المنشور

مـن يحاسـب مـن..؟!


لعل الإجازة الحالية للنواب تسمح لهم بان يقاربوا الشؤون والمعضلات الوطنية بمزيد من الصفاء والموضوعية البعيدة عن أي إثارة أو مزايدات، وفي أي حال هذا ما نتمنى، بقدر ما نتمنى انه لو لم تكن في قلوبنا غصة من خيبة الأمل من كيفية تعاطي معظم النواب لتقريرين لديوان الرقابة المالية والإدارية وتمريرهم لهذين التقريرين بطريقة لا مفر من الإقرار بأنها باعثة على قدر كبير من الحيرة، بل الاستهجان، لاسيما إن هذا التعاطي نراه يعبث بالدور الرقابي للنواب وعناوينه وأسسه ومقوماته.

النواب لم يبرهنوا على الجدية الكافية التي نتشوق إليها في تعاملهم مع التقريرين، وقد ظنناهم – رغم إن بعض الظن إثم – بأنهم سوف يتجاسرون على أن يظهروا لنا هذه المرة، ولأول مرة، ولادة ممارسة برلمانية نوعية تثبت لنا أن سلطة المحاسبة البرلمانية الحقة ليست مشلولة أو مغيبة خاصة إزاء ما تزخر به عادة تقارير ديوان الرقابة الدسمة والمليئة بكثير من التجاوزات والمخالفات والانحرافات تطال المال العام والعمل العام وتفتح جروحا أخرى في جسد الوطن.

صحيح أننا تعودنا أن تكون هذه التجاوزات والمخالفات في دائرة الضوء عند صدور كل تقرير يرفع إلى البرلمان مع كثير من الحيثيات والوقائع والتفاصيل المفجعة التي تستفيض في نشرها صحفنا المحلية في حينه، كما لو أن ملفات التجاوزات والانحرافات كانت حبيسة الإدراج وظهرت إلى العلن دفعة واحدة، رغم أن ما يظهر نحسب انه قطرة في بحر، ومنها تجاوزات من النوع الذي يفترض أن يؤدي إلى دحرجة رؤوس كبيرة في مواقع شتى من المسؤولية العامة نحو مقصلة المساءلة والمحاسبة، إلا أن الصحيح أيضا بان ذلك لم يحدث على مر السنين، والأكثر إيلاما انه رغم الضجة التي ترافق كل تقرير إلا أن التجاوزات تتكرر، والمخالفات تتوسع، ولم يكن بمقدور احد أن يقدم شرحا أو تفصيلا مفيدا أو مبررا مقنعا لهذا التكرار، لن نغرق في التفاصيل وهي كثيرة، إلا أن الموقف الأخير من النواب وهم يمررون تقريرين دفعة واحدة في جلستهم التي ودعوا بها فصلهم التشريعي الثالث، هو موقف محير حقا، ولا نعلم حقيقة ما إذا كان في حسبان النواب أن تكون مقنعة تعليقاتهم ومناوشاتهم في الجلسة المذكورة، التي مهما كانت سخونتها فإنها لن تكون كافية لبعث رسائل ايجابية من أي نوع لا عن دورهم الرقابي، ولا عن جديتهم في مواجهة التجاوزات، كما لم يكن مقنعا ولا كافيا أن يعتبر بعض النواب توصيات ديوان الرقابة في التقريرين بأنهما مجرد «ديكور» لكونها تتكرر كل عام وكلها فساد دون طلب إحالة إلى النيابة العامة، ولا ننسى ذلك النائب الذي تساءل «هل يعقل أن يصدر ديوان الرقابة 7 تقارير ولا تنفذ توصية واحدة منها، ولم يحاسب مسؤول واحد تثبت مخالفته للقانون والدستور»؟!!

جد هذا أم هزل؟! .. إذا كان النواب على قناعة بذلك فلم مرروا التقريرين بالسرعة والتسرع اللذين شاهدناهما وكأن الأمر تحصيل حاصل، رغم ان مناقشة مثل هذه التقارير هو بمثابة موسم الخطب الرنانة وألفنا في السنوات السابقة نوابا وقد ظهروا وكأن كل واحد منهم «نجما» إعلاميا أمام الناخبين والرأي العام وهم يتحدثون عن تجاوزات موثقة رسميا وليست مبنية على شائعات. كما أن هؤلاء النواب هم الذين نفترض أنهم يعلمون بان تقارير ديوان الرقابة تبقى المرجعية الأهم التي تكشف سنويا الكثير من أوجه القصور والخلل والخطأ والتجاوزات في المال العام بما قد يشكل في المحصلة النهائية الفساد والإفساد بعينه أيا كان نوعه وقياسه ما دام يرتكز على سوء إدارة، واستغلال للسلطة والمنصب العام لتحقيق مكاسب شخصية أو فئوية أو طائفية أو تنفيع للأقارب والمحاسيب واغتيال مفاهيم المهارة والكفاءة، وكل ذلك محزن لا ريب وسيئ في ذاته وأسوأ في دلالته، خاصة وان هؤلاء النواب هم أنفسهم أيضا الذين باتوا هذه الأيام يثيرون لغطا واسعا ويشكلون لجان تحقيق متبنين شعار تطهير الإدارة، وإعادة تأهيل العديد من الأجهزة الرسمية ومعالجة ما يدور ضمن جدرانها من تشوهات واختلالات وأوجه قصور مؤرقة كشفت عنها الأزمة التي داهمتنا، والتي ربما ما كان لها أن تظهر لو كان هناك من استمع وتابع وتصدى وحاسب وعالج التجاوزات المتراكمة منذ سنوات.

ننتهي بإشارة .. من بين أسوأ أنواع التجاوزات هو عجز من يفترض أنهم معنيون بالتصدي للتجاوزات عن القيام بدورهم .. فكيف يريدنا النواب أن نصدقهم بأنهم جادون في مهمتهم إذا لم يبدأوا بأنفسهم .. أي عندما لا يعبثون بدورهم الرقابي ويفعّلونه بجدية .. وعندما يكون موقفهم من التجاوزات والفساد موقفا مبدئيا وليس انتقائيا، لعلنا بذلك لا نراوح في مكاننا ولا نبقى في دائرة من يحاسب من؟!!
 
الأيام 31 مايو 2011

اقرأ المزيد

منظمة التجارة العالمية وقضية تغير المناخ


كما هو معروف فإن منظمة التجارة العالمية (WTO) التي أُنشئت على أنقاض الاتفاقية العامة للتجارة والتعرفة الجمركية (GATT) لعام ،1947 هي المؤسسة الأممية الحصرية التي تمثل النظام التجاري العالمي الجديد مثلما أن صندوق النقد الدولي الذي أنشئ في عام 1944 بموجب اتفاقية بريتون وودز، هو المؤسسة الأممية الحصرية التي تمثل النظام النقدي العالمي .
 
وهذه المنظمة التي تم إطلاقها في مدينة مراكش المغربية في ديسمبر/كانون الأول 1994 وتضم غالبية أعضاء الأسرة الدولية (153 دولة)، معنية أساساً بتحرير التجارة العالمية في السلع والخدمات وما يتفرع عنهما مثل الاستثمار المتصل بالتجارة وحقوق الملكية الفكرية والمشتريات الحكومية . ولذلك فإن موضوع تغير المناخ لم يكن ضمن نطاق تفويضها ونطاق عملها وإن كان اتفاق مراكش لإنشاء منظمة التجارة العالمية قد أكد على أهمية الربط بين التنمية المستدامة وبين ضوابط تحرير التجارة من أجل ضمان أن يكون انفتاح الأسواق متماشياً مع الأهداف البيئية والاجتماعية .
 
ولكن، وبما أن موضوع التغير المناخي قد فرض نفسه على رأس الأجندات العالمية، فقد كان لابد وأن تحاول الدول الغربية إقحامه في المفاوضات متعددة الأطراف الجارية في إطار منظمة التجارة العالمية من أجل زيادة الضغط على الدول النامية لكي تسلم بمبدأ الخفض الجماعي للانبعاثات كأمر واقع، وذلك من خلال العمل على إزالة المعوقات التي تعترض التجارة العالمية في السلع والخدمات بما ينعكس إيجاباً على البيئة، ذلك أن تسهيل الوصول إلى هذه السلع والخدمات (المصنفة على أنها منتجات بيئية) من خلال خفض أو إلغاء التعرفات الجمركية المفروضة على هذا النوع من السلع، الأمر الذي سوف يسهم- بحسب رأي الدول الأوروبية الأعضاء في المنظمة المتحمسة لهذا الربط بين التجارة وبين البيئة والتغير المناخي- في رفع كفاءة استخدام الطاقة وخفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري وتحسين نوعية الهواء والماء والأرض والمحافظة على الموارد الطبيعية، فضلاً عن تحفيز وتسريع وتيرة الابتكارات والمخترعات التكنولوجية في المجالات والأنشطة المتصلة بحماية البيئة . حتى إن البنك الدولي أعد دراسة خصيصاً لهذا الربط (بين التجارة والبيئة والتغير المناخي) خلص فيها إلى أن إلغاء القيود الكمية (التعرفات الجمركية) وغير الكمية، من شأنه أن يزيد قيمة التجارة الدولية بنسبة 14% .
 
وتشمل المنتجات المعنية هنا المحركات الهوائية والمحركات الكهرومائية، وسخانات المياه الشمسية وخزانات إنتاج الغاز الحيوي ونحوها، إضافة إلى الخدمات البيئية مثل حماية الطبيعة والغطاء الأخضر وخدمات مراقبة الانبعاثات الناجمة عن حرق الوقود الاحفوري .
 
 وقد تقدم كل من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة بمقترحين منفصلين في ديسمبر 2007 يتضمنان قوائم للسلع والخدمات التي وصفاها بأنها صديقة للمناخ، وهي تشكل حوالي ثلث السلع والخدمات البيئية الجاري التباحث بشأنها في أروقة المنظمة .
 
ومن أجل إحداث الربط بين التجارة والبيئة، فقد نجحت الدول الغربية في إنشاء آليات تواصل واتصال بين سكرتارية منظمة التجارة العالمية وبين سكرتارية الاتفاقيات البيئية متعددة الأطراف، وبين سكرتارية منظمة التجارة العالمية وسكرتارية اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية لتغير المناخ وذلك بدعوة ممثلي سكرتارية الاتفاقية لحضور اجتماعات لجنة منظمة التجارة العالمية للتجارة والبيئة (CTE)، كما أُعطيت سكرتارية الاتفاقية وضع العضو المراقب في اللجنة المعنية بمتابعة المفاوضات الخاصة بالتجارة والبيئة، وبالمقابل تشارك سكرتارية منظمة التجارة العالمية في مؤتمرات الأطراف السنوية للاتفاقية .
 
أيضاً فإن محاولات جادة وقوية تبذلها الأطراف الغربية في منظمة التجارة العالمية لإدراج قطاع إنتاج واستهلاك الوقود الحيوي في جولة الدوحة من المفاوضات الخاصة بالنفاذ إلى أسواق السلع الزراعية وغير الزراعية .
 
كما أنها تدفع باتجاه جعل لجنة المعوقات الفنية المتصلة بالتجارة المنبثقة عن اتفاقية المعوقات الفنية المتصلة بالتجارة، إطاراً ملائماً لمناقشة الأنظمة والضوابط التي يمكن أن تتخذها الدول الأعضاء في المنظمة للتعامل مع قضية التغير المناخي، على اعتبار أن هذه الاتفاقية تشتمل ضمن ما تتضمنه، على ضوابط لتجنب أي معوقات غير ضرورية للتجارة وانسيابيتها .
 
وكانت لجنة المعوقات الفنية المتصلة بالتجارة (TBTC) قد ناقشت، بإيعاز من الدول الغربية الأعضاء، على مدى السنوات القليلة الماضية، المعايير والمقاييس المطلوبة فيما يتعلق بمنتجات كفاءة استخدام الطاقة والتحكم في مستوى الانبعاثات مثل معايير الوقود الاقتصادي للسيارة، ومتطلبات البيئة للمنتجات المستخدمة في الطاقة، وبرامج كفاءة الطاقة للمنتجات الاستهلاكية، وحدود انبعاثات محركات الديزل .
 
وتعتبر لجنة التجارة والبيئة “CTE” بمثابة الحاضنة للأفكار والاقتراحات لإحراز التقدم المستهدف على أجندة التجارة والبيئة وباب العبور لأي ربط محتمل بين التجارة والتغير المناخي ترغب الدول الأعضاء في المنظمة في طرقه .
 
29 مايو 2011

اقرأ المزيد

ويبقــى الوطــن


يبقى الوطن دائماً بوصلة لمن يريد النضال، الايديولوجيات تزهو وتتفجر ثم تضمحل، الايديولوجياتُ في كثير منها راياتٌ لبلدان أخرى وعملة سياسية تنشرها أسواقٌ لأجل السيطرة، وأخرى هي تعبير عن مراحل تاريخية تغيرت، لكن الراية التي لا تذوب هي راية الوطن.
القراءة البدهية هي التوجه للوطن، والانتماء هو جعله أولاً.

فالوطن هو الذي فتحَ أبوابَ السجون وكان غيره يملؤها بلا حساب، والوطن يمهد السبل والقوانين لوجود معارضة في البرلمان ويدعوها إلى النشاط وكان غيره يلاحقها.
كانت بلدان أخرى تطمسُ أيَّ نوع من المعارضة، وتزهقُ أرواحَها، وتطاردها في الشوارع.
فأين الثرى من الثريا؟

وأين المستبدون من الوطن الرحب؟
ونبصرُ عياناً بلداناً أخرى وعدداً من الحكام وهم يفترسون الشعوبَ بمدافعهم ودباباتهم وكان الوطن يتألم لبضع رصاصات انطلقت ولضحايا صدام غير عقلاني. وكان بعض هذه الدول التي تفترس شعوبها نموذجاً وتأتي منها رسائل مقدسة.
ولكن على المستويين الحكومي والشعبي فإن الأمورَ ليست وردية كما أثبتت الأزمة، وكما حدثت الاختراقات المختلفة.

وعلينا ألا نبصر الحاضرَ والمستقبل بالنظارات المغبرة السابقة نفسها، فالوطن يحتاج إلى عيون مبصرة (من حديد) ليس هو حديد السجون والقهر بل حديد الرؤية والبصيرة الأقوى.
فيجب ألا نخدع أنفسنا بأن كلَ شيء تمام، وأن الضربات التي وقعت في مواطنين لا تؤلمنا، وأنه من الممكن لضفة واحدة أن تمتلك نهراً للجميع.

وأن خطفَ جسم من الشعب في مناخ المغامرة لا يحتاج إلى رؤية أخطائنا.

إن وجود معارضة معينة أو موالاة تستظلُ برؤيةٍ ايديولوجية شمولية وتريدُ ديمقراطية وإصلاحات ولا تتخلى عن تلك الرؤية، يجعل مظلة الوطن دائماً مُخترقة.

القوى الدينية المحافظة لا تؤمنُ بديمقراطية وحداثة، ولكن الشعوبَ تتحررُ منها بصعوبات شديدة، والقسمُ المخطوفُ من شعبِنا تحت المظلةِ الشعارية الإيرانية لن يبقى أبداً مخطوفاً، فالشعبُ الإيراني نفسُهُ يناضلُ من أجل التخلص من هذه المظلة المحافظة القاتمة، ولا يعني هذا أن الأقسامَ الأخرى من الشعب غير متأثرة بذات الرؤى المحافظة الشمولية، فقد يأتي آخرٌ يخطفها في لحظةٍ دراماتيكية معينة، فهل تأكدنا من عمق انغراس أرجلها الهشة في التربة الوطنية الديمقراطية؟

حكم التوجه السياسي المذهبي تغلب على حب الوطن.
الأفكار السياسية والمذهبية المتحولة لديهم أهم من الوطن الذي كان قبل هذه الأفكار وسيكون بعدها.

وكم من لؤلئنا سرقه القراصنة وبلد اللؤلؤ والمحار اعناق نسائه بلا عقود زاهية!
إن الديمقراطية المطلوبة من تعددية وتداول سلمي للسلطة في مأزق تاريخي بحرينيا، لكنه مأزقٌ مؤقتٌ، وليس أبديا، فالأقسامُ المخطوفة من شعبنا تحت الهيمنات الطائفية الدينية مصيرها إلى تراجع وذبول ولابد لها من السير مع البشرية الديمقراطية الصاعدة، والإصلاحاتُ الدستورية تترافقُ مع هذا.

وفي هذا الزمان المراوح وطنيا بين شموليات شتى، وزهر صغير للديمقراطية، وتحويل البنية البحرينية إلى بنية وطنية تخدم الشعب، تغدو المؤسسات الدستورية الديمقراطية هي الأساس، لكنها غيرُ موجودةٍ بتمامِها وتكاملها، فهناك تناقضاتٌ تعودُ لمستوى التطور البحريني ولنقص عمق الإصلاحات في المؤسسات وإلى وعي وأوضاع الشعب معاً.

هل تتوجه كل القوى السياسية والاجتماعية نحو تغيير الوطن والاهتمام به وتقليل النظر لمصالحها الذاتية؟

هل تنزع القوى السياسية الأرديةَ الخارجية، وهل تقارب الوطن وقضاياه وتدرس مشكلاته بدأب وصبر؟

اعترافنا جميعاً بهذا المستوى بإنجازاته وقصوره، ووعينا الوطني النقدي بهذا كله هو بداية الإصلاح، بداية قلب صفحة، وعلينا أن نقرأ ونتابع حيثيات هذا النقد الذاتي من فعل قبل قول الذي يتجسد في التكوينات السياسية والبرامج والتنفيذ.

الأشخاص زائلون والأحزاب زائلة والبرامج متغيرة ويبقى الوطن خالداً.
 
أخبار الخليج 14 مايو 2011

اقرأ المزيد

يطالبون بالقانون ويخرقونه.. !!


حين يتحدث أي إنسان في أي موقع كان، وزير، أو وكيل أو مدير في وزارة، أو رئيس تنفيذي في هيئة عامة أو خاصة، أو نائب أو رئيس لجنة تحقيق، أو عضو بلدي أو رئيس جمعية أو تاجر أو مقاول أو طبيب أو مهندس أو حتى مواطن عادي.

حين يتحدث أي من هؤلاء عن القانون، وحكم القانون فذلك أمر يستحق أن نعيره وعلى الدوام آذانا صاغية واهتماما استثنائيا، يتعاظم لا ريب على وقع مجريات الأمور الراهنة الشديدة الحساسية والشديدة التعقيد والشديدة المرارة.

في هذه الأجواء نلاحظ دائما وبكثرة كلاما كثيرا «طيار» متنوعا ومتنقلا ومثابرا على الحضور والانتشار في المشهد المحلي كله يدور عن القانون، وسلطة القانون، واحترام القانون، وترسيخ القانون والحقوق في حمى القانون ودولة القانون. وذلك كله ومن دون ذرة شك مرحب به، ومطلوب من دون إبطاء لإحقاق الحقوق، أو لمواجهة إجرام أو التصدي لعبث أو تخريب أو تصويب اعوجاج أو محاسبة فاسدين غير انه لامناص من الملاحظة أن من بين البديهيات المستخلصة من وقائع التاريخ وتجارب الشعوب تظهر أن الدول المتقدمة لم يعد يتم فيها تداول أي من تلك العناوين أو الشعارات لكون سيادة القانون، ودولة القانون أمرا متلازما مع حياة الإنسان، المواطن والمقيم على السواء وعليه لا معنى إضافة الحياة للإنسان للتعريف به.

وعلى ذلك الأساس لا حاجة للبرهنة أن الدولة، أي دولة تعيش بالقانون، وتمارس القانون في كل تصرفاتها السياسية والاقتصادية والأخلاقية وتصون نفسها بالقانون، وتحصن شعبها بنصوصه وأحكامه هي دولة ترفع رأسها بين الأمم والشعوب، دولة تمضي بثبات نحو تحديث وتطوير مجتمعاتها وشعوبها فحاكمية القانون تعني أول ما تعنيه في الإطار العام التصدي للفوضى وإشاعة العدالة وإن الجميع سواسية في الحقوق والواجبات والفرص المتكافئة، وتعني كرامة الإنسان وأمان وآمال لكل من يعيش تحت مظلة سيادة القانون الذي هو وفق مفهوم الأمم المتحدة يعني أن يكون القانون فوق الجميع، كما انه الأساس الذي تبنى عليه جميع المؤسسات الاجتماعية ومؤسسات الحكم وفق تقرير التنمية الإنسانية، وهو أيضا الضمانة للمعالجات والمراجعات الخاصة بالحقوق الأساسية للجميع وحمايتها في نظر البنك الدولي.

وهكذا في شأن القانون وسيادته وحاكميته والضمانات الواجبة لترسيخ حكم القانون والقواعد القانونية التي ترمي في نهاية الأمر إلى تحقيق عدالة القانون يمكن أن يقال في شأن ذلك الكثير ورجال القانون والقضاة والمحامون قبل غيرهم هم خير من يتحدثون عن القانون وكيف أن العدل واستقلال القضاء «سلطة وأفرادا» من أهم أركانه.
ولكن يجب التنبه بان القانون لا يسود إلا إذا احترمناه جميعا، وإذا جردنا القانون من أنيابه فقد احترامه، وإذا فقد احترامه داسته أحذية الأقوياء والظالمين، ومن هنا لا ينبغي أن يكون هناك من يظن انه فوق القانون أو انه حر في مخالفة القانون وانه قادر على أن يعطي القانون إجازة.

لماذا الحديث الآن عن القانون وحاكمية القانون؟ هل بسبب «اليقظة المفاجئة» التي جعلت الكل يحمل لواء الدعوة إلى القانون وكأنهم صحوا فجأة وأدركوا أهمية ومعنى القانون في حياتهم؟ وكأن القانون كان ميتا ويراد بعثه من جديد أو انه حبس في زنزانة، أم هو طرح من صنع المصادفة وابن ساعته، وبريئاً في التوقيت على الأقل؟
هل بسبب ما يحدث الآن من وقائع وأحداث وتحقيقات قضا‍ئية ولجان تحقيق برلمانية وغير برلمانية مع مسئولين وشخصيات كانت تملأ السمع، هي اليوم متهمة بأنها لم تكن أمينة على المسئولية في مواقع شتى أم بسبب ما يجري من طرح في شأن مقدار الذاتية ومقدار الموضوعية، ومقدار الظرفية العارضة، ومقدار المفهوم الثابت الراسخ في مفهوم حكم القانون؟

ربما لكل تلك الأسباب وغيرها التي تجعلنا ننتهي إلى أسئلة أخرى تنهمر انهمارا، نجد الحديث عن القانون بات يفرض نفسه، خاصة أمام واقع يطالعنا بالكثير من وجوه انتهاك حكم القانون في مجالات كثيرة.!

ليس واردا أن نطعن أو نشكك في نوايا كل من دعا إلى تطبيق القانون والالتزام بأحكامه، فذلك أمر مرحب به ويسعد الناس، بل إننا من الداعين إلى تطبيق القانون وبحزم وجعل الثقافة البحرينية العامة في الحياة اليومية تدفع نحو جعل البحريني يحتكم دوما إلى القانون دون تردد، ونعلم بان كثر من الناس يشكون تباطؤ تنفيذ القانون، وأحيانا من عدم تطبيق القانون، وان هناك من هدد فيها بتجاوز القانون لعدم تطبيق القانون ((!!))، ونعلم أن هناك الكثير من الملفات والقضايا التي يفترض سرعة التعاطي معها وفق مقتضيات القانون، إلا انه من المفيد الانتباه انه برغم أهمية مفهوم حكم القانون ورواجه الشديد في مختلف الأوساط، إلا أن المرء يجد نفسه في مناخاتنا الراهنة أمام بعض الأمور الغامضة والملتبسة إزاء دعوات البعض ممن يدعون ويلحون إلى تطبيق القانون ويبدون غيرتهم على القانون فيما هم يخرقون القانون في الصميم في مفارقة لا تخلو من سخرية.
نعم يخرقون القانون وينتهكونه حينما يكون طرحهم في كل شيء من زاوية تصفية حسابات واستهدافات شخصية وإساءات لآخرين والتشهير بأبرياء والزج بهم إلى دائرة الشبهة والاتهام من دون سند ولا دليل، فيما القاعدة القانونية تقول أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته، وهي القاعدة التي أكد عليها جلالة الملك أكثر من مرة في أكثر من مناسبة، ولا ننسى انه القائل: «بأنني أحرص على ألا يظلم احد تحت أي ظرف كان».

يخرقون القانون حين يعبثون بسمعة وشرف الناس ويخلطون الأوراق ويأخذون الأبرياء بجريرة المخطئ وحين يوجهون رسائل عبر قنوات التواصل الاجتماعي مجهولة المصدر ثبت في طياتها الفتنة والتحريض، ويستغلون وهج النفير الجماعي والفردي في غير الوجهة الصحيحة .. الوجهة التي تؤزم وتؤجج وتخلق أجواء «سوبر طائفية» .. إذا الأمر اكبر من غيرة البعض على القانون، والمطلوب أن نترك شئون القانون لأهل القانون، والمطلوب أيضا ان لا يعتقد احد بأنه بمقدوره ان يحل محل الدولة وأجهزتها المختصة في تطبيق القانون ظانا بان الدولة تخلت عن حقها في ان تكون الجهة الوحيدة المخولة بتطبيق القانون .. حقا كم من الجرائم ترتكب باسم القانون..
 
26 مايو 2011

اقرأ المزيد

نهاية تراجيدية


مع اقتراب الذكرى العاشرة للهجمات الإرهابية على نيويورك، وبعد مطاردات بوليسية مثيرة وإنفاق أموال طائلة، تمكنت الولايات المتحدة من تتبع أثر ومعرفة مكان اختباء زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن، فقامت بإرسال قوة خاصة من قوات الصفوة إلى المنزل الذي كان يختبئ فيه في مدينة آبوت آباد التي لا تبعد سوى بضعة كيلومترات عن العاصمة الباكستانية إسلام أباد، حيث تمكنت من تصفيته جسدياً ومن ثم إلقاء جثته في البحر في عملية لايزال الغموض والأسرار يكتنفانها، ولا تزال الأنباء بشأن العملية سواء من أمريكا أو باكستان أو عواصم أخرى ذات صلة مباشرة وغير مباشرة، تترى وتتوالى تباعاً، ربما بقصد الإمعان في إلقاء مزيد من التشويش والتضليل أكثر منه إماطة اللثام عن حقيقة العملية والأطراف الدولية والإقليمية والمحلية الباكستانية التي أسهمت فيها .
 
فهل كانت عملية الاغتيال عملية أمريكية – باكستانية مشتركة؟ أم أنها كانت عملية محض أمريكية اكتفت واشنطن فيها بالحصول على دعم معلوماتي ولوجستي من بعض المحسوبين عليها في أجهزة الأمن الباكستانية؟ ولماذا لم تعمد القوة الأمريكية الخاصة إلى أسر ابن لادن بدلاً من تصفيته وقد تبين أن أسره كان متاحاً تماماً على الأقل بحسب المعلومات المتسربة حتى تاريخه .
 
تفاصيل كثيرة ربما يتم تسريب بعضها في القادم من الأيام فيما سيبقى بعضها الآخر سراً دفيناً ربما إلى الأبد .
 
هكذا إذاً يكون قد أسدل الستار على أسامة بن لادن في تجربة حظه لشن حرب ضد الولايات المتحدة اعتباراً من مطلع تسعينات القرن الماضي، بعد أن تيقن هو ومجموعته التي كانت ساعدت الولايات المتحدة بالتضحية بأرواحها لإخراج الاتحاد السوفييتي من افغانستان، بعد أن تيقن من تخلي الولايات المتحدة عنه وعن أنصاره في أعقاب مساعدتهم في إنجاز “المهمة” بل الانقلاب عليهم مخابراتياً وتعقبهم أمنياً بالتعاون مع أجهزة عدة من المخابرات العالمية باعتبارهم إرهابيين خطرين .
 
فكان رد زعماء ما سمي بالجهاد الأفغاني وفي مقدمتهم أسامة بن لادن على ما اعتبروه خيانة أمريكية لهم هو إعلان الحرب ضد الولايات المتحدة .
 
ولم يتردد ابن لادن في استدعاء الموروث الديني الجهادي والدفع به وسيلة مثلى لاستقطاب الشباب والزج بهم في المعركة “المقدسة” ضد “الصليبيين الكفرة”، فكان أن ذهب ضحية معركة تصفية الحسابات هذه بين حلفاء الأمس، مئات الآلاف من الأبرياء في جميع أنحاء العالم، وحول هذا الصراع إلى مبرر للولايات المتحدة كي تمارس عملية استباحة عسكرية لأفغانستان والعراق . ورغم تمكن ابن لادن ومعاونيه من تفريخ فروع صغيرة لتنظيم القاعدة في عدد من البلدان العربية والإسلامية والغربية سرعان ما انخرطت في طاحونة تلك الحرب بين ضدين غير إنسانيين، إلا أن الكفة بينهما لم تكن متكافئة بطبيعة الحال، وهو ما اضطر قائد الطرف الأضعف في تلك الحرب، (أسامة بن لادن)، إلى الانكفاء والتخفي والعجز عن مزاولة مهامه القيادية وإنما الاكتفاء بتسريب أشرطة فيديو أو كاسيت يطل من خلالها على جمهوره على فترات متباعدة ومتقطعة، فكان أن حكم على نفسه بالانزواء بعيداً عن ميادين الصراع والعودة لمزاولة حياته الأسرية، حيث عاش، كما كشفت التغطيات الأخبارية لوقائع ما بعد مقتله، في منزل من ثلاثة أدوار مع زوجاته الثلاث وثلاثة عشر من أبنائه في إحدى ضواحي العاصمة الباكستانية العسكرية الرئيسية للجيش الباكستاني، حتى ليخيل للمرء أنه أمام رجل شبه متقاعد “جهادياً” يعيش منذ خمس سنوات حياة هادئة لا يعكر صفوها أزيز الرصاص ودوي انفجارات القنابل والصواريخ وكل ما يتصل عادة بأجواء جبهات القتال، كما كان متوقعاً من زعيم لتنظيم يعتمد الكفاح المسلح أسلوباً وحيداً لتحقيق أهدافه .
 
لعل اتضاح حقيقة الوضع المعيشي والأسري الطبيعي الذي كان يحياه زعيم تنظيم القاعدة وعدم قيام رجاله بتوفير حماية كافية له ضد أي هجوم محتمل، والنهاية التي انتهت إليها مطاردة الأمريكيين له على طريقتهم البوليسية (الهوليوودية) بتصفيته جسدياً، تزيل الغشاوة عن الكثيرين من الشباب المغرر بهم .

20 مايو 2011

اقرأ المزيد

أحمد الديين في حوار مفتوح حول: مواقف القوى التقدمية في الكويت من التحول الديمقراطي والوطني في دول الخليج العربي


 
أحمد الديين احد قيادات التيار التقدمي الكويتي في حوار مفتوح حول: التحول الديمقراطي والوطني والتغيير الشعبي في دول الخليج العربي ومواقف القوى التقدمية في الكويت




من اجل تنشيط الحوارات الفكرية والثقافية والسياسية بين الكتاب والكاتبات والشخصيات السياسية والاجتماعية والثقافية الأخرى من جهة, وبين قراء وقارئات موقع الحوار المتمدن على الانترنت من جهة أخرى, ومن أجل تعزيز التفاعل الايجابي والحوار اليساري والعلماني والديمقراطي الموضوعي والحضاري البناء, تقوم مؤسسة الحوار المتمدن بأجراء حوارات مفتوحة حول المواضيع الحساسة والمهمة المتعلقة بتطوير مجتمعاتنا وتحديثها وترسيخ ثقافة حقوق الإنسان وحقوق المرأة والعدالة الاجتماعية والتقدم والسلام.

حوارنا سيكون مع الأستاذ أحمد الديين احد قيادات التيار التقدمي الكويتي حول:  التحول الديمقراطي والوطني والتغيير الشعبي في دول الخليج العربي ومواقف القوى التقدمية في الكويت.

 1- يكثر الحديث عن دور الحركات الأصولية الإسلامية وخاصة اليوم في مصادرة نتائج الثورات والهبات العربية، هل من اختلاف في تعاطي هذه الأصوليات من بلد عربي إلى آخر؟ وهل سنشهد مدّاً منظماً لها؟

بداية لا بد من توضيح أنّ الأحزاب والحركات الإسلامية ليست كتلة صماء واحدة، فهناك داخلها تمايزات وتناقضات وتباينات، بعضها متزمت والبعض الآخر منفتح أو مستنير، بعضها ذو روابط سلطوية وعلاقات سابقة أو قائمة مع دوائر إمبريالية قائمة منذ الحرب الباردة بين المعسكرين الاشتراكي والرأسمالي وضد حركات التحرر العربية، وبعضها له موقع تحرري أو مقاوم للمشروع الصهيوني وللهيمنة الإمبريالية، وبعضها فكّ ما كان قائماً من مثل ذلك الارتباط السلطوي أو مع الدوائر الامبريالية… فلا يمكن على سبيل المثال النظر إلى جماعة إسلامية متزمتة بالمنظور ذاته إلى حركة إسلامية منفتحة نسبياً مثل حركة النهضة في تونس، وهناك دور مقاوم يتولاه حزب الله وحماس، وهناك أيضاً مراجعات حدثت في صفوف جماعة ذات ممارسات إرهابية مثل جماعة الجهاد في مصر… هذا ناهيك عن أنّ هناك حركات إسلامية هي أقرب إلى التحالفات الطبقية الحاكمة وإلى أصحاب رؤوس الأموال، بل بعضها يملك مصارف إسلامية ومندمج مع البرجوازية، فيما بعضها الآخر ذو تركيبة اجتماعية أقرب إلى الفئات الشعبية.

ومن جانب آخر فإنّ التعبير الذي أراه مناسباً لتسمية مثل هذه الأحزاب والحركات هو التيار الإسلامي، الذي تكون مرجعيته إسلامية، ولا أفضل تسميات ملتبسة أو هجائية مثل “المتأسلمين” و”الإسلامويين” و”الأصوليين”، مثلما نرفض تسميات مشابهة تُطلق علينا من شاكلة “التغريبيين”… فهناك تيار إسلامي مرجعيته دينية، وهناك تيار وطني مرجعيته وطنية، وهذا في تقديري هو التقسيم الأقرب إلى الواقع.

وعلى أي حال فإنّ التيار الإسلامي شئنا أم أبينا هو أحد مكونات الحياة السياسية العربية لا يمكن إقصاؤه ولا يصحّ استئصاله، وذلك من دون تجاهل ما هو قائم من تعارضات وصراعات فكرية وسياسية واجتماعية بين هذا التيار الإسلامي، وخصوصاً الجماعات المتزمتة، وبين التيار الوطني في مجتمعاتنا العربية… أما الجماعات التفكيرية والمتطرفة فهذه أصبحت معزولة شيئاً فشيئاً داخل التيار الإسلامي ذاته في أكثر من بلد عربي.

وعندما اندلعت الانتفاضات الشعبية العربية ضد أنظمة الاستبداد والفساد والتبعية وانطلقت العملية الثورية الجارية فقد كان هناك تفاوت في مساهمة التيار الإسلامي فيها بين بلد وآخر، بل داخل البلد الواحد ذاته، فمساهمة الإخوان المسلمين في مصر كانت متأخرة وملتبسة وحذرة أول الأمر، وهي بالتأكيد تختلف عن موقف السلفيين الذين أظهرت بعض جماعاتهم أجندتها المتخلفة والطائفية بعد إطاحة مبارك، وكذلك الحال في الأردن فقد ساهم القسم الرئيسي من التيار الإسلامي في التحركات المطالبة السلمية بالإصلاحات السياسية إلى جانب التيار الوطني بأحزابه وقواه، فيما كان تحرك الجماعات المتزمتة ذا طابع عنفي مختلف، وهناك فارق في اليمن حيث شاركت جبهة الإصلاح ذات التوجّه الإسلامي في التحرك الشعبي منذ البداية في إطار اللقاء المشترك، وفي تونس لم تدع حركة النهضة أنها تمثّل قيادة الحركة الثورية بل كانت جزءاً منها، وربما كانت جزءاً طرفياً بسبب ما كانت تعانيه من تهميش وقمع.

أما بعد النجاح المتحقق في تونس ومصر بإطاحة رأسي النظامين فإنّه من الطبيعي أن تسعى جماعات التيار الإسلامي في البلدين إلى كسب مواقع لها في إطار التحولات الجارية عبر الانتخابات، وهذا حقّ لا يمكن إنكاره عليها، بل لعلّ هناك تكتيكات اتبعتها بعض جماعات هذا التيار، مثلما فعل الإخوان المسلمون في مصر عندما شكلوا حزبهم السياسي، وقرروا المنافسة الجزئية في الانتخابات البرلمانية، وعدم خوض أول انتخابات رئاسية، ولكنهم في المقابل شنوا معركة ملتبسة وخلطوا الأوراق في الاستفتاء على التعديلات الدستورية، أما الجماعات المتزمتة فلها دور تأجيجي في افتعال الصراع الطائفي، وفي ظني أنّ هناك أشكالاً مختلفة ومتفاوتة من التعاطي السياسي بين جماعات التيار الإسلامي في مصر، ومن المبالغة وصف ذلك بأنّه مصادرة لنتائج الثورة، وإن كنت لا استبعد أن تصطف بعض جماعات التيار الإسلامي مع قوى الثورة المضادة، وهذا هو الأخطر.

وغير هذا فمن الطبيعي أن تستفيد جماعات التيار الإسلامي مثلما ستستفيد مكونات التيار الوطني في تونس أو مصر من نتائج الثورتين، من حيث اكتساب الشرعية، ومن حيث تحقيق مواقع في البرلمان والإعلام، ولكن في الوقت نفسه هناك حالة مماثلة للتيار الوطني بمختلف تلاوينه، بما في ذلك اليسار المحجوبة عنه الشرعية في مصر أو بعض جماعاته التي كانت محظورة سابقاً في تونس، ومن المتوقع أن تنفتح آفاق جديدة أمام مختلف التيارات في التحولات الجارية في بلداننا، ولن تكون حكراً على تيار بعينه.

2- هل نستطيع القول إننا أمام إعادة هيكلة أو بناء اجتماعي وثقافي في الحراك الشعبي اليوم؟ وكيف سيتأثر البناء السياسي وحراك المجتمع المدني في الكويت في المستقبل القريب؟

 التحوّلات الثورية الجارية لما تستكمل بعد، بما في ذلك في تونس ومصر، وبالتأكيد فإنّ لهذه التحوّلات انعكاساتها وتأثيراتها على البناء الاجتماعي والثقافي مثلما لها انعكاساتها وتأثيراتها على البناء السياسي، وكذلك هناك علاقة جدلية تفاعلية بين هذه البناءات السياسية والاجتماعية والثقافية القائمة سابقاً والمتشكّلة حديثاً مع التحوّلات الثورية الجارية في اطراد تقدمها واشتداد تناقضاتها والصراع حول قضايا ومسائل ومصالح مرتبطة بها، وكذلك محاولة الحفاظ على الأوضاع القائمة وتعطيل عملية تغييرها، بل حتى الثورة المضادة والارتداد عما تحقق.

وفي ظني أنّ الأسرع تأثراً بالتحوّلات الثورية والأسرع تأثيراً عليها هو البناء السياسي في مجتمعاتنا العربية الذي شهد وسيشهد بالضرورة انتقالاً نحو الديمقراطية، ولكن هذا الانتقال نحو الديمقراطية لن يكون خالياً من التناقضات والصراعات، فهل سينجح النظام البرلماني أم سيفشل؟ وهل من المصلحة تحقيق تغيير ديمقراطي مع الإبقاء على النظام الرئاسي ولكن في إطار ديمقراطي أو الانتقال إلى النظام البرلماني؟ وهل ستُنجز التغييرات الدستورية باتجاه ديمقراطي أم ستكون محدودة وملتبسة مثلما حدث في مصر سواء في التعديلات الدستورية أو قانون الأحزاب السياسية الجديد… ولكن بالتأكيد ستكون هناك حالة انفراج ديمقراطي واسعة قياساً بما كان قائماً من استبداد وانفراد بالسلطة.

أما عن البناء الاجتماعي فإنّ الطبقات الاجتماعية المسيطرة لم تفقد مواقعها ومصالحها ونفوذها، وإنما تمّ عزل بعض العناصر البارزة منها ذات الارتباطات السلطوية الفاضحة وذات الصلة المكشوفة بمؤسسة الفساد، في حين لا تزال الطغمة المالية والأقسام الأخرى من البرجوازية من كمبرادور وبرجوازية عقارية وبرجوازية بيروقراطية طفيلية في مواقعها، ولم يحدث تغيير في التركيبة الاجتماعية…. وكذلك الحال بالنسبة للبناء الثقافي فهو الآخر جزء من البناء الفوقي الذي هو وإن كان انعكاساً للبناء التحتي للاقتصاد والمجتمع، إلا أنّ له استقلاليته النسبية، وهو لا يتغيّر بالسرعة ذاتها، بل قد يأخذ وقتاً أطول، وذلك من دون إنكار ما يمكن أن ينفتح من آفاق أمام الثقافة التقدمية في مجتمعاتنا العربية التي شهدت وتشهد تحوّلات ثورية على المستوى السياسي.

وعن الكويت، فإنّ البناء السياسي وحراك المجتمع المدني لا بد أن يتأثرا بما تشهده المنطقة العربية من تحوّلات ثورية وانتفاضات شعبية، ولكن هذا التأثير يحتاج إلى وقت، والمهم أنّ هناك تبدلاً ايجابياً في موازين القوى قد تحقق، فلم يعد بالإمكان أن تعود السلطة إلى التلويح بالانقلاب على الدستور مثلما فعلت سابقاً في 1976 و1986، وهناك أفق جديد انفتح أمام طرح مطالب لإصلاحات سياسية بل دستورية، بالانتقال نحو النظام البرلماني الديمقراطي وعدم الانحصار في دستور 1962 الذي يمثّل دستور الحدّ الأدنى، وهناك معركة طويلة بين النهج السلطوي “نهج المشيخة” وبين متطلبات التطور الديمقراطي للدولة الكويتية الحديثة ستتأثر بالضرورة بالتحوّلات الجارية في المنطقة… أما حراك المجتمع المدني فقد شهدت الكويت قبل الثورات العربية الأخيرة حراكاً شعبياً واسعاً كان أبرزه ذلك الاجتماع الجماهيري الحاشد في ساحة الصفاة مساء يوم الاثنين الخامس من يناير كانون الثاني الماضي على خلفية التحرك الجاري لتغيير الحكومة ورئيسها ونهجها، ولكن حدث تراجع مؤقت في هذا الحراك، في الوقت الذي لم يتم فيه معالجة أسباب الأزمة السياسية في البلاد، بل لقد أعيد انتاجها من جديد بعد التشكيل الحكومي الجديد بعد الإبقاء على رئيس الوزراء ذاته وعدم إحداث أي تغيير في النهج الحكومي.

وهنا أتوقف أمام واحدة من أهم تحديات التحرك المنادي بالإصلاح السياسي والدستوري في الكويت، وهو انحصاره في نطاق العمل البرلماني وضعف دور القوى السياسية وعدم استكمال اتفاقها على بلورة أجندة واضحة لهذا التحرك الإصلاحي السياسي والدستوري والانتقال إلى أساليب عمل سياسي وجماهيري تتجاوز حدود النطاق البرلماني المحكوم سلطوياً وساحته الضيقة وسقفه المنخفض وأفقه المسدود.

3-  إعادة بناء ثقة الإنسان العربي بنفسه وقدراته، هل بدأت مرحلة إعادة دور حركات التحول الديمقراطي والوطني والتغيير الشعبي في دول الخليج العربي مرحلتها أيضاً؟ وأين تكمن أبرز عقبات هذا الدور؟

 في ظل أنظمة الاستبداد والفساد فإنّ الإنسان العربي مهمّش، مقموع، مسلوب الإرادة، وبالتأكيد فقد أعادت الانتفاضات الشعبية والتحوّلات الثورية إلى الإنسان العربي ثقته المفقودة بنفسه وبقدراته، وأطلقت طاقاته الكامنة التي كانت معطلّة.

وفي هذا السياق فإنّ أي انتصار يحققه الإنسان العربي في أي بقعة من المحيط إلى الخليج إنما هو انتصار لقضية هذا الإنسان وحقوقه وحريته وكرامته، كما أنّ نجاح الانتفاضات الشعبية والتحوّلات الثورية له انعكاساته الايجابية على تحرر الإنسان العربي عموماً، وهذا ما يشمل بالضرورة الإنسان العربي في دول الخليج العربي الذي يعاني من التهميش ومن أنظمة استبداد منفردة بالسلطة والقرار، بعضها استبداده مطلق وبعضها استبداده مغلّف بقشرة ديمقراطية شكلية رقيقة… وقد انطلقت في بلدان الخليج العربي حركات وطنية تحررية وتحركات شعبية تدعو إلى الديمقراطية منذ سنوات طويلة، وهناك تضحيات، من بينها انتفاضة الشعب البحريني ضد الاستعمار البريطاني في مارس 1965، وثورات الشعب العماني ضد الاستعمار البريطاني وضد نظام السلطان سعيد بن تيمور المتخلف في الجبل الأخضر خلال الخمسينيات وفي ظفار في 1965، ولاحقاً كانت هناك الانتفاضة الشعبية في المنطقة الشرقية من السعودية في نوفمبر من العام 1979، وهناك التحرك الشعبي المطالب بعودة العمل بدستور 1962 في الكويت الشهير بديوانيات الاثنين في العامين 1989 و1990، وأما في الوقت الحاضر فإنّه مع اندلاع الانتفاضات الشعبية العربية فقد انطلقت حركة شعبية في البحرين وكانت تطرح مطالب مستحقة تتصل بإحداث إصلاحات سياسية ودستورية عميقة في إطار الملكية الدستورية، إلا أنّ السلطة تمكنت من اللعب على الورقة الطائفية، خصوصاً مع غلبة الطابع الشيعي على جمهورها وقياداتها، وفي الوقت نفسه فقد تمكنت بعض الجماعات الإسلامية الشيعية المتطرفة من حرف الحركة الشعبية نحو اتجاهات مغامرة ونزعات طائفية، ما سهّل شقّ صفوف الشعب البحريني على أساس طائفي واستثار مخاوف المواطنين السنّة، وبالتالي توافرت مبررات قمع الحركة… وكذلك فقد انطلقت في سلطنة عمان تحركات شعبية إصلاحية تمت الاستجابة الجزئية لبعض مطالبها في الوقت الذي تعرضت فيه إلى القمع… وفي الإمارات جرى طرح مطالب إصلاحية من النخبة المثقفة… وفي السعودية جرى طرح مطالبات مماثلة، ولم تنجح محاولات الدعوة إلى تحرّك شعبي.

إنّ الأساس متوافر في البلدان الخليجية لاستنهاض تحركات شعبية ذات طابع إصلاحي ديمقراطي، ولكن ما يعيق هذه التحركات هي السطوة السلطوية للدول الخليجية في ظل الاقتصادات الريعية التي تعتمد على إيرادات بيع النفط الخام، وما تمتلكه الأنظمة من قدرات مالية ضخمة تستطيع استخدامها في الرشوة الاجتماعية وتعزيز قبضتها الأمنية، وهناك النهج السلطوي أو بالأحرى عقلية المشيخة المتخلفة التي تعيق التطور الديمقراطي وتعرقل بناء دول حديثة في بلداننا، وهناك ضعف التكوينات الاجتماعية الحديثة، واستمرار تأثير المكونات القبلية السابقة للدولة الحديثة، وهناك الشرخ الطائفي الذي يجري تعميقه في بعض مجتمعاتنا الخليجية، هذا بالإضافة إلى الضعف البنيوي للحركة السياسية المنظمة باستثناء نسبي في البحرين والكويت، وأخيراً بروز الطابع الأمني لمنظومة مجلس التعاون الخليجي… وهناك عائق آخر جيوسياسي يتمثّل في السياسة الخرقاء والتصريحات الاستفزازية لبعض القادة الإيرانيين التي تستثير المخاوف وتعمّق الشرخ الطائفي… وهذا ما يعقّد الأوضاع ويعيق تشكّل تحركات شعبية إصلاحية قادرة على إحداث التغيير الديمقراطي المستحق في مجتمعاتنا الخليجية.

4-  تُطرح أمامنا قضايا اليسار العربي والحامل الاجتماعي للهبّات والثورات اليوم، هل شكّل الشباب حاملاً اجتماعياً للتعيير، بالرغم من تعدد الخلفيات والايديولوجيات والمرجعيات الفكرية والثقافية والاجتماعية لهم؟

 ما حدث ويحدث من انتفاضات شعبية وتحوّلات ثورية ليس مقطوع الجذور عن تراكمات نضالية سابقة في مجتمعاتنا، وهو امتداد لنضالات شعوبنا التي قدّمت تضحيات من أجل الإصلاح والتغيير… ولئن كان الشباب العربي قد تصدّر الانتفاضات والتحركات الشعبية فإنّ هذا يجب أن يوضع في سياقه الصحيح… وقد كتبت مرة مقالاً في هذا الشأن أجد من المناسب إعادة نشره في هذا الحوار ضمن الإجابة عن هذا السؤال، إذ كتبت أنّ “هناك صفة رائجة للانتفاضات والثورات التي اندلعت في عدد من البلاد العربية ترى فيها انتفاضات وثورات شبابية، وهذا صحيح عندما يكون المقصود أنّ الشباب هم العنصر المبادر والجمع المحرّك لهذه الانتفاضات والثورات، وهم القوام الأعظم من المشاركين فيها… ولكن هذه الصفة الشبابية الرائجة حول الانتفاضات والثورات لا تعكس الحقيقة على نحو دقيق وكامل، ولا تخلو من تعميم ومبالغة، مع كل التقدير للدور الشبابي الطليعي والرئيسي في حركة التغيير.

فالانتفاضات والثورات إنما هي بالأساس انتفاضات شعبية وثورات ديمقراطية ناجمة عن احتدام تناقضات سياسية واقتصادية واجتماعية… فهي نتاج الاستبداد المطلق والمغلّف، ونتاج استشراء الفساد في صفوف الطبقات الحاكمة، ونتاج إهدار كرامة الإنسان العربي وحرمانه من حريته ومن أبسط حقوقه الأساسية، وهذا ما كانت تعاني منه الغالبية الساحقة من المواطنين، وليس الشباب وحدهم… مع ملاحظة التركيبة العمرية لمجتمعاتنا العربية، التي يشكّل الشباب وصغار السن النسبة الغالبة فيها، ما يجعل بالضرورة أن يكون غالب المشاركين في الانتفاضات والثورات من العنصر الشبابي قياساً بمتوسطي الأعمار وكبار السن.

ومن الطبيعي أن يكون الشباب في مقدمة الصفوف مبادرين وناشطين، وذلك بحكم الطبيعة الشبابية المتمردة على القيود والتواقة إلى الحرية والتغيير والمتطلعة إلى الجديد، وهذا هو شأن معظم الثورات الكبرى في العالم بغض النظر عن طبيعتها، بدءاً من الثورة الفرنسية في نهاية القرن الثامن عشر التي كان عمر أبرز قوادها روبسبير لا يتجاوز الحادية والثلاثين، مروراً بالثورة البلشفية في روسيا عام 1917 التي كان عمر قائدها فلاديمير إليتش لينين لا يتجاوز السابعة والأربعين فيما كان عمر قائدها العسكري تروتسكي في حدود السابعة والثلاثين… ولم يكن الطابع الشبابي لقادة وجماهير الثورتين الفرنسية والبلشفية سببا في وصفهما بأنهما ثورتان شبابيتان، فالأولى كانت ثورة ضد الإقطاع والأخرى كانت ثورة اشتراكية ضد القيصرية والرأسمالية.

وغير هذا فقد تكون هناك انتفاضات وثورات ذات طابع شبابي أو طلابي بحت، مثلما هي حال “الثورة الطلابية” التي اجتاحت أوروبا الغربية وفرنسا على وجه التحديد في نهاية ستينيات القرن العشرين، مع ملاحظة أنّ تلك الانتفاضات والثورات الشبابية لم تحدث تغييرات هيكلية في بنية النظام الرأسمالي في أوروبا الغربية، وإنما كانت احتجاجات طلابية ضد النظام الرأسمالي وضد مظالمه وسلطته… وبالمناسبة، فإنّه تحت تأثير تلك “الثورة الطلابية” راجت في أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات نظرية “صراع الأجيال” لهربرت ماركوز، عندما زعم أنّ “صراع الأجيال” هو المحرّك أساسي لتقدم المجتمعات، وكشفت الحياة أنّ تلك النظرية كانت “نظرية” متهافتة ومتناقضة وقاصرة، ذلك أنّ تقدم المجتمعات يعود إلى تناقضات وصراعات وأسباب أخرى أعمق وأوسع من أن تنحصر في نطاق الصراع بين الأجيال.

ولئن كان الشباب يشكلون شريحة اجتماعية عمرية، فإنّ الشباب في المقابل ينتمون إلى مختلف الطبقات الاجتماعية وينحدرون من مختلف الانتماءات ويتفاوتون في طبيعة المصالح ونوعية التوجهات، ولا يشكلون طبقة اجتماعية متجانسة، بل أنّه حتى على المستوى السياسي المباشر، نجد أنّ “البلطجية” على سبيل المثال المستخدمين في مواجهة الثورة المصرية كانوا من الشباب أيضا، وكان هناك شباب يعملون في جهاز أمن الدولة، وهناك شباب من أعضاء الحزب الوطني الديمقراطي الحاكم في العهد البائد… وبالتأكيد لم يكن هناك شيء مشترك يجمع بين شباب الثورة وشباب السلطة غير المستوى العمري… ما يوضح أنّ المستوى العمري ليس هو العنصر المقرر الأوحد للنزعة التغييرية والوجهة الثورية.

باختصار، لا بد من تقدير دور الشباب واحترامه وإبرازه والاعتماد عليه، ولكن من الخطأ المبالغة في ذلك وتقديس هذا الدور… فمتوسطو الأعمار اليوم كانوا شباب الأمس، وأطفال اليوم هم شباب الغد، وشباب اليوم لن يبقوا شبابا طوال أعمارهم… وأما التغيير فهو سنّة الحياة وقانونها، والتقدم إلى الأمام هو مسار البشرية في كل عصر وأوان، وإن توقف حيناً أو تعرقل بعض حين”.

5- ماذا عن دور المرأة في ساحة النضال المطلبي في الكويت وتميّزها عن مثلايتها في باقي الدول الخليجية، هل بإمكان النساء اليوم أن يتحدثن عن قضية خاصة بالشأن النسوي؟ أم أنهن جزء من الحراك الإصلاحي العام في البلد؟

 الحركة النسوية في مجتمعاتنا الخليجية متفاوتة في ظروفها وفي مستويات تطورها وما حققته من نجاح أو تقدم، فهناك حركة نسوية منظّمة ذات وزن في البحرين، وهي حركة ذات حضور نسبي في الكويت حيث حققت مكاسب اجتماعية وسياسية، بحيث تقلّصت الفوارق في مجالات كثيرة بين الرجل والمرأة، وفَقّدَت أطروحات الجنوسة مبررها، واندمجت قضايا المرأة بقضايا المجتمع ككل.

ولعلّ أهم نجاح لحركة المرأة الكويتية تمثّل في فوز أربع نائبات في انتخابات مجلس الأمة الأخيرة في العام 2009 يمثّلن 8 في المئة من إجمالي أعضاء البرلمان، وبغض النظر عن ملابسات فوز بعضهن، وبغض النظر عن مستوى الأداء البرلماني لهؤلاء النائبات، فإنّ فوزهن في انتخابات عامة قطع الطريق على دعوات “الكوتا” التي كنا نخشى من أن تكون مدخلا لمحاصصات قبلية وطائفية وفئوية في العملية الانتخابية والمؤسسة البرلمانية.
 
 
الحوار المتمدن
 أجرت الحوار: هيفاء حيدر
22 مايو 2011

اقرأ المزيد

الربيع العربي… فرص الاستيعاب الاقتصادي والسياسي – هيلين كلارك


خرج الملايين من الناس في الأشهر الماضية إلى الميادين والشوارع في عدد من الدول العربية مطالبين بالتغيير. وأدت تلك الاعتصامات في تونس ومصر إلى سقوط النظامين. أما في ليبيا فلا يزال الصراع عنيفاً ومحتدماً. وفي بلدان أخرى أزهقت الكثير من الأرواح في المواجهات بين الأنظمة القائمة والمتظاهرين.
 
ويكمن وراء هذه الأحداث إقصاء اقتصادي حرم الكثيرين من فرص العمل اللائق والعيش الكريم، وإقصاء سياسي صادر الحق في مشاركة واسعة في عمليات صنع القرار التي تشكل مستقبل الأمم. وكان الشباب من الجنسين في الدول العربية أكثر من عانى من الإقصاء. فهم يعانون من ارتفاع معدلات بطالة تبلغ ضعف متوسط معدل البطالة لدى الشباب على مستوى العالم، إضافة إلى الحاجة الملحة للعدالة والكرامة وفي أن يُؤخذ رأيُهم في القرارات التي تمس حياتهم.

 
التنمية الإنسانية
 
بدأ برنامج الأمم المتحدة الإنمائي العام 2002 نشر تقارير التنمية الإنسانية العربية التي ركزت على انعدام الحريات وفقدان الاستيعاب وقلة الفرص المتاحة.
وقد ركزت تلك التقارير على التحديات الرئيسية التي تواجه التنمية الإنسانية في الدول العربية في: قضايا الحكم، وتمكين المرأة، وحقوق الإنسان، وتأمين التعليم والخدمات الأخرى، وتحديات الأمن الإنساني عموماً. وكانت الرسالة الأساسية لتلك التقارير واضحة: الإصلاح ضروري ولا يحتمل التأجيل.
ومع ذلك، وكما أظهرت الأحداث الأخيرة، تأخر الإصلاح واندلعت الانتفاضات التي راح ضحيتها الكثير من الأرواح. إن العوامل التي تسببت في الانتفاضات بشكل عام لا تقتصر على الدول العربية. و لضمان حدوث التغيير السلمي، فإن التطور الاقتصادي والاستيعاب السياسي يُعدان أمرين بالغي الأهمية. 
 

الاستيعاب الاقتصادي
 
لم تؤد المعدلات العالية من النمو الاقتصادي في كثير من الحالات إلى خفض كبير في معدل الفقر أو خلق فرص عمل كافية ولائقة. ولضمان تحقيق النمو الشامل ينبغي استهداف القطاعات والمناطق التي يعيش ويعمل فيها غالبية الفقراء. واقتصر النمو في البلدان الغنية بالموارد الطبيعية في الغالب على الصناعات الاستخراجية وخلق فرص عمل محدودة جداً وتوفير القليل من العائدات الضريبية للدول النامية، ما حدَّ من قدرتها على رفع مكانتها من حيث التنمية الإنسانية.
 
هناك حاجة الآن إلى استراتيجيات ذكية لتمكين الدول من الاستفادة على نطاق أوسع من ثرواتها الوطنية، بحيث تنتج عنها فرص عمل، وشركات صغيرة، ومشاريع استثمارية صغيرة ومتوسطة، ونقل للتكنولوجيا، وبنية تحتية، وعائدات ضريبية تساعدها في كل ذلك مؤسسات قوية وقادرة ووجود قيادة ملتزمة بالتنمية الإنسانية.
 
وارتفعت نسبة البطالة بين الشباب في جميع أنحاء العالم أعقاب الركود العالمي. وكلفة ذلك لا يتحملها الشباب وحدهم فقط، ولكن أيضاً اقتصادات المجتمعات بأكملها. فقد أضرم محمد البوعزيزي البائع التونسي المتجول النار في نفسه في ديسمبر/ كانون الأول الماضي، فعبّر بشكل قوي ومأساوي عن اليأس والإحباط الذي يشعر به كثير من الشباب الذين لا يستطيعون المضي قدُماً من خلال نظام يشعرون بأنه أوصد أبواب النجاح أمامهم.
 
إن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي يقف على أهبة الاستعداد للمساعدة في تصميم سياسات لتحقيق نجاحات سريعة في معالجة مشكلة البطالة، وخاصة للشباب؛ ففي تونس نقوم حاليا بتصميم برنامج لتدريب الشباب في إحدى الولايات التي تأثر اقتصادها بشدة من جراء الأزمة الليبية، كما نسهم في برنامج تشارك فيه الأمم المتحدة لدعم الشباب في إقامة مشاريع استثمارية. وفي مصر نقوم بتعزيز خلق فرص عمل من خلال تطوير المشاريع الاستثمارية الصغيرة والمتوسطة وتعزيز خطط للقروض الصغيرة. كما سنقوم قريبا بالمساعدة في تصميم برنامج للأشغال العامة لمواجهة التحديات أمام الانتعاش الاقتصادي على المدى القصير.
 

 الاستيعاب السياسي
 
عندما تميل كفة الميزان الاقتصادي في غير صالح الأغلبية من الناس، وتتضاءل فرص الأفراد في التأثير على القرارات التي تهم بلدانهم، تتهيأ الظروف لحدوث الثورات. وكما رأينا في بعض الدول العربية، ثار الناس ضد القمع والإقصاء والظلم وفقدان الكرامة. والآن وقد نجحت حركات شعبية واسعة في تحقيق تغييرات سياسية، فإن الفرص سانحة لبناء المجتمعات واقتصاداتها، ونظم الحكم أكثر عدلا.
 
منذ أن أعلنت تونس مرحلتها الانتقالية، بما في ذلك انتخابات الجمعية التأسيسية في شهر يوليو/ تموز، يشارك برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في إرساء الأسس لنظام ديمقراطي فعّال. وبناءً على طلب السلطات الوطنية التونسية، يتم حالياً تقديم الدعم لإنشاء لجنة الانتخابات وتطوير الأحزاب السياسية. كما يجري العمل على صياغة قانون المجتمع المدني الجديد وعلى تطوير استراتيجية وطنية لمكافحة الفساد. وفي مصر، ينظم برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ندوة في القاهرة في شهر يونيو/ حزيران القادم لتبادل الخبرات مع خبراء من مناطق أخرى من العالم مرت بتحولات ديمقراطية. كما نقوم بدعم العملية الرسمية للحوار الوطني متعدد الأطراف والمساعدة في تحديد أمثل الطرق لتشجيع الشباب على المشاركة في العمليات التي تشكل مستقبلهم ومستقبل بلدهم. نقوم أيضاً بحشد الدعم لتطوير العملية الانتخابية، وبنية حقوق الإنسان، وآليات مكافحة الفساد، وبرامج اللامركزية والحكم المحلي. ويمكننا أيضاً تقديم الخبرة في عمليات استرداد الثروات وإصلاح القطاع الأمني.
 

الخلاصة
 
إن هذه اللحظة التي تعيشها الدول العربية الآن هي لحظة تاريخية، يبدو فيها التغيير الحقيقي ممكناً. ينبغي التأكيد أن هذا التغيير يجب أن يكون من صنع الشعوب التي تصبو إليه. ويقف برنامج الأمم المتحدة الإنمائي على أهبة الاستعداد لتقديم الدعم لتحقيق تطلعات الشعوب من أجل حياة أفضل.
 
هيلين كلارك
صحيفة الوسط البحرينية 19 مايو 2011م
 

اقرأ المزيد

نوابنا.. شكر اللـه سعيكم


رب ضارة نافعة.. النواب الذين خاضوا واستفاضوا وزايدوا في موضوع زيادة الرواتب فاجأونا حقًا بما لم يكن في الحسبان، فقد ظننا رغم أن بعض الـظن إثم – ان كل اللغط، وكل الصخب، وكل الضجة التي أثاروها وعزفهم المستمر ولفترة من الزمن على لحن زيادة رواتب العاملين في القطاعين العام والخاص، قد تأسس على مواقف مبدئية وثابتة ومدروسة وتستشعر وتلامس مشاعر الناس ورغباتهم واحتياجاتهم.

هذا ما أكده كثير منهم، وليتهم اكتفوا بذلك وليتهم بقوا في دائرة الرغبات والاقتراحات والأمنيات التي لا تقدم ولا تؤخر، بل استغلوا «موسم الموازنة» ليطلوا علينا بتصريحات تلو «تصريحات»، و»عنتريات» تلو «عنتريات» لإرسال رسائل رتيبة مخصصة للناخبين، يتهددون فيها ويتوعدون بأنهم سيرفضون تمرير الموازنة العامة إذا خلت من الزيادة.

لمن يميل إلى النسيان من النواب، أو له فيه مصلحة، نستطيع أن نذكر كل واحد منهم بكل ما قاله كنائب، وحتى تلك الاقوال والتصريحات التي وردت تحت مظلة هذه البرلمانية او تلك، ونستطيع أن نلفت عنايتهم إلى أصواتهم التي علت وشددت بأنه لا عودة بالرجوع عن الزيادة وان أي مساس بمشروع الزيادة يعني رفضًا للموازنة ((!!)).

قالوا الكثير، وحاولوا إلهاءنا بمعارك إعلامية ودعائية مفتعلة حول هذا الرقم أو ذاك وحول محتواه ومدلوله، ويمكن الرجوع إلى أرشيف أي جريدة محلية للوقوف على إطلالتهم «الفولكلورية» التي كانوا يظهرون بها علينا في واقع غير «فولكلوري»..!!

لا نعلم حقيقةً ما إذا كان النواب الذين حملوا راية الزيادة، والذين بدا بعضهم لأول وهلة أنهم أهل اختصاص وعلم وفهم ونظر، وبعد كل الضجيج الذي أحدثوه، وبعد موقفهم المباغت بالموافقة على الموازنة، لا نعلم هل يشعر النواب الأشاوس أصحاب الصوت العالي بالحرج أم لا، بعد أن انفضوا عن أنفسهم ركام تصريحاتهم وانقلبوا بين ليلة وضحاها عن أقوالهم ووعودهم طارحين تبريرات تذهل المرء حين يمعن فيها وحين يقارنها بما سبق، ذلك شأنهم لا ريب وان كنا نشك في انهم يشعرون بالحرج، ولكن ما نرجوه من النواب ألا يتذاكون علينا، وان يحسنوا دومًا برشد و»فطانة» المواطن البحريني الذي نحسب انه يدرك الحقيقة المرّة، حقيقة أداء النواب على الأقل في مستوى تعاطيهم مع موضوع الزيادة والموازنة العامة، ولكن ما العمل فهؤلاء هم نوابنا، نتفق ونختلف على أدائهم، وربما يستفزنا شطحات بعضهم، المهم اننا لا نملك في الوقت الحاضر غيرهم في الميدان..!!

هؤلاء النواب هل غاب عنهم يا ترى وهم يطالبون بالزيادة بنسبة 25%، وحتى السيناريو البديل الذي اقترحوه تاليًا بأن تكون الزيادة 75 دينارًا – تصوروا القفزة – هل غاب عنهم أن الموازنة العامة لا تحتمل ذلك، ويكفي أنها سجلت عجزًا للعامين 2011-2012 تجاوز 1.5 مليار دينار وهو أعلى مقدار عجز سجلته موازنة في تاريخ البحرين، فيما بلغت نسبة الدَّين العام 48.9% من إجمالي الناتج المحلي المتوقع في عام 2012 وهي أيضا نسبة عالية غير مسبوقة.

ألا يعني ذلك شيئًا للنواب؟ ألا يفترض أن يحتكم طرحهم إلى الدراسات والتحليلات والمؤشرات الاقتصادية وهم يتداولون أهم مشروع قانون تنظره المؤسسة التشريعية بشقيه الاقتصادي والاجتماعي، وهل من المنطقي والمقبول أن تتبدل مواقف مجموعة النواب ناسفة كل ما كانوا قد ثبتوه بشأن التمسك بالزيادة ليطرحوا تبريرات كان من الأولى أن تكون موضع اعتبارهم لا أن يتبنوا مطالبات تزيد من المديونية والعجز وتورث أجيالنا ديونًا متراكمة، وكان حريًا بهم ربما تمهيدًا لطرح الزيادة على أساس عقلاني ومدروس بعيد عن الضجيج واستثارة مشاعر الناخبين، أن يركزوا على أولويات الإنفاق، وبرامج الحكومة، وخطة الدولة المالية، وسبل تطوير المالية العامة، والعوامل التي يمكن أن تؤثر على أهم عناصر الإنفاق والإيراد والعجز وكبح جماح المصروفات ومواجهته الهدر والفساد، وتطوير أساليب إدارة الدَّين العام هدفًا استراتيجيًا.

لا غضاضة في أن يبدي بعض النواب انزعاجهم من عدم توصلهم إلى اتفاق مع الحكومة بشأن الزيادة، أو أن يستثمر آخرون مناقشة الموازنة في انتقاد بعض السياسات وبعض بنود الموازنة وأوجه الخلل في بنيتها، ولا بأس أن يكون النواب عرضة لاتهام بأنهم خذلوا الناس عند أول امتحان، ولكن ما حدث أمر نراه يستدعي احترام عقولنا، كما يستوجب من النواب سعة الأفق والقيام بالمراجعة كنوع من محاسبة النفس من دون الانهماك بالشعارات وإصدار البيانات وترداد كلام ملتبس ومربك ومرتبك.

تبقى ملاحظة على الهامش وان كانت جوهرية، ما دمنا نتحدث عن النواب ومواقفهم، هي ملاحظة حتمًا لا علاقة لها بموضوع الزيادة، ولكن لها علاقة بالوطن، وبدور النواب الذين يفترض أنهم يمثلون شعب البحرين بكل مكوناته، وطالما هم كذلك، ألا يفترض ربما تفعيلاً لدورهم أن يدعون إلى جلسة استثنائية أو أكثر للبحث في كيفية مواجهة وطنية صادقة لكل ما يقّطع أوصال الوطن ويضرب من يريد قتل كل بارقة أمل. على أي حال لنوابنا نقول: شكر الله سعيكم..!!
 
 
 

اقرأ المزيد

الوعي البحريني وإشكاليات التقدم


ترنح الوعي البحريني بكل أشكال وعيه منذ نهاية السبعينيات بسبب تضخم رأسمالية الدولة بشكل كلي وغياب مشروعات التقدم الخاص، واعتماد اليسار على خطابات انقلابية، وضمور الليبرالية.

كانت معرفة إشكالية رأسمالية الدولة الحكومية المتضخمة، ممكنة وأساسية، لأنها تغدو المشكلة المحورية لتطور الاقتصاد لقوى سياسية عديدة لكن من خلال وسائل ديمقراطية متفق عليها من الأغلبية ضمن التطور السياسي.
كان دعم تطور الرأسمالية الخاصة وصنوها الفكري السياسي (الليبرالية) محدوداً جداً إن لم يكن معدوماً، بسبب غياب الرصد الدقيق لهذه الليبرالية، ومطالبة اليسار بظهور ليبرالية وطنية صارخة سياسياً، وكان هذا أمرا غير ممكن، مع تجربة الخمسينيات الحادة، وكذلك مع تضخم الرأسمالية الحكومية، ولكننا سنجدُ أن الليبراليةَ ليستْ بهذا التقزم المطروح من قبل قوى اليسار المتطرفة، فلو أقمنا بمقرابة أولية موضوعية لجريدة (الأضواء) البحرينية فسنجدُ أن هذه الجريدة الرائدة أفسحت المجالَ للكثير من الأدبيات الفكرية والسياسية الوطنية الليبرالية، وكانت المسرح الكتابي الذي بزغت فيه أزهارُ المرحلة النقدية، ثم تنامت في شتى حقول المعرفة.

وهذا الطرح استمر بأشكالٍ متعددةٍ في الصحافة وفي أشكال الوعي الكتابية المختلفة: الشعر، والمسرح، والقصة والرواية، والبحوث والمقالات وغيرها. ووجد له تجسيداته في الكتل الوسطية المدنية في البرلمان.

بطبيعةِ الحال كان الفكرُ المجردُ والوعي النظري بقدراتهِ على التحليلِ وكشف البُنية الاجتماعية محدودين وضامرين بشكلٍ كبير، لكننا نستطيع أن نجدَ بعضَ البذور لذلك في تحليلات سياسية نادرة أو في دراساتٍ فكرية وثقافية عامة، لكن البُنية الاجتماعية لم تُدرس بشكلٍ عميق.

ولهذا كان فكرُ التيارات السياسية فقيراً جداً، لم يقمْ بمثلِ هذه التحليلات المُعمقةِ، وكانت قراراتهُ السياسيةُ ترتكزُ على هذه التبسيطيةِ الفكرية السياسية، ويتكشفُ ذلك خاصة في الأحداث الجسام، وزمنية الافتراق بين تأييدِ البُنية الاجتماعيةِ الليبرالية والصبر عليها ونقدها وتطويرها، وبين وعي المغامرة للقفزِ إلى شكلٍ سياسي ونظامٍ شمولي مبهمين وخطرين كذلك.

ويتجلى ذلك في بؤرٍ تاريخيةٍ كعدمِ دقةِ تشخيصِ أحداث التسعينيات، أو في غموض المسألة الدستورية وتحميلها قوالب حادة فوضوية، غير ممكنة التنفيذ المفيد، وتأييد الديمقراطية من دون دعم القطاع الخاص وتجلياته الفكرية والسياسية.

غياب الدراسات المعمقة لدى اليسار جعل قواعده الفكرية هزيلة، قابلة للاختراقات من قبل الطرف الخطر سياسياً وهو الجماعات الدينية المحافظة، فقدراته على فهم الإسلام وتحليله غير ممكنة لديه، وهو جزءٌ من هذه البنية الاجتماعية. فلا يعرف الحد بين الإسلام كثورة وبين الأشكال المحافظة والرجعية التي تتلبسه.

إن عمله غير الملتحم بتطور ونقد الليبرالية يكشف عن شموليته، ورغبته التسريعية في التغيير، وعدم فهم الخريطة الاجتماعية السكانية بمشكلاتها، وكيفية طرح الحلول فيها، ومساعدة الجمهور عليها، وهذا أدى لالتصاقه بالقوى الدينية المحافظة الحاملة للجمهور والسائرة به عكس التاريخ الديمقراطي، التي لم تتشكلْ خلال النضال البحريني، بل جاءتْ مستوردةً، شعارية، ولم تلتحم بشعب البحرين.
لكنها هي الأخرى معادية لليبرالية، أي انها تفوق كراهية اليسار لها، فهي تعبرُ عن أشكال الحرية الاجتماعية والسياسية والبشرية المُدانة من قبل القوى المحافظة.

هذه القوى البرجوازية الصغيرة والفئات الوسطى التحتية، لم تتكون بشكل رأسمالي كبير، ولم تعمل لتعميق تجربة القطاع الخاص، وتطويره، وإيجاد علاقة تعاونية ديمقراطية مع القطاع العام للوصول بالبلد إلى الديمقراطية الحديثة المنجزة.

فيظهر عداءٌ ايديولوجي للرأسمالية الوطنية من الطرفين: اليسار الجامد، واليمين الديني المحافظ، وليس ثمة قدرات على الدرس، ورؤية الخريطة الاقتصادية؟الاجتماعية البحرينية المستقبلية، وبالتالي فإن اتخاذ المواقف السياسية يتم على أساس عفوي، وغالباً ما يتم ذلك خاصة في أوقات الأزمات بشكل مغامر لأنه لا يوجد عند الطرفين نضال حقيقي داخل البنية الوطنية الرأسمالية لتطويرها.

تغلب الشعارات السياسية المستوردة يعبر عن افتقاد الدرس وغياب تراكمية البحوث، وتشكل عقلانية سياسية، وبث هذه الشعارات في عامة مغيبة الوعي، متحمسة.

أخبار الخليج 8 مايو 2011

اقرأ المزيد

توجه جديد للاستثمارات الخليجية


تسجل المحافظ الاستثمارية للصناديق السيادية الخليجية نشاطاً استثمارياً ملحوظاً ومقداماً خصوصاً في قطاعات الطاقة العالمية المختلفة، التقليدية والمتجددة العالمية في المدة الأخيرة .
 
فلقد قامت شركة قطر القابضة في الرابع عشر من مارس/آذار ،2011 وهي إحدى الشركات التابعة لهيئة الاستثمار القطرية حصة نسبتها 16 .6% في شركة آيبيردرولا، وهي أكبر شركات الطاقة الإسبانية، وذلك في صفقة بلغت قيمتها 2 مليار يورو (3 مليارات دولار)، مستفيدة من رغبة شركة تجنب ضغط شركة البناء الإسبانية التي تملك حصة تبلغ نسبتها 20% في شركة لزيادة حصتها إلى 30% والدخول في مجلس إدارة الشركة التي تعاني ديوناً تصل إلى 24 مليار يورو اضطرتها إلى الإعلان عن اعتزامها طرح 338 مليون سهم جديد في السوق (إلى جانب بيع حصة إلى قطر القابضة) من أجل زيادة رأسمال الشركة .
 
وتهدف قطر القابضة والشركة الإسبانية إلى البحث عن فرص استثمارية في قطاعات الطاقة في الأسواق الصاعدة بما في ذلك سوق قطر، حيث ستقوم الشركة الإسبانية باتخاذ الدوحة مقراً إقليمياً لمنشآتها الخاصة بالبحث والتطوير، كما ستعمل الشركة الإسبانية على استعمال الرأسمال القطري لتمويل عدة مشاريع خاصة بها بما في ذلك الاندماج مع Iberdrola لمصادر الطاقة المتجددة والاستحواذ على شركة (Electro Electricidade) . وهذا ثاني استحواذ لقطر للقابضة خلال أربعة أشهر . ففي ديسمبر/ كانون الأول 2010 اشترى هذا الصندوق السيادي القطري الذي يحتكم على نحو 80 مليار دولار حصة نسبتها 1 .9% في كبرى شركات البناء الألمانية “Hochtief” وبعد شهر من ذلك التاريخ أي في مايو/ أيار 2010 أنشأت “Hochtief” بعد أن تطعمت برأس المال القطري، شركة مشتركة (Joint venture) مع شركة (Lusail Real Estate Development Company)، وهي شركة متفرعة من شركة ديار القطرية . والأخيرة هي إحدى الشركات التي تملكها هيئة الاستثمار القطرية (QIA) المالكة لقطر للقابضة . وستقوم الشركة الألمانية القطرية المشتركة بإنشاء مشروع لوسيل (Lusail) إلى الشمال من العاصمة القطرية الدوحة، والذي سيكون أحد أكبر مشروعات التطوير في العالم .
 
ولا يقتصر الأمر على قطر وصندوقها السيادي (مؤسسة قطر للاستثمار)، فقد سبقته إلى ذلك الصناديق السيادية لدولة الإمارات، مثل شركة مبادلة، التي قامت في عام 2008 بشراء حصة في عملاق الطاقة الأمريكي “جنرال إلكتريك” ووعدت بأن تصبح ضمن أكبر عشرة شركاء في هذه الشركة الأمريكية العملاقة التي كانت واجهت مشكلات مالية في نفس العام على خلفية الأزمة المالية/ الاقتصادية العالمية، ما يعني أن مبادلة قد استفادت كثيراً من الانخفاض الكبير لأسهم شركة جنرال إلكتريك في البورصات العالمية، بسبب تلك الأزمة، ما عُدَّ صفقة ناجحة بكل المقاييس، بما في ذلك نجاح مبادلة في استدراج جنرال إلكتريك للاستثمار في قطاع الطاقات المتجددة الناشئ والصاعد بصورة لافتة في أبوظبي .
 
 كما أنشأت الشركتان مبادلة وجنرال إلكتريك شركة تجارية مالية مشتركة في عام 2009 برأسمال قدره 8 مليارات دولار دُفعت بالتساوي من الطرفين . وتستهدف هذه الشراكة الاستثمار في أصول تصل قيمتها إلى نحو 40 مليار دولار .
 
وكما هو ملاحظ، نحن أمام نوع وتوجه جديدين من الاستثمارات الخليجية المباشرة، يختلف جذرياً عن الاستثمارات الخليجية التقليدية التي اتسمت في السابق “بوضع البيض” (أي رؤوس الأموال المستثمرة) في السلة (أي في محفظة الأصول المستثمَر فيها) وانتظار أجل “فقسها” لتسلم العائد إليها .
 
الاستثمار الخليجي المباشر الجديد لا يكتفي بوضع البيض والفرجة على عملية الفقس والتفريخ، وإنما هو يستهدف مجالات وأنشطة اقتصادية بعينها يريد من وراء الاستحواذ عليها أو المشاركة بحصص في رؤوس أموالها، اجتذابها إلى الأسواق الخليجية الوطنية لإقامة شراكات مكرسة لتنفيذ مشروعات إنمائية بعينها وذلك بالاستفادة من الإمكانات التمويلية والتكنولوجية والإدارية التي يحوزها هؤلاء الشركاء الاستثماريون العالميون .
 
ولعل تطبيق هذا النموذج أو النوع من الاستثمارات يعود إلى نحو عشر سنوات خلت حين نجحت شركة بترول أبوظبي الوطنية (أدنوك) في الدخول في شراكة مع شركة “بوريا ليست” وإنشاء شركة مشتركة هي “بروج” عُهد إليها تطوير مجمع الرويس للبتركيماويات، وكان ذلك في عام 1998 .
 
وفي عام 2005 قامت شركة أبوظبي الدولية للاستثمارات البترولية “Investment Co” بشراء 65% من شركة Borealist النمساوية . كما قامت هذه الشركة الإماراتية بشراء حصة نسبتها 70% من شركة “Man Ferrostaal” الهندسية الألمانية .
 
وعلى ذلك فإننا نتمنى أن تحذو بقية الصناديق السيادية في بقية دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية حذو قريناتها في كل من دولة الإمارات وقطر، وذلك استناداً إلى نجاح هذه التوليفة من المقاربة الاستثمارية التي تجمع بين حيازة ملكيات في أصول متينة وذات عائد جيد، وفرص النفاذ إلى أسواق تصريف شركات هذه الأصول وتقنياتها وفنونها الإدارية الحديثة .



حرر في 23 ابريل 2011

اقرأ المزيد