضييق الطويل على الجماعات الليبرالية والوطنية.

لكن بعد عدة سنوات من التجريب السياسي العفوي في ظل عملية سياسية غير علمانية تمنعُ المتاجرة السياسية في الإسلام، توجهت قوى المذهبيين السياسيين بكلِ فرقهم التي لا تتوقف إلى التفتت والصراع، بعد افتعالهم عمليات اضطرابات سياسية واجتماعية فوضوية غير مسبوقة في تاريخ البلد.

وجاءتْ ضرورةُ التوحيد، وشعر المواطنون بضرورة تجاوز هذه المرحلة الكئيبة من تاريخ البلد، حيث صار النضال إما اسطوانات “سلندرات” تتفجرُ في الأحياء وتروع الآمنين وتحرقُ مؤسساتهم الاقتصادية والسكنية، وإما إطاراتٍ محروقة في الشوارع تنشرُ الأمراضَ وتعرّضُ البشر السائرين في الشوارع لأفدح الأخطار الشخصية والصحية وهي كذلك صدامات وخسائر غير مفهومة وغير عقلانية.

كان لابد أن تظهر قوى اجتماعية تتجاوز الانقسام ووسائل العمل السياسية الضيقة وتناضل من أجل الحريات، وكان الليبراليون والتقدميون هم القوى التي برزت في الساحة من أجل ذلك.
أهم ما طرحوه هو النضال المشترك للمواطنين بغض النظر عن مواقعهم السياسية والأسرية، فكل المواطنين يجمعهم قاربٌ واحد، ومن دون مكافحة الأخطاء الكبيرة في البداية وهي الفساد وتقزيم المواطنين وحل المشكلات الكبيرة في العمل والإسكان والصحة والتعليم، فلا مجال لتغيير حقيقي.
إن تجاوزَ مرحلة المذهبية مسألةٌ صعبةٌ وهي تحتاج إلى تغييراتٍ في المنطقة، وإلى غيابِ أنظمةِ الشحن الطائفية وتفجير الخلافات بين المسلمين، لكن لا يمنع ذلك من توسيعِ رقعةِ التوحيد بين مواطنينا، وجعلهم يناضلون من أجل الحرية ومكافحة الفساد والتطرف وتقزيم البحرنة.

إن إمكانيات الليبرالية البحرينية المحدودة تتمثل في وجود شخصيات وفئات صغيرة تطرح أفكار الحريات المجردة في أغلب الأحيان، وهي عملياتُ تنويرٍ مهمة، ولكن الناس تريد خبزاً ووظائف وبيئة سليمة وشوارع لا تشهد مثل هذا الزحام الخانق. تريد تنظيماً وتخطيطاً لكيفية تحويل الموارد إلى خدمات، فلابد أن يتقدم الليبراليون بخططِ عملٍ لذلك، وببرامج اقتصادية تخفف من هيمنة الوزارات على الاقتصاد وتوسع العمالة البحرينية وتقدم للنساء وظائف أكبر، ووجود ليبراليين أرباب عمل وسياسيين ذوي شعبية يقرأون الواقع بدقة هو المطلوب إضافة إلى التنوير.

ولا شك أن التقدميين البحرينيين يمكن أن يرفدوا “تيار” الليبرالية هذا بدعمهم الفكري، ومساعدتهم السياسية ومشاركتهم معهم في النضال لتوسيع الحريات الاقتصادية والسياسية والفكرية، ورأب الصدع في الحياة السياسية وتكوين جماعات لا أحد يتساءل عن مذهبها وطائفتها.

الليبراليون يطرحون أهمية توسيع الحريات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ومن وجهة نظر أرباب الأعمال عادة، وهي حريات مهمة، لكنهم لا يطرحون حريات وحقوق العمال. ولهذا فإن العمل المشترك بين الليبراليين والتقدميين يمكن أن يجمع هذين الجانبين ويتم الوصول إلى جوانب مشتركة، كما أنه يمكن أن ننشئ جمهوراً واسعاً.

المواطنون ملوا ظروف الاستدانة والبطالة ومشكلات الحياة والبيئة وارتفاع الأسعار وجمود الأسواق والعمالة السائبة، ويريدون قوى ذات تأثير في الحياة السياسية والاقتصادية وقادرة على تغييرها نحو الأفضل.
 
أخبار الخليج  3 يوليو 2010

 

اقرأ المزيد

الإيرانيون ورجوي والسبت التاريخي في باريس


مثل غيري من المئات من محبي الحرية للشعب الإيراني وغيره من الشعوب، تابعت يوم السبت بتاريخ 26 يونيو 2010، الفعالية التاريخية للشعب الإيراني في باريس، الشعب المتطلع للحرية والتغيير، نعم التغيير، الكلمة التي هتف بها الحاضرون من اجل إيران جديدة وديمقراطية خالية من القهر والتسلط.
 
ما تميز به الكرنفال السياسي في باريس مدينة النور في هذا العام، من حيث طبيعته واتساعه وتنوع حضوره هو وجود شخصيات بارزة، فبدت التظاهرة الدولية معبرة عن حقيقة واحدة لا غير هو التبدل الدولي في اتجاه التغيير والتضامن، ومن الضروري أن يبدأ الجرس في القرع بقوة وبسرعة من اجل التغيير، فقد عانى الشعب الإيراني طويلا من سطوة النظام الحالي.
 
من صعدوا عند المنصة أكدوا مفردة التغيير والانعتاق للشعب الإيراني بكافة أعراقه وشعوبه، فقد ولى زمن الاستبداد السياسي والهيمنة. من وقفوا عند المنصة أكدوا تضامنهم ووقوفهم مع قضية الشعب الإيراني وحددوا بكل وضوح الحق الدولي والقانوني لسكان معسكر اشرف في العراق، وبان تتم حصانته وحمايته من الإبادة والتطهير البوليسي والأمني، سواء بأيد عراقية مأجورة أو بأيدي سدنة النظام في طهران. ما ردده صوت الخطاب في هذا التجمع التاريخي عبر كلمات المندوبين كشخصيات مرموقة ورؤساء ووزراء سابقين ونواب برلمانات مثلت العديد من البلدان، إلى جانب شخصيات سياسية ونشطاء حقوقيين وكتاب وموسيقيين وفنانين وصحافيين من أقطار عدة مثل كندا واستراليا والولايات المتحدة وفرنسا وايطاليا وبلدان الشرق الأوسط حضروا لباريس ليبلغوا زعماء طهران أنهم لن يصمتوا أكثر مما صمتوا وتمادوا في صمتهم، وإنما جاء الوقت لجعل النظام في طهران يستمع جيدا للنداءات والاحتجاجات الصاخبة من أصوات المعارضة الإيرانية وكافة الشعوب، التي جاءت حاملة معها ضمير الحرية ورسالته التاريخية.
 
يأتي هذا الكرنفال السياسي كتعبير عن ذكرى مرور عام على الانتفاضة، التي وضعت النظام السياسي في إيران في زاوية ضيقة وكشفت عن حقيقة ممارساته إزاء الأصوات المعارضة في إيران وتلاعبه الفاضح في تزوير صناديق الانتخابات، وملاحقته المنتظمة للناس، حيث تزج كل يوم في سجون ومعتقلات النظام نساء ورجالا، شبيبة وشابات، رفعوا رايات الحرية والتغيير، لا مبالين برصاص الحرس الثوري والياته ووحشيته، ودون أن ترعبهم أدوات القمع اليومية.
 
ما حملته الأصوات في باريس يوم السبت 26 يونيو بدا متألقا في رونق الألوان البنفسجية والزرقاء، حيث وقفت السيدة مريم رجوي بين ذلك الحشد الواسع والأمواج المتلاطمة من حناجر الغضب، وقفت رجوي بهالتها الثورية وبرونقها الأزرق الجميل الهادئ والبسيط، كقائد محسوس يجسد تعبيرا حيا عن تطلعات الشعب الإيراني وثقافته وحلمه في التغيير، ومن خلال شخصها وحضورها ورمزيتها للشعب الإيراني، جاء العالم متضامنا مع سيدة المقاومة الوطنية ورئيسته المنتخبة، لتقول في شخصها ورمزها، بأن نساء إيران مصممات على التغيير، وبأننا نحن دعاة التغيير والديمقراطية والحرية، وليس انتم يا سادة القهر والظلام.
 
كان فرح باريس فرحا عالميا قبل أن يكون إيرانيا، فمن حضروا في تلك المساحة الصغيرة من الاستاد الرياضي حملوا عبر المحيطات والبلدان حناجرهم معهم ليغنوا ويهتفوا من اجل التغيير المرتقب. الان وليس غدا، فقد تأخر الوقت بعض الشيء لحصار النظام وإزاحته، حيث أتاح المجتمع الدولي للنظام في طهران فترة للتلاعب والمماطلة، فعززا فيها نفوذه العسكري وقدراته النووية، محاولا من خلال ذلك التلاعب ابتزاز المجتمع الدولي بالمراوغة السياسية.
 
ما عبرت عنه تظاهرة باريس من مستجدات على صعيد الداخل الإيراني والخارج العالمي، يؤكد على حقيقة واحدة لا غير، شعور النظام بالعزلة وبزيادة العزلة كل يوم، وباتساع مساحة الاحتجاج الشعبي في الشارع الإيراني. سوف تتصاعد مدا وجزرا أمواج الغضب الشعبي، ولكن البحر سيبقى دائما ثائرا على سفينة النظام الغارقة، التي تسعى بكل ما أوتيت من قوة على تأجيل سقوطها الحتمي في قاع التاريخ.
 
الأيام 4 يوليو 2010

اقرأ المزيد