المنشور

لكي لا يعاد إنتاج الأزمة

يصر البعض على أن الأزمة في البحرين ليست سوى خلاف طائفي، وأن الحل يكمن في حل الخلاف بين مكونات المجتمع. هذه النظرية أصبحت ملازمة لتصريحات عديدة بشكل واضح، علنيّ أحياناً، وضمنيّ أحياناً أخرى، وحتى جلسات الحوار الحالية التي بدأت في 10 فبراير/ شباط 2013 تم تأطيرها بهذه النظرية.

ولكن عندما يتم تأطير الأزمة في البحرين وكأنها خلاف طائفي، فإنها تتكرر، والمشكلة الطائفية تتعمق. إن النظرة الواقعية للأمور تختلف عن هذا الطرح، وهي نظرة تؤكد أن الأزمة في البحرين «سياسية» بامتياز، وأن الجوانب الطائفية، بما في ذلك التمييز الذي أصبح يفتخر به البعض، إنما يستخدم لمنع الحل السياسي.

نرى أن الذين يصرون على تأطير المشكلة على أساس طائفي – مجتمعي يصرون على وجوب حلها بين طوائف (مكونات) المجتمع بمعزل عن الدولة الماسكة بزمام الأمور، وأحياناً تصدر تصريحات توحي وكأن الدولة اعتزلت الحياة العامة وسلمتها لمن يود أن يزيد الطين بلة من خلال تعميق الخطاب الطائفي وتفريق المجتمع، وفصله عن بعضه ليس فقط في مؤسسات الدولة، وإنما حتى جغرافياً على الأرض.

التخندق الطائفي يأخذ منحىً جنونيّاً، إذ إن البعض يرى أن أي إصلاح سياسي، حتى لو كان متواضعاً، سيؤدي إلى ضياع ما لديه من منافع، وبالتالي فإنه لا يمكن أن يوافق على أية خطوة بهذا الاتجاه. تسمع أحياناً كلاماً جميلاً، مثلاً أنه لا توجد شروط للحوار، وقد تسمع أنه لا يوجد سقف للحوار، ولكن عليك أن تعلم بأن أي حل يجب أن يمرر بين مكونات المجتمع (الطوائف)، وأن كل شيء ممكن الاستجابة له شريطة أن «يلج الجمل في سم الخياط».

إن الطرح الواقعي يرى أن الأزمة «سياسية»، وأن الحل يجب أن يكون «سياسياً»، وهذا الحل السياسي هو الذي يجب أن يتقدم على كل الحلول الأخرى، سواء كانت تلك الحلول اجتماعية أو اقتصادية. وعلى أساس هذا الفهم، فإن الأفضل أن نتعامل بصورة واقعية، وإلا فإننا سنراوح في مكاننا، وقد نشهد إعادة إنتاج الأزمة بصورة متكررة.

اقرأ المزيد

التيار الديمقراطي … متى ينهض بدوره؟


إنتفاضة مارس 1965 المجيدة

في الشهر الماضي احتفلت القوى الوطنية الديمقراطية في البحرين بالذكرى 48 لإنتفاضة مارس 1965 المجيدة، التي توحدت فيها القوى التقدمية والقومية لأول مرة ضد الإستعمار البريطاني والرجعية، وهي الإنتفاضة التي اندلعت في مدن وقرى البحرين بسبب فصل شركة بابكو أكثر من 1500 عامل  على دفعات ، وشاركت فيها قطاعات واسعة من شعبنا: العمال والمثقفون والطلبة والمرأة، وسالت فيها الدماء الزكية في المحرق والمنامة والنويدرات، دماء وحدت بين أبناء الشعب من مختلف الفئات والطوائف، حيث لم جمع الكفاح ضد المستعمر أبناء شعبنا دون تفريق على أساس العرق أو المذهب أو الإنتماء، فكان شهداء شعبنا الأبرار في تلك الإنتفاضة الخالدة، عبدالله بونودة، عبدالله الغانم، فيصل القصاب، جاسم خليل، عبدالنبي سرحان، عبدالله سرحان، يمثلون كل الشعب في وحدة وطنية صلبة.

إن أهم ما علمتنا إياه هذه الانتفاضة المجيدة وما نحتاجه اليوم بشكل خاص هو ضرورة توحيد التيار الوطني الديمقراطي المعارض، بصفته القوة الوحيدة القادرة والمؤهلة على استنهاض الطاقات والإمكانيات الوطنية الكامنة لدى اعضاءه والشخصيات الوطنية مبعثرة الجهود، مما يتطلب اعطاء أهمية خاصة لتجميع تلك الطاقات والقدرات والاستفادة منها في العمل الوطني، أما المراوحة في المكان دون إتخاذ خطوات جريئة وشجاعة والتخلص من ذلك الوهم الذي لازال يعيق قيام التيار الديمقراطي ويعرقل الاعلان عنه “وهم التحالف الضرورة مع تيار الاسلام السياسي المعارض”.

وقد ضيعت فرص كثيرة لانجاز هذه المهمة، على الرغم من الرؤى والمرئيات التي قدمت من قبل أطراف التيار الديمقراطي في السنوات الأربع الأخيرة قبل أحداث 14 فبراير 2011، وما بعدها، ومن العديد من المقالات المطالبة بقيام التيار الديمقراطي، ومن اللقاءات والاجتماعات الثلاثية وغيرها، لأنها لم تسفر عن شيء يذكر على الواقع الملموس، ولا زال العديد من المراقبين في البحرين يتساؤلون: لماذا لا يتشكل التيار الديمقراطي، وهو التيار المعبر عن مختلف الفئات والشرائح الاجتماعية والعرقية والمذهبية، التيار الجامع والعابر للطوائف والقبائل والاعراق في تكوينه وفي ارتباطه التاريخي كامتداد للحركة الوطنية البحرينية منذ منتصف الخمسينات من القرن الماضي.

قيام التيار الديمقراطي في البحرين

قيام التيار الديمقراطي في البحرين والاعلان عنه، يعني بروز الطريق الثالث بعيداً عن الاصطفافات الطائفية والمذهبية التي مزقت الوطن وزادت الشرخ بعد أحداث 14 فبراير 2011، حيث ساهمت الدولة بكل مؤسساتها وأجهزتها الاعلامية والأمنية وغيرها، ومعها القوى الطائفية في تفكيك وتمزيق النسيج الاجتماعي لشعب البحرين ولا زالت تعمل في هذا المسار، بالرغم من مضي نحو شهرين على جلسات الحوار الوطني الذي بدأ في 10 فبراير 2013، حيث ليس من الواضح  ماذا سيخرج منه ولكن الذين مزقوا وفتتوا الوطن والشعب إلى قسمين، مستمرين في لعبتهم القذرة خوفاً على خسارة غنائمهم ومصالحم التي كسبت من الأزمة السياسية الحالية.

 منذ أكثر من نصف قرن شعب البحرين قدم تضحيات كبيرة من الشهداء والمعتقلين والمنفيين والمفصولين والمطاردين من أجل قيام الديمقراطية الحقيقية في البلاد، الديمقراطية التي تسود فيها المساواة والعدالة الاجتماعية وتحترم فيها حقوق الانسان والقانون، وأن يكون الجميع أمام القانون سواسية، والتوقف عن سياسة التمييز والتغيير الديمغرافي من خلال سياسة التجنيس السياسي التي تشكل خطورة على حاضر ومستقبل البحرين.

 إن قيام التيار الديمقراطي يعطي دفعة قوية للعمل الوطني، وللمعارضة بشكل عام، وليس المطلوب منه مناكفة أطراف المعارضة الأخرى اوالدخول معها في صراع هنا وهناك، حيث توجد العديد من القواسم المشتركة التي يستطيع من خلالها التيار الديمقراطي بصفته المستقلة التنسيق والتعاون معها ومع اي قوة  سياسية أو شخصيات وطنية في البلاد تعمل من أجل التحولات الديمقراطية وتعزيز الحريات العامة والشخصية في البحرين.

عرقلة قيام التيار الديمقراطي

بالرغم من وجود بعض الأطراف في المعارضة لا ترحب بقيام التيارالديمقراطي وتعمل بشكل أو باَخر على عرقلة الاعلان عنه، لحسابات خاصة، فهي تعرف جيداً ماذا تعني استقلالية القرار والرأي للقوى الديمقراطية بغض النظر عن حجمها الجماهيري في الشارع، وضعفها الراهن العائد لعدة أسباب ذاتية وموضوعية، حيث عملت الدولة في العقود الماضية وتحديداً في حقبة قانون الدولة السيء الصيت على توجيه الضربات القاسية والموجعة لقوى اليسار والديمقراطية في البحرين من تصفيات جسدية لبعض من أعضاءه، واعتقالهم لفترات طويلة، ومطاردتهم وفصلهم من العمل أو حرمانهم من الدراسة، فيما أضطر آخرون  من قادة هذا التيار وكوادره للعيش أكثر من ثلاثة عقود في المنافي، وكان لانهيار منظومة الدول الاشتراكية والاتحاد السوفياتي والتراجعات الخطيرة التي حدثت في بداية التسعينيات من القرن الماضي، اثره السلبي على القوى اليسارية والديمقراطية في البحرين والبلدان العربية، خاصة وأن ذلك ترافق مع صعود تيارات الاسلام السياسي في البلدان العربية والدعم المالي والمعنوي  الذي حصلت عليه من العديد من أنظمة الحكم مما ساهم في تقويته وازدياد نفوذه في المجتمع، قبل أن ينقلب على الأنظمة التي رعته.

فكرة الدولة المدنية الحديثة الديمقراطية

عندما يبشر التيار الديمقراطي بفكرة قيام الدولة المدنية الحديثة والديمقراطية، فانه يطرحها على أسس متينة وراسخة من خلال تداول السلطة وقيام المؤسسات الدستورية المستقلة ووجود الأحزاب السياسية المدنية ومنظمات وهيئات المجتمع المدني القوية القادرة على التصدي للقوى الرجعية والتخلف والردة في البلاد، وهذا يتطلب وجود قوى ديمقراطية قوية وموحدة في المجتمع فهي صاحبة المصلحة الأولى في الدفاع عن أسس ومبادىء الدولة المدنية الحديثة التي تؤمن بالتعددية السياسية والفكرية وتطلق العنان لحرية الراي والتعبير، بما في ذلك في وسائل الإعلام بكل تنوعاته، وتتعزز فيها الحريات العامة والشخصية، وتنتفي فيها مفاهيم الإقصاء وإلغاء الرأي الآخر، ومن اجل مجتمع يتسع لجميع أبناءه ويضمن حقهم في الحرية التامة في التفكير والإبداع، ويحمي التنوع والتعددية في الثقافات والأفكار وأنماط العيش، ولا يحجر على الأفكار والقناعات للأفراد والجماعات المدنية ولا تتأسس فيه محاكم التفتيش لتحاكم الرأي والفكر والثقافة.

وحسبنا هنا أن نشير إلى ما أكدت عليه وثيقة المراجعة النقدية للمنبر التقدمي التي أقرها المؤتمر العام السادس ل”التقدمي” حين قالت بهذا الخصوص:”إن نقطة الضعف الجوهرية التي يُعاني منها الحراك السياسي في البحرين خلال السنوات الماضية، والتي تجسدت بصورة بالغة في التحرك الأخير، هي غياب أو ضعف الدور المستقل للتيار الوطني الديمقراطي، بسب فشله في بلورة صيغة للعمل المشترك بين مكوناته المختلفة تميزها عن الأطروحات والمواقف الأخرى في المجتمع، وفق برنامج معبر عن القضايا المشتركة للشعب يعمل على دمج الهويات الفرعية في هوية وطنية جامعة، كرافعة للعمل في سبيل الديمقراطية وآفاق الحداثة والتقدم، ومحاربة الفساد المالي والإداري والعبث بالمال العام، ومن أجل حياة حرة وكريمة لكافة مواطني هذا البلد”.

وأكدت الوثيقة على “أن غياب هذه الصيغة التنسيقية للتيار الديمقراطي كان له أكبر الأثر في عدم وضوح الدور المستقل لهذا التيار، مما انعكس بدوره على موقف المنبر التقدمي نفسه، حيث لم يتبين المجتمع بصورة كافية الفروق الضرورية بين هذا التيار والتيارات الإسلامية المعارضة، في الخطاب وفي الأداء السياسي، رغم التجربة المُرة للانتخابات النيابية الأخيرة.”

كما دعت الوثيقة “كافة مكونات التيار الديمقراطي لمراجعة نقدية وشفافة في هذا الاتجاه، من أجل بلورة رؤية مستقلة لها في إطار المعارضة، تشكل بديلاً جامعاً لكل الرافضين للخيارات الطائفية وحملات التحشيد المذهبي وبث أجواء الكراهية، ولن يتم تحقيق ذلك إلا بالعودة لتراث وتقاليد الحركة الوطنية التي نجحت في حشد وتعبئة الشعب بكافة مكوناته في النضال الوطني والديمقراطي، والبدء الفوري بوضع الخطوات العملية الكافلة لوحدة هذا التيار، واستعادة دوره الطليعي في أوساط الجماهير البحرينية”.

فهل تستلهم قوى التيار الديمقراطي، هذه الروح وتعمل على أن ينهض التيار الديمقراطي موحداً في البحرين، أم يظل  واضعاً رأسه في الرمال مثل النعامة.
 
 

اقرأ المزيد

الهجمات على الحريات النقابية – إرنست ماندل

 تمثل حرية العمل النقابي المكسب الرئيسي للطبقة العاملة في إطار المجتمع البرجوازي، مكسبا حال تطبيقه دون تدهور العمال إلى مستوى كثلة مذررة من الأفراد العاجزين بوجه القوة الاقتصادية والسياسية الهائلة لأرباب عمل يستفيدون من كل “قوانين السوق”. تم انتزاع هذا المكسب في حقبة كانت ثقة البرجوازية في نفسها، وفي استقرار سلطتها و مستقبل نظامها، كافية لقبول رهان ألا يضع النضال من أجل رفع الأجور موضع تساؤل نظام العمل المأجور، بل على العكس أن يعززه. عكَس صعود الحركة النقابية في كل البلدان الإمبريالية، خلال “العصر الذهبي” للإمبريالية في مرحلة 1890-1914، قدرة البرجوازية الإمبريالية على منح تنازلات حقيقية للطبقة العاملة، لا سيما بفضل تدفق الأرباح الاستعمارية الفائضة المسلوبة من بروليتاري وفقراء فلاحي البلدان المستعمرة وشبه مستعمرة. تغير هذا الوضع التقليدي للعمل النقابي مع بداية عصر انحدار الرأسمالية (اندلاع الحرب العالمية الأولى). أولا كانت أزمة النظام، خلال أطوار مديدة، بلغت حدا تقلصت معه اكثر فاكثر القاعدة المادية لمنح إصلاحات جديدة للعمال. ولم يمكن إنعاش مستديم لتراكم الرأسمال في تلك الأطوار سوى بخفض مستوى عيش الطبقة العاملة، حتى بالبلدان الإمبريالية، وهو ما يفسر الاندفاع صوب أنظمة فاشية أو شبه فاشية مؤدية الى تدمير كلي لحرية العمل النقابي. ثم في لحظات أخرى، تواصل النمو الاقتصادي، وبوثيرة متسارعة أحيانا، لكن ذلك كان مقابل تضخم دائم وتبذير كبير للموارد المادية ( إنتاج الأسلحة!)، واستغلال مفرط للطبقة العاملة( تسريع وتيرات العمل)، ورفض تلبية الحاجات الجديدة التي استثارها تطور قوى الإنتاج نفسه ( نقص تطوير التجهيز الاجتماعي والحاجات الاجتماعية). في تلك الشروط، لا يستقر النظام على توازن متقلب جدا إلا بفضل تدخل متنام للدولة في الاقتصاد الرأسمالي، بمضاعفة آليات ضمان دولاني لأرباح الرأسماليين(الأرباح الاحتكارية الفائضة في المقام الأول). يؤدي هذا، بوجه خاص، إلى ميل نحو التخطيط الاقتصادي على المدى المتوسط داخل التروستات الاحتكارية الكبرى، وإلى ميل نحو البرمجة الاقتصادية على المدى المتوسط داخل الدول البرجوازية، اللتين تفرضان معا إكراهات قاسية على حرية التفاوض حول الأجور. تشتد اكثر هذه الإكراهات بادعاء الحكومات البرجوازية « محاربة التضخم» باعتماد « سياسة دخل» تعني في الحقيقة « لائحة الأجور المعتمدة» الوحيدة والفريدة. أي محاولة منهجية لتقليص حرية العمل النقابي في انتزاع زيادات في الأجور أتاحها ظرف ملائمة نسبيا لبائعي قوة العمل. هكذا أصبحت الحريات النقابية مهددة في ظل شكلي السلطة البرجوازية، الشكل الديكتاتوري والشكل الديموقراطي البرلماني الآفل، حيث يطبع “التناوب” مرحلة انحدار الرأسمالية. وهي مهددة بالزوال التام حين تأخذ الديكتاتورية شكل فاشية أو شبه فاشية. وتكون مقلصة بشكل متفاوت الوضوح حتى عند استمرار قاعدة مادية لبقاء الديموقراطية البرلمانية البرجوازية. يتزايد تنافي بقاء الرأسمالية وبقاء الحرية النقابية. هذه أول خلاصة يتعين صوغها، إنها تطبيق خاص لقاعدة أعم: ان بقاء النظام الرأسمالي، الواقع في أزمة بنيوية شاملة، يهدد، بجلاء متزايد، كل الحريات الديموقراطية الجزئية التي انتزعتها الجماهير في مرحلة صعود هذا النظام وذروته. العمل النقابي الحر هو تنظيم حر بين أجراء أو ذوي الرواتب(بائعي قوة العمل) بقصد التفاوض الجماعي حول ثمن قوة العمل وشروط استهلاكها من طرف الرأسمال. إنه إذن تنظيم للدفاع عن مصالح الأجراء دون غيرهم. ويمكن القول عموما إن الرأسمالية، حتى المزدهرة والقوية، لن تقبل عملا نقابيا حرا من هذا القبيل إلا عندما يكون عمل أقلية أو ضعيفا نسبيا( مثلا عمل نقابي مقتصر على قطاعات العمال الأكثر تأهيلا). عندما يتعلق الأمر، عكس ذلك، بعمل نقابي جماهيري للأكثرية، يستقطب أغلبية قطاعات الطبقة العاملة والأغلبية في كل قطاعات الحياة الاقتصادية والاجتماعية، حيث يوجد العمل المأجور، فإن ظهوره كتنظيم لخدمة أعضائه حصرا يتواجه بشكل متنام مع بقاء الاستغلال الرأسمالي نفسه، أي بقاء النظام الرأسمالي. آنذاك يميل تعارض المصالح، التي لا توفيق بينها، بين الرأسمال(بما في ذلك دولته) والعمل، إلى الظهور يوميا في جميع مناحي الحياة الاجتماعية، لان الطبقة العاملة ستستمد من هكذا نمو لقدرتها المنظمة إحساسا بالثقة المتنامية في نفسها و بقوتها الطبقية. وستضغط حتما بهذا الإحساس على كل علاقات الاستغلال والاضطهاد والتفاوت التي تميز المجتمع البرجوازي في كل مجالاته. هذا ما يجعل تعارض حركة نقابية قوية وأكثروية داخل الطبقة مع بقاء النظام الرأسمالي، حتى في شروط اقتصادية ملائمة نسبيا للبرجوازية، يتجلى في حقبة انحدار الرأسمالية في ميل ثابت لتقليص الديموقراطية النقابية، وتقليص الطابع الحر للعمل النقابي. وليست ممارسة التعاون والتوفيق الطبقيين من طرف البيروقراطيات النقابية مجرد «انحراف أيديولوجي» من جانب إصلاحيين وإصلاحيين جدد، يعكس في آخر التحليل الامتيازات المادية لتلك البيروقراطيات داخل مؤسسات الديموقراطية البرلمانية البرجوازية. إنها شروط لازمة لإبقاء حد أدنى من استقرار المؤسسات البرجوازية واستمرارها. تعمل البيروقراطية النقابية ككابح لنشاط الأجراء والمنظمين بالنقابات، ولحرية العمل النقابي، وذلك عبر ألف شكل من اتفاقيات التوفيق والتعاون الطبقيين: بواسطة خلق أشكال عديدة من لجان « التشاور» الثنائي(أرباب العمل والنقابات) أو الثلاثي(أرباب العمل والنقابة والدولة). ولا يمكن للبيروقراطية أن تفعل ذلك سوى بخنق الديموقراطية النقابية، وبتقييد متزايد الحدة لحق أعضاء النقابات في تقرير حر لموقف النقابة من كل «مستجد» بالوضع الاقتصادي والاجتماعي. يؤدي الدمج المتنامي للبيروقراطيات النقابية في الدولة البرجوازية ،على نحو حتمي، الى تقييد الديموقراطية النقابية وحرية العمل النقابي، ويقوض حتما الحريات النقابية؛ هذه ثاني الخلاصات الواجب صوغها. يستحيل أن تعمل النقابات كأدوات دفاع حازم عن مصالح أعضائها وفي ذات الوقت كمنظمات للتوفيق بين مصالح الرأسمال ومصالح العمال(أو أن تكون أداة إيصال «التحكيم» الذي تقوم به الدولة البرجوازية بين مجموعتي المصالح هاته غير القابلة للتوفيق). ليس بوسعها القيام بالدور الثاني إلا بتشويه الدور الأول والتخلي المتنامي عنه. يستخلص من هذا التحليل بجلاء موقف الثوريين من مستقبل العمل النقابي. فهم يرفضون أطروحة اليسارويين الانهزامية التي مؤداها حتمية تدهور وزوال العمل النقابي المكافح ،وبالتالي الدمج النهائي للنقابات في الدولة البرجوازية. لا يمكن لهذه الميولات، القائمة والتي تظهر بقوة، أن تنتصر إلا إذا عاينت الطبقة العاملة بسلبية مديدة فقدان وسيلة دفاعها الوحيدة عن مصالحها المادية اليومية في مواجهة الرأسمال بطريقة فعالة، أي بطريقة جماهيرية منظمة. دلت التجربة أن لا أساس لهكذا فرضية كارثية حيال طبقتنا. فالواقع المادي والمصلحة الاقتصادية والوعي الدوري بهذه المصلحة أقوى على المدى البعيد من كل مناورات البيروقراطية وقمعها. إن التمرد الدوري والجماهيري للعمال، بمن فيهم المنظمين بالنقابات، ضد التقييد المتصاعد للحريات النقابية وضد محاولات مسخ النقابة وتحويلها من أداة دفاع عن مصالح العمال إلى أداة إيصال السياسة الاقتصادية والاجتماعية للدولة البرجوازية، أمر حتمي. وتلك ثالث خلاصات التحليل. يتمثل واجب الثوريين في تبوأ مقدمة هذا التمرد بجرأة، وصياغة أكثر المقترحات انسجاما و دينامية في الدفاع عن الحريات النقابية والعودة إلى العمل النقابي المكافح، والنضال من أجل إعادة إرساء وتوسيع الديموقراطية النقابية كوسيلة لا غنى عنها لتعزيز النقابة، وقاعدتها الجماهيرية وقوتها الضاربة ضد أرباب العمل وضد الدولة البرجوازية. التصدي الفعال للمس بالحرية النقابية، والنضال من أجل عمل نقابي مكافح، في خدمة الأجراء حصرا، والنضال من أجل الديموقراطية النقابية (التي قد تشمل البحث عن أشكال تنظيم وأنظمة جديدة تتيح ضمان افضل لرقابة الأعضاء على النقابات): هذه هي المهام الثلاث للثوريين في الفترة الحالية، مستخلصةً من تحليل مكانة النقابات في المجتمع الرأسمالي المنحدر

1- ضد اتفاقات طويلة المدة وضد بنود «السلم الاجتماعي»

تستتبع ممارسات «البرمجة الاقتصادية والاجتماعية» ضغطا ثابتا من التروستات الكبرى والحكومات البرجوازية لأجل «برمجة الأجور» و «تكاليف الأجور». ومن ثمة ميل أرباب العمل والدولة البرجوازية إلى فرض مدد طويلة جدا للاتفاقيات الجماعية، وبنود تجبر النقابات على «احترام السلم الاجتماعي» (أي الامتناع عن كل نشاط مطلبي، وعن كل وقف منظم للعمل، وعن كل اعتراف بالإضراب) خلال مدة الاتفاقية. هذه البنود مخالفة لطبيعة العمل النقابي الحر نفسها. وحتى في القانون البرجوازي الجاري، يحتوي دوما كل عقد على بند يحدد شروط الفسخ. لن يقبل أي تاجر أو صناعي رأسمالي توقيع عقد لا يسمح، بأي شرط، بفسخه. ان فرض اتفاقيات من هذا القبيل على الحركة النقابية يعني إجبارها على خنق مبرر وجودها وكذا الحرية الأساسية لأعضائها. إن نقابة مجبرة على رفض الاعتراف بإضراب تقوم به أغلبية أعضائها لن تكون معادية صراحة للديموقراطية وحسب، بل ستكون أيضا مرغمة على اقتراف إساءة ائتمان مالي حقيقي برفض تمكين أعضائها من صناديق المقاومة التي تعود لهم. إذن يستدعي الدفاع عن الحريات النقابية محاربة كل ميل الى تطويل مدة الاتفاقيات الجماعية، ورفض تضمين الاتفاقيات أي بند حول « احترام السلم الاجتماعي». يجب أن يكون أعضاء النقابات أحرارا في فسخ كل اتفاقية جماعية كأي اتفاق تجاري آخر. وفور فسخ مثل هذا الاتفاق، يجب أن يكون لدى أعضاء النقابات الحق في استعمال كل القوة المنظمة للنقابة، ومنها القوة المالية، للدفاع عن مصالحهم، بما في ذلك تمويل الإضراب. يتم الاعتراض أحيانا بحجة تناقض هذا الموقف مع ما توليه الحركة العمالية تقليديا للتخطيط الاقتصادي، وللنضال ضد «الفوضى الرأسمالية» من أهمية. إنها في الواقع حجة سفسطائية. فالعمال يحاربون الفوضى الرأسمالية التي يعانون نتائجها بالسعي الى استبدالها بالتخطيط الاشتراكي الذي يتيح وضع الاقتصاد في خدمة تلبية حاجات الجماهير الكادحة. لكن هذا يستدعي إلغاء الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج وزوال الاقتصاد الرأسمالي، وإلغاء المنافسة و اضطلاع العمال المنظمين في مجالس بالسلطة الاقتصادية والسياسية. ليست «البرمجة الاقتصادية» الرأسمالية سوى تقنية لتخفيف آثار الفوضى الرأسمالية دون قدرة على إزالتها، وتقنية لسير أفضل لاستغلال الرأسمال للعمل. وتبقى مبنية على نظام الربح والتملك الخاص. وما ثمة من مبرر لتضحية العمال لصالحها بالدفاع عن مصالحهم الخاصة، بينما يستعملها أرباب العمل بالضبط بقصد التقدم على نحو افضل تنظيما في الدفاع عن مصالحهم.

2- ضد كل تقييد لحق الإضراب وضد العقاب المالي للنقابات

يستتبع رفض كل بند «سلم اجتماعي » في الاتفاق حول الأجور رفض كل تشريع «يقنن» وبالتالي يقيد حق الإضراب. إن حق الإضراب هو الحق المادي الفعلي الوحيد الذي تتمتع به الطبقة العاملة في ظل النظام الرأسمالي. إن ما يميز العامل المأجور عن العبد هو قدرته على رفض العمل بشروط أو بأجور يعتبرها غير مقبولة. لا يمكن الاعتراف بهذا الحق الأولي لعامل فرد ورفضه للعمال كجماعة. لهذا يجب فضح كل تشريع يسعى الى تقنين، وبالتالي تقييد، ممارسة حق الإضراب بما هو نيل من حق العمال في وقف العمل عندما تبدو لهم الشروط غير مقبولة، أي بما هو خطوة اتجاه إرساء العمل القسري. ان التقنين الذي ينص على «التجنيد المدني» لعدة شرائح من العمال، أي إجبارية العمل ولو بأجور يعتبرونها غير مقبولة، في «ظروف أزمة»، يكشف بجلاء هذا التطور الحاصل في النظام الرأسمالي. ويسقط مرة أخرى القناع عن طبيعة الدولة البرجوازية بما هي راعية لمصالح طبقة ضد أخرى. ما هي إذن الدولة البرجوازية التي قد ُتقدم، بعد أزمة البترول الحالية،على سن قانون يرغم أرباب العمل على توفير وبيع منتجات بأسعار ثابتة في أوقات «الاضطراب الاقتصادي» هذه، خدمة «للمصلحة العامة» وبغض النظر عن سعر الكلفة والأرباح المرتقبة ؟ لماذا يمكن إجبار مالكي سلعة دون غيرها، قوة العمل، على بيعها باستقلال عن شروط إعادة الإنتاج المتغيرة فجأة (خاصة بفعل التضخم!)؟ يعني رفض كل تقنين و كل تقييد لممارسة حق الإضراب بشكل خاص ما يلي :

رفض كل إجراءات تفرض على العمال «فترات انتظار» أو «مصالحة إجبارية» قبل التمكن من اتخاذ قرار وقف العمل. الإضراب سلاح للنضال، لذا فإنكار حق العمال في عنصر المفاجئة إضعاف كبير لمفعول هذا السلاح ورفض لاستعماله إلا بعد السماح لأرباب العمل باتخاذ الإجراءات المسبقة بقصد أقصى إبطال للمفعول الاقتصادي للإضراب. الأمر شبيه بإصدار مرسوم يقضي بأن لا حق لأي منشأة صناعية وأي متجر في رفع أي من أسعاره دون سابق إعلام للزبائن مدته أربعة أسابيع، ومعلن في الجرائد وملصق بوضوح على الواجهات!

رفض كل تشريع يفرض على النقابات غرامات مالية بسبب «تعسف» في استعمال حق الإضراب أو «إخلال بالتزام السلم الاجتماعي» أو بسبب أي ممارسة للحرية النقابية. توجد مثل هذه التشريعات بالدول الاسكندنافية وفي جمهورية ألمانيا الفدرالية. وتتسرب تدريجيا إلى دول بنيلوكس. وحاولت حكومة المحافظين إدخالها الى بريطانيا. إنها تمثل تهديدا خطيرا جدا للحرية النقابية، لأنها ترهن إحدى أسلحة النقابة الأساسية: صندوق مقاومتها المالية.

——————————————————————————–

3- ضد التحكيم الإجباري، وضد تدخل الدولة في شأن النقابات الداخلي

تتمثل إحدى التقنيات المستعملة عادة من طرف الدولة في عصر انحدار الرأسمالية، بقصد تقييد حرية العمل النقابي، في إرساء نظام تحكيم إجباري. يتعلق الأمر بوسيلة جلية لثني العمال عن استعمال سلاح الإضراب. فمدة سريان التحكيم والمصالحة ستفك تعبئة العمال وتتيح لأرباب العمل والدولة اتخاذ كافة الإجراءات اللازمة لنسف فعالية الإضراب. وفي نهاية المطاف، إذا فشلت المصالحة، سيفرض التحكيم الإجباري على «الشركاء الاجتماعيين» حلا يكون، في 99 % من الحالات، مضادا لمصالح العمال. جلي أن التحكيم الإجباري يضر بشكل أساسي بحرية ممارسة حق الإضراب، لأن النقابات ملزمة بتطبيقه، حتى ولو طالبت أغلبية أعضائها بالإضراب. لذا يجب رفض اعتماده أيا كانت شروط سعي البرجوازية وخدامها الى جعله مغريا. وتسير في نفس اتجاه التحكيم الإجباري كل الممارسات وكل التقنينات التي تتيح للدولة التدخل في الشؤون الداخلية للنقابة ومنها: <br>الممارسة المتمثلة في تنظيم الدولة-أو أي طرف آخر خارج النقابة- لاستشارة أعضاء النقابة بقصد استبيان موافقة أغلبية الأعضاء على القيام بالإضراب أو مواصلته. <br>الممارسة المتمثلة في تقنين الدولة لكيفيات تلك الاستشارة: إما باستفتاء مكتوب وسري أو بالجمع العام؛ بأغلبية نسبية أو بأغلبية الثلثين ، و برقابة المنظمين نقابيا وحدهم أو برقابة « أعوان قضائيين» أو أي ممثل آخر للدولة البرجوازية، الخ. كل هذه الممارسات منافية للحرية وللديموقراطية النقابية. ولا تخدم سوى هدف وحيد: منع العمال من استعمال سلاح الإضراب وفق مشيئتهم، ومنعهم من استعمال التنظيم النقابي للدفاع حصرا عن مصالحهم الخاصة، وكبح النضال العمالي الكفاحي، وعرقلة تطور الوعي الطبقي وتعتيمه. لذا يجب منع الدولة من إدخال مثل تلك الإجراءات حيث لا توجد بعد، والنضال من أجل إلغائها حيث توجد، وفي كل الحالات رفض الخضوع لها. النقابات أداة في خدمة أعضائها. ولا يحق لأي طرف آخر التدخل في شؤونها الداخلية. تنكشف وقاحة خدام الدولة البرجوازية وتحيزهم بشكل خاص عند فحص نوع «النظام الداخلي» الذي يسعون لفرضه على النقابات في ما يتعلق بالإضراب و إبرام اتفاقيات حول الأجور. هكذا، بينما يفرض التشريع البرجوازي أغلبية 66.6 % من أصوات أعضاء النقابات شرطا لصلاحية التصويت على قرار القيام بالإضراب ، غالبا ما يفرض في الوقت ذاته مبدأ كفاية نسبة 50.1% من الأصوات، وحتى 32.3% من أعضاء النقابات، لصلاحية اتفاق فاوضت بشأنه القيادة النقابية. يا لها من وقاحة بالغة: تسعى البرجوازية، في بعض الدول، الى فرض استفتاء إجباري عند العزم على الإضراب، لكنها ترفض في الوقت ذاته الاستفتاء بشأن نتائج المفاوضات حول الأجور. انه اعتراف صريح، لا استزادة فيه، أن لا هدف لكل هذه التقنينات غير تعسير اندلاع النضالات العمالية، أي غير خدمة مصالح أرباب العمل.

4- ضد المس باشتغال حواجز حراسة الإضراب PIQUETS DE GREVE

لا يمكن أن تشتغل الحرية النقابية والممارسة الحرة لحق الإضراب كما ينبغي إلا إذا امتلكت أغلبية العمال الوسائل الفعالة لاقتياد كافة رفاق العمل الى وقف العمل في آن واحد. طبعا، يمثل الإقناع ووعي المصلحة المشتركة الوسائل الأكثر فعالية في هذا المضمار. لكن عمال منشأة ما، أو فرع صناعي معين، لا يبلغون نفس درجة الوعي في ذات الوقت. وبإمكان أرباب العمل والدولة البرجوازية استعمال انقسامات عديدة تظل قائمة داخل الطبقة العاملة: اختلاف الآراء السياسية أو الفلسفية، والفروق الإثنية أو العرقية، وفروق الجنس أو السن والفروق الإقليمية، وتباين المهارات، واختلاف الأصل الاجتماعي والوضع العائلي…الخ. لهذا، علاوة على الإقناع الشفوي أو المكتوب، وعلى القبول الإرادي لقرار الأغلبية المتخذ بديمقراطية في جمع عام، تضطر الحركة النقابية والنشاط العمالي الى اللجوء إلى الإقناع عن طريق الفعل. هكذا، يرمز حاجز حراسة الإضراب إلى قوة قرار الأغلبية، ويبين على نحو عملي وواقعي ما يعني لأقلية أن تتعارض مع قرار أغلبية رفاقها في العمل، فلا غنى عن حاجز حراسة الإضراب من أجل ضمان فعالية الوقف الكلي للعمل. أبان العمال بوضوح، خلال السنوات الأخيرة، عن وعيهم بالاستعمال متعدد الأوجه لسلاح حاجز حراسة الإضراب: ليس لمراقبة مداخل للمنشأة وحسب، بل لمراقبة كل سبل تداول السلعة، ليس فقط فلمنع دخول كاسري الإضراب إلى المنشأة، بل أيضا لمنع السلع التي من شأنها إلغاء الأثر الاقتصادي للإضراب؛ وإقامة حواجز في الأزقة لمنع مرور كاسري الإضراب أو «السلع المهربة»؛ ومقاومة التهديدات بإغلاق المصانع وتدخلات البوليس القمعية،الخ. ترافق الانبعاث المدوي للنضالات العمالية مند ماي 68 بفرنسا مع الظاهرة المهمة المتمثلة في حواجز حراسة إضراب جماهيرية، شارك فيها آلاف العمال. وكان حاجز حراسة الإضراب بمحطة توليد الكهرباء في Saitley في Birmingham خلال إضراب عمال المناجم سنة 1972 ببريطانيا، وحاجز حراسة الإضراب إبان الإضراب الأخير بمصانع فيات بتورينو Turin بايطاليا، من الأمثلة الأكثر إثارة للإعجاب. تعي البرجوازية ذلك جيدا. وتسعى الى أقصى تقليص له، وحتى الى حد المنع الصريح لاستعمال حواجز حراسة الإضراب، بالتصويت على قوانين عديدة مناهضة للإضراب. تلك كانت حالة بلجيكا إبان الإضراب العام لسنة 1960-1961 . وحالة القانون «ضد المخربين» بفرنسا، وكذا قانون العلاقات المهنية l’Industrial Relations Act في بريطانيا. يجب على العمال والنقابات أن يتصدوا بعزم لكل القوانين الآثمة من هذا الصنف. فحق الإضراب دون حق تشكيل حواجز حراسة الإضراب واستعمالها بحرية أشبه بسكين بلا شفرة، وحق موضع تساؤل، مقوض ونصف مغتصب. يمر الدفاع عن الحرية النقابية عبر الدفاع الحازم عن حواجز حراسة الإضراب وعن عملها. يتجه قمع الدولة البرجوازية المستهدف بشكل خاص لحواجز حراسة الإضراب المتنقلة نحو قمع جنائي متنام لـ« قادة» تلك الحواجز وانشط المشاركين فيها، كما حدث عند اعتقال عمال البناء البريطانيين في Shrewsbury ، والحكم عليهم بالسجن، لأنهم شاركوا في حواجز حراسة إضراب. إن انتزاع كل الرفاق المحكوم عليهم بالسجن لمشاركتهم في الحواجز وإلغاء كل تشريع يسمح بمثل تلك الأحكام، مسألة حيوية للطبقة العاملة والحركة النقابية.

5- ضد تسريح المندوبين والمناضلين العماليين الكفاحيين

أثار تجدد النضالات العمالية، في طور أول، تعارضا متناميا بين مسار التوفيق والتعاون الطبقيين للأجهزة النقابية من جهة، والنشاط المتنامي المتجذر أكثر فأكثر لقسم من مناضلي القاعدة(مندوبين…الخ) من جهة أخرى. وتسعى البرجوازية، وعيا منها بدور هذه الطليعة العمالية الأساسي داخل المنشآت والنقابات، لتركز عليها كل غضبها وكامل قوتها القمعية. إن تسريح مندوبي القاعدة النقابيين والعمال الكفاحيين هي الممارسة الأوسع استعمالا لبلوغ هذا الهدف. يمثل استعمال سلاح التضامن الواسع مع الرفاق المستهدفين واجبا أوليا للحركة العمالية. ويشكل هكذا تضامن الشرط الأساسي للدفاع على حرية النقابة وسلامتها. ستتلاشى القوة النقابية، بل ستندثر إذا أمكن لرب العمل أن يطرد، بلا عقاب، المناضلين النقابيين المرموقين، الذين وضعهم التصويت ودعم رفاقهم في العمل في مقدمة النضال. في هذه الشروط سيستحضر العمال الآخرون ذلك مرارا قبل الانخراط بحزم في النضال النقابي. لذا يجب على العمال أن يسعوا بكل الوسائل لينتزعوا، بواسطة العمل التضامني الواسع والجريء، إعادة دمج المناضلين العماليين المطرودين من طرف رب العمل. ان مثال عمال صناعة الزجاج في شارلوروا Charleroi الذين وضعوا أجلا لصاحب منشأة صغيرة Multipane ليرجع مناضلا الى عمله وإلا أضرب عمال كل مصانع القطاع مع احتلالها، ثم تنفيذهم فعلا لهذا الإضراب مع الاحتلال، مثال يجب التعريف به والاقتداء به في كل مكان.

6- ضد عصابات الرأسمال المسلحة و« مليشيات ارباب العمل» الخاصة وضد تقييد حرية العمل النقابي داخل المنشآت

لم تلجأ البرجوازية، بوجه تجدد قتالية العمال في أوروبا الرأسمالية، إلى جهود التحكم الإصلاحي والإصلاحي الجديد وحسب، بل لم تتردد أبدا في استعمال أسلحة عنيفة بجلاء اكبر. على هذا النحو خلق أرباب العمل بفرنسا، في بعض منشآت صناعة السيارات Citroën, Simca ، نقابات صفراء CFT وشكلوا عصابات مسلحة من «الملاكمين العنيفين» بقصد فرض شريعة أرباب العمل داخل المنشآت. وليس التهديد بالعنف والضرب وتخريب معدات الدعاوة وحملات ترهيب موزعي المناشير أو الممثلين النقابين الأحرار، ومحاولات إدخال كاسري الإضراب إلى المصنع، سوى ابسط أشكال عمل مليشيات أرباب العمل خدمة لـ«الدفاع على الملكية الخاصة». تم الانتقال بسرعة، في فرنسا وإيطاليا، من أشكال العنف الأولية هذه ضد العمال إلى أشكال «دقيقة» أكثر تقدما: اعتداءات مسلحة واختطاف مناضلين عماليين، واغتصابات واعتداءات بالقنابل، واغتيالات وفق الأصول. وقد تصبح هذه التعديات، الاستثنائية حاليا، منهجية بمجرد تفاقم الأزمة الاجتماعية. ستؤدي كل سياسة قائمة على الثقة بالبوليس و العدالة البرجوازية، بقصد الدفاع على الحريات و المنظمات العمالية ضد عصابات الرأسمال هذه، إلى الكارثة المحققة. فالدولة والبوليس والقضاء البرجوازي ليسوا « محايدين» عندما تتواجه ميليشيات أرباب العمال مع العمال، فإخلاصهم الطبقي يتجه الى صف أرباب العمل وحقدهم الطبقي يتجه ضد المناضلين العماليين. هذا علاوة على أن ميليشيات أرباب العمل الخاصة مرتبطة مباشرة بالشرطة البرجوازية، سواء بواسطة المصالح السرية للشرطة «الموازية» أو بمشاركة شبه صريحة لأعضاء من البوليس. يجب إذن على الحركة العمالية أن تفرض الممارسة الكاملة للحرية النقابية وسط المنشآت. يجب عليها أن تقضي في المهد على كل محاولة لعرقلة حرية توزيع المناشير والمذكرات النقابية أو مناشير ومذكرات أية منظمة عمالية، وحرية تنقل المناديب في المصنع كله، و عقد الاجتماعات العامة النقابية في أماكن العمل. يجب أن تدافع عن نفسها، بوجه عنف ميليشيات أرباب العمل، بتشكيل مجموعات دفاع ذاتي تحمي الاجتماعات العامة والأنشطة ومقرات النقابات والمنظمات العمالية أيا كانت.

7- لا دفاع عن الحريات النقابية والعمالية إلا بشكل شامل

لا علاقة للدفاع الحازم عن الحريات النقابية ضد كل محاولة للبرجوازية ودولتها للتعدي عليها برؤى «عمالوية» و «اقتصادوية» ضيقة تسعى لفصل الدفاع على النشاط النقابي عن الدفاع على المنظمات العمالية المسماة «أقلية» لأنها ثورية أو متهمة بكونها «يسراوية». على العكس تعلم التجربة مجددا أن طبقة عاملة و حركة نقابية تترددان في الدفاع عن الحريات العمالية بمجملها تقعان منذ البدء في شلل حاد عندما يكون مطلوبا الدفاع عن حرية الإضراب والحرية النقابية. تسعى البرجوازية الى تقسيم خصمها الطبقي وإظهار الأمور على نحو يوحي أن سياستها القمعية لا تستهدف سوى « مثيري الشغب» و« أقليات غير مسؤولة » أخرى. إنها تتجنب،منذ بدء مسارها القمعي، مهاجمة الحركة العمالية المنظمة برمتها. وتسعى، بتصرفها على هذا النحو، الى اكتشاف نقائص الُعدة العمالية وتقسيم الخصم واضعاف قدرة التصدي لدى الجماهير،المرتبطة الى حد كبير بوجود عناصر اكثر خبرة ووعيا وشجاعة والتي ينتمي قسم هام منها بالضبط الى مختلف منظمات او شرائح الطليعة. ان حظر مجموعات أقصى اليسار، ومصادرة الجرائد أو المناشير الثورية، ومتابعة المناضلين الثوريين قضائيا أو سجنهم، سيكون تحضيرا لانزال عقاب قاس بمندوبي المصانع ومندوبي القاعدة النقابية وقادة حواجز حراسة الإضراب والقادة العماليين الكفاحيين داخل المنشآت. هذه العناصر هي المستهدفة بشكل رئيسي بالتوجه القمعي للبرجوازية، ومن خلالها يراد تحطيم القتالية العمالية بمجملها والقوة الضاربة للحركة النقابية برمتها. من جهة أخرى، باتت أشرس التشريعات المضادة للإضراب، مثل قانون العلاقات المهنية البريطاني، تنص على عراقيل لحرية الصحافة، لاسيما منع التحريض على «الإضرابات البرية». فمنطق كل تشريع مضاد للعمل النقابي وللإضراب يفرض مهاجمة مجمل الحريات العمالية القائمة في ظل الديموقراطية البرلمانية البرجوازية الآفلة. على النحو ذاته ينطوي كل تقييد للحريات العمالية لمنظمات ثورية على خطر تمديد تلك الإجراءات وذاك المنع الى مجموع الحركة العمالية، بما فيها الحركة النقابية. لذا يجب على الثوريين تعميم ممارسة أوسع تضامن طبقي داخل الحركة العمالية. يجب أن يطبق بشكل شامل المبدأ الأساسي « العنصر الواحد من أجل الجماعة، والجماعة من أجل العنصر الواحد». يجب أن يثير كل مس بحرية عمل أي منظمة عمالية ردا جماعيا لمجموع الحركة العمالية المنظمة. لا يمكن قبول أي مس بحرية التنظيم وبحرية التظاهر، إذا أُريد الدفاع عن سلامة حق الإضراب والحريات النقابية. إن الجبهة الموحدة الأكثر اتساعا من أجل الدفاع عن الحريات العمالية بمجملها شرط آخر للدفاع الفعال على الحريات النقابية.

اقرأ المزيد

سوريا: هل يبادر النظام والحريصون؟ – سعد الله مزرعاني

مع دخول الأزمة السورية عامها الثالث، لم يعد الحوار شأناً حاضراً في اهتمامات أطرافها الداخليين والخارجيين. السلطة تواصل ما يشبه الحوار مع الذات في ما تتخذه من إجراءات و«مسارات حوارية». وهي متهمة، وليس عن خطأ أو تحامل فقط، بأنها لم تحسن يوماً لغة الحوار، وخصوصاً إذا كان يعني تقديم بعض التنازلات وإدخال بعض التغييرات والتعديلات الجدية على مسار الحياة السياسية في سوريا. المعارضة، بدورها، وخصوصاً تلك المرتبطة بالخارج، سعت، وتستمر في ذلك، إلى إسقاط النظام «بكل رموزه»، آملة، حتى هذه اللحظة، أنّ يتكرر «النموذج الليبي» حين تدخلت قوات حلف الأطلسي مباشرة وحسمت المعركة الداخلية لمصلحة المعارضة الليبية، مقدمة مساهمة، حاسمة أيضاً، في عملية قصف، ومن ثم قتل العقيد معمر القذافي.


الدول الكبرى، بدورها، ومعها عدد كبير من الدول العربية (الخليجية خصوصاً)، تواصل التصرف انطلاقاً من حساباتها العامة، لا انطلاقاً من هاجس حقن الدماء ووقف الدمار في سوريا. معظم خصوم النظام السوري يجدون في إطالة أمد الأزمة هدفاً قائماً بذاته. هم مرتاحون تماماً إلى النتائج التي أفضت إليها المواجهات، لجهة إضعاف النظام السوري واستنزافه.


سوريا الآن، هي، في ظل التطورات الراهنة، رجل المنطقة المريض الذي فقد دوره، وبات، نتيجة عجزه عن حسم المعركة ونتيجة الخسائر الكبيرة التي أصابته، عبئاً على أصدقائه وحلفائه. وبهذا المعنى، إنّ استنزاف النظام السوري هو أيضاً استنزاف للحليف الإيراني في «الممانعة» ولحزب الله في لبنان. أما حركة «حماس»، فقد نأت بنفسها عن الصراع، منذ سنة تقريباً، لتقع، بنحو متصاعد، في أحضان المحور الآخر الحليف للولايات المتحدة والمنفذ، إلى حدّ بعيد، لسياساتها ولمصالحها ولمصالح حلفائها في المنطقة، وفي المقدمة منهم العدو الصهيونيّ.


وليس أن الحوار والحديث عنه والمبادرات بشأنه هو ما توقف تماماً في المرحلة الأخيرة، بل إنّ التصعيد السياسي والعسكري المعلن هو الذي بات سيد الموقف. وفي هذا السياق جرى استخدام الجامعة العربية، بنحو غير مسبوق، كطرف مباشر في دعم أطراف المعارضة ممن يسمّون «معارضة الخارج»، وخصوصاً من بينهم الأكثر تطرفاً وتشدّداً ونزوعاً نحو الحسم والتدخل العسكريين، وبوسائل الخارج والداخل على حدّ سواء. كذلك يستمر إعلان المواقف الأوروبية المجاهرة بتسليح المعارضة بوسائل قتالية فتاكة، بذريعة أنّ الحل السياسي يتطلّب تعديل موازين القوى لغير مصلحة النظام السوري. والغريب أن أولئك الذين يمارسون التصعيد ويتورطون في توفير أسبابه، يواصلون، على سبيل الكذب والنفاق، التحذير من نتائج ذلك على المنطقة وعلى لبنان والأردن خصوصاً. البيان الفرنسي _ المصري الأخير هو نموذج فاقع عن ذلك.


في هذه المجزرة الفظيعة من الموت والدمار والخسائر من كل نوع، ثمة خاسرون ورابحون كبار. الخاسر الأول هو الشعب السوري الذي يعيش كابوساً مخيفاً لا أفق له إلا المزيد من الخسائر البشرية والمادية التي لا تعدّ ولا تعوَّض. والخاسر الثاني الكبير هو العرب، رغم أن بعضهم يتوهّم تحقيق انتصارات موقتة. فالعرب في حالة انقسام وضعف وتبعية وانعدام وزن، بحيث لن يكونوا شريكاً ولا طرفاً، بأي صيغة وحجم من الصيغ والأحجام، في تقرير مصائرهم وفي تحديد أولوياتهم القومية والوطنية، القديمة والجديدة.


أما الرابح الأكبر، فهو الولايات المتحدة الأميركية، واستطراداً العدو الصهيوني. فالولايات المتحدة التي كابدت هزائم وخسائر وإخفاقات، تعود من الباب العريض: من باب ادعاء الحرص على الديموقراطية وحقوق الإنسان. ومن باب تعزيز الانقسامات الطائفية والمذهبية إلى حدود الفتنة المباشرة. ومن باب القدرة المتزايدة على توجيه مسارات الأحداث. وهي في كل ذلك تجني، أيضاً، مكاسب سياسية واقتصادية ذات طابع استراتيجي، دون أن تدفع، بالمقابل، نقطة دم واحدة أو دولاراً واحداً!


وعندما تكون الإدارة الأميركية هي الرابح الأكبر، فإنّ إسرائيل هي رابح كبير دون أدنى شك. ولقد كشفت زيارة الرئيس الأميركي للمنطقة هذه الحقائق المرّة، حين برز، دون سواه، التركيز على الدعم الأميركي المطلق والكامل لإسرائيل ولتفوقها ولسياساتها، مقابل كلمات خجولة عن إقامة دولة فلسطينية قابلة للعيش… في ظلّ هيمنة إسرائيلية على الأرجح!


أما روسيا فيعنيها من انخراطها في الأزمة السورية، داعمةً للنظام، محاولة تأكيد حضورها قوةً عظمى في العالم بعد أن فقدت هذه الصفة إثر انهيار الاتحاد السوفياتي. خسائر روسيا محدودة حتى الآن. نجاحاتها في الميدان الديبلوماسي والسياسي والعسكري، بالشراكة مع الصين خصوصاً، محدودة أيضاً وليست راسخة تماماً. هي اليوم عنصر فاعل في مجلس الأمن. وهي تكاد، في مبيعات الأسلحة تقترب من الرقم الأميركي. لكنها، بالمقابل، مرشحة لمشاكل عديدة، وخصوصاً في الداخل نتيجة هيمنة رئيسها بنحو شبه ديكتاتوري على الحياة السياسية في روسيا.


الحريق السوري حريق عربي بنفس المقدار. ما لا تظهر معالمه ومظاهره اليوم ستظهر بالتأكيد غداً أو في المستقبل. المسوؤليات في هذا الصدد كبيرة وللأخطاء والعجز أثمان مخيفة.


ثمة دائماً نقطة انطلاق. إنها في موقف السلطة السورية إذا كانت لا تزال تقيم وزناً لما تعلنه من تمسك بـ«الممانعة» ولما يعانيه الشعب السوري من قتل ودمار عظيمين. آن الأوان لتلك السلطة أن تتقدم بمبادرة جديدة لإعادة بناء السلطة في سوريا على أساس المشاركة وإنهاء الحصرية والاستبداد. هذه المبادرة، إذا اعْتُمِدَت ستعزل المرتهنين والمتطرفين. إنهاً، أيضاً، مسؤولية قوى شريكة للنظام أو رافضة للعنف وللأجندات الاستعمارية.


مثل هذه الوجهة يجب أن تُحفِّز، أيضاً، نشاطاً ومبادرات للقوى العربية الحريصة على سوريا وعلى قضايا العرب عموماً.


* كاتب وسياسي لبناني

 

اقرأ المزيد

الربيعُ العربي اضطراباتٌ ضد أسلوبِ إنتاجٍ متخلف

عبرت أحداثُ الثورات العربية عن احتجاجاتٍ لم تبلغ مستوى الوعي تجاه جذور المشكلات التي تعانيها الجماهير العربية.
الأسلوب الانتاجي المعتمد على تصدير مادة خام تعرقلَ أكثر بهيمنة رأسماليات دول شمولية التي هي تعبيرٌ عن تضييع فائض القيمة على النُخب البيروقراطية الحاكمة والأحزاب الحاكمة الجماهيرية، وكلما كانت هذه الآليةُ قويةً استنفد أسلوب الإنتاج نفسه أكثر.


ربما كانت المادةُ الأولية هي الفوسفات أو البترول أو حتى القات أو مجموعة من المواد الصناعية والزراعية، وهي تعطي أسلوباً شبه موحّد لدى هذه الدول، حيث إن المادةَ الخام لا تشكلُ شبكة صناعية اجتماعية سكانية واسعة، فلا تعطي مجالاً لصناعات شعبية تلغي البطالة الواسعة، ولا تدمج الشباب القوة الرئيسية في الإنتاج والعلوم في الاقتصاد، وهذا يترافق مع تحجيم القطاعات الاقتصادية الحرة والإنتاجية الصغيرة، ومع علاقات اجتماعية أبوية، لا تتيح لعمل جماهيري ذكوري متطور فدع عنك الحضور النسائي المأزوم، وهذا يردفه وعي طائفي ديني محافظٌ يقتاتُ على سببياتِ الحِرف لا معرفة القوانين الكبرى للوجود، وكمثالٍ على هذا ما طُرح في وعي المعتزلة منذ ذلك الوقت، فيقالُ من صَنع الطاولة؟ فيكون الجواب هو النجار ومن صنع الكون؟ فيقال هو رب العالمين.


لهذا فإن الوعي المذهبي السياسي المكون بهذه العقلية هو الذي يقفز للسلطات ويعيش إجابات الحِرف، لا أسئلة الصناعات الكبرى والثورة التقنية والعلمية.


فلا يدرك أن أسلوب الانتاج المتخلف هو سبب أزمات الإسكان والانحراف الأخلاقي والإدمان لا الأخلاق والحداثة والتغريب!


شبكةُ صناعات كبرى جماهيرية هي نتاج تراكمات اقتصادية وسياسية تنموية تستطيع حتى رأسمالية دولة شمولية كالصين أن تقوم بها عبر التخطيط خاصة مع توافر قوى العمل الشعبية غير المكلفة كثيراً.


وحتى بدون مادة خام كبرى مهيمنة يمكن إطلاق قوى العمل، لكن شبكات البيروقراطية العربية اتحدت مع مذاهب سياسية محافظة متخلفة حجّمت من قوى العمل الجماهيرية وافتقدت الحيوية في أجهزة الدول.


أسلوب الإنتاج المتخلف عبر سيطرة المادة الخام الرئيسية يتواكب مع قطاعات اقتصادية مفككة، فليس هناك جهاز دولة ديناميكي يستطيع أن يخلق تعاوناً بين هذه القطاعات ويطلق طاقاتها ويخلق خططاً عبر دراسة السوق وظروف التصدير.


المشكلة ليست في الرئيس أو الحزب الحاكم المشكلة في أسلوب الإنتاج وهو الذي شكَّل الرئيس والحزب الحاكم، فعبر فائض اقتصادي وجمود الهياكل الاقتصادية وتوجه الفوائض للرساميل العقارية والخدماتية، يتقلص أسلوب الانتاج حتى يضمر ولا يستطيع أن يلبي كل متطلبات القوى الحاكمة وتبذيرها وسوء إدارتها.


بين السببياتِ المولِّدة للانفجارات والوعي بها مسافاتٌ كبيرة، فأغلبُ الوعي اتجه إلى النتائج لا إلى الأسباب، والوعي الشعبي ووعي النخب، تقلصت الفوارق بينهما، بالتركيز على النتائج التي يجب أن تتغير وترك الأسباب المسببة للنتائج.


غدت المعارك حول الرئيس والدستور والحزب الحاكم وهل هو حزب ديني أم علماني، لا أن يتوجه الصراع حول مَن لديه خطة لتغيير أسلوب الانتاج المريض، ومن يقدر على إدارة البلاد بكفاءات نزيهة حصيفة تتجه لمولدات الانتاج الضعيفة والمعطلة وتحركها.


وكم يقدر هذا الحزب على تفعيل الانتاج بدرجة ثلاثة أو درجة خمسة وتكون نتائجه في تشغيل الناس كذا، فيعرف معدلات الأجور والأسعار والإدخار، والحزب المنافس يطرح أرقاماً مسئولة أخرى وتكون المباراة حقيقية في صناديق الاقتراع ونتائج الانتاج.


بهذا تحولت الثورات إلى اضطرابات فلم تحدث نقلة في الطبقة الحاكمة للرأسمالية الحكومية البيروقراطية المتكلسة، التي يجب هي كذلك فصلها عن الإدارة وتوجيهها للعمل والانتاج الخاص لا للتحول إلى عدو يتسلل كما حصل ويصير جزءًا من الأحزاب الدينية الحاكمة عبر تغيير ديكور وجهه ووضع مسبحته في يده.


تراكضت الإداراتُ نحو استغلال الشركات العامة للشركات الخاصة وتضييع الفوائض الاقتصادية على الجماعات الحاكمة وبقاء نمط إنتاج المواد الخام وبقاء التخلف والأمية والثقافة الاستهلاكية السوداء مما ينتج جماهير أكثر تخلفاً وغضباً وفوضوية

اقرأ المزيد

الـ ”بيريسترويكا” الأمريكية في الانتظار



القوى
العظمى الثلاث: الاتحاد السوفييتي ما قبل الانهيار والصين والولايات
المتحدة الأمريكية، من حيث المساحة الجغرافية الشاسعة، ومن حيث عدد السكان،
ومن حيث الثروات الطبيعية، ومن حيث القدرات العلمية والتقنية والعسكرية .
.خرجت متضررة من الحرب الباردة كغيرها من البلدان التي زجت نفسها فيها أو
التي زُج بها، عن غير رغبتها في هذه الحرب . بل كانت أضرار هذه الحرب على
القوى العظمى الثلاث أكثر وطأة من غيرها بحكم حجم مخصصات الإنفاق الدفاعي
التي استنزفت موازناتها (كمثال فقط، أنفق الاتحاد السوفييتي السابق في مطلع
عقد ثمانينات القرن الماضي 128 مليار روبل – سعر صرف الروبل الرسمي آنذاك
كان أقوى من الدولار – على إنشاء منظومة صواريخ أس .أس20” رداً على نشر
الولايات المتحدة صواريخ كروز وبيرشينغ -2 في أوروبا) .


ولذلك
فإن القوى الثلاث وجدت نفسها أمام استحقاقات تاريخية لا مفر من تأديتها .
وتتمثل في القيام بعملية إعادة بناء جوهرية لأنظمتها السياسية والاقتصادية
والاجتماعية لتفادي انهيارها .


في الصين أسموها إصلاحات (Reforms)، وقد قادها الزعيم الصيني الراحل دينغ كسياو بينغ (Deng Xiaoping)
خلال فترة رئاسته التي امتدت من العام 1978 حتى العام 1992 (توفي في العام
1997) . وفي الاتحاد السوفييتي السابق أسماها مبتدعها الذي شاءت الأقدار
أن يكون آخر زعيم للاتحاد السوفييتي، وهو ميخائيل غورباتشوف، “بيريسترويكا”
(أي إعادة البناء) . وكما صار معلوماً فإنها كانت في حقيقتها “ديسترويكا”
(أي هدم باللغة الروسية) وليست بيريسترويكا .


وحدها
الولايات المتحدة التي لم تر أي داع لأن تغير أو تُعدل – أي تُصلح –
نظامها السياسي- الاقتصادي الكلي، وأنها ليست مضطرة أصلاً إلى إجراء مراجعة
له مادام قد أمن لها الانتصار المنشود على خصمها ومنافسها التاريخي الأبرز
في صراع المصالح والنفوذ العالمي . . الاتحاد السوفييتي السابق .


وهذا
كان من الأخطاء الاستراتيجية الفادحة الذي تتحمل كامل مسؤوليته التاريخية
والأخلاقية الطبقة السياسية بحزبيها (الجمهوري والديمقراطي) المتناوبين على
حكم البلاد . فلقد كانت البلاد بعد انهيار الاتحاد السوفييتي في وضع
تنافسي مريح يتيح لها القيام، بهدوء، بالإصلاحات المطلوبة في الأجزاء التي
أصابها العطب والتخثر .


يقول
بول كروغمان بروفيسور الاقتصاد الأمريكي المعروف، إن أفضل وقت لتطبيق
سياسة تقشفية (خفض النفقات العامة)، هو في فترة صعود الدورة وليس في وقت
انحسارها . وهذا ينطبق على مقاربة الإصلاح في السياسة تمام الانطباق . فأن
تقوم بالإصلاح في وقت الاسترخاء الاجتماعي المؤمن بدرجة معقولة من الرفاه
الاقتصادي، أسهل وأقل كلفة من القيام به في فترة انحسار الدورة وازدهار
مرادفها الموضوعي، وهو هنا السخط الاجتماعي .


الآن
أصبحت المسألة أكثر تعقيداً، ذلك أن الطبقة السياسية التي تنعمت بامتيازات
“النموذج” الساري طوال السنوات المديدة للحرب الباردة ورسخت نفوذها داخل
مفاصل الدولة “والسيستم” بمجمله، لن تقبل بالتأكيد الاعتراف أصلاً بوجود
الخلل كي لا تضطر، بالتبعية، إلى القبول بفتح نقاش وطني – حتى لو داخل
الحلقة الضيقة للطبقة السياسية الممثلة في الحزبين المهيمنين، الجمهوري
والديمقراطي – لإيجاد علاجات لهذا الخلل .


نوافق
الراحل الكبير الدكتور فؤاد مرسي، الاقتصادي المصري المعروف، في أن
“الرأسمالية تجدّد نفسها”، كما ذهب في مؤلفه المكرس لهذه الفكرة . إنما هو
ذلك التجديد الذي يندرج ضمن سقف ترتيب وتوفيق أوضاع عمل “السيستم” الداخلي،
ويتعلق حصراً بالجانب الاقتصادي التقني من دون أن يطول جوهر عملية إعادة
الإنتاج الكلية لإجمالي الناتج المحلي وتوزيعه وإعادة توزيعه بواسطة أدوات
وأقنية “السيستم” .


الإصلاح
المطلوب لكي يستعيد نموذج الرأسمالية الأمريكي توازنه، كي لا نقول ألَقه
المفقود، ربما تجاوز السقف الذي يحاولالقيام به الرئيس باراك أوباما
جاهداً، بمزيج من وسائل الإقناع والدهاء وملاعبة لوبيات مراكز القوى
المناهضة بشراسة للتغيير .


لقد
وصل الرئيس باراك أوباما إلى سدة الحكم في كبرى قلاع الرأسمالية الحصينة
بصورة مذهلة حين تغلب على أحد صقور اليمين الجمهوري (جون ماكين)، متسلحاً
بشعار “التغيير” (Change) الذي طرحه بوصفه تحدّياً يواجه الأمة الأمريكية ذات المصلحة في إحداث التغيير، بمقابلة هذا التحدي بمقولته الشهيرة “نعم نستطيع”


هو
إذاً، غورباتشوف الولايات المتحدة، يريد أن ينفّذ خطة إعادة بناء
“بيريسترويكا”، حتى وإن كانت بالغة الخصوصية والحساسية لدولة لطالما اعتبرت
نفسها طليعة وقدوة للعالم أجمع، ولأمة تتميز باعتداد فائض بالنفس، واعتزاز
بالغ بقوتها وبشوكة عزيمتها . . بما تتضمنه (تلك الخطة)، على نحو خاص، من
ترشيد لشطط وفوضى ممارسات الرأسمال المالي، وإجراء تعديل طفيف على ميزان
القوى الاجتماعية المختل . ومع ذلك فقد استدعت إجراءاته هذه ردة فعل عنيفة
وصلت إلى حد إيصال رسائل تهديد شفوية ومادية له واتهامه بالتآمر على النظام
الرأسمالي الأمريكي بمحاولة تحويل مساره إلى الاشتراكية .


فهل
بمقدور الرئيس أوباما عبور حقل الألغام وتحقيق الاختراق المطلوب في بنية
المؤسسة وإصلاح بعض الأعطاب المسؤولة عن “الأعطال” المتكررة والمنذرة بما
هو أسوأ من الأزمات العميقة؟
اقرأ المزيد

الموت قهراً

نعم لقد وصل الأمر إلى أن نموت قهراً وألماً وحزناً، نعم لقد وصل القهر
بنا مداه فما عاد القلب يحتمل كل هذه الظلامات وما عاد باستطاعة العقل أن
يحتمل كل هذه الأكاذيب؛ ففي حين يبرر قتل أطفال بعمر الزهور، لمجرد حرق
إطار في الشارع، تجمع الملايين من الدولارات على مرأى ومسمع الدولة لتمويل
«برابرة» تجمعوا من كل بقاع الأرض واتخذوا من قتل كل مخالف لمذهبهم مفتاحاً
لدخول الجنة ومن تفخيخ المهبولين بالحور العين مبرراً لتفجير المئات من
المصلين في المساجد، ومن جهاد النكاح مبرراً لممارسة الدعارة بشكل ثوري.

هناك
ترتكب المجازر الجماعية وتفجر قبور المسلمين ولن نقول أضرحة آل البيت أو
الأولياء الصالحين، بهدف قتل أكبر عدد من زوار هذه القبور من الأبرياء، ولا
يعد ذلك إرهاباً أو قتلاً على الهوية، وإنما يعد عملاً ثوريّاً من أجل
التخلص من الأنظمة الفاسدة.

ومع الفرق، فإن هناك ثواراً أجانب، ولدينا إرهابيون مواطنون وحماة وطن أجانب.

نعم،
لقد وصل الأمر إلى مداه وما عاد باستطاعتنا أن نتحمل عهد المماليك في
القرن الواحد والعشرين عندما يطلق المملوك الأجنبي جميع ذخائره من طلقات
الشوزن والغازات المسيلة للدموع على القرى والأحياء السكنية، لا لشيء لكن
لمجرد أنه يشعر أن هناك من يجب أن يعاقب على إغلاق شارع أو حرق إطار.

ألا
يفجع من دفن أجداده في تربة هذه الأرض وتشرب دمه من ملوحة بحرها على مدى
الدهر من السياسات التي تريد استبداله بشعب آخر كل مؤهلاته أنه من مذهب
معين.

أليس من حقه أن يتساءل كيف يصبح الاحتجاج والمطالبة بحقوق هي
من أبسط الحقوق السياسية لأي مجتمع متحضر في خانة خيانة الوطن والعمالة
ويعاقب عليها بالسجن المؤبد.

عندما نحتاج إلى حوار وطني نثبت من
خلاله أن من حق الناس أن يختاروا حكومتهم، وأن يحاسبوها، وأن يكون
المواطنون متساوين في الحقوق والواجبات، وأن يكون هناك قضاء نزيه وعادل،
وأن تكون هناك دوائر انتخابية عادلة، ويظهر لنا أن غالبية المشاركين فيه
يقفون ضد أي حل سياسي… فهل هناك من يلوم مواطناً بحرينيّاً إن مات قهراً؟

اقرأ المزيد

لماذا لا تحضر الوزارة؟


حسناً أن إثنين من أعضاء البرلمان حضرا الحلقة النقاشية التي دعت إليها «المجموعة البيضاء» التي تتحلق حولها مؤسسات المجتمع المدني الرافضة لمشروع قانون الجمعيات الأهلية الجديدة، على نحو ماشرحنا هنا غير مرة، ووعد هذان النائبان بالاهتمام بالملاحظات والانتقادات الموجهة من الجمعيات الأهلية تجاه مشروع القانون المذكور، عند نظره في اللجنة المختصة، ولكن هناك من طرح سؤالاً وجيهاً في الاجتماع فحواه التالي: لماذا لا يحضر ممثلون عن وزارة التنمية مثل هذه الحلقة ليصغوا إلى ما تقوله الجمعيات بخصوص هذا الموضوع، ويردوا على التساؤلات العديدة التي تشغل ذهن المجتمعين حول دوافع تضمين مشروع القانون هذا العدد الهائل من القيود التي تعيق نشاط المجتمع المدني وتسطو على استقلاليته، للدرجة التي حملت الرئيسة السابقة للاتحاد النسائي البحريني السيدة مريم الرويعي على القول بأن هذا المشروع لا يحتمل ترميمه أو تعديله، وإنما نسفه بالكامل، كونه أسوأ بكثير من القانون الحالي.


سبق أن أشرنا على أنه من الأمور التي تحسب لمؤسسات لمجتمع المدني في البحرين انها نبعت من قلب الحراك المجتمعي المستقل عن الدولة، فتوفرت على أهم شرط من شروط المجتمع المدني وهو الاستقلالية، وفي المحافل العربية والدولية ذات الصلة كان ينظر للجمعيات والاتحادات البحرينية الأهلية بهذه الصورة، سواء تعلق الأمر بالحركة النقابية العمالية، أو بالجمعيات المهنية، كجمعيات المحامين والأطباء والمهندسين، وكذلك بالمؤسسات الممثلة للمبدعين والفنانين.

المجتمع كان أسبق من الدولة في تنظيم نفسه في هيئات معبرة عنه، ومجسدة لمصالح وتطلعات قطاعاته المختلفة، ويعود الفضل في ذلك للشرائح الحديثة من الكفاءات المهنية والثقافية التي تلقت خبراتها الأولى في العمل النقابي في صفوف الحركة الوطنية والتقدمية البحرينية، واستطاعت أن تبني هذه المؤسسات المستقلة للمجتمع المدني بجهود أجيال من النساء والرجال ضحوا بوقتهم وبراحتهم وباهتمامهم بعائلاتهم في سبيل ذلك، مُستوحين في ذلك تراث الحركة الوطنية المفعم بقيم العمل في سبيل الحريات العامة، والمعبر عن كافة فئات المجتمع، والمتجاوز لآثام التخندق الطائفي البغيض.

ليس الفهم الضيق والخاطئ لبعض أجهزة الدولة لدور مؤسسات المجتمع المدني أمرا جديداً، وسادت العلاقة بين الطرفين حالات مختلفة من التوتر والشد في مراحل مختلفة، ولا يبدو مشروع قانون الجمعيات الجديد بالمثالب الكثيرة التي ينطوي عليها مقطوع الصلة عن ذلك، لكن الأمر يبلغ اليوم مستوى جديداً، أدى وسيؤدي أكثر، في حال استمراره، لمصادرة الفضاء الأهلي في البلاد، وحرمان المجتمع البحريني من أحد أهم أوجه الحيوية والتميز فيه، وشل طاقات أبناءه وبناته المتحمسين للعمل الأهلي التطوعي، ومنع الموهوبين والفاعلين من أفراد المجتمع من أن يكون لهم حيزهم المستقل الذي من خلال عطاءهم فيه يسهمون في بناء مستقبل هذا الوطن، ويعكسون مقدار ما فيه من تنوع وتعددية في الاهتمامات والميول.

ويشكل ذلك سمات أي مجتمع ديناميكي، توفرت عليها البحرين منذ مطالع القرن العشري حين تشكلت الأندية الأدبية والملتقيات الثقافية والاجتماعية، مما ميَّز البحرين والبحرينيين في محيطهم الخليجي، ووضعت اسم بلادنا على الخريطة العربية وربما على ما هو أبعد منها، مما يتطلب مراجعة جدية من الدولة للفصل الجديد من العلاقة غير الصحية بينها وبين المجتمع المدني، وهو أمر نحن في غنى عنه لو اتسعت بصيرة القائمين على الأمور.


اقرأ المزيد

التمثيل العادل في الحوار من مصلحة الجميع

تبقى مسألة التمثيل العادل على طاولة الحوار حتى الآن مسألة خلافية، فهناك من يرى أن التشكيلة الحالية المكونة من 8 أعضاء لكل من الجمعيات السياسية المعارضة، وجمعيات الائتلاف الموالية، وأعضاء السلطة التشريعية (كمستقلين) بالإضافة إلى ثلاثة وزراء، هي تشكيلة تمثل في الواقع مختلف التيارات السياسية في البحرين، وهي الأطراف ذات الشأن والمعنية أساساً بوضع تصورات وحلول للأزمة السياسية.

في حين يرى البعض الآخر أن هذه التشكيلة فصلت بشكل دقيق جداً من أجل عدم تمرير أي مرئيات لا تتوافق مع ما تراه السلطة، وفي محصلة الأمر فإن هناك 19 مشاركاً يمثلون جانباً واحداً مقابل 8 أعضاء يمثلون الجانب الآخر؛ حيث ترى الجمعيات المعارضة أن «طاولة الحوار لا يوجد بها مستقلون ومن يُطلق عليهم مستقلون ليسوا كذلك وإنما هم جزء من فريق السلطة».

ويبدو أن مسألة التمثيل العادل ستكون المعضلة الثانية التي ستواجه المتحاورين بعد معضلة تمثيل الحكم، إذ إنه من المنتظر أن تناقش هذه القضية خلال الجلسات المقبلة، ففي حين تؤكد الجمعيات المعارضة أن «التمثيل المتوازن يشكل الخطوة الأولى في قيام حوار متكافئ ويمكن أن يعكس صورة صحيحة للمتحاورين بدلاً من حسبة الغلبة العددية التي تعكس تمييز وتحكم السلطة حتى في طاولة الحوار المرجو منها إعادة بناء وهيكلة النظام السياسي بما يحقق العدل والمساواة»، تقف الجمعيات الموالية وممثلو السلطة التشريعية ضد هذا الطرح وتحاول بكل ما أوتيت من قوة لفرض الأمر الواقع من خلال استمرار الحوار بالتشكيلة الحالية.

ليس هناك من يعارض مشاركة الشوريين والنواب كممثلين عن السلطة التشريعية، ومن حقهم ذلك بشرط أن يكون اختيارهم عبر آلية أكثر ديمقراطية، ومع ذلك لا يمكن أطلاق صفة المستقلين عليهم حيث أن أعضاء مجلس الشورى يتم اختيارهم من قبل الحكومة، وبذلك فإنه ليس من الوارد أن يخالفوا توجهاتها.

إن إشراك شريحة المستقلين في الحوار مسألة مهمة جداً وخصوصاً إن كان ذلك يرمي إلى المساهمة الصادقة في إنجاح الحوار والوصول إلى توافقات ترضي جميع فئات المجتمع وخصوصاً أن هناك شخصيات مستقلة لم تتلوث بالنفس الطائفي البغيض، ولا تزال تمتلك من الجرأة والشجاعة والحب لهذا الوطن ما يؤهلها لأن تقف مع الحق وتلعب دوراً مهمّاً في تقريب وجهات النظر وطرح مرئيات وأفكار مقبولة.

اقرأ المزيد

تصريحات المسؤولين في فساد اللحوم

من
الأرجح اننا دخلنا فصلا جديدا من فصول ازمة اللحوم.. واللحوم الفاسدة..
والنيات المبيتة والمبطنة حيال هذا الملف، مما يفتح الباب واسعا لتأويلات،
وتساؤلات شتى مقرونة بعلامات تعجب لاحدود لها.



ما نشر امس من ضبط شحنة
من اللحوم الاسترالية الفاسدة وغير الصالحة للاستهلاك الآدمي تحتوي على 267
ذبيحة، اي ما يعادل 5 أطنان امر باعث على الحيرة لاكثر من سبب، فقد وجدنا
اكثر من مصدر يتحدث عن هذا الضبط؛ تارة باسم وكيل شئون الزراعة، وتارة باسم
مصدر مسؤول بادارة شئون الزراعة، وتارة باسم ادارة الصحة العامة، وتارة
باسم نائب رئيس مجلس بلدي المحرق، القاسم المشترك في هذه التصريحات هو
الانصراف في الاتهام المسبق للشركة المستوردة الى درجة اليقين، وبدأ وكأنه
استهداف لهذه الشركة، خاصة انه في الوقت الذي ورد في تلك التصريحات بأن
«الموضوع سيحال الى النيابة العامة للتحقيق واتخاذ الاجراءات القانونية
المناسبة ومحاسبة المسؤولين»، في نفس الوقت وجدنا الاتهام والحكم المسبق
يوجه بتورط الشركة والتشهير بها وكأنها تستورد اللحوم الفاسدة عن سابق
اصرار، واذا كانت هذه الشركة كما قيل قد درجت حقا على استيراد لحوم مبردة
غير صالحة للاستهلاك، وانه تكرر ارجاع كميات من اللحوم بعد طرحها في
الاسواق نتيجة لفسادها وعدم صلاحيتها وفق لما نشر، مضافا الى ذلك بان ادارة
المحاجر والرقابة البيطرية فتحت بلاغات ضد الشركة، اذا كانت الادارة
المذكورة قد فعلت ذلك حقا في السابق، فلماذا لم يعلن عن كل بلاغ في حينه؟
وما مصير هذه البلاغات؟ وماهي النتائج التي توصلت اليها النيابة العامة؟
واين هي الشفافية في هكذا موضوع دقيق وحساس ويمس صحة الناس؟!! ولماذا لا
يترك للقانون لكي يأخذ مجراه في التثبت والتقصي وبحث كل حيثيات هذا الملف؟
وهل الشركة طرف مسؤول حقا عن تلف هذه اللحوم اثناء عمليات النقل نتيجة
التأخير في مسار استيرادها؟، فان ثمة سؤال يتلوه سؤال: واذا كانت البحرين
تستورد ما بين 2000 الى 2500 طن رأس غنم بمتوسط من 6 الى 8 شحنات في اليوم
وبمتوسط شهري نحو 250 شحنة اغنام مبردة كما اوضح رئيس الشركة، فهل ذلك
مبرر منطقي لأن توجه الاتهامات دون ضوابط ومن جهات مسسؤولة بحق شركة وطنية
اصبحت كما قال رئيسها بين المطرقة والسندان، في الوقت الذي نفترض ان هذه
الجهات على دراية بأن تأخر الشحنات، في المطارات كفيل بأن يفسد هذه
الشحنات، واخيرا لماذا يستمر وقف استيراد الاغنام الحية حتى الآن وهو الامر
الكفيل بان يوقف كل هذا اللغط حول اللحوم المبردة المستوردة؟!


نكرر
القول باننا هنا لا ندافع عن الشركة، فهي اقدر على الدفاع عن نفسها.. ولكن
جل همنا ان يتم التعاطي مع هذا الملف وكل ملف بمنطق وموضوعية واحترام لعقول
الناس.
اقرأ المزيد