المنشور

السلطة تفتت المجتمع

بقلم: د.فواز فرحان*


كل
مجتمع مقسم أفقياً إلى طبقات اجتماعية بحسب موقع هذه الطبقات من وسائل
الإنتاج؛ تملك أو لا تملك. ولتقريب الصورة أكثر لنتخيل المجتمع كساندويش
الهمبرغر المكون من عدة طبقات؛ الطبقات العليا هي المسيطرة على المجتمع
وتستغل الطبقات التي تحتها بهدف تمكين سلطتها وزيادة أرباحها. والصراع
الرئيسي في أي مجتمع تاريخياً وحالياً هو صراع طبقي يتمثل بسعي الطبقات
المستغَلة لتغيير الواقع المفروض عليها من قبل الطبقات المستغِلة، ولا
يحتدم هذا الصراع إلا عندما يصبح هذا الواقع الممثل بالنظام السياسي
والدستور والقوانين والأعراف عائقاً أمام نمو هذه الطبقات المستغَلة
وتطورها وطموحاتها وأهدافها. 


والكويت ليست استثناءً من هذه القاعدة،
فالحلف الطبقي المسيطر الذي تمثل السلطة أحد أطرافه يهيمن على المجتمع
ويستغل الطبقات الأخرى لتستمر سيطرته ولتزيد أرباحه ومكاسبه المادية، وهذا
الحلف الطبقي وعلى رأسه السلطة يسعى بكل الوسائل والأساليب لكي لا يحتدم
الصراع معه بسبب نضوج الطبقات التي تحته. لذلك لجأت السلطة في الكويت إلى
قانون الانتخابات ذي الصوت الواحد المجزوء الذي لا يعطي مجالاً إلا لاختيار
مرشح واحد وبالتالي اختيار ١٠٪ فقط من النواب الممثلين للدائرة الانتخابية
وذلك لقطع الطريق أمام تكوين كتلة برلمانية معارضة تتصدى للممارسات
السلطوية العابثة بدستور الحد الأدنى وبالهامش الديمقراطي الذي تتحرك فيه
القوى الحية في المجتمع، ويبدو أنها كسبت هذه المعركة من خلال إضفاء الصفة
الدستورية على هذا القانون من خلال حكم المحكمة الدستورية الشهير، ولكن
السلطة اكتشفت كذلك أن هذا القانون لا يلبي هذا الهدف فحسب؛ بل يؤدي إلى
إنهاء العمل السياسي المنظم ذي الطبيعة الجماعية وبالتالي تأجيل نضوج
الحركات السياسية وتأجيل احتدام الصراع معها في سبيل استكمال النظام
الديمقراطي البرلماني. والسلطة لم تتوقف عند هذا الحد، بل هي مستمرة في
عملها المنظم الحثيث لهدم كل ما قد يؤدي إلى نضوج الحركات السياسية من خلال
تعميمها لنظام التصويت لمرشح واحد في النقابات المهنية وجمعيات النفع
العام والجمعيات التعاونية!


الحراك الشعبي السابق لم يعد قادراً على
التصدي لما تقوم به السلطة من ممارسات لعرقلة تطور البلد ديمقراطياً
لأسباب كثيرة من أهمها: الطبيعة الاحتجاجية لهذا الحراك والتي تتسم بالمد
والجزر بحسب القضايا الآنية التي تظهر على الساحة، وجود الكثير من الأمراض
الاجتماعية في صفوف الناشطين في هذا الحراك مثل الفئوية والطائفية
والقبلية، سيطرة السلطة على كل مفاصل الدولة وبالتالي تسخيرها لخدمة
مشروعها ولضرب هذا الحراك، وجود العناصر الانتهازية في الحراك والتي تستغله
لأهدافها الخاصة الضيقة، عدم وجود مشروع واضح ومحدد تتوافق عليه الأطراف
الناشطة في الحراك وبالتالي انتشار روح اليأس بين صفوفها. يجب أن تستوعب
الأطراف المعارضة الناشطة (الصادقة) في الحراك الشعبي أن الإصلاح والتغيير
من خلال ما تعتمده السلطة من أعراف وقوانين لم يعد ممكناً وأن عليها
المطالبة بتغيير هذا الوضع من خلال تبنيها لمشروع واضح ومحدد  يطالب بحل
المشكلة الرئيسية في البلد عن طريق تطوير نظامنا السياسي والدستوري نحو
نظام ديمقراطي برلماني كامل من خلال: وجود أحزاب سياسية، تداول ديمقراطي
للسلطة، ضرورة نيل الحكومة ثقة البرلمان، اختيار رئيس مجلس الوزراء
والوزراء من بين أعضاء كتلة أو حزب الغالبية في البرلمان، أن يكون رئيس
الدولة حَكَماً بين السلطات لا طرفاً في المنازعات السياسية. من غير هذا
المشروع الواضح والمحدد ستظل الأطراف السياسية المعارضة الناشطة في الحراك
تدور في نفس الحلقة المفرغة التي رسمتها لها السلطة.


نحن اليوم لسنا أمام خلاف على قانون
انتخابات أو مشاكل تفصيلية في الوزارات والإدارات فقط بل نحن نواجه مشروعاً
سلطوياً مشيخياً يسعى بكل أدواته ووسائله وأساليبه ليس لعرقلة التطور
الديمقراطي فحسب ولكن لإرجاع نظام الدولة إلى نظام على نسق أنظمة القرون
الوسطى، ونحن اليوم لسنا أمام عرقلة تكوين كتلة معارضة حقيقية في البرلمان
من خلال قانون الصوت الواحد المجزوء فقط بل نحن أمام حملة سلطوية لتفتيت كل
عمل جماعي منظم في البلد من خلال تعميم نظام الصوت الواحد المجزوء هذا على
النقابات والجمعيات والتي تشكل النواة المجتمعية الحقيقية لنضوج العمل
السياسي. فماذا ستفعل قوى المعارضة أمام هذا الواقع؟
———————————-
*عضو التيار التقدمي الكويتي.
اقرأ المزيد

ذكرى هيئة الاتحاد الوطني


تمر خلال هذه الأيام ذكرى تأسيس هيئة الاتحاد الوطني، التي قادت النضال الوطني الديمقراطي في منتصف القرن العشرين، ففي الثالث عشر من أكتوبر عام 1954 اجتمع ممثلو الشعب البحريني في مسجد بن خميس بالسنابس واختاروا 120 مواطناً من مختلف الفئات والمناطق يمثلون الهيئة التنفيذية العليا، اختارت بدورها لجنة تنفيذية من ثمانية أشخاص هم عبدالعزيز الشملان، عبدالرحمن الباكر، السيد علي كمال الدين، محسن التاجر، ابراهيم بن موسى، عبدالله بوذيب، عبدعلي العليوات، وابراهيم فخرو. 





وقد صاغت الهيئة مطالب الشعب البحريني، يومذاك، في مطالب رئيسية في مقدمتها:تأسيس مجلس تشريعي يمثل أهالي البلاد تمثيلاً صحيحاً عن طريق الانتخابات الحرة، ووضع قانون عام للبلاد جنائي ومدني على يد لجنة من رجال القانون يتمشى مع حاجتها وتقاليدها على أن يعرض هذا القانون على المجلس التشريعي لإقراره وكذلك إصلاح المحاكم وتنظيمها وتعيين قضاة لها ذوي كفاءة يحملون شهادات جامعية في الحقوق، ويكونون قد مارسوا القضاء في ظل القوانين المعترف بها.


كما نصت المطالب على السماح بتأليف نقابات للعمال ونقابات لأصحاب المهن الحرة تعرض قوانينها ولوائحها على المجلس التشريعي لإقرارها، وتأسيس محكمة عليا للنقض والإبرام مهمتها ان تفصل في الخلافات التي تطرأ بين السلطتين التشريعية والتنفيذية أو أي خلاف يحدث بين الحكومة وأي فرد من أفراد الشعب. 


لا تكمن القيمة التاريخية لحركة الهيئة في هذه المطالب الجوهرية فقط، والتي عكست توق شعب البحرين في التحرر من الهيمنة الاستعمارية، وتحقيق الديمقراطية والشراكة السياسية، وإطلاق الحريات العامة، بما فيها الحريات النقابية، وإنما أيضاً في كونها حركة وطنية شاملة، جامعة، غطت البحرين كلها، وفيها تمثلت كافة فئات الشعب ومكوناته.


هذا الجانب بالذات من دروس حركة الهيئة هو المفتقد اليوم في ظروف أزمتنا الراهنة، والوضع المعقد الذي تعيشه بلادنا. ففي ظروف الاستقطاب الراهن الذي يأخذ المظهر الطائفي في الكثير من حالاته، نجد أن طرفي الاستقطاب يتحدث عن الشعب بوصفه ممثلاً وحيداً له. وفي حقيقة الأمر فان هذا الشعب موجود هنا وهناك، على هذه الضفة وتلك الضفة، لكن المفتقد هو الإطار المعبر عن هذا الشعب كاملاً، على قاعدة مطالب متفق عليها وطنياً، وهذا ما نجحت فيه حركة هيئة الاتحاد الوطني في حينه، عندما وحدت، الشعب بسنته وشيعته خلف قيادتها، واستطاعت أن تقضي على الفتن الطائفية التي أراد المستعمر إشعالها. 


وحين انقض المستعمرون على حركة الهيئة واضطهدوا قادتها إما بالسجن أو النفي، واصل جيل جديد من الوطنيين البحرينيين الذين تلقوا خبراتهم النضالية الأولى في حركة الهيئة، وكانوا يومها شباناً في مقتبل العمر في حمل راية النضال الوطني.


الفكرة الوطنية المُوحدة ليست ماضياً وتراثاً فحسب، إنها حاجة راهنة شديدة الإلحاح، بعد التصدع الطائفي الذي بلغه مجتمعنا البحريني، والذي يجري الإمعان في تكريسه وتعميقه، وإعاقة أي جهد يساعد في التغلب عليه، عبر إبراز ما يفرق، لا ما يوحد، ومن أجل إعادة بناء الوحدة الوطنية البحرينية، فان البحرينيين ليسوا بحاجة للتعلم من التجارب الأخرى، ففي تاريخهم القريب ما هو جدير بأن يعلمهم. 


اقرأ المزيد

هنا تكمن فكرة الوطن



يصوغ كل شعب أسطورة عن نفسه وعن بلاده .  كل شعب هو بنظر نفسه شعب مجيد وكل بلاد بنظر شعبها بلاد عظيمة .  هذا صحيح في الحالتين: في آن كل الشعوب تفكر بهذه الطريقة، وفي آن كل الشعوب مجيدة وكل البلدان عظيمة، بالمقدار الذي نمجد فيه الإنسان تمجيداً مطلقاً من حيث كونه أرقى مخلوقات الله على الأرض، ومن حيث إن كل بقعة في هذه الأرض عزيزة على أهلها .


وكنت أطالع مرة كتاباً عن أساطير من أمريكا اللاتينية، وراقت لي حكاية عن المكسيك، تقول إنه كان هناك نسر كبير عاش منذ زمن بعيد، حطَّ في إحدى المناطق، نشر جناحيه فلم يسعه المكان، فقال إن شعباً صغيراً ليس جديراً به . 


انطلق النسر من جديد في الفضاء متجهاً نحو منطقة أخرى، وهناك أيضاً مد جناحيه، إلا أن المكان لم يسعهما، وهكذا فعل في مناطق أخرى تالية، قبل أن يقرر مواصلة طريقه نحو منطقة “مكسيكو” حيث كان هناك نبات من الصبار وسط بحيرة كبيرة .


مدَّ النسر جناحيه فامتدا في هذا المكان وكان بإمكانه أن يستدير بجناحيه في مختلف الاتجاهات، وعندما شاهد الناس القاطنون في هذه المنطقة النسر أصابهم الانشداد والذهول، فصاروا يتساءلون كيف وصل هذا النسر إلى هنا، إذ لم يسبق لهم أن رأوا نسراً في هذا الحجم، وقرروا بعد تداول أنه طالما كان النسر قد حطَّ هنا، فإن هذه أرض أعدت لشعب عظيم .


وأفتى بعضهم بأن يقوسوا نبات الخيزران الذي يكثر في المنطقة ليكون بمثابة أساس للمدينة حيث أستقرَّ النسر، وبادر السكان بالفعل إلى ملء المكان بالخيزران حتى غطى مستوى سطح الماء، وقاموا بعد ذلك بعمل آخر، إذ شبكوا الخيزران بعضه ببعض حتى جعلوه كقاع سلة، ثم وضعوا فوق الخيزران التراب، كثيراً من التراب، حتى أصبح بإمكانهم تشييد دورهم فوق تلك الغابة الكثيفة من الخيزران . 


وشيئاً فشيئاً توسع المكان وزرع فيه الناس كثيراً من نبات السعد، وأهالوا على ذلك مزيداً من التراب، وصار الناس الذين جاؤوا فيما بعد يقومون بما قام به من سبقهم .


لكل شعب حكايته الخاصة عن نفسه وعن بلده . . وقد تكون حكاية حقيقية، ولكن قد يذهب الخيال أقاصيه فيجترح أسطورة جميلة مثل هذه، تؤكد أن الأوطان تجمع بين الحكاية والأسطورة .  ها هنا تكمن فكرة الوطن .
اقرأ المزيد

«اليسار العربي».. مراجعات نقدية بحثا عن نهوض جديد – بقلم: علي حسين العوضي

بقلم: علي حسين العوضي
علي-حسين-العوضي-200x160


برزت
على الساحتين، الفكرية والثقافية، في السنوات الأخيرة، مراجعات مهمة حول
الأيديولوجيات السياسية والاقتصادية، في الوقت الذي يمر به العالم
بتحوُّلات كبيرة، إضافة إلى التغيُّرات الجذرية التي طرأت على العديد من
الأنظمة، وتبدل أطراف الصراع العالمي، وتنامي حالة الغليان الشعبي في
المنطقة العربية منذ ثورات الربيع العربي، التي أطاحت بعض الأنظمة، ولا
تزال مستمرة في عدد من البلدان.


وتأتي في مقدّمة هذه المراجعات الفكرية مراجعة لـ»اليسار العربي»، الباحث عن نهوض جديد، وحدوده وانعكاساته.


ومن الضروري بمكان التوقف بشكل متأنٍ
أمام هذا الأمر، وخصوصاً أن هذا الفصيل ظل بمكوناته صامداً وثابتاً في وجه
عدد من المتغيّرات والتحوُّلات، ومتمسكاً بفكرته الماركسية، وإن انخفض
تأثيره في مرحلة من المراحل، نتيجة تنوُّع واختلاف بعض من مواقفه، وهو ما
استلزم مثل هذه المراجعات النقدية، إلا أنه في المقابل بات اليوم يشكل وفق
رؤى محددة وواضحة التيار الأقدر على فهم وتفسير مجريات الأمور وتطورها
وتحليلها وفق منهجية مادية.


هذه المراجعات بدا في الآونة الأخيرة
أنها أخذت أشكالاً عديدة، حيث خرجت العديد من الإسهامات والدراسات
والمقالات الصحافية، واللقاءات التي تأتي في مقدمتها «اللقاء اليساري
العربي» الدوري، إضافة إلى محاولات وكتب جادة قدمها عدد من المفكرين
اليساريين العرب، من أمثال: نايف حواتمة في كتابه الذي حمل عنوان «اليسار
العربي: رؤيا النهوض الكبير» (2009)، وكذلك كريم مروّة في كتاب «نحو نهضة
جديدة لليسار في العالم العربي» (2010)، ونديم البيطار في «حدود اليسار
الثوري كظاهرة تاريخية» (2003)، في محاولة لوضع وتأسيس البرنامج اليساري
الجديد.


يتوقف غالبية اليساريين أمام عامل كان
له تأثيره المباشر في أزمتهم، والذي يتمثل في انهيار منظومة الدول
الاشتراكية في العام 1991، وما تلاه من تداعيات كانت نتائجها تحوُّلات ذات
طابع ليبرالي بدأت تنتشر في الأوساط اليسارية، إضافة إلى ابتعاد بعض عناصره
عن الفكر الاشتراكي والماركسي.


ويرى أحمد الديين في مقال له بعنوان
«إعادة الاعتبار لليسار»، أن هناك جملة من العوامل الذاتية الداخلية وراء
أزمة اليسار العربي، تتمثل في: أخطاء بعض قوى هذا اليسار، والتحاقها التبعي
بـ»الأنظمة العربية الوطنية»، وقبولها بالتعارض المفتعل بين الديمقراطية
السياسية وقضايا التحرر الوطني أو التحوُّلات الاجتماعية، وانخداع بعض قوى
اليسار بالشعارات القومية، وانجرارها وراء حروب غير مبررة ومشروعات عدوانية
وأطماع، إضافة إلى تجاهل هذه القوى للارتباط الجدلي بين نضالها السياسي
ونضالها الاجتماعي، حيث ركزت على النضال السياسي، متناسية هموم الجماهير،
وأخيراً التناحر المؤسف بين الفصائل والقوى التقدمية والوطنية والديمقراطية
في البلد الواحد، ونسيان العدو المشترك والمهمات الأساسية.



لقاءات اليسار العربي
منذ العام 2010 بدأت فصائل اليسار
العربي بإقامة اللقاءات الدورية والسنوية، والتي أقيم منها حتى الآن أربعة
لقاءات عُقدت جميعها في العاصمة اللبنانية (بيروت)، وتأتي هذه اللقاءات في
سياق ترتيب أوضاع اليسار في ضوء تطوُّرات الأوضاع في الشرق الأوسط، وكذلك
على المستوى الدولي، في سبيل مواجهة محاولات استفراد الولايات المتحدة
بمقدَّرات العالم، بقيادة المحافظين الجدد والنيوليبراليين، الذين يطرحون
شعار «النظام العالمي الجديد»، حيث خصوا الشرق الأوسط بشعار «النظام الشرق
الأوسطي الجديد»، تحت ستار الادعاء بنشر الديمقراطية وحقوق الإنسان.


وقد أشار البيان الختامي للقاء اليساري
العربي الذي عُقد خلال الفترة من 18 إلى 19 فبراير في العام 2011 تحت شعار
«مهمة اليسار العربي في الثورات الاجتماعية الراهنة وكيفية مواجهة الهجمة
الامبريالية – الصهيونية» إلى أن المهمة الأولى لقوى اليسار العربي «تكمن
في تحصين الحالة الثورية التي يعيشها عالمنا العربي وتجذيرها، باتفاقها على
برنامج للتغيير يتحقق فيه الربط المنهجي النضالي بين المهام الوطنية ومهام
التغيير الديمقراطي الاجتماعي»، وذلك من خلال «مقاومة الاحتلال والعدوانية
الإمبريالية، بزعامة الولايات المتحدة الأميركية والصهيونية»، وهو ما يعطي
لليسار العربي بُعداً تحررياً نحو تأسيس حركة تحرر عربية ذات برنامج نضالي
يستهدف تغيير الأنظمة باتجاه أنظمة حكم وطنية ديمقراطية علمانية.


هذه المهمة تنطلق منها المهام الأخرى،
مثل إعطاء الأولوية للنضال، من أجل الحريات الديمقراطية والعامة، بدءاً من
«حق التنظيم السياسي والنقابي، وحق الطبقة العاملة وسائر الفئات الكادحة في
الإضراب والاعتصام والتظاهر، من أجل تحقيق مطالبها العادلة».


وذهب البيان أيضاً إلى أهمية أن تكون
الأحزاب والقوى اليسارية معبّرة بصورة حقيقية عن طموحات الشباب، وذلك «عبر
تضمين برامجها مطالبهم وهمومهم الحياتية المباشرة، وكذلك تطلعاتهم إلى
التغيير»، من خلال «بناء الكوادر الشبابية والطلابية اليسارية وإغناء
تجربتها ونضالها، من أجل الديمقراطية والحريات العامة والعدالة الاجتماعية،
وإعطائها دوراً أكبر في الهيئات القيادية للأحزاب».


ولم يغفل البيان التأكيد أن «القضية
الفلسطينية كانت ولاتزال القضية المركزية للصراع العربي – الصهيوني، بما
يتطلب إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية الفلسطينية»، والتمسك
بالثوابت الوطنية، حتى تتحقق أهداف الشعب الفلسطيني في إقامة دولته
وعاصمتها القدس.


وفي اللقاء الرابع، الذي أقيم في يونيو
الماضي، تم تثبيت شعار وهدف مرحلي للقوى اليسارية العربية تبلور في «النضال
من أجل بناء دولة وطنية ديمقراطية».


هذه الاستفاضة ضرورية، بل قد تكون
مدخلاً أساسياً لإدراك برنامج التغيير «اليساري» الذي تسعى إليه المنظمات
والهيئات والأحزاب اليسارية، في محاولة لخلق الواقع الجديد، وذلك من خلال
عرض لكتابي نايف حواتمة وكريم مروّة.



رؤيا النهوض
يمثل كتاب نايف حواتمة «اليسار العربي:
رؤيا النهوض الكبير» أحد أهم التوجهات الداعمة للعمل المشترك بين جميع
القوى اليسارية، إلا أنه في المقابل يؤكد أن «اليسار» كلمة ذات دلالات
واسعة وفضفاضة تحتاج إلى تحديد في البلد والمجتمع الواحد.


لذلك، يشير حواتمة إلى ثنائية مترادفة:
الأولى في برنامج العمل اليساري والتقدمي، والثانية في مدى ارتباط هذا
البرنامج بـ«مفهوم العدالة الاجتماعية»، والتي هي «طريق الديمقراطية
التعددية».


ولكن كيف يمكن تلمس هذا الطريق؟ الإجابة
تكمن في أنه لا يمكن إجراء «الإصلاح الديمقراطي الاجتماعي السياسي من دون
أن يترافق معه إصلاح ثقافي فكري شامل».


ويربط حواتمة المحددات العامة لمفهوم
اليسار الديمقراطي بجوهر العدالة الاجتماعية وتوزيع عائدات الدولة
والمجتمع، فضلاً عن ارتباطه بمفهوم التقدم، الذي يتمثل برؤية الأهداف
العامة المترابطة في قوتها، عضوياً وبنيوياً، لتحقيق السيادة الوطنية
والقومية، والتحرر من التبعية، والتنمية الإنسانية المستدامة بكل أبعادها.


ومن هنا، يؤكد أن العلاج والحل لقوى
اليسار الوطني الديمقراطي ينطلق من «إعادة بناء حركة شعبية تحررية تقدمية
متنورة، ومواجهة السلفية الدينية السياسية والنيوليبرالية ومدرسة المحافظين
الجدد»، وهم وفق حواتمة، «سيصلون في النهاية إلى الطريق والجدار المسدود».



نهضة جديدة
من جانبه، يحدد كريم مروّة في كتابه
الموسوم «نحو نهضة جديدة لليسار العربي» مسألتين أساسيتين تمثلان المحور
بالنسبة لـ«اليسار»، هما: «تحديد المهمات التي تحرر عالمنا العربي من
تخلفه، وتحرر شعوبنا في أنظمة الاستبداد السائدة»، وهو ما يعني ويتطلب
أيضاً «العمل على تحديد معالم الدولة الحديثة التي تحتاج إليها بلداننا».


ويرسم مروّة البرنامج اليساري الجديد
للمرحلة المقبلة، محدداً عدداً من القضايا ذات العلاقة المباشرة في ما
بينها، وأن تحقيقها وتنفيذها يستلزم نضالاً جماهيرياً شاملاً لجميع
القطاعات، وهذه القضايا هي:


ـ بناء الدولة، وتحرر البلدان من النمط
الاستبدادي القديم نحو الدولة الديمقراطية الحديثة، بكل ما يحتويه هذا
المفهوم من قانون ومؤسسات وحريات عامة.


ـ تحديد مكونات المجتمع المدني ووظائفها
من أحزاب ومؤسسات وجمعيات اجتماعية وثقافية ونقابات عمال، حيث تحتاج مثل
هذه المؤسسات إلى تجديد ذاتها، وتطوير وسائل عملها ونضالها، والارتقاء في
صيغها باتجاه الديمقراطية والشفافية والاهتمام الحقيقي بحقوق الإنسان
والمواطن.


ـ الرؤية والمسألة الوطنية ومنع
التدخلات الخارجية، ورفض تدخل أي بلد عربي بشؤون بلد عربي آخر تحت أي ظروف،
سواء أكانت الشعارات قومية أم دينية.


ـ تحقيق التقدم الاقتصادي لإخراج بلداننا من تخلفها المزمن في كل جوانبه.


ـ سياسة جديدة لاستثمار الثروات في
بلداننا، والتي هي عُرضة للتبديد في أيدي السلطات المتحكمة بها من جهة،
وتحكم وهيمنة القوى الخارجية من جهة أخرى.


ـ التنمية الاجتماعية، والتي أولها تأمين فرص التعليم لجميع المواطنين وتمكينهم من امتلاك الثقافة والمعرفة في كل ميادينهما.


ـ الضمانات الاجتماعية، والتي يؤدي فقدانها إلى تزايد حجم الفقر والمرض، ويدخل في هذا المجال الصحة والسكن.


ـ الاهتمام بالثقافة والمعرفة في كل فروعها، إنتاجاً وتعميماً.


ـ البحث العلمي، وتعزيز وتطوير مراكزه والإنفاق عليه.


ـ الاهتمام بالتراث الثقافي والاجتماعي، والذي هو الأساس في تحديد الهوية لشعوبنا.


ـ الاهتمام بالشباب، تنشئة وتعليماً،
وتوفير فرص عمل لهم، وتوفير كل الشروط لنشاطهم البدني والترفيهي، وتلبية
احتياجاتهم التي تسهم في تكوين شخصيتهم.


ـ لا تزال المرأة تعاني أشكالا من الظلم
والاضطهاد وتُحرم من دورها في بناء المجتمع، حيث تتحمَّل الدولة وبعض
المؤسسات السياسية والاجتماعية وبعض الحركات الأصولية المسؤولية تجاهها.


ـ النضال ضد التطرُّف والإرهاب، الذي يتخذ أصحابه شعارات سلفية يلحقونها بالدين، تعسفاً ورياءً.


ـ الاهتمام بالبيئة والمحيط، وبكل ما يتصل بالحفاظ على الحياة، وبحماية الطبيعة من محاولات تدميرها.


ـ النضال ضد الأنظمة الاستبدادية وضد
أشكال تحكم سلطاتها في شؤون البلاد كلها، والنضال لإلغاء القوانين
الاستثنائية وتحرير البلاد والشعب والمواطن من وسائل القمع الذي تتعرض لها
حرياته ونشاطه، وكذلك مكافحة الفساد الذي «يعشش» في مؤسسات الدولة التي
تستخدم للإثراء غير المشروع، من خلال هدر المال العام، ونهب وتجويع الشعب
وإفقاره.


ـ معالجة القضية الفلسطينية، والتضامن
مع الشعب الفلسطيني في نضاله المشروع، إذ لا سلام مع إسرائيل من دون تحرير
الأراضي العربية المحتلة كاملة.


ـ الحفاظ على حقوق الأقليات في المنطقة العربية وحرياتهم والاعتزار بثقافاتهم.


ـ توطيد علاقات التكامل بين البلدان
العربية في شتى المجالات، الاقتصادية والثقافية والعلمية، على قاعدتي
العلاقة التاريخية والمصالح المشتركة.


ـ العلاقات الدولية والإقليمية والموقف
الحازم تجاه السياسات التي شكلتها الإدارات الأميركية المتعاقبة في تدخلها
في شؤون بلداننا، والعمل مع سائر القوى اليسارية والديمقراطية في العالم
لمواجهة رأس المال المعولم، والعمل على تقارب الشعوب، من خلال التفاعل بين
ثقافاتها ونشر السلام العالمي.


ـ إنجاز البرنامج المشترك بين قوى
التغيير في العالم العربي، لدعم استقلال البلدان العربية وسيادتها وتحقيق
التكامل المنشود على طريقة الاتحاد العربي، بما يحقق التقدم الاقتصاد
والاجتماعي.



كلمة أخيرة
إن اليسار العالمي والعربي بدأ مراجعاته
الفكرية، متمسكاً أولاً بأيديولوجيته الماركسية، وثانياً بمنهجه المادي
لتفسير التاريخ والأحداث، وهو ما يترتب عليه تطوير أسلوب وبرامج العمل
ووسائل التغيير النضالي والثوري، والالتصاق أكثر بالجماهير، وإعادة تفسير
مفهوم «الطبقة العاملة» من معناه الكلاسيكي، ليشمل قطاعات وفئات أوسع،
وإعادة فهم طبيعة المجتمعات وتركيبتها الاجتماعية واختلاف مكوناتها من مكان
لآخر.


«اليسار» اليوم مطالب بأدوار أكبر
وأشمل، بعدما افتقدت الحركات الوطنية التقليدية هوياتها ومرجعياتها، وأصبحت
تعتمد على البرامج ذات الطابع المصلحي، والتصقت أكثر، ونقصد هنا الحركة
الوطنية التقليدية، بالإطارين الليبرالي والنيوليبرالي وتوجهاتهما، حتى
أضحت مصالح «البرجوازية الوطنية» طاغية على المصالح الحقيقية.


ويسجل لليسار بشكل عام استمرار مواقفه
الراديكالية المعارضة لسياسات الانفراد بالسلطة، بشتى أنواعها، ومناهضته في
الوقت ذاته للغرب الرأسمالي، بقيادة الولايات المتحدة، ورفضه لعمليات
الاستسلام، ولم ينسَ أيضاً أهمية القضية الفلسطينية، باعتبارها مدخلاً
رئيساً للعمل الوحدوي العربي المشترك، وما يتطلبه ذلك من آليات
وإستراتيجيات.مفهوم العدالة الاجتماعيةبرز في سياق المراجعات النقدية مصطلح «العدالة الاجتماعية»، والذي حدد كريم مروّة مستوياتها في بلد ما بأربعة أمور، هي:


● مستوى التقدم الاقتصادي المحقق في البلد المعين.


● مدى ترسخ الديمقراطية وثباتها بالمعنى السياسي والاجتماعي لها، وانعكاس
ذلك في سياسات الحكومات المتعاقبة وبرامجها، ولا سيما في ما يتعلق
بالقوانين العامة التي تحمي حقوق المواطنين في كل ما يتصل بحياتهم ونشاطهم.


● مدى إمكانية تحقق نوع من التكامل بين مؤسات الدولة الديمقراطية ومؤسسات المجتمع المدني في ما يخص التنمية الاجتماعية.


● مدى قدرة القوى الديمقراطية ومؤسسات المجتمع المدني على تقديم برامج
لتوعية المواطنين بحقوقهم وواجباتهم من جهة، ولتحديد المهمات المطلوب
تحقيقها من جهة ثانية، وجذب هؤلاء المواطنين، من جهة ثالثة، إلى الانخراط
في النضالات الديمقراطية، دفاعاً عن حقوقهم وتلبية لمطالبهم، لمواجهة
المحاولات التي يمكن أن تقوم بها السلطات لوضع قوانين تسلبهم حقوقهم.

________________________________________________
منقول عن موقع التيار التقدمي الكويتي
اقرأ المزيد

هل آن أوان التسويات؟



عدة
هي البقاع التي ما زالت تشكل محاور التوتر المتنازع عليها إقليمياً
ودولياً . إلا أن أغلبيتها العظمى تبقى نقاط توتر صغيرة و”منخفضة” الشأن
والاهتمام الدوليين، بالقياس إلى القضية الأكبر التي تشكل في الوقت الراهن
بؤرة اهتمام الولايات المتحدة والدول الأوروبية الحليفة لها، وهي قضية
الملف النووي الإيراني ومواقف التجاذب الإيرانية إزاء ما يعده الغرب مصالحه
في منطقة الشرق الأوسط . هي بالتأكيد ليست القضية الأكثر إلحاحاً في سلم
الأولويات المفترَضة للأسرة الدولية بالقياس إلى قضية الشعب الفلسطيني،
وقضية الصراع العربية “الإسرائيلي” عموماً وملف التسلح النووي الكوري
الشمالي . ولكنها اليوم تتصدر قائمة الأسهم المتدالة في بورصة الاهتمام
الغربي الذي يحدد، شئنا أم أبينا، بوصلة وجدول أولويات المجتمع الدولي . 


في
الأيام القلية الماضية أرسل الغرب وإيران إشارات صريحة تُنبىء بوصول
الطرفين إلى قناعة بضرورة إعادة تقييم جدوى استمرارهما في مقاربة المواجهة
والاحتكام إلى معادلة العائد والتكاليف لهذه المقاربة . والانعطاف،
ترتيباً، نحو مرحلة جديدة من الانفراج على غرار سياسة الانفراج التي تخللت
فترة الحرب الباردة بين الشرق والغرب إبان عقود الصراع التي أعقبت نهاية
الحرب العالمية الثانية وحتى سقوط الاتحاد السوفييتي في عام 1990 .


إذ يبدو أن الطرفين، الإيراني والغربي -الأمريكي تحديداً،  قد
وصلا إلى ما يشبه القناعة بأن الوقت قد أزف لكليهما، بعد 34 عاماً من
سياسة المجابهة الباردة، والساخنة أحياناً، لأن يضعا هذه السياسة جانباً،
ولو مؤقتاً، وأن يتوجها معاً لتجريب الخيار الآخر الذي لابد أن يكون مر
المذاق بالنسبة إلى كليهما، وهو اتباع سياسة الانفراج والتقارب والتوافق،
تحت ضغط الحاجة والضرورة .


فالجانبان
الإيراني والأمريكي تعبا من التكلفة الباهظة لسياسات المجابهة والحروب .
فقد استُنزفا مالياً واقتصادياً وبشرياً ونفسياً، ولكن ليس أخلاقياً
بالتأكيد .


إيران
اقتنعت بوصول خيارها السياسي والاقتصادي والاجتماعي إلى طريق مسدود، بعد
أن تيقنت قياداتها الروحية والسياسية باستحالة فصل وتحييد العامل الخارجي
عن متغير التنمية الوطنية، بفعل المعاناة والآلام المؤذية التي سببتها حزم
العقوبات الغربية المتوالية على اقتصادها


الذي لازال يتموَّل ماليا من إياردات النفط والغاز بالدرجة الأساس .


الولايات
المتحدة هي الأخرى لابد أن تكون قد استشعرت وطأة أزمات عجوزاتها المالية
(الموازنة والدين العام)، والتكلفة الباهظة لسياسات الحروب الساحنة
والباردة . فكانت نتيجة استشعار الطرفين لتكلفة ذلكم الخيار، هي إتيان
الولايات المتحدة برئيس من خارج دائرة الرؤوس الحامية، وهو باراك أوباما،
وإتيان إيران برئيس من خارج الدائرة المغلقة والمتنفذة اقتصادياً ومالياً
وعسكرياً للمتشددين . رئيس جرى تقديمه للعالم على أنه داعية تفاهم وتصالح
وتوافق مع العالم الخارجي الذي دأبت طهران منذ عام 1979 على التعامل معه
بلغة التحدي والقوة .


ومع
ذلك، يجب ألا يظنن أحد أن التقاء القناعتين والإرادتين في هذا الظرف
التاريخي الحرج الذي تجتازانه، سيكون وحده كافياً لعبورهما إلى البر الآخر
الذي تستشرفان فيه مستقبل علاقاتهما . فلسوف تواجه رغبتا البلدين في إحداث
نوع من الاختراق في علاقاتهما المتوترة، مقاومة صلبة في محاولة لتعطيل
وإفساد اقترابهما من التهادن . 


بالنسبة
إلى رئيس الولايات المتحدة، فإن مقاومة سياسته التقاربية مع إيران، لا
تقتصر على الأجنحة اليمينية المتطرفة داخل الحزب الجمهوري وخارجه وحسب،
التي بدأت سريعا لإحباط مسعاه بقطع الطريق أمام إدارته لاقرار الموازنة
العامة للدولة من أجل انتزاع تنازل سياسي منه في ما يتعلق باتصال إدارته
بالإدارة الجديدة في إيران، إضافة إلى تنازله عن برنامجه الخاص بالرعاية
الصحية الذي صار يُطلق عليه “أوباما كير” (Obama Care)
نسبةً إلى صاحب فكرته وتصميمه الرئيس باراك أوباما، وإنما تشمل، وبصورة
موازية، أنصار “إسرائيل” داخل النظام السياسي الأمريكي وخارجه .


وأما
بالنسبة إلى الرئيس الإيراني (حسن روحاني)، فإن العديد من مراكز القوى
المتنفذة داخل النظام لن تُسلِّم له بسهولة كي يواصل السير قدماً في نهجه
التصالحي مع الغرب . وكانت ملاحظة مرشد الجمهورية على نتائج زيارته لمدينة
نيويورك للمشاركة في الاجتماع السنوي للجمعية العامة للامم المتحدة، بمثابة
إشارة تحذيرية للفرملة وإبطاء نسق الاندفاع نحو التوصل لصفقة ما مع واشنطن
.


بهذا
المعنى، تحاول البراغماتية السياسية التي تميز عادة الممارسة السياسية
للبلدين، أن تزيح الإيديولوجيا قليلاً من “سكتها” وتحل محلها للقيام بأداء
وظيفتها المعتادة على أكمل وجه . ولكن مواقع الإيديولوجيا ما زالت راسخة
لدى كل منهما . ومن الصعب التنبؤ لمن ستكون له الغلبة في نهاية المطاف . .
للإيديولوجيا المغلقة أم للبراغماتية المرتكزة أكثر من الأولى على المصالح
الكلية والجارية؟
اقرأ المزيد

في التطورِ العربي العام

الدول العربية ذات مستويات تطور مختلفة، وهي مشدودة ككل دول العالم إلى
التطور التحديثي العلماني الديمقراطي، ونرى الآن كيف أن فرنسا هي قمة
التطور الصراعي الاجتماعي الديمقراطي الحديث، حين نضج هذا التطور خلال
القرون الثلاثة الأخيرة، وكون هذا المستوى الذي هو محصلة لمستويات التطور
الاقتصادية الاجتماعية الثقافية الطويلة.


ومن هنا نرى النموذج التونسي
ومقاربته لهذا التطور وكيف راح الصراع الاجتماعي يتبلور، فالطبقتان
البرجوازية والعمالية واضحتان وضوحاً سياسياً كبيراً، فمنظمات قوى رأس
المال والمصالح الخاصة، متبلورة مثل منظمات العمال والحرفيين والشغيلة
عامة.


أحزاب اليسار وأتحاد الشغل تعبر عن الانفصال الاقتصادي الفكري
الذي لم يكتمل تماماً، فالفئات الوسطى الصغيرة وجمهور من الشغيلة كذلك لا
تفرق بين الوعي الديني والحقيقة، فالوعي الديني الإسلامي المحافظ هو شكل
الحقيقة لديها، ومن يعتنقه يعبر عن الناس ككل كما تتصور في وهمها
الأيديولوجي.


ولهذا فرغم ظروف عيشها الصعبة ومعاناتها من الاستغلال
الحكومي حيث الرأسمالية الحكومية البيروقراطية مركز الاستغلال في العالم
الشرقي، فإنها تؤيد هيمنة استغلالية جديدة على هذه المُلكية العامة وقد
كانت باسم الحزب الدستوري وتغدو الآن باسم حزب النهضة.


وقد ساهم وعي
اليسار الجامد في هذا الوهم، فلم يفهم الإسلام الحالي كأشكال محافظة مذهبية
معبرة عن الطبقات العليا الاستغلالية القديمة وبعض التفسيرات الجديدة
المحدودة، وبالتالي كان لا بد أن يمتلك تفسيره الشعبي النقدي لرؤية
الإسلاميين، لأن اليسار الديمقراطي هو وريث كل التجليات الشعبية المناضلة
عبر التاريخ، ولهذا يهتم بكل الحقب التاريخية دون أن يذوب في مستوياتها
الفكرية، وهو أمرٌ لا ينفصل عن علمانيته، وفصله الدين عن السياسة، وهو
موقفٌ مركب دقيق كذلك.


التبلور الفكري الناضج في تونس يحتاج لخلخلة
الوعي المذهبي السياسي المحافظ واكتشاف جمهور النهضة لمصالحهم الطبقية
المختلفة، وتجاوز الصيغة المحافظة هي مسألة قراءات معمقة في التراث وفي عمق
الصراع السياسي الراهن.


هذا التبلور بين الطبقتين الحديثتين نجده
يتقارب في مصر والمغرب، ومصر استطاعت إحداث قفزة، لكن جمهور العمال
والبرجوازية أو الفئات الوسطى عامة، متداخل هنا مع أجهزة الدولة، وإذ راح
يبلور أيديولوجيته السياسية التحديثية في الدستور الجديد لا يزال يصارع من
أجل هذه البلورة والانتماء الراسخ للديمقراطية الحديثة على النمط الفرنسي
المتبلور.


إن خروج الصراع الطبقي إلى الوضوح وإلى المؤسسات الديمقراطية
الحديثة، وقد منعته مخاوفٌ أسطورية رهيبة خلال قرون، هو الحل السياسي
المعاصر للمشكلات الاقتصادية والاجتماعية.


والأيديولوجيات الدينية هي
ضبابٌ فكري سياسي راجع للعصور الماضية، وحين تتكثف وتمنع الرؤى الاجتماعية
والطبقات والفئات من اكتشاف مصالحها والدفاع عنها بشكل حضاري تُحدث صراعات
مَرضية في المجتمعات تدفعها للانهيار، فبدلاً من المصالح الحقيقية
المتعارضة تظهر مصالح ذاتية معرقلة هي تدخلات الدول ونَزعاتها الدينية
والقومية المعبرة عن قوى بيروقراطية وعسكرية وتقليدية.


لهذا فإن تبلور
هذا المستوى من التطور الاجتماعي السياسي في بعض دول شمال أفريقيا العربية
لم يصل لدول المشرق العربي الإسلامي، الذي راح يغوص في صراعات ما قبل
الحداثة، فالطبقتان الحديثتان المتبلورتان لم تظهرا على مستوى الخرائط
الوطنية بوضوح من خلال أشكالها السياسية الاجتماعية وحضورها في المؤسسات
العامة.


ولهذا فإن كثافة حضور المنظمات الدينية المذهبية القومية المتصارعة يجسد هذا التخلف على المستوى الاقتصادي الاجتماعي.


فهذه المنظمات لا تريد التعبير عن فئات بل كذلك عن مذاهب كلية وقوميات لم
تتبلور وتعيش في اضطرابات خلال قرون، وهي بهذا تجرُّ الخرائطَ الوطنية
للتمزق والحرق في أثناء انسحابها للعصور الوسطى.


إن منظمات أرباب العمل
والعمال خاصة في مستوياتها السياسية النقابية لم تتبلور وتغدو ذات أهمية
وطنية، كما يحدث في تونس عبر تضامن ووحدة مؤسسات أرباب العمل وإتحاد الشغل
على المستوى السياسي الوطني، مع وجود المصالح المتباينة على المستوى
الاقتصادي.


إن الدينيين ذوي العقلية المحافظة يفرضون نفوذهم في المشرق ،
معطين الصراعات الاجتماعية البسيطة أشكالاً مذهبية وقومية رهيبة غير ممكنة
الحل خوفاً من ظهور أشكال الحداثة الديمقراطية التي تنزع سلطاتهم المتكلسة
عبر قرون.
اقرأ المزيد

في اليوم العالمي للقضاء على الفقر

صادف يوم أمس الخميس (17 أكتوبر) اليوم العالمي للقضاء على الفقر، وبحسب
«ويكيبيديا» فإن البنك الدولي عرف الدول منخفضة الدخل أي الفقيرة بأنها
تلك الدول التي ينخفض فيها دخل الفرد عن 600 دولار سنويّاً، وعددها 45 دولة
معظمها في إفريقيا، منها 15 دولة يقل فيها متوسط دخل الفرد عن 300 دولار
سنويّاً. كما أن هناك حوالي 45 في المئة من الفقراء يعيشون في مجتمعات غير
منخفضة الدخل، أي هناك فقراء في بلاد الأغنياء، ما يؤكد أن السبب الرئيس في
انتشار الفقر في العالم هو التوزيع الظالم للثروات.

في دراسة أجراها
المعهد العالمي لبحوث اقتصاديات التنمية وجد أن 1 في المئة من سكان العالم
يملكون 40 في المئة من الأصول العالمية المقدرة بـ 125 تريليون دولار، وأن
أغنى 2 في المئة من سكان العالم يمتلكون أكثر من 51 في المئة من الأصول
العالمية، وأغنى 10 في المئة يملكون 85 في المئة من الأصول العالمية، في
حين أن 50 في المئة من سكان العالم يمتلكون أقل من 1 في المئة من الأصول
العالمية.

حتى الآن لم يستطع العالم أن يوجد نظاماً سياسيّاً
واقتصاديّاً، يقضي على الفقر، ويجعل المجتمع أكثر عدالة وإنسانية، بل العكس
فإن ما يحصل الآن هو زيادة الفجوة بين الأغنياء والفقراء، حيث دخلنا في
مرحلة انتصار الرأسمالية المتوحشة، بعد أن فشلت عدد من الدول في تطبيق
الاشتراكية التي تدعو إلى ملكية الدولة لوسائل الإنتاج بحيث لا يسمح للفرد
في المجتمع أن يمتلك ثروات ضخمة في حين أن جاره لا يجد ما يأكله أو يطعم به
أطفاله.

وفي حين تقوم شركات الأغذية العملاقة برمي أطنان من الغذاء
في البحر، بهدف المحافظة على الأسعار يموت 3.5 ملايين طفل في إفريقيا سنويا
بسبب سوء التغذية، وعدم الحصول على العناية الصحية المفترضة.

لا
يخلو مجتمع من المجتمعات الإنسانية في الوقت الحاضر من طبقات فقيرة حتى في
المجتمعات المتقدمة، ولا يمكن القول إن ذلك من طبيعة الأمور، ما هو مؤكد أن
الثروات في العالم هي ملك للبشرية جمعاء ولا يمكن أن تستولي عليها مجموعة
صغيرة، في حين ترزح الأكثرية المطلقة تحت وطأة الحاجة والعوز والفقر، ولذلك
كان الفقر من أهم المسببات الداعية للثورة وتغيير الأنظمة الاجتماعية
والسياسية، وسيبقى الأمر كذلك حتى النهاية.

اقرأ المزيد

اتجاهات العملة الأمريكية




باستثناء
فترتي بداية الثمانينات وأواخر التسعينات اللتين سجلتا اتجاهين صعوديين
ضامرين للدولار، فإن العملة الأمريكية لم تعرف طريق الصعود القوي واللافت
منذ إعلان فك ارتباطها بالذهب وخفضها تتابعاً مطالع سبعينات القرن الماضي
بعد سلسلة تراجعات جوهرية شهدتها مواقع الاقتصاد الأمريكي المختلفة .




الجديد أن مؤشر الدولار الأمريكي (
U
.
S
.
dollar Index)
الذي
يقيس سعر صرف الدولار مقابل سلة عملات عالمية، كشف عن أن الدولار ارتفع
بواقع 10% في العامين الماضيين . كيف حصل ذلك على الضد من الجهود الجبارة
التي بذلها مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي على مدى السنوات الخمس
الماضية لدفع الدولار نحو الهبوط . بل إن هذا الارتفاع الذي سجله الدولار
حدث والاقتصاد الأمريكي ينوء بأثقال عجز الموازنة الذي يقارب 900 مليار
دولار (هذا العام وأكثر من ذلك في العام الذي سبقه)، ودين عام تخطى إجمالي
الناتج المحلي .




لقد حدث ذلك أساساً نتيجة عملية يمكن أن نطلق عليها عملية حرب عملات بأسلوب “سواب” (
Swap)
،
حيث تَعْمَد المصارف المركزية للاقتصادات الكبرى “لتبادل اللكمات” في
محاولة كل منها لمنع الأخرى من الخروج بأفضلية نسبية جراء سياسة خفض عملتها
تسخيراً لإحدى أدوات سياستها النقدية . ثم إن كل هذه الدول (الولايات
المتحدة وبلدان الاتحاد




الأوروبي واليابان) أخذت جميعها بسياسة التسهيل الكمي (,
Quantitative Easing)
وحيث
إن الدائن لا يهمه كيف يتدبر المدين طريقة سداده للدين، بقدر ما يهمه
استرداد أمواله وعوائدها في موعد استحقاقها، وحيث إن أمريكا لم تعلن بعد
إعسارها المالي، كما هو حال بعض ولاياتها, فإن الدولار يبقى بخير، وستبقى
جاذبيته مستمرة متمثلة في احتفاظ الدولار بموقعه كعملة الاحتياط الأولى في
العالم بحوالي 62% من احتياطيات البنوك المركزية العالمية، وعملة التداول
العالمية الأولى التي يتم بها إبرام صفقات البيع والشراء، بما فيها صفقات
بيع وشراء السلع الاستراتيجية مثل النفط . ولا ننس الإشارة الإيحائية
الإيجابية التي أرسلها مجلس الاحتياطي الفدرالي في شهر يونيه الماضي حول
احتمال قيامه بوقف برنامجه للتسهيل الكمي (شراء السندات المستحقة على
الحكومة من الدائنين لضخ سيولة في الأسواق)، حيث أدت إلى ارتفاع مؤشر
الدولار 1 .3% . وبالتالي كلما جرى الحديث حول هذا الأمر سيسجل الدولار
مزيداً من الارتفاع باعتبار ذلك مؤشراً على تعافي الاقتصاد وتمكنه من
الاستغناء عن حقن تنشيطه والاكتفاء بديناميكياته الداخلية . وقد يبدو هذا
الأمر باعثاً على الاعتقاد بأن الاقتصاد قد تخلص من أعباء أثقاله التي
تتهدد توازنه واستقراره في أية لحظة . ولكن الأمر ليس كذلك للأسف الشديد،
فلقد أضاف مجلس الاحتياطي الفدرالي الأمريكي تريليونات الدولارات في حسابه
المدين بموازنته .




ولذلك
فإن من الصعب أن نعزو هذا الارتفاع الطفيف في سعر صرف الدولار إلى مؤشرات
تعافي اقتصادي مثل انخفاض أعداد الباحثين عن عمل أو تنظيف البنوك الأمريكية
سجلاتها من الديون العقارية المسمومة أو تعافي سوقها العقاري، كما يذهب
إلى ذلك بعض المحللين الاقتصاديين والماليين على جانبي الأطلسي، بقدر ما
نعزوه إلى تحركات اقتصادية فنية ذات أثر طارئ، مثل ارتفاع العائد على
السندات الأمريكية استحقاق عشر سنوات يوم الجمعة 16 أغسطس/آب 2013 من 6 .1%
إلى 6 .2%، ما رفع جاذبية السوق الأمريكية بالنسبة لرأسمال المال بعيداً
عن أدوات الاستثمار الخطرة في أسواق عالمية أخرى، وذلك على وقع ما يتردد
بقوة عن أن اجتماع لجنة السياسات بمجلس الاحتياطي الفدرالي الأمريكي المقرر
عقده يومي 17 و18 سبتمبر 2013 سيخرج بقرار يقضي بخفض مشتريات الفدرالي
الأمريكي من السندات بواقع 15 مليار دولار من وتيرة إصدارها الشهري البالغ
85 مليار دولار .




وكتعبير
آخر عن أرجحية نسبة التحسن الطفيف في سعر صرف العملة الأمريكية إلى عوامل
فنية أكثر من نسبتها إلى الفعل الإيجابي للأساسيات الاقتصادية، وهشاشة هذا
التحسن، من حيث كونه عرضة للتهشم في أية لحظة من لحظات فقدان السيطرة على
آليات الإدارة الفنية ذات الصبغة المضارباتية للاقتصاد – هي عودة الوضع
المالي الفدرالي للتأزم مرة أخرى على خلفية استنفاد سقف الاقتراض الحكومي
واضطرار البلاد للدخول في دوامة المساومات (بين الحزبين الحاكمين
الديمقراطي والجمهوري) بغية التوصل إلى اتفاق جديد يسمح برفع سقف الاقتراض
الحكومي الفدرالي من سقفه الحالي البالغ 7 .16 تريليون دولار، وإلا واجهت
البلاد إعساراً مالياً تفشل بموجبه في دفع مرتبات المتقاعدين والعسكريين
ومخصصات الإنفاق على الرعاية الصحية . ذلك أن السيولة التي ستبقى تحت يد
الحكومة، بحسب وزير الخزانة جاك ليو، لن تتجاوز 50 مليار دولار، وهي غير
كافية لدفع نفقاتها . نعم الولايات المتحدة لم تصل قط إلى نقطة العجز عن
دفع ديونها، حتى عندما وصلت البلاد في أغسطس عام 2011 إلى حافة هذه الهاوية
المالية، استطاعت وزارة الخزانة بمناقلات مالية وإعادة جدولة أولويات دفع
المستحقات أن تؤجل ذلكم الاستحقاق حتى 31 ديسمبر/ كانون الأول 2012 حين
توصل الديمقراطيون والجمهوريون إلى اتفاق على رفع سقف الاستدانة، وإن كان
ذلك أسفر عن خفض التصنيف الائتماني للبلاد هو الأول في تاريخها وتراجع قيمة
أسهم البورصات الأمريكية وارتفاع في كلفة الاقتراض الأمريكية .




جاك
ليو تعمد إطلاق تحذيره كالعادة للضغط على الكونجرس للإسراع في إجازة رفع
السقف، من أن التأخير سيهز ثقة مقرضي الولايات المتحدة وسيعرض أسواق المال
للخطر (وفي أمريكا تبقى أسواق المال بقرة مقدسة لا يقربها أحد، لأن أصحاب
الأسهم المتداولة فيها هم النافذون على القرار) . علماً بأن عدداً من
الشركات الكبرى المدرجة في هذه الأسواق راحت تتذمر من تراجع نمو مبيعاتها
مثل “وول مارت” و”جاب” وسلسلة مطاعم ماكدونالدز .




هي
إذاً مؤشرات قياسية لها ارتباط مباشر بحالة العملة الأمريكية . وهي، كما
نرى، هي التي تحدد مصير الدولار على المدى المتوسط والبعيد، وليس تحريك بعض
أدوات السياسة النقدية التي لا تفعل سوى التأثير في حركة تذبذبات سعر صرف
العملة وقتياً لحين زوال مفعولها .

اقرأ المزيد

في ذكرى أربعين المناضل علي دويغر… شعلة باقية – حسن جاسم الحجري

المناضل علي عبدالله دويغر، الذي توفي في 6 سبتمبر/ أيلول 2013، كان
شخصية لها مكانتها السياسية والاجتماعية والعلمية، إذ امتاز بالأخلاق
الحميدة والتواضع وحب الناس وخصوصاً الفقراء، حيث كرّس جلّ حياته في النضال
من أجل الحرية والاستقلال الوطني والديمقراطية والسلم والتقدم الاجتماعي.
كان شخصية تتصف بالحنكة السياسية في اتخاذ القرارات وبالصلابة في المواجهة،
وبالإرادة في تحديه للمحن والصعاب في مختلف الظروف.

وغالباً ما
يتذكر معاناة الرفاق العراقيين أيام نوري السعيد، متأثراً بقول الشاعر محمد
مهدي الجواهري الذي يقول في قصيدته «وحدة شعب»:

من يبتغي الأمر الجليل فلن يلين ولن يهاب…

لا نقرة السلمان تثنيه ولا سوط العذاب…

فهي الإرادة لا الظروف ولا الحظوظ ولا الصعاب.

لذلك لم يفرّط بمبادئه السامية ولم يخضع يوماً للماديات، فكان شخصية قوية أمام الجلاد، وكان بحق مناضلاً صلباً لم يلن ولم ينحنِ.

الرفيق
دويغر يعرفه معظم السياسيين في البحرين وخارجها، فهو أحد مؤسسي جبهة
التحرير الوطني البحرانية في فبراير/ شباط 1955، وأول من وضع مسودة برنامج
الجبهة تحت عنوان «برنامج الحرية والاستقلال الوطني والديمقراطية والسلم»،
وأول من فتح الطريق للدراسة في المعسكر الاشتراكي من أجل تخريج الكوادر
العلمية، كما أنه استطاع أن يؤسس مع رفاقه مقراً للجبهة في جمهورية مصر
العربية أيام الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، والذي من خلاله لعب دوراً
أساسياً في تقوية العلاقات النضالية مع مختلف الأحزاب ومنظمات التقدم
والسلم في العالم، ناهيك عن مساهماته الفكرية في وضع برنامج تكتل الشعب عام
1973، فقد كان ناشطاً سياسياً ليس على المستوى المحلي فحسب وإنّما على
المستوى العربي والدولي طوال حياته النضالية.

ومعرفتي بالرفيق علي
دويغر تعود للعام 1968، عندما كنا في المعتقل بجزيرة جدا، وأتذكر جيداً أنه
كان يقبع في زنزانة مع رفيقه إبراهيم جمعة ديتو، وكان معنا في الجزيرة
كثيرٌ من كوادر وأعضاء الجبهة من بينهم أحمد محمد علي وموسى داود وسيد
إبراهيم سلمان مكي وآخرون. وكان من المحكوم عليهم سياسياً آنذاك حسن علي
محمد 6 سنوات، ومجيد عبدالحميد مرهون مدى الحياة، وحُكمت خمس سنين وكنت
أصغرهم سناً.

عشنا في تلك الجزيرة مع ضابط مدير السجن الإنجليزي
فرانك سميث، الذي كان يجيد العربية، وكان يقوم بتفقد المعتقلين والمحكومين
كل صباح ومساء، وعندما يصل إلى الرفيق دويغر يقف معه نحو ربع ساعة يتبادل
معه الأحاديث المختلفة، وما مضت إلا فترة وجيزة حتى فارقنا علي، حيث تم
نفيه إلى خارج البلاد.

في المرة الثانية التقيت به في أواخر
التسعينات، فتذكّرني في الحال وتبادل معي أحاديث الذكريات: أيام الاستعمار
البريطاني وشيئاً عن حياتنا في السجن. وبدأت العلاقة تتوطد أكثر فأكثر
لدرجة أنه أهداني ألبوم صور رسمها بيده كان بعضها معبراً عن الطبيعة
الخلابة لبلادنا في الستينات والسبعينات، والبعض الآخر كانت عن حياتنا في
السجن، وأصبحنا نخرج سوياً لقضاء الأمسيات الجميلة، وأحياناً نجلس في شقته
الصغيرة الواقعة قرب مركز بن سيناء الصحي بمنطقة رأس الرمان. وكثيراً ما
كان يحدّثني عن تطلعاته وأحلامه بعودة اليسار إلى مكانته الطبيعية، وعودة
المياه إلى مجاريها، وخصوصاً عندما جاء عهد الإصلاح والسماح لعودة المنفيين
من الخارج وإخلاء السجون من المعتقلين والمحكومين سياسياً، والسماح بتشكيل
الجمعيات السياسية، ومنها جمعية المنبر الديمقراطي التقدمي.

وقد
ازداد دويغر تألقاً وابتهاجاً بتحقيق بعض أحلامه، وعلى الرغم من تدهور
حالته الصحية إلا أنه كان يحرص دائماً على حضور مختلف الفعاليات السياسية
التي أقيمت في نادي الخريجين ونادي العروبة ونادي طيران الخليج وفندق
الخليج… إلخ، حتى أنه كرم مع بعض رفاقه الأوائل في الاحتفال بالذكرى
الخمسين لتأسيس جبهة التحرير الوطني البحرانية عام 2005، ذلك الاحتفال الذي
أقيم على أنغام وموسيقى كلمات الشاعر والأديب، الرئيس الفخري للمنبر
الديمقراطي التقدمي المناضل أحمد الشملان: «طريقنا أنت تدري شوكٌ ووعرٌ
عسير…»، كيف لا وهو الذي أفنى جل حياته في بناء التنظيم الحزبي وخلق
الكوادر المؤهلة لقيادة هذا التنظيم.

لقد رحل عنا المناضل والرفيق
دويغر وهو يحمل الكثير من الهموم والأحلام لبناء وطن حر وشعب سعيد، من بين
تلك الأحلام والهموم كان همه الأكبر أن يستوعب الوطن جميع أبنائه، وأن
تترسخ قواعد وأركان الحرية والديمقراطية في مجتمع آمن مستقر تُصان فيه حقوق
الإنسان في ظلّ اتساع رقعة الإصلاحات التي تتطلب أيضاً الالتزام
بالواجبات، وفي الوقت ذاته كان مناوئاً لسياسة القمع والعنف والعنف المضاد.
وكان دائماً ما يدعو إلى الالتزام بمبدأ النقد والنقد الذاتي، وكان حريصاً
على وحدة الحزب في العمل التنظيمي والجماهيري. وغالباً ما كان يحدثني عن
ضرورة تربية جيل جديد واع لقضايا الوطن ومخاطر الطائفية البغيضة التي أراد
لها مروّجو الكراهية في المجتمع أن تتفاقم منها مصالح ذاتية ضيقة مرفوضة.
وغالباً ما كان يتساءل: لماذا لم تتجسد وحدة التيار الديمقراطي والوحدة
الوطنية التي كنا ومازلنا ننشدها وننادي بها في كل أدبيات الحزب؟

نعم
إن التاريخ السياسي وتاريخ النضال لجبهة التحرير الوطني يشهد للراحل
المناضل الرفيق علي دويغر بأنه كان مناضلاً أممياً، لم يهادن قط النزعات
القومية والأفكار المتطرفة، محارباً ونابذاً للطائفية البغيضة.

يا
دويغر إن متَّ جسداً فإنك لم تمُت فكراً وتاريخاً حافلاً من النضال، وإن
كان جسدك ووري الثرى في لحدٍ في السويد، فإن حياتك المفعمة بالتضحيات
والعطاء مازالت ماثلة أمام كل أهلك ورفاقك ومحبيك الذين لم ينسوا تلك
الأيام التي عشتها بينهم، ولاسيما أيام الجمر التي عاصرتها مع رفاقك في
مختلف زنازين الاعتقال وفي المنافي.

لم أقل لك يا دويغر وداعاً
أبدياً، فأنت شعلة باقية رغم تقلبات الزمن. فنم قرير العين نومتك الأبدية،
فأنت موجود في قلوبنا حيث ينبض قلبك وينير دروب النضال للطبقة العاملة
البحرينية ولجميع الكادحين والمناضلين.

حسن جاسم الحجري

اقرأ المزيد

من «جنيف حقوق الإنسان» إلى «جنيف العمال»

من المتوقع أن تنطلق في الحادي والعشرين من أكتوبر/ تشرين الأول 2013
دورة أعمال مجلس إدارة منظمة العمل الدولية في دورته الـ 319. في هذه
الدورة سيعاد من جديد طرح الشكوى المقدمة من 12 اتحاداً عمالياً ضد حكومة
البحرين لانتهاكها اتفاقية التمييز (التوظيف والمهنة) للعام 1958 (رقم
111).

كما سيناقش في هذه الدورة أيضاً التقرير الذي ستقدمه مدير قسم
معايير العمل الدولية كليوباترا تونبيا هنري عن نتائج زيارتها إلى البحرين
مؤخراً، وذلك بناءً على قرار مجلس الإدارة في دورته الماضية (318) والذي نص
على أن يؤجل البت في الشكوى المقدمة من 12 اتحاداً عمالياً ضد حكومة
البحرين، على أن يتم إرسال مندوب من مكتب العمل للالتقاء بأطراف الإنتاج
الثلاثة، في إطار متابعة استكمال تنفيذ الاتفاقية الثلاثية الموقعة من قبل
وزارة العمل وغرفة تجارة وصناعة البحرين والاتحاد العام لنقابات عمال
البحرين، والتوصل إلى معلومات نهائية وموحدة بشأن بعض القضايا العالقة، على
أن يتم تقديم تقرير بذلك إلى مجلس الإدارة قبل نهاية شهر أكتوبر الجاري،
وكانت أهم نتائج تلك الزيارة تراجع الحكومة البحرينية في اللحظات الأخيرة
عن توقيع الاتفاقية الثلاثية.

يعتقد البعض وخصوصاً «المؤزمين» و
«المورطين» للسلطة أنهم أفشلوا مخططاً معداً مسبقاً من قبل «خونة» للتدخل
في شئون البحرين، يعتقد البعض أنهم استطاعوا فرض رؤيتهم في إجبار السلطة
على التراجع عن التوقيع على الاتفاق الثلاثي المكمل للاتفاقية السابقة
الموقعة في (11 مارس/ آذار 2012) بين أطراف الإنتاج الثلاثة، لغلق ملف
المفصولين.

صحيح أن السلطة المرتبكة في الكثير من المشاهد السياسية
وحالياً العمالية، رفضت «مؤقتاً» التوقيع على الاتفاقية الثلاثية، إلا أنها
وقبل انعقاد مجلس إدارة منظمة العمل الدولية ستوقع عليها، من دون أي تغيير
في بنودها، أو حتى الأطراف الموقعة عليها، أي أنه لن يتم إدخال «الاتحاد
الحر» طرفاً فيها، وذلك لسبب بسيط وهو أن الحكومة لا تعتبره ممثلاً لعمال
البحرين في الخارج، ولن تعترف به.

نعلم ويعلم الجميع أن سبب رفض
الحكومة التوقيع على الاتفاق الثلاثي، هو ضغط الأطراف «المؤزمة» لرفضها أية
صيغة من صيغ إيجاد حل نهائي لملف المفصولين.

السلطة بين خيارين لا
ثالث لهما في اجتماعات منظمة العمل الدولية، إما التوقيع على الاتفاقية
الثلاثية بصيغتها المتوافق عليها، قبل التراجع عنها، ومن دون أي تغيير
فيها، أو الاستسلام لقبول منظمة العمل الشكوى العمالية المقدمة ضدها والتي
تتهمها بـ «التمييز».

فرح البعض، ووصف عدم توقيع السلطة على
الاتفاقية الثلاثية بـ «النصر المبين»، بل تبادلوا التهاني ورسائل الشكر،
ناسين أو متناسين حقيقة «مرة» ستفجعهم بعد أقل من عشرة أيام، وهي أن
الحكومة ستوقع على الاتفاق ومن دون أي شروط.

ما لا يتخيله البعض أن
أكثر الأطراف سعادة حالياً بعدم توقيع السلطة على الاتفاقية الثلاثية
وشعوره بنشوة النصر، ليست السلطة، ولا «الاتحاد الحر» ولا «المؤزمين»
الداعمين له من كتاب ونواب وكيانات، بل هو الاتحاد العام لنقابات عمال
البحرين، الذي سجل نصراً دولياً «ساحقاً» على السلطة، وأوقعها في مأزق
«الفضيحة» الدولية بالتراجع عن قرارها في اللحظات الأخيرة، وإخراجها أمام
العالم على أنها سلطة «مرتبكة» غير قادرة على حسم مواقفها.

الاتحاد
العام لنقابات عمال البحرين، لم يخسر شيئاً من عدم تصديق الحكومة على
الاتفاقية، بل ربح الدعم والتعاطف الدولي، وسيزيد من ذلك تقرير رئيس بعثة
منظمة العمل الدولية للبحرين كليوباترا، بعد «فضيحة» دعوتها لحضور التوقيع
على الاتفاقية، وتراجع السلطة في آخر لحظة.

السلطة بارتباكها
وإرباكها، استعجلت الهزيمة في معركة جنيف العمالية المقبلة، وعجلت على ذلك
بالموقف غير المهني والأخلاقي الذي تعاملت به مع بعثة منظمة العمل الدولية.

كل
ما نتمناه ألا يخرج وزير العمل ليخفف من وطأة ما سيحدث في جنيف، حتى لا
يصدم الشارع الموالي للسلطة بنتائج ما سيحدث، وحتى لا يكرر ما فعله زميله
وزير شئون حقوق الإنسان عندما أوقع السلطة في مأزق جلسة مجلس حقوق الإنسان
التي عقدت مؤخراً أيضاً في جنيف، والتي أكد قبل انعقادها أن البحرين ليست
مدرجة على جدول أعمالها، حتى انصدمت الحكومة بخطاب المفوضة السامية لحقوق
الإنسان التي رفضت لقاء صلاح علي، وبيان 47 دولة تدين جميعها انتهاكات حقوق
الإنسان في البحرين.

في مارس/ آذار 2013 أيدت جميع دول الاتحاد
الأوروبي، ودول كرواتيا، يوغسلافيا، ايسلاند، ألبانيا، النرويج، صربيا،
سويسرا، وكندا، قبول منظمة العمل الدولية الشكوى ضد حكومة البحرين، وأيدت
إرسال مبعوث خاص من مكتب المنظمة لإجراء محادثاته مع الأطراف الثلاثة
(الحكومة، العمال، أصحاب الأعمال)، وذلك بعد تأجيل المنظمة وللمرة الثالثة،
اتخاذ قرار بشأن قبول الشكوى من عدمه.

فيما طالبت 15 حكومة، وهي:
قطر، الإمارات، لبنان، السودان، الجزائر، مصر، الهند، تايلند، فيتنام،
سريلانكا، اليابان، الصين، إندونيسيا، وباكستان، وروسيا، بحذف الشكوى
العمالية.

مجلس إدارة منظمة العمل الدولية في جلسته الأخيرة، أعطى
أطراف الإنتاج في البحرين فرصة للتوافق، وبعد التوافق ودعوة منظمة العمل
لرعاية توقيع الاتفاق، تراجعت السلطة عن ذلك.

كما سُجِل لوزير شئون
حقوق الإنسان إنجاز رفع عدد الدول المنتقدة للسلطة في مجلس حقوق الإنسان
إلى 47 دولة، قد يحقق وزير العمل أيضاً هذا الإنجاز في اجتماع منظمة العمل
الدولية ليرفع عدد الدول المطالبة بقبول الشكوى العمالية ضد حكومة البحرين.

اقرأ المزيد