المنشور

في مفهوم”الاستقواء بالخارج”

لم يتبقَّ لدى الكتَّاب المتذاكين والمتمصلحين من استمرار الأزمة في البحرين، وبعد أن نفد قاموسهم من مفردات الشتم والتخوين، إلا أن يصفوا المعارضة بـ «الغباء»، وهي تهمة جديدة تضاف إلى تهم العمالة للخارج، ومحاولة تطبيق نظام ولاية الفقيه في البحرين.

الأخوة الأذكياء جداً، تراجعوا عن كل ما كتبوه سابقاً من أن المعارضة والوفد الأهلي المشارك في جلسات مراجعة ملف البحرين في مكتب حقوق الإنسان بالأمم المتحدة، لم يكونوا خونةً لأنهم كشفوا الممارسات القمعية والمنافية لحقوق الإنسان التي أستخدمت لإسكات الأصوات المعارضة، وشوّهوا سمعة البحرين لدى المنظمات الحقوقية ودول العالم، ولكنهم خانوا وطنهم وشركاءهم في الوطن حين استقووا بالخارج للضغط على الدولة لتلبية مطالبهم التي لم يستطيعوا أن يحققوا إجماعاً وطنياً حولها، وحول مشروعهم الذي لو تحقّق، لأصبح الجميع تحت رحمتهم كقطيع من الأغنام، والسؤال المهم هنا، من الذي استقوى بشكل عملي بالخارج؟

وبعيداً عن مشروع المعارضة، الذي دائماً ما يُقرأ بالنيات وليس بالحقائق والوقائع، فإن المشكلة كما يتم طرحها هنا هي في الاستقواء بالخارج، وخصوصاً بالولايات المتحدة الأميركية، بعد أن سقطت ورقة التدخل الإيراني في الأحداث التي جرت العام الماضي، بشهادة تقرير اللجنة المستقلة لتقصي الحقائق.

ما نعرفه كشعوب من العالم الثالث، أن الولايات المتحدة وعلى مدى تاريخها الطويل لم تتدخل يوماً من الأيام لحماية مصلحة شعب من شعوب هذا العالم، وإنما كانت دائماً تحمي مصالحها أولاً، ومن ثم مصالح الأنظمة الصديقة لها. وهناك العديد من الشواهد والوقائع التاريخية وحتى المعاصرة التي تثبت ذلك، ولا ننسى أن للولايات المتحدة قاعدة عسكرية في البحرين لم تأتِ بها المعارضة، ولا تعرف شيئاً عن شروط بقائها حتى حين طرحت للمناقشة في البرلمان.

ما يفهمه الأخوة الأذكياء جداً، ويحاولون إنكاره لخداع الناس، هو أن الولايات المتحدة حتى وإن مارست ضغوطاً، فإن هذه الضغوط ستصب في محصلتها في مصلحة الأنظمة وليس ضدها، فلا مانع من تقديم تنازلات بسيطة في وقت من الأوقات لصالح الشعوب، ما دام ذلك يساهم في استمرار واستقرار النظم الحاكمة التي ترتبط معها بمصالح مشتركة، وبذلك تصبح هذه الضغوط من باب نصح الصديق، وليس ليّ ذراع العدو.

لا أحد ينكر أن المعارضة تقوم بطرح وجهة نظرها على المنظمات العالمية ودول العالم، وهو ما تقوم به جميع الحركات المعارضة في العالم لكي تكسب التعاطف الدولي، ويبدو أن ذلك ما أوجع الأطراف المستفيدة من بقاء الأوضاع غير المستقرة في البحرين حين تعاطفت أغلب هذه المنظمات ودول العالم مع ما تطرحه المعارضة.

فيما يخص الإجماع الشعبي، فإن تاريخ المعارضة في البحرين لم يبدأ في العام 2001 ولم ينتهِ في العام 2011، ولا يمكن اختصاره في العشر سنوات الأخيرة. والمعارضة هي من طالبت ومنذ التسعينيات حين كانت تعمل من أجل الديمقراطية، وإيجاد برلمان لكل أبناء الوطن، بخلق توافق وطني وتحالف مع جميع القوى السياسية، لكنها اصطدمت بواقع وجود تحالف مقدس بين الحكم والقوى السياسية الموالية.

ما تطرحه القوى المعارضة يؤكد بصدق أنها لا تزال مؤمنة بأن الوطن للجميع وليس لفئة معينة، وما يعزّز ما نقوله هو مطالبها التي أكدت على شرعيتها مبادرة سمو ولي العهد ذات النقاط السبع.

وأخيراً، إن الوطن لا يمكن اختزاله في طرف دون آخر، وليس من يحمل همَّ وطنه كجرحٍ غائرٍ في الروح، ويقدم الضحية تلو الأخرى، كمن يسترزق من جراح وطنه.

جميل المحاري
صحيفة الوسط البحرينية
اقرأ المزيد

جذور الأزمة وآفاق الحل

في آخر مقال على هذه الصفحة قلنا إن مسئولية إخراج البلد من الأزمة التي
تعصف بها منذ ما يزيد على العام ونصف العام، تتحملها كل الأطراف المعنية،
وإن كانت الدولة تتحمل القسط الأكبر من هذه المسئولية، لأنها هي من أوصل
هذه الأزمة إلى ما هي عليه اليوم من تأزم وتعقيد، وهي من كرّس تلك الملفات
والقضايا المشبعة بعوامل الخطورة وعناصر الانفجار، عندما اختارت اللجوء إلى
الخيار الأمني للتعاطي مع هذه الأزمة، بحيث لم يعد ينفع أو تجدي معها أي
حلول جزئية أو وقتية، أو ذات أبعاد طائفية لأن من شأن هذه الحلول زيادة
الوضع تشوهاً وتعقيداً.

إن إحدى أهم القضايا أو العلل التي تشكل
عنواناً بارزاً للأزمة وتحتاج إلى حل جذري وعاجل هي قضية «إعادة التوازن»
السياسي والاجتماعي الذي يعاني من خلل مزمن وفاضح، ما يعني أن هذا الأمر
يتطلب إجراءات جادة وحاسمة، لا تحتمل أية مماطلة أو تسويف، من أجل ضبط
وتصحيح مسار المعادلة السياسية والاجتماعية في البلد لتأخذ طريق العدل
والإنصاف والمشاركة للجميع.

في تقديرنا من هنا يجب أن تكون البداية،
وهنا يجب أن تكون قاعدة انطلاق أية مبادرة جديدة للحوار السياسي الوطني إذا
ما أرادت الدولة حقّاً فتح آفاق واقعية أمام الحلول السياسية العادلة
وإعطاءها فرصة للنجاح، وتهيئة أجواء المصالحة الوطنية، لأنه وباختصار شديد
لا يمكن الحديث عن أي حوار يخرج البلد من حالة الانسداد والاستعصاء السياسي
الراهن مع استمرار سياسات التمييز والإقصاء، وبقاء عقلية «كسر عظم» الخصم
التي تعشش في رؤوس البعض، وهي عقلية نابعة بالأساس من وهم امكانية إفناء أو
عزل هذا الخصم السياسي من الخريطة السياسية والاجتماعية. (قبل أيام دعا
أحد كتّاب الأعمدة الموتورين إلى القيام بحملة تطهير جديدة في الوزارات
والدوائر الحكومية وشبه الحكومية، حتى يعتدل الميزان على حد قوله)! على رغم
أن الأزمة وكل تداعياتها السلبية المريرة، قد أكدت بما لا يقبل الشك، أن
البلاد بمكوناتها الاجتماعية والسياسية والمذهبية لا تقبل أو تسمح بوجود
مثل هذه العقلية في المعادلة الوطنية مهما بلغ عويل الانتهازيين والمغرضين.

هناك
بعض الأسئلة المهمة التي تفرض نفسها في هذا السياق؛ ترى أين تكمن جذور هذا
الخلل السياسي والاجتماعي؟، وهل هو نتاج الأزمة الأخيرة حصراً؟ أم هو أحد
أهم أسباب تفجرها؟ إن الإجابة الموضوعية تقتضي منا الذهاب بعيداً إلى
الماضي حيث جذور هذه القضية التي تمتد إلى بدايات تشكل الدولة البحرينية،
التي لم تكن يوماً إطاراً جامعاً أو حاضناً للجميع، والتي كانت تفتقر إلى
ثقافة الديمقراطية والتسامح وقبول الآخر، وذلك بسبب غياب المؤسسات الوطنية
الجامعة، وانعدام الهياكل السياسية والدستورية والتشريعية التي تعكس طبيعة
تعددية المجتمع البحريني، وبالتالي غياب الإرادة الشعبية كمصدر للسلطة
والسيادة في هذه الدولة، وغياب قيم العدالة والمساواة، وهذا ما يفسِّر
الاضطراب الدائم أو الاحتقان السياسي المستمر في شكل العلاقة بين الدولة
والمجتمع، والذي يعبر عن نفسه في صورة أزمات متكررة ودورية تشهدها الساحة
البحرينية من حين إلى آخر.

لذلك؛ بمجرد أن وقعت الأزمة الأخيرة،
وواجهت الدولة احتجاجات المجتمع المتطلع إلى الإصلاح وإلى الحرية والعدالة،
وبناء واقع سياسي واجتماعي خالٍ من المعاناة والظلم، حتى رأينا كيف صارت
مناسبة لإخراج ما في جوف هذا المجتمع من انقسامات وخلافات إلى سطح المجال
السياسي. وهو ما يؤكد أن الديمقراطية كثقافة، والحوار كمنهج، لم يترسخا في
عقل الدولة ولا في وعي المجتمع.

هذه الحقيقة تقودنا إلى حقيقة أخرى
صادمة، وهي أن كل ما فعلته الدولة خلال العقود الأربعة الماضية، أنها أقفلت
(وباستحكام) أبواب التعددية، وحالت دون ثقافة الديمقراطية في المجتمع، وفي
الوقت نفسه شرعت الأبواب أمام ثقافة الخوف والخنوع والنفاق السياسي
والاجتماعي، وهي الثقافة التي تعد «مفرخة» للانتهازيين والفاسدين ومقبرةً
لأي تطور سياسي أو ديمقراطي.

وبالتالي هي المسئولة عن سد شريان تقدم
البلد ونهوضه، وعن تآكل الرصيد الحضاري الذي عرفت به البحرين تأريخيّاً.
وطبعاً الحصيلة المنطقية لكل هذا المسار؛ هي فشل التجربة السياسية طوال كل
هذه العقود في بناء دولة المواطنة والقانون والمساواة بين المواطنين.

ولعل
أخطر تجليات وعلامات هذا الفشل؛ هو أن الدولة تركت، عمداً أو سهواً، الحبل
على الغارب لبعض القوى والعناصر التي استحوذت عليها شهوة التسلط وتتمتع
بمخزون طائفي وإقصائي غير محدود، تركتها لتتغلغل في مفاصل الدولة وهياكلها
السياسية والإدارية والسيطرة عليها وخصوصاً المجالات الحيوية مثل التعليم
والإعلام والثقافة وغيرها من المجالات التي أصبحت منخورةً بسموم الطائفية،
ما أضعف مناعتها بمرور الزمن.

وبوقوع الأزمة الأخيرة؛ وجدت تلك القوى
والعناصر أن الفرصة أصبحت مواتيةً للانقضاض على الدولة وابتلاعها كغنيمة
حرب، وكانت أسلحتها في هذه «الغزوة» غير المباركة لجان التحقيق، التي تشبه
محاكم التفتيش، وإعلاماً تحريضيّاً وخطاباً مشحوناً بالكراهية والحقد
الطائفي يغذّي الاصطفافات الخطيرة والمدمرة، أما الضحايا فهم المواطنون
الأبرياء الذين قطعت أرزاقهم لذنبٍ لم يقترفوه.

إنها قوى الشد العكسي
التي لم يكن يهمها يوماً مستقبل البلد، وهي التي تقف اليوم سداً منيعاً في
وجه الحلول أو المبادرات الوطنية التي ترمي إلى إنقاذ البلاد من خلال
تصحيح الوضع وإعادة الأمور إلى نصابها الصحيح والواقعي. وهي المسئولة عن
فشل الدولة أو عدم قدرتها على لملمة جراح البلد ووقف النزيف الذي يعاني منه
على كل المستويات.

من هنا نرى أن خطوات الحل السياسي يجب أن تبدأ أو
تنطلق من قناعات الدولة (السلطة السياسية) بأن معادلة القوة والانتقام لم
تعد هي المعادلة الطبيعية والسليمة، وخصوصاً في ظل ما تشهده المنطقة من
تطورات، والتي تؤكد يوماً بعد آخر، أن المواجهات والمعالجات الأمنية قد
استنفدت أغراضها وتجاوزت زمن صلاحياتها، كما أن الدولة أصبحت أمام مسئولية
كبيرة بعد أن تعهدت للمجتمع الدولي بتنفيذ توصيات جنيف في مجال حقوق
الإنسان.

من رحم هذه القناعة؛ يجب أن يولد واقع سياسي جديد يتم من
خلاله إعادة صياغة شكل العلاقة السياسية، عبر عقد اجتماعي سياسي متوازن
يصلح مسار سفينة الوطن، ويوصلها إلى شاطئ الأمان والطمأنينة للجميع. ولن
يكون ذلك ممكناً دون صهر طاقات وكفاءات الشعب البحريني بكل مكوناته
السياسية والاجتماعية وليس عبر تدميرها ومحاصرتها، والانطلاق بعد ذلك إلى
آفاق الإصلاح السياسي والديمقراطي الحقيقي دون أية منغصات أو عقبات أمنية.

فالأزمة
هي في المقام الأول أزمة سياسية ودستورية وحقوقية، ولن تجدي معها كل
الحلول الأمنية، مهما اشتدت قسوتها أو طال زمنها وعظمت تضحياتها.

والبداية
كما أوضحنا، يجب أن تنطلق من تصحيح المعادلة السياسية الاجتماعية غير
المتوازنة في البلد، وفيما يخص القوى والأطراف السياسية الأخرى على مختلف
توجهاتها ومواقعها (موالاة أو معارضة) لابد أن تتولد لديها أيضاً قناعة بأن
أي حل سياسي وطني للأزمة ينبغي أن يحصل بالتوافق بين كل هذه الأطراف، وأن
أيّاً منها لا يستطيع أن ينتج أو يفرض حلاًّ سياسيّاً بمفرده.

ونقولها
بصدق وحرص لكل من يفكر بعقلية قلب الطاولة رأساً على عقب، بأن عليه أن
يغادر هذه العقلية وعدم التعويل على مثل هذا التفكير لأنه غير واقعي وأسير
للرغبات والأمنيات ولا شأن له بالواقع والوقائع على الأرض، وبالتالي ليس له
حظ من النجاح.

فالأمر يحتاج إذاً إلى نقطة تقاطع وسطية، مدخلها
الاتفاق على مبدأ الإصلاحات اللازمة والضرورية، وبما يحقق مطالب الناس
العادلة والمشروعة ويعيد لهم حقوقهم ويلبي طموحاتهم في شراكة سياسية
حقيقية، لكي لا تستمر هذه الأزمة مفتوحةً على الزمن وتجعل البحرين ساحةً
مكشوفةً لكل أشكال التدخلات الخارجية المرفوضة من قبل كل الحريصين
والخائفين على مستقبل البلد وعلى وحدته وسيادته الوطنية.

محمود القصاب
صحيفة الوسط البحرينية
اقرأ المزيد

الشلل السياسي ليس خياراً حسناً

الوضع الحالي مشلول سياسيّاً، وهذا له تبعاته الكثيرة على جميع
المستويات. الشلل السياسي ليس خياراً حسناً؛ لأنه يؤجل تحريك المياه في
الحياة السياسية بصورة إيجابية. إننا بحاجة إلى توجه الطاقات نحو التفاهم
الذي يلبي طموحات إصلاحية مشروعة، وبحاجة إلى أن نعي بأن تأجيل الحل
السياسي ربما يفيد على المستوى التكتيكي، ولكن مضاره الكثيرة واضحة للعيان،
بدليل أن تأزيم الأوضاع سرعان ما يعود إلى السطح ليُذكّر الجميع بأن ما
يحدث ليس مجرد أحداث أمنيّة تصدع الرأس، وإنما هي أعراض لحالة مزمنة.

من
المدهش جدّاً أننا لا نكاد نشعر بأننا خرجنا من مشكلة إلا ونرى البلاد
تعود إليها وكأن شيئاً لم يحدث، وسرعان ما تتبدد الآمال بشأن انفراج
الأوضاع مع الارتداد نحو الأساليب ذاتها التي أوصلتنا إلى طريق مسدود. هذه
الأساليب ربما تأتي للتعويض عن الشلل السياسي، ولكنها تأتي بخسائر على
المدى البعيد.

إن الإرادة العاقلة ترفض الأطروحات التمزيقية
والتخوينية والتشكيكية السائدة، وقطاعات واسعة من الناس ترى أنه لا بديل
حقيقياً للتعامل مع القضية السياسية التي نمر بها وجهاً لوجه إلا من خلال
النهج السياسي، وليس من خلال النهج الأمني الذي يصنف أيَّ معارض وكأنه مجرم
أو إرهابي يجب اعتقاله وإيداعه السجون. فالسجون تمتلئ بطريقة تمس سمعة
البلاد في كل مكان، ولاسيما أن حركة حقوق الإنسان الدولية لها وجهة نظر
مختلفة عن التفسير الرسمي، والمعركة ضد حقوق الإنسان خاسرة، ولا تنفع معها
أيّة بيانات تصدرها شركات علاقات عامة.

الحل المنشود هو الذي يؤسس
لتوافق فاعل وحقيقي لمختلف الآراء بحيث يمكن الخروج بخيارات تلتزم بالعهود
والاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان، ويكون أثرها واضحاً على مستوى الشارع
وعلى مستوى دوائر القرار، وبحيث نجد سبيلاً للحد من التنافر الحالي الذي
يثير الأوضاع بصورة غير حسنة. وعندما تتحرك الجهود في هذا الاتجاه يمكن
حينها أن نرى انخفاضاً في وتيرة القرارات والمواقف والتصريحات الحادة.

منصور الجمري
صحيفة الوسط البحرينية
اقرأ المزيد

تقرير الديوان على الأبواب… ماذا ستفعلون يا نواب؟ – عيسى سيّار

سيطالعنا ديوان الرقابة المالية الإدارية خلال الأيام المقبلة بتقريره
السنوي العتيد وللسنة التاسعة على التوالي. هذا التقرير الذي يدقق ويرصد
ويوثق الأداء الإداري والمالي للوزارات والهيئات واللجان الحكومية والشركات
التابعة لها حول مدى تطبيق الحكومة وأجهزتها والشركات التابعة لها
ومسئوليها أو مدى مخالفتها أو تجاوزها – أي الحكومة – للقوانين والأنظمة
واللوائح المعمول بها.

وسيتضمن التقرير كالعادة، مجموعة من المخالفات
والتجاوزات التي ارتكبها العديد من المسئولين في الدولة، والتي تؤشر على
التجاوزات غير القانونية على المال العام، وستعلن الحكومة وكالعادة رغبتها
الصادقة في التعاون وتنفيذ ما تضمنه التقرير، وحرصها على متابعة توصيات
تقرير الديوان العتيد من دون ذكر – وكالعادة – لآليات المتابعة، وما إذا
كانت المتابعة ستشمل مساءلة ومحاسبة المخالفين والمتجاوزين ومن استولى على
المال العام بغير حق!

وسيطلق نواب الشعب وكالعادة زوابع التصريحات
والخطب النارية وبالونات التهديد والوعيد بمحاسبة المخالفين والمتجاوزين
الفاسدين. تلك الخطب والتصريحات التي هي عبارة زوابع في فنجان، تنتهي
دائماً وأبداً وكالعادة في أحضان الحكومة. لقد قال لي ذات مرة أحد النواب
الذين يسمون أنفسهم بالمستقلين (ولا أعلم هم مستقلون عن ماذا!) عندما صدر
التقرير الثامن للديوان: ماذا أنتم فاعلون بالكم الهائل من المخالفات التي
ارتكبها المسئولون؟ فقال: لا نستطيع أكثر من أن نطلق التصريحات… يا أخي
من يقدر على الحكومة؟!

وستتبارى وتتباهى الصحف المحلية – وكالعادة –
في نشر تلك المخالفات والتجاوزات والغسيل الدسم، وبحسب مصالحها وقربها من
هذا المسئول أو ذاك! طبعاً، في ظل الحرية والشفافية التي يوفرها العهد
الإصلاحي وقانون الصحافة وتستغل بعض الصحف الفرصة للنيل من هذا المسئول أو
ذاك الذي لم يلبِ مصالحها! ولكن معظم هذه الصحف لا تذهب بعيداً، وكأنما
لسان حال صحفنا يقول إن في هذا البلد فساداً وهذا أمر طبيعي فهي ظاهرة
عالمية، ولكن لا يوجد فاسدون لأن الفاسدين موجودون على كوكب آخر!

وستلتقط
وكالعادة الصور وتقام حفلات العلاقات العامة حول عملية تسليم وتسلم
التقرير العتيد والإنجاز الخارق الذي حقّقه ديوان الرقابة، وسيقال إن
البحرين تسير في طريق الإصلاح ومكافحة الفساد، ولكن ماذا بعد حفلات
العلاقات العامة هذه؟ وما هو مصير المخالفات والتجاوزات للقوانين والأنظمة
التي ارتكبها مسئولون على رأس عملهم؟ أسئلة تحتاج إلى أن يجيب عليها أصحاب
الشأن.

أما المواطن المغلوب على أمره، سيفرح – وكالعادة – لمعرفة هذه
المخالفات التي ارتكبها المسئولون في الدولة، لأنها كشفت جزءاً يسيراً من
المستور، ولكن في الوقت نفسه سيتحسّر المواطن وكالعادة على ضياع الأموال
العامة أو الاستيلاء عليها من غير وجه حق. ولسان حاله يقول: لقد عرفنا
التجاوزات والمخالفات والفساد الإداري والمالي الذي أظهره التقرير العتيد،
ولكن هل لنا ولو لمرة واحده في حياتنا أن نرى مسئولاً واحداً تم تحويله إلى
النيابة العامة من قبل السلطة التنفيذية أو السلطة التشريعية؟ هل يا ترى
سنرى تفعيلاً للأدوات القانونية ضد من تجاوز وخالف واستولى على المال العام
من غير وجه حق؟ وبسبب اليأس الذي يعيشه المواطن حيث تواضع المنجزات
المعيشية على مدى عقد من الزمان وبسبب غياب المساءلة والمحاسبة للفاسدين،
سيتجه – وكالعادة – إلى ربه قائلاً: الشكوى لغير الله في هذا البلد مذلة!

إن
حجم التجاوزات التي أظهرتها تقارير ديوان الرقابة الثمانية من الكم والنوع
بمكان، إلى درجة أنك تشعر فيها بالغثيان والألم والحسرة. الغثيان من حجم
الملايين التي تم التلاعب بها أو إهدارها من قبل مسئولين، والألم والحسرة
جراء عدم مساءلة ومحاسبة من تسبب في ضياع أو إهدار المال العام أو استولى
عليه من غير وجه حق.

إن المواطن البحريني الذي ينتظر عقوداً من الزمن
للحصول على صدقة من الإسكان أو منحة معيشية من هنا وهناك، هذا المواطن
الذي ضربه اليأس في مقتل من إمكانية تحرك السلطة التنفيذية أو التشريعية أو
النائب العام لملاحقة ومساءلة ومحاسبة من تسبب في إهدار وضياع المال
العام… يتساءل وبحرقة: إذا خذلتنا السلطة التنفيذية وهذا شيء طبيعي لأنه
لا يمكن للحكومة أن تقر بأخطائها ومخالفات مسئوليها للقوانين والأنظمة، أي
لا يمكن أن «تطز عينها بصبعها» ولكن أين نواب الشعب؟ وأين الجهات القانونية
من التجاوزات والمخالفات الجسيمة التي يرتكبها المسئولون والتي ترقى إلى
جرائم والتي يقدمها لهم ديوان الرقابة على طبق من ذهب حتى يتحرك نواب الشعب
لاتخاذ ما يلزم لمساءلة ومحاسبة المخالفين والمتجاوزين؟ لماذا ينتظر نواب
الشعب الضوء الأخضر من جهة ما ليتحركوا؟ هل هم «ريبورتات» أم ماذا؟

أيها
النواب يا من انتخبهم الشعب إن كنتم حقاً تمثلون الشعب البحريني، استخدموا
أدواتكم في المحاسبة والتي تضمنتها لائحتكم الداخلية. اطلعوا على المادتين
(5) و (6) من اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد التي وقعت عليها مملكة
البحرين العام 2010.

وأخيراً… نناشد ملك البلاد وبصفته رأس
الدولة، وفي ضوء الصلاحيات الممنوحة لجلالته التي تضمنها دستور 2002 المادة
(33) من الفصل الأول، أن يوجّه جهات الاختصاص وأعني هنا النائب العام في
متابعة وتنفيذ نتائج تقارير ديوان الرقابة المالية والإدارية على مدى
السنوات الثماني الماضية والتقرير القادم من أجل مساءلة ومحاسبة ومعاقبة
المخالفين والمتجاوزين الذين خانوا القسم، وأساءوا استخدام الثقة
والصلاحيات الممنوحة، وأضاعوا أو استولوا على المال العام بغير وجه حق،
وحققوا ثراءً فاحشاً على حساب الشعب البحريني مهما كانت مناصبهم أو نسبهم
أو حسبهم.

إن الإصلاح السياسي والاقتصادي لا يستقيم حاله في ظل إفلات
المتجاوزين والمخالفين من المحاسبة والعقاب. إنه من بديهيات أية عملية
إصلاح حقيقية تطبيق مبدأ الشفافية والرقابة والمساءلة والمحاسبة والعقاب…
وإلا فإن الإصلاح يصبح مجرّداً من أي معانٍ أو قيم، ويصبح عملية شكلية
ديكورية بامتياز… فمن يرفع الشراع؟

عيسى سيار
صحيفة الوسط البحرينية
اقرأ المزيد

عشر سنوات على المحكمة الجنائية الدولية

يحتفل العالم هذا العام بالذكرى السنوية العاشرة على تأسيس المحكمة
الجنائية الدولية، وقد اختيرت مدينة نورينبيرغ بألمانيا مكاناً للاحتفال
لكونها شهدت أولى محاكمات جرائم الحرب للقادة النازيين بعد الحرب العالمية
الثانية في العام 1945.

وتأتي أهمية تأسيس المحكمة الجنائية الدولية
كونها مكملة للولايات القضائية الجنائية الوطنية وعلى ضمان الاحترام الدائم
لتحقيق العدالة الدولية في حال لم يستطع القضاء المحلي تحقيق المحاكمة
العادلة ومحاسبة موظفي ومسئولي الدولة الذين ارتكبوا انتهاكات في مجال حقوق
الإنسان، على غرار ما حدث مع محاكمات قادة يوغسلافيا السابقة ورواندا
وغيرها.

ورغم أن المحكمة لاتزال تواجه تحديات عدة لتحسين عملها، بما
في ذلك الحد من الوقت للوصول الى الحكم، وتحسين أدائها، وتطوير التعاون بين
الدول، إلا أنه مازالت هناك دول تتهرب من الانضمام إليها خوفاً من
المحاسبة، أو لاعتبارات أخرى تضعها. ومن بين هذه الدول الولايات المتحدة
الأميركية وإسرائيل والسودان.

أما الدول العربية فقد اعتمد الأردن في
العام 2002 نظام روما الأساسي في المحكمة الجنائية الدولية بسبب ضغط
الاتحاد الأوروبي الذي يربط مساعداته لأي دولة بمدى التزامه بحقوق الإنسان،
بينما اعتمدت تونس نظام روما بعد انتصار ثورة الربيع العربي فيها في العام
2011.

وحالياً تقود المسيرة الدولية لاعتماد نظام روما الأساسي
الدول الأوروبية وذلك للانضمام إلى المحكمة الدولية بما في ذلك فرنسا، وهي
تعد واحدة من أكبر الداعمين لها، معتبرة أن إنشاء المحكمة الجنائية الدولية
يعد «طفرة تاريخية» بالنسبة للبشرية في كل مكان، وخصوصاً أن المحكمة
الدائمة مسئولة عن الجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الإبادة الجماعية وجرائم
الحرب التي يجب ألا تمر دون عقاب.

لقد عقدت هذه الدول العزم على وضع
حد للإفلات من العقاب وعلى الإسهام بالتالي في منع هذه الجرائم، وإذ تذكر
بأن من واجب كل دولة أن تمارس ولايتها القضائية الجنائية على أولئك
المسئولين عن ارتكاب جرائم دولية، وتؤكد من جديد مقاصد ومبادئ ميثاق الأمم
المتحدة، وخصوصاً أن جميع الدول يجب أن تمتنع عن التهديد باستعمال القوة أو
استعمالها ضد السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي لأية دولة، أو على
أي نحو لا يتفق ومقاصد الأمم المتحدة.

وهو ما جاء في النظام الأساسي
للمحكمة الجنائية الدولية الذي يعرف بـ «نظام روما الأساسي»، الذي تشير
نصوصه إلى انه «لا يوجد في هذا النظام الأساسي ما يمكن اعتباره إذناً لأية
دولة طرف بالتدخل في نزاع مسلح يقع في إطار الشئون الداخلية لأية دولة، وقد
عقدت العزم، من أجل هذه الغايات ولصالح الأجيال الحالية والمقبلة، على
إنشاء محكمة جنائية دولية دائمة مستقلة ذات علاقة بمنظومة الأمم المتحدة
وذات اختصاص بالجرائم الأشد خطورة التي تثير قلق المجتمع الدولي بأسره».

ويحتوي
نظام روما الأساسي، الذي دخل حيز التنفيذ في العام 2002، بابين تضمّن
الأول مواد تخص إنشاء المحكمة الجنائية الدولية وهيكلتها وتنظيم سير عملها،
أما الباب الثاني فقد اهتم بـ «الاختصاص والمقبولية والقانون الواجب
التطبيق». وقد جاء في ديباجة نظام روما الأساسي، أن الدول الأطراف في هذا
النظام الأساسي «تدرك أن ثمة روابط مشتركة توحد جميع الشعوب وأن ثقافات
الشعوب تشكل معاً تراثاً مشتركاً. وإذ يقلقها أن هذا النسيج الرقيق يمكن أن
يتمزق في أي وقت. وإذ تضع في اعتبارها أن ملايين الأطفال والنساء والرجال
قد وقعوا خلال القرن الحالي ضحايا لفظائع لا يمكن تصورها هزت ضمير
الإنسانية بقوة».

كما جاء في نص الديباجة أن الدول الأطراف «تسلم بأن
هذه الجرائم الخطيرة تهدد السلم والأمن والرفاه في العالم»، و «تؤكد أن
أخطر الجرائم التي تثير قلق المجتمع الدولي بأسره يجب ألا تمر دون عقاب
وأنه يجب ضمان مقاضاة مرتكبيها على نحو فعال من ضمن تدابير تتخذ على الصعيد
الوطني وكذلك من خلال تعزيز التعاون الدولي».

من هنا، نجد ضرورة نشر
الثقافة القانونية الدولية في المجتمعات العربية التي تحظى بقائمة طويلة
من الانتهاكات والتعريف بجملة الاتفاقيات والبروتوكولات والمصادقة على
المعاهدات الدولية وغيرها لأنها تعد وقاية من الجرائم الخطيرة مستقبلاً،
لأن المنصب الرسمي لا يعفي المسئول من التتبع أمام القضاء الجنائي الدولي
في صورة ارتكاب جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية، من أجل إنصاف ضحايا
انتهاكات حقوق الإنسان.

ريم خليفة
صحيفة الوسط البحرينية
اقرأ المزيد

أَمِنْ بصيرة القلب تأتي الكتابة؟

ترى ايزابيل الليندي، أن
الكتابة تشبه عملية التدريب لكي يصبح المرء رياضياً. هنالك الكثير من
التدريب والعمل اللذين لا يراهما أحد لكي يكون الرياضي قادراً على
المنافسة. الكاتب بحاجة لأن يكتب كل يوم، تماماً كما يحتاج الرياضي
للتدريب. الكثير من هذه الكتابة لن يستخدم أبداً، ولكن من المهم القيام به.
لذا فإنها تنصح طلابها الشباب بأن عليهم كتابة صفحة واحدة جيدة كل
يوم، وفي نهاية العام سيكون لديهم على الأقل 360 صفحة جيدة، وهذا يشكل كتاباً.


ينبغي أن اعترف بأن هذه النصيحة استقرت في قاع ذهني، وكثيراً ما فكرتُ بأن
أعمل بها، وهي أن أكتب في كل يوم صفحة جيدة، أو أحسبها أنا جيدة، ليكون
عندي في نهاية السنة ما يُشكل كتاباً، ولعل في تسجيل اليوميات ما يحقق
الهدف، لكن ينقصني الجلد والمثابرة لكي أفعل ذلك، هذا إذا ضربتُ صفحاً عن
مشاغلي والتزاماتي الحياتية، فالليندي تمضي كل يوم بين عشر إلى اثنتي عشرة
ساعة وحدها في غرفة للكتابة، لا تتحدثْ مع أحد ولا تتلقى مكالمات هاتفية.
ومن خلال هذا التدريب اليومي الطويل والمضني اكتشفتْ الكثير عن نفسها وعن
الحياة. إنها تقوم بتسجيل ملاحظات طوال الوقت، وتحتفظ بدفتر في حقيبتها،
وحينما ترى أو تسمع شيئاً مثيراً تقوم بتسجيل ملاحظته، تأخذ مقتطفات من
الجرائد ومن أخبار التلفزيون، وتكتب قصصاً يرويها لها الناس.


وحين
تشرع في كتابة كتابٍ ما، تحضر كل تلك الملاحظات لأنها تُلهمها، ومن دون
تخطيط مسبق تبدأ الكتابة مباشرة على الكمبيوتر مُتبعة في ذلك إحساسها.
عندما تقوم بتطوير شخصية ما تبحث عادةً عن شخص يمكن أن يكون نموذجاً لها،
وإذا كان هذا الشخص حاضراً في ذهنها، يصبح من السهل بالنسبة لها أن تخلق
شخصية مقنعة. الناس، برأيها، مُركبون ومُعقدون وهم نادراً ما يظهرون كل
الجوانب المتعلقة بشخصياتهم، وعلى الشخصيات الروائية أن تكون كذلك أيضاً.


تقول إنه يراودها شعور أنها لا تخترع أي شيء، وأنها بطريقة ما تكتشف
أشياء موجودة هناك، ووظيفتها هي العثور عليها وإحضارها إلى الورقة، لأن
الإنسان حين يمضي ساعات عديدة متواصلة، كالساعات التي تمضيها هي، في الصمت
وحيداً، يصبح بوسعه أن يرى العالم. إنها تتخيل أن الناس الذين يتأملون
لساعات طويلة أو الذين يبقون وحيدين في مكان ما سينتهي بهم الأمر لسماع
أصوات وإبصار رؤى لأن الوحدة والصمت يخلقان الأرضية لذلك.


في الثامن
من يناير/ كانون الثاني عام 1981، وكانت في الأربعين من عمرها بالضبط، تلقت
مكالمة هاتفية تخبرها أن جدها الحبيب يحتضر، وبدأت في كتابة رسالة إليه
أصبحت فيما بعد روايتها الأولى: “بيت الأرواح”. منذ ذلك العام داومت على
العادة نفسها. في الثامن من يناير من كل سنة، الذي بات يوماً مقدساً لها
تحضر إلى مكتبها في الصباح الباكر وحيدة، توقد بعض الشموع للأرواح وعرائس
الإلهام تتأمل بعض الوقت ثم تشرع في كتابة الجملة الأولى لروايتها الجديدة
وهي في حالة من الغشية. إنها تتعاطى مع المشاعر، لذا فإنها معنية بتلك
الأشياء المهمة في حياة المرء، والتي لا تحدث إلا في الغرف السرية للقلب.


الغرف السرية للقلب!
كم بدا التعبير جذاباً بالنسبة لي، وهو، في صورةٍ من الصور، ذكرني بحديثٍ
مطول لجان بول سارتر عن سيرته الذاتية، فيه يلفت النظر إلى أن الكتابة تولد
بالتأكيد من الخفاء والسرية، وإذا حاول الكاتب إخفاء هذه السرية، فإن
كتابته ستكون برأي سارتر كاذبة، أما إذا حاول إعطاء لمحة عن هذه السرية في
محاولة لعرضها، فإن هذه الحالة تقترب من الشفافية. وما لم يقلهُ سارتر،
ربما لأنه فرنسي وعاش في فرنسا حيث الحريات واسعة، إن شفافية الكتابة حيال
القضايا العامة لا تتوقف على موقف الكاتب وحده، لأن موانع وكوابح الكتابة
الشفافة هي في الأغلب معطى موضوعي.


لا أعرف لماذا يمجد الناس العقل
ويزدرون نداء القلب.عندما يجري الحديث عن الذكاء فإن أول ما يتبادر إلى
تفكيرنا هو العقل وليس القلب. للقلب بالنسبة لمن يدعون بالعقلاء مكانة
دُنيا، أو لنقل إنها دون مكانة العقل، وحين تجري المفاضلة بين العقل
والقلب، فإن الانحياز، في الوعي السائد، هو للعقل. إذا أردنا أن نزجي
النصيحة لأحد، فإننا لا نقول له حكّم قلبك، وإنما نقول له حصرا: حكّم عقلك.


من سوء الحظ إن الحضارة المعاصرة تذهب سريعاً، أسرع ما نتصور، إلى الأرقام
والحاسبات الآلية والتنظيم المفرط الذي يطال حتى العواطف. شيئاً فشيئاً
يتجرد الإنسان من حيزه الروحي لمصلحة ما يدعى بالروح العملية. وتبشر مدارس
فلسفية عديدة بانعطاف جديد في حياة البشر، على أساسها تتوارى فضاءات الحلم
والعاطفة، التي بات ينظر إليها كما لو كانت مرحلة غابرة تمثل طفولة البشرية
وسذاجتها، رغم أن العواطف والانفعالات تقرر في حالات كثيرة مجرى المصائر
الفردية والعامة أكثر مما يفعل الذهن، من دون أدنى تقليل من أهميته.


إن
القلب، من حيث هو مستودع العواطف والمشاعر وميدان تمزقات الإنسان وأحلامه
وأوهامه، له بصيرة لا تقل أهمية عن بصيرة العقل. يمكن للقلب أن يكون دليلاً
للمرء في مواجهة عالمه الخارجي وفي علاقاته مع محيطه من البشر. ولصلته
بالمشاعر فإن القلب هو الأكثر تعبيراً عن رهافة الروح الإنسانية وعذوبتها
وشفافيتها، فيما العقل قد يقود لخراب. وحتى في الحالات التي يبدو فيها
الإنسان قاسياً فإن أول ما يرق فيه هو القلب.


باحثة أجنبية تدعى
“ايزابيل فيليوزات” أصدرت كتاباً حمل عنوان “ذكاء القلب”، فيه تقدم خلاصة
تجاربها ومعايناتها بصفتها أخصائية نفسانية، حيث تؤكد أن للغة العواطف
قواعدها، وتطالب بضرورة إعطاء دراسة العواطف والانفعالات مكانتها التي تليق
بها في مناهج التعليم، والكف عن الاستخفاف بالقلب بوصفه مصدرا للمعرفة،
وأساس هذه الدعوة هو أهمية السعي لتهذيب انفعالات الإنسان كي يصل إلى مرحلة
“النضج العاطفي” التي تجعله أكثر مقدرة على فهم عالمه الخاص وعوالم
الآخرين. احد علماء النفس يقول، فيما يُشبه الخلاصة، “على قلوبنا أن تعرف
عالم العقل وعلى عقلنا أن يتخذ قلباً واعياً كدليل له”.


* نشر في ملحق “شرفات” بجريدة عُمان اليوم الثلاثاء 2/10/2012
اقرأ المزيد

في مفهوم الوطنية والخيانة

لو تم تطبيق ما يريد الكتَّاب المتمصلحون غرسه في المجتمع عن طريق
التكرار الممل عن مفهوم الوطنية والخيانة على التجربة الإنسانية في نضالها
من أجل مجتمعات أكثر عدالة وتحرراً وديمقراطية، لكان جميع المفكرين
المصلحين، والثوار والمناضلين، والنشطاء الحقوقيين والسياسيين، قد تم وضعهم
في خانة الخيانة لأوطانهم، ولأصبح جميع المتسلطين والظُلاَّم وسرَّاق
المال العام ووعاظ السلاطين ومن يمارسون القتل والتعذيب، شرفاء يحمون
أوطانهم من المجرمين الذين يريدون شراً بالبلاد والعباد.

لو تم تخوين
كل من يعارض حكومة بلاده، ويطالب بالمزيد من الحرية والعدالة، لأصبح
نيلسون مانديلا الذي قضى معظم حياته في السجن لنضاله في سبيل إنهاء حالة
الفصل العنصري في جنوب إفريقيا، ومارتن لوثر كينج، الذي اغتيل بسبب مقارعته
التمييز ضد السود في الولايات المتحدة الأميركية، وغاندي، وتشي جيفارا،
ومحمد صادق الصدر، ومحمد البوعزيزي الذي أشعل الربيع العربي، وجميع الذين
دفعوا من دمائهم وحريتهم ثمناً لمجتمع أكثر عدالة من أكبر الخونة في
التاريخ، ولأصبح فرعون، ونيرون، والحجاج بن يوسف الثقفي، وهتلر، والقذافي،
وابن علي، وحسني مبارك، وغيرهم ممن أذاق شعبه صنوف الظلم والتنكيل من أعظم
الوطنيين المخلدين في التاريخ.

لو طبَّق ما يريده هؤلاء الكتَّاب على
تاريخنا البحريني من تفسير لمفهوم الوطنية والخيانة، لكان بلغريف، أكثر
وطنية من عبدالرحمن الباكر، وعبدالعزيز الشملان، وعبدعلي العليوات، وجميع
أعضاء هيئة الاتحاد الوطني، وخصوصاً أن هؤلاء قد تمت محاكمتهم وإدانتهم،
ونفوا للخارج بسبب مواقفهم، ولكان أيان هندرسون أشرف وأكثر حباً للبحرين من
سعيد العويناتي، ومحمد غلوم، والشيخ عبدالأمير الجمري، وعبدالرحمن
النعيمي، وأحمد الشملان، والآلاف من أبناء البحرين الذين قتلوا وسجنوا
وشردوا في المهجر على يديه.

لقد كان اتهام الوفد الأهلي المشارك في
جلسات مجلس حقوق الإنسان في جنيف بالخيانة من قبل البعض بسبب كشف الممارسات
الغير إنسانية التي مورست، سواء في أيام السلامة الوطنية أو ما بعدها،
متناسين أن اللجنة المستقلة لتقصي الحقائق برئاسة البروفيسور محمود بسيوني
كشفت الكثير من هذه الممارسات.

أذكر أنه بعد تقديم تقرير لجنة تقصي
الحقائق، أجريت مقابلة مع أحد كبار المسئولين في الدولة لإحدى وكالات
الأنباء الخليجية، وقد أسرَّ لي هذا المسئول بأنه بعد قراءة البروفيسور
بسيوني لكلمته أمام جلالة الملك، هاتفته زوجته إذ كان مسافراً للخارج، يقول
هذا المسئول: «إن زوجتي كانت تبكي بعد سماعها للكلمة، وتقول هل من المعقول
أن يحدث ما تحدَّث عنه بسيوني في البحرين، وهل من المعقول أن تصل حالة
الإنتهاكات إلى القتل والتعذيب في السجون؟».

للأسف إن ما تحدَّث عنه
تقرير لجنة تقصي الحقائق، كان واقعاً لا يمكن لأحد أن ينكره، وللأسف أيضاً،
إن ما تحدَّث عنه الوفد الأهلي في جنيف من استمرار الانتهاكات، حقيقة
مازال المواطنون البحرينيون يعانون منها، وأن كشفها للعالم، يدين من
يمارسها، لا من يطالب بإيقافها.

جميل المحاري
صحيفة الوسط البحرينية
اقرأ المزيد