المنشور

تأملات في “كورونا”

في عز الحصار، بعد انتشار وباء “كوفيد “19 المستجد وتحوّله إلى أزمة صحية عالمية ومطالبة السلطات الصحية في بلدنا للناس بعدم الخروج إلا للضرورة، طرق باب بيتي جاري الصغير قائلًا: أنا سلمان، عمري تسع سنوات، أبحث عن طفل يلعب معي.

تأملت الشوارع الخالية من روادها بعد امتثال الناس لنصيحة: “لا تخرج من بيتك إلا للضرورة” وتساءلت هل كنا نذرع الشوارع وننفث عوادم سياراتنا ونلوث بيئتنا ونتسبب لأنفسنا ولغيرنا بحوادث السير المميتة ونحن في حالة ضجر؟ مجرد تزجية وقت وبلا ضرورة ؟

عالمنا السابق الذي كنا نعرفه ونألفه، يصغر يومًا بعد يوم، شبكة الأصدقاء تضيق، الكلام يقلّ، في المقابل نشأت على أنقاض عالمنا القديم مساحات جديدة خالية بيضاء، نشتغل كل صباح لشغرها بهوايات جديدة وشغف جديد، وثمة فائض من الوقت للتدريب على الجديد.

مررت اثناء التسوق في المجمعات التجارية بالكمامات بكثيرين عرفتهم ولم يعرفوني، استدرت ذات مرة بعد أن تخطيت زميلًا أعرفه، لكنه استدار قبلي كي يتأكد، التقت أعيننا خلف الكمامات، كلانا لم يتيقن من شخصية الآخر، لكن كلانا قرر مواصلة الطريق بلا سلام ولا اعتذار.عادي انه زمن كورونا

هل صحيح أن الناس صارت تختبر وفرة من الوقت وتعجز عن ملئها؟ هل بدأت هذه الظاهرة مع كورونا، أم أنها كانت معنا منذ احتلال الأتمتة لكافة أعمالنا وأنشطتا الحياتية، ما أن يبدأ النظام وال”سيستم” الوظيفي بالعمل وحده حتى يتحوّل بشكل تلقائي إلى ساعات عمل وجهد أقل، فيجد الموظف نفسه فارغا “مكرونًأ”.

تصرّ صديقتي أن كورونا لا يخلو من مؤامرةٍ ما، وأقول لها كما قالت الخنساء: “ولولا كثرة الباكين حولي على كوراناهمو لقتلت نفسي”، وصدقت المؤامرة.

تصل نسبة الدقة لدى أجهزة فحص كورونا 8%. كثير من المصابين نقلوا العدوى مع ثبات خلوهم من الإصابة، أهو فساد الأجهزة أم فساد المؤسسات التي اشترت الأجهزة، ام مهارة الفيروس في التخفي ؟

تعرّض متوفي جنوسان ذو السبعون عاما للفحص مرتين وجاءت النتائج سليمة، ذهب إلى بيته مطمئنا، مارس عددًا من الأنشطة وخالط العشرات ثم جاءت الفحوص الثالثة الأخيرة إيجابية، مات تاركا خلفه كوارث من التعطل والحجر واستنفار الأجهزة الصحية والهلع والخوف وفحوصات عديدة ومتكررة ومزعجة لبشر أبرياء، صادف وجودهم في محيط دائرته.

النمو الذي حقتته بعض البلدان في عدة سنوات، تبخرّ بسبب كورونا في عدة أيام، ومشاريع عملاقة جرى الإعداد لها ماليًا ولوجستيًا على مدى عقود تأجلت، السؤال ليس ما فعله بنا كورونا اليوم أو الآن، السؤال إلى متى ؟

دول كثيرة أعلنت خلوّها من الفيروس خشية على مصالحها، لكن فضحها المسافرون المغادرون منها، حين تدخلت منظمة الصحة العالمية بقوة في شأن الجائحة الجديدة وبدأت تنشر الحقائق والمعلومات حول هذه الدولة أوتلك، راحت عديد من الدول تعلن وتفصح وتنتهج الشفافية وتشير يومياً إلى أرقام المصابين والموتى والمتعافين، بدا وكأن هناك سباقا لنيل الجوائز والمكافئات والترضيات.

كورونا هي القشة التي قصمت ظهر المسنين. كانوا قبل الوباء محاطين بأسباب السعادة، أبناء واحفاد ورعاية ودلال، فقدان كل ذلك هو الموت بعينه.

ترى لو حلّ كورونا في عز الصيف والحر، هل كنا سنتأفف من الحجر والحصار وعدم الخروج إلا للضرورة؟ الم يسرق كورونا ربيعنا القصير مما ضاعف حسرتنا على ضياع هذا الوقت الجميل؟

المدن الضخمة التي أقيمت على بحرنا المدفون واستنزفت ثرواتنا البحرية ورمالنا وبيئتنا وأشجار القرم على مدى سنوات، ربما قد حان الوقت للتوقف عن مواصلة الاستثمار فيها بعد تشبع هذا النشاط الاقتصادي وخلو المدن من قاطنيها، والتوجه الجاد الى معالجة البحر وتصحيح اختلالاته وإعادته الى أهله وناسه بوصفه مورد الغذاء الأصلي لأهل الجزيرة البحرية، والسلعة المستدامة وغير الناضبة.

من المفارقات أن المدن البحرية الاستثمارية ذات الطابع الرفاهي البذخي والتى خلت من قاطنيها، تحوّل بعضها إلى مكان لحجر مصابي كورونا .

تنفست الطبيعة نسبيًا بعد انحسار الأنشطة البشرية، ألم يكن كورونا إنذارًا أخيرّا لتدارك أزمات المناخ المتراكمة والتي لم تجد صدى لاستغاثاتها في السنوات الماضية؟

في زمن كورونا نحتاج الى نصائح وفتاوى الأطباء والمختصين فقط.

هاتفي أيضا لم يعد يرن إلا للضرورة. أين ذهب كل هؤلاء المحفوظة أسمائهم في ذاكرته ؟هل تبخر الأصدقاء، أم أنه مزاج كورونا الذي غيًر كل شي ؟

سؤال أخير: هل صحيح أن أجهزة الاستخبارات في الدول الكبرى عجزت عن التنبؤ بقدوم الجائحة والاستعداد لها، أم انه فشل استخباراتي بامتياز ؟

اقرأ المزيد

“كورونا” كشف أكذوبة قيادة أمريكا للعالم

الوضع داخل الولايات المتحدة فيما يخصّ النظام الصحي والاستعدادات لمواجهة تفشي “كورونا” يطرحان تساؤلات كثيرة حول واقع الدولة الأقوى عالمياً عسكرياً واقتصادياً، ومدى واقعية هذا التوصيف الذي يتعرض للتشكيك منذ عقود، فهل يكون فيروس كورونا هو المسمار الأخير في نعش قيادة أمريكا للعالم؟ جاء ذلك في تعليق لموقع عربي بوست.
خبير الشئوون السياسة والأمنية الأمريكي “آلان بيم” نشر مقالاً قبل عدة أشهر بعنوان “تراجع منحنى القيادة الامريكية للعالم – قوة من دون سلطة” توقف فيه عند السرعة المذهلة التي تتسبب فيها رئاسة دونالد ترامب غير المسؤولة في تقويض وضع أمريكا كقوة أولى على المسرح العالمي.
على الرغم من أن تراجع التأثير الأمريكي عالمياً ربما يكون قد بدأ مع مطلع القرن الحالي. بحسب بعض المحللين، فإن هذا التراجع أو بمعنى أكثر وضوحاً انكشاف “اكذوبة” الهيمنة الامريكية أصبح بيّناً وفي المجالات كافة منذ وصول ترامب إلى البيت الأبيض تحت شعاره ” أمريكا أولاً”.
وكما يقول بيم نجحت أمريكا في الحفاظ على وضعها العالمي على مدى نحو 7 عقود، رغم إخفاقات وسوء تقدير في أزمات سياسية ومغامرات عسكرية مثل الإطاحة بحكومة مصدق في إيران عام 1953، وحرب فيتنام وفضيحة خليج الخنازير وغزو العراق، وذلك بسبب استراتيجية ارتباط القوة بالسلطة التي اكتسبتها الولايات المتحدة من خلال نظام عالمي ليس مثالياً لكنه كان فاعلاً.
ولكن خلال ثلاث سنوات فقط تحت إدارة ترامب، بدأ استخدام القوة فقط. فرغت السلطة من مضمونها، لتنكشف شرعية الهيمنة الامريكية في وقت شهد المسرح العالمي صعود لاعب اخر أكثر قوة وشراسة وهو الصين، وبروز لاعب قديم استفاد من التراجع الأمريكي وهو روسيا، وهو ما عجّل بانكشاف هشاشة القوة الامريكية أمام الأزمات المتلاحقة التي أشعلت إدارة ترامب كثيراً منه دون حساب العواقب.
واللافت هنا هو سرعة هذا التدهور في وضع الولايات المتحدة وسمعتها على المسرح الدولي، والذي يرجع إلى القرارات العشوائية التي يتخذها ترامب بناء على حسابات لحظية ضيقة، عكس ما يفترض بدولة تقود العالم أن تتصرف به. ومن المهم هنا الإشارة إلى التراجع الكبير في السياسة الخارجية الامريكية بعد ان أصبحت كل الملفات يديرها ترامب ومستشاره الأقرب صهره غاريد كوشنر، ويمكن هنا الرجوع لشهادة وزير الخارجية السابق ريكس تيلرسون أمام الكونغرس والتي كشف فيها كيف يتم اتخاذ القرارات بشأن السياسة الخارجية في عهد ترامب.
قدّم ترامب نفسه للأمريكيين بصفته “رجل الصفقات” ومنذ اللحظة الأولى لتسلمه منصب “زعيم العالم الحر” – كما يحب الامريكيون وصف رئيسهم – تصرف في الواقع كرجل أعمال يضع نصب عينه المكسب المباشر من أي صفقة، وليس كسياسي يقود القوة الأعظم عالمياً، وهنا نسرد أبرز “صفقات” الرجل.
فيما يتعلق بالصراع العربي الإسرائيلي، بشّر ترامب العالم أجمع بأنه سيكون الرئيس الذي يحسم هذا الصراع للأبد من خلال ما وصفها بصفقة القرن، ولكن الواقع كشف عن أكذوبة القرن، ان جاز التعبير، فعجّل نقل سفارة الولايات المتحدة إلى القدس (قرار أحجم عنه من سبقوه منذ تأسيس إسرائيل عام 1948)، ضارباً عرض الحائط بكل القرارات الدولية الخاصة بالصراع، ثم قرّر اعتبار الجولان السورية المحتلة جزءاً من إسرائيل، وأعلن اخيراً عن ضم المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة بالضفة الغربية والقدس إلى إسرائيل.
باختصار، أصبحت أمريكا دولة لا تعترف بالهيئات الدولية ولا بالقانون الدولي الذي كانت هي نفسها حجر الزاوية في تأسيسه قبل أكثر من 75 عاماً.
في الملف النووي الإيراني، قرر ترامب الانسحاب منفرداً من الاتفاق الذي وقعه سلفه باراك أوباما مع الشركاء بريطانيا وفرنسا وألمانيا، إضافة إلى روسيا والصين، لضمان خضوع النووي الإيراني للرقابة الدولية الصارمة.
وجاءت جائحة كورونا لتؤكد تلك السياسة الترامبية التي لا تحسب حساباً للحلفاء، فقد ابدى قادة الاتحاد الأوربي عدم موافقتهم على قرار الرئيس ترامب حظر السفر من أوروبا إلى الولايات المتحدة وسط وباء، وقال رئيسا المجلس الأوربي والمفوضية الأوربية، شارل ميشيل واورسولا فون ديرين في بيان، إن التفشي أزمة عالمية، لا تقتصر على أي قارة وتتطلب التعاون بدلاً من العمل الانفرادي.
ومع انتشار فيوس كورونا الذي أصاب العالم بحالة من الشلل، من الطبيعي أن نتساءل عن دور الدولة القائدة عالمياً في جهود مكافحة الفيروس عالمياً. لكن الولايات المتحدة لم تقدّم أي نوع من المساعدات لأي دولة حول العالم، ليس هذا وحسب؛ بل تشير تصريحات المسؤولين الأمريكيين – باستثناء ترامب إلى أن النظام الصحي هناك معرض للانهيار، وقد يكون غير قادر على مواجهة التفشي في الداخل الأمريكي.
واللافت هنا أن قادة البنتاغون صرحوا، بأن تفشي فيروس (كوفيد 19) في الولايات المتحدة قد يستمر عدة أشهر، في حين عبر عمدة مدينة نيويورك عن قلقه من أن تزداد الأوضاع صعوبة، لأن المدينة باتت مركزاً للوباء في الولايات المتحدة، وهو ما جعل أطباء الولاية يصفون الفيروس بانه “تشيرنوبل نيويورك”.
لكن فيمَ يفكر زعيم العالم الحر؟ هل يتخذ ترامب الذي حشره فيروس كورونا في زاوية ضيقة؛ الإجراءات الحتمية لإنقاذ الأرواح، أم يقلص تلك الإجراءات لينقذ ورقته الرابحة في عام الانتخابات وهو الاقتصاد؟ ويبدو انه اتخذ قراره بالفعل، فقد غرد يوم الأحد 22 مارس قائلاً: “لا يمكننا أن نسمح بإن يكون العلاج أسوأ من المشكلة نفسها”، وتبع ذلك بتصريح في مؤتمر صحفي بالبيت الأبيض: “أمريكا ستفتح مرة أخرى وبسرعة أمام النشاط التجاري”. رئيس الدولة القائدة في العالم اذن يضع نصب عينيه الانتخابات الرئاسية في نوفمبر قبل أي شيء اخر، ولو تمثّل ذلك في وباء يهدد حياة البشر حول الكوكب، وتطلب مواجهته إجراءات حاسمة، أهمها التباعد الاجتماعي؛ لاحتوائه حتى يتمكن العلماء من التوصل إلى لقاح للفيروس.
وكما يقول سايمون رايتش البروفيسور في قسم الشؤون العالمية وقسم العلوم السياسية بجامعة روتجرز في نيويورك بمقال له بعنوان “نهاية قيادة أمريكا للعالم”: “بناء أي قوة لوضعها كقائد عالمي يستغرق وقتاً وجهداً، ويتطلب استراتيجية طويلة الأمد تلتزمها للنهاية، لكن وضع القيادة هذا يمكن فقدانه بطريقتين: الأولى تكون درامية من خلال تكاليف ثقيلة لحرب تنهي اقتصاد بلد حتى لو انتصرت تلك القوة في الحرب (بريطانيا العظمى خرجت منتصرة مع الحلفاء في الحرب العالمية الثانية، لكن تكلفة الحرب ازاحتها عن قيادة العالم لصالح الولايات المتحدة.
“أما الطريقة الثانية فتكون تدريجية وتحدث من الداخل، وتشمل تحولاً ثابتاً عن الاستراتيجية طويلة الأمد نحو التركيز على المصالح فصيرة الأمد والبلطجة بدلاً من التعاون مع الدول الأخرى، وأبرز انعكاس لذلك التحول فرض عوائق تجارية وقائية من جانب الدولة القائد تجاه الدول الأخرى، وهنا يبدو المقصود هو الرسوم والتعرفة التي يفرضها ترامب على البضائع الصينية واستخدامها ضد المكسيك، ويهدد باستخدامها ضد أوروبا واليابان والهند وبقية دول العالم.
وعلى سبيل المثال، بنت بريطانيا العظمى زعامتها للعالم على التجارة الحرة، ولكنها اتخذت أول إجراءاتها الوقائية في السنوات الأولى من القرن العشرين، لتأتي الولايات المتحدة وتزيحها من على عرش قيادة العالم بعد نحو أربعة عقود وربما يكون من قبيل المصادفة في هذا الشأن أن أول إجراءات اقتصادية وقائية أمريكية اتخذها رونالد ريغان ضد اليابان قبل أربعة عقود ايضاً!

اقرأ المزيد

نضال متجدد

قبل عقود من الزمن قامت حروب ضارية متوحشة بين الدول الرأسمالية، ومنها الحربان العالميتان الأولي والثانية، واللتان خلفتا الويل للبشرية: الملايين من الخسائر والضحايا بين قتلى وجرحى ومعاقين ومشردين.
وكان السبب الرئيسي لنشوب هذه الحروب هو أطماع الرأسمالية الاحتكارية ونزعات الاستيلاء على ثروات الشعوب. هذا ما يؤكده كتاب “سياستان إزاء العالم العربي” للمؤلف بوندا ريفسك، الذي يحكي عن معاناة البلدان العربية من المستعمرين الأوروبيين والعثمانيين، والصراع المدمر على النفوذ في الوطن العربي بين الدول الاستعمارية للتحكم في مصيرشعوبنا، ولنهب خيرات أوطاننا الغنية بالموارد الطبيعية، خصوصا بعد اكتشاف النفط في الكثير من البلدان العربية. حينها أوعز الاستعمار بقيام وتنصيب حكام موالين له، إن كان للاستعمار العثماني او البريطاني أو الفرنسي إلخ، ولعب الاستعمار خصوصا البريطاني بالتواطؤ مع الصهيونية العالمية دورًا كبيرًا في تهيئة الأرضية للصهاينة لإحتلال فلسطين.
وصف قائد أول ثورة اشتراكية في روسيا عام 1917، فلاديميرلينين الإمبريالية بأنها مرحلة متطورة للرأسمالية الاحتكارية التي تخطت نهج الاحتكارات من النطاق القطري والقومي إلى النطاق العالمي، والعمل على استعمار البلدان الغنية بالموارد الأولية لتشغيل الصناعات في الدول الرأسمالية، ومن ثم جعل هذه البلدان محمية عسكرية لحماية مصالح الرأسمالية العالمية والهيمنة على الأسواق والطرق والموانىْ في سبيل جني الارباح الطائلة لشركاتها الاحتكارية.
خاض الشرفاء الوطنيون في الوطن العربي النضال ضد المستعمرين ومن اجل التحرر والحرية، وقدّموا خيرة المناضلين، وعانوا من صنوف السجون والتشرد، وكواكب من الشهداء على طريق الحرية، وكان غالبية هؤلاء ينتمون للتيارات القومية العربية أو للأحزاب الشيوعية والماركسية، خصوصا أيام المد اليساري على مستوى العالم، إلا أن الشعوب العربية ما زالت تعيش أحوال البؤس والجوع والتشرد والتهميش، مع اتساع الهوة بين الأغنياء والفقراء، وزيادة نسبة الفقر، مما ساهم في التحركات العفوية الجماهيرية التي عمّت بلدانًا عدة، وسميت بالربيع العربي عام 2011.
وبالرغم من فشل هذه التحركات العفوية الجماهيرية، بسبب هيمنة قوى الإسلام السياسي على تحركات الشارع العربي آنذاك، ما ساهم في نشر الأفكار الطائفية في بعض البلدان العربية، وتعزيزأنظمة المحاصصة الطائفية مثلما هو الحال في العراق ولبنان، وافتعال حروب أهلية في سوريا واليمن وليبيا، ما نجمت عنه أوضاع قاسية، حيث زاد فيها منسوب الفقر والجوع والتشرد، ثم شهدنا في السنتين الأخيرتين انتفاضات جماهيرية عارمة ساد فيها الوعي الوطني والديمقراطي في سبيبل التغيير الحقيقي، وبناء أسس العدالة الاجتماعية والديمقراطية والحقوق المدنية، بعيدًا عن النهج الطائفي، كما تجلى في انتفاضات الجزائروالسودان والعراق ولبنان، حيث كان للقوى اليسارية والتقدمية دور مهم فيها، لإخراج الوطن العربي من دائرة التخلف والاستبداد.

اقرأ المزيد

العمالة الوافدة في أزمة كورونا

((تنقسم الطبقة العاملة الانكليزية إلى معسكرين متناحرين: العمال الانكليز من جهة، والعمال الآيرلنديين من جهة أخرى. يكمن سر ضعف الطبقة العاملة الانكليزية في هذا التناحر، رغم أنها منظمة. إنه سر ديمومة النظام الرأسمالي. والرأسماليون يعون ذلك جيداً)).
كارل ماركس

تتلخص آراء البورجوازية الصغيرة المطروحة في البحرين اليوم بما وصفاه ماركس وانغلز في بيانهما الشيوعي قديماً بكونها آراءاً تحن إلى مجتمع رأسمالي من دون أي بروليتاريا، أو بكلمات اخرى: مجتمع رأسمالي من دون شرور ومساوئ الرأسمالية. بالفعل، ينطبق ذلك على حد سواء بمن يمكننا أن نسميهم (تبعاً للبيان الشيوعي) بالاشتراكيين البورجوازيين؛ وهم يكررون ذلك منذ “دمقرطة الرأسمالية” عند بيرنشتاين، “الإمبريالية – العليا” عند كاوتسكي، “التعاونية المجتمعية” عند برودون، “دولة الشعب كله” عند لاسال.

لكن فيما كان بيرنشتاين يوماً منظراً ماركسياً فذاً، وكاوتسكي بابا الماركسية (ومحرر المجلد الرابع لرأس المال)، ولاسال مؤسس الحركة الاشتراكية الديموقراطية الألمانية، وبرودون مؤلف كتاب (ما هي الملكية؟) الذي هز الحركة الاشتراكية الأوروبية حينها، فإن اشتراكيينا البورجوازيين مدافعون سيئون جداً عن أوهامهم. وبطبيعة الحال، حالما تفشى وباء كورونا في البحرين، أصبح الجميع حريصاً على “مصلحة الوطن”، والكُل دأب في تقديم كل ما لديه لتطهير هذه الجزيرة من كل وباء. الآن، بين ليلة وضحاها، الكُل يدعو لتأجيل كل مشكلة سبقت قدوم هذا الوباء والتركيز أساساً في اقتلاع المصدر الأساسي له.

في البداية، أشار الطائفيون البائسون بإصبعهم على القادمين من إيران كالمصدر الوحيد لهذا الوباء، ولم يكن صعباً عليهم تحديد هوية القادمين من هناك؛ وبالفعل، قبل عقد من اليوم أشاروا بأصبعهم على مثل الطائفة وقالوا بانهم وباء سياسي يجب “تطهيره”. وسرعان ما انهارت أحلامهم حين كشفت المصادر الرسمية بأن مصدر الوباء أيضاً يقدم من دول عربية اخرى مثل مصر؛ واختاروا حينها الصمت. رفضت أطراف واسعة من البورجوازية، والبورجوازية الصغيرة، والطبقة العاملة السكوت عن هذا الخطاب الطائفي، خصوصاً أن مشكلة البحرينيين العالقين في إيران تفاقمت حينها، ولا تزال متروكة من دون حل سريع. حينها أيضاً رفض الاشتراكيون البورجوازيون الصمت، وأدانوا كل ما تفوّه به الطائفيون هؤلاء؛ والحق معهم طبعاً.

“كه عشق آسان نمود اول ولى افتاد مشكل ها!” [كان العشق ميسوراً حتى انقلبت علي الدنيا بمصائبها]. إلى هذا الحد، كان مصدر الوباء خارجياً، وكم كان سهلاً الحديث ضده! لكن حالما اكتشفنا بأن هذا الوباء انتشر بشكل واسع بين مساكن العمال الوافدين، وبالأخص الآسيويين الفقراء منهم، حتى أصبح كتابنا، وساستنا، ونوابنا، في حيرة من أمرهم؛ بالأمس كانوا انسانيين متعاطفين مع اخوانهم سنة وشيعة معاً، أما اليوم فقد حشرهم هذا الوباء في زاوية حرجة؛ الذين كانوا مجهولين طوال هذه المدة أصبحوا محور اهتمام الرأي العام. مهما كان، أنهم أكثر ذكاءاً من يعبروا مباشرة عن عدم اكتراثهم بهذه الشريحة، وأنهم أكثر ذكاءاً من كشف انفصام “انسانيتهم” في هذه اللحظة الحرجة. بطريقة أو اخرى، أصبح هناك تطابقاً ما بين الآراء التي تطرحها البورجوازية والبورجوازية الصغيرة من جهة، والآراء التي يطرحها بعض الاشتراكيين البورجوازيين الاعزاء. الاقتراح الذي توصلوا إليه، لا ريب في ذلك، هو الأكثر انسانية: تسفير العمالة الوافدة هذه حيثما جاءت، ويضيفون على هذا المقترح جملة سحرية (اسأل القارئ ألا يضحك!): “بأكثر طرق إنسانية ممكنة”! عليّ أن اعترف أنهم اجتهدوا كثيراً لابتكار هذه الجملة. “أكثر الطرق الانسانية ممكنة”: جملة بائسة لا تغير من حقيقة مطالبكم، تذكرني بالمثل الفارسي: “ولد حماراً ومات بغلاً!”. الفكرة ليست فكرة العامل الإنساني أو الوحشي، بل تسفير العمالة الوافدة في حالة حرجة حيث بلدانهم لا تريد استقبالهم حتى؛ حالة حرجة حيث أن هذه العمالة نفسها لن تستطيع أن تدبر امورها حالما تطأ رجليها في بلدانها (أوليس ذلك السبب الرئيسي الذي دفعها أن تترك بلدانها في المقام الأول؟). انسانيتكم، أيها السادة، ما هي سوى جملة انشائية تضيفونها لزخرفة شوفينية كامنة؛ لزخرفة تناقضكم الداخلي الشبيه بتناقض هاينه حين أكتشف بأن محبوبته أصبحت تبادله الحب:

بغبطة صعدتُ أعلى الجبل
ونشدتُ أنشودة الفرح
وفيما كانت الشمس في الأفول
انهمرت دموعي على ساحل البحر

ينجح هاينه في تحريك مشاعرنا عبر تناقضاته، ولكن انسانيتكم لا تعبر عن تناقض صادق كهذا حتى! الحق يقال، وسأقولها بالنيابة عنكم لأزيح هم الصمت عن صدوركم، أنكم دائماً وجدتم في هذه العمالة الوافدة عنصراً طفيلياً مزعجاً في تركيبة مجتمعكم العزيز، وآرائكم الاقتصادية كانت وافية وكافية لإثبات هذا الازعاج؛ فكم حاولتم اقناع الجماهير البحرينية بمعاداة العمالة الوافدة حين جلبتم ارقاماً من تحت الأرض كي تكشف أن التنافس ما بين “الطبقات الشعبية البحرينية” و”الطبقات الشعبية الوافدة” في شدة، وأن الصراع أساساً هو هو هذا التنافس. ثم، ارتأى لكم أن تدافعوا عن بورجوازية بلادكم حين حاولتم اقناعها بأن الصرف على العمالة الوافدة لا يعود بالنفع لرأس المال الوطني، ولا على “الاقتصاد الوطني” (ترجم ذلك إلى: النظام الرأسمالي القائم). أنكم تغوون الطرفين، وبين كفة عشيقين: في اليد اليمنى الطبقات الشعبية، واليد اليسرى الطبقات المالكة للوسائل الإنتاجية؛ تستميتون بكل ما لديكم لإرضاء الطرفين. ماذا تشكل لكم العمالة الوافدة هذه؟ الآثار غير الحميدة للنظام الرأسمالي، لهذا السبب تريدون نبذها وابعادها لأنكم ترغبون بنظام رأسمالي دون الآثار المدمرة له؛ وهذا مستحيل.

دعوني أقول بلا أي مواربة أو تلطيف بأنكم، بوصفكم اتباع الاشتراكية البورجوازية، تحت السطوة الكلية للإيديولوجيا البورجوازية. الدليل سهل: حين تقومون بتشغيل جماجمكم للبحث عن حلول للوباء المنتشر ما بين صفوف “العمالة الوافدة” فأنكم تعتقدون بأنه من حقكم، تبعاً لتأليه التسلط عند التقليد البورجوازي، أن تقرروا مصيرها بالنيابة عنها. اعذروني، أنكم لم تتحدثوا قط عن العمالة الوافدة إلا لكي تفكروا ماذا يجب عليكم أن تقوموا بشأنها. إنكم تتحدثون عنها، وبالنيابة عنها، ولكنكم لم تستمعوا إليها قط. لماذا؟ لأنها لا تمتلك لا قاعدة سياسية ولا منظمة أيديولوجية تكون لسان حالها! أنتم لا تثقون بالجماهير، ولا على قدرتها في ابتكار الحلول. وحين تقومون بهذه التمثيلية “الوطنية” في تفضيل “العمالة البحرينية” على “العمالة الأجنبية”، فإن للينين تسمية صريحة لكم: الاشتراكية الشوفينية.

رب هناك من سيعترض قائلاً: “لكن ألن يكون تسفيرهم الحل الأمثل لهم، رفقاً بهم وبأحوالهم؟”. لا يعني هذا الاعتراض شيئاً، فإن شعوركم الانساني هذا سيرافق هؤلاء إلى مطاراتهم الوطنية وسيحلق عائداً إلى البحرين؛ وستنسوهم تماماً حين تتركونهم في يد بورجوازياتهم. هذه نواياكم، في مثل الوقت الذي تقدمون احتجاجاتكم على افعال الصهاينة تجاه العمالة الفلسطينية التي تعمل في أسوأ الأوضاع في بلدها المحتل! ما الفرق حين يمنع الصهاينة (وممثليهم الإيديولوجيين) – بتجاهل متعمد – حق النظام الصحي على عموم الفلسطينيين، لأنهم يعتبروهم وافدين “أقل شأناً”، فيما يزداد انتشار الوباء ما بينهم بفعل اوضاعهم المتدنية (من بين 3865 حالة مسجلة، يشكل الفلسطينيون مجرد 38!)، وحين يطالب البعض هنا بترحيل العمالة الوافدة لتخفيف الضغط على النظام الصحي القائم؟ ترى هل ستتغير نوايا النظام الصهيوني حين يضيف كلمة ”انساني” على افعاله هذه؟

القضية ليست قضية ما يجب أن نعمل مع “العمالة الوافدة”. أنكم تسيئون الفهم! القضية هي كيف يمكننا التواصل معها، وإقامة جسوراً بيننا وبينهم، وفتح قنوات مشتركة لتوحيد الطبقة العاملة محلياً. والأمر واضحاً: كل من يقف ضد وحدة الطبقة العاملة هو غريب عن الفكر الاشتراكي العلمي؛ وكل من يشارك في تفريق الطبقة العاملة سياسياً وآيديولوجياً، لا يسمي نفسه اشتراكياً إلا ليخدع نفسه.

لكن لكي نحل هذه المعضلة سيتوجب علينا أن نفهم كيف نكسب مفهوماً مغلوطاً عن “العمالة الوافدة” حين نتخيلها كتلة واحدة دون أي تناقضات أو فروقات ما بينها. حالما تقولون “عمالة وافدة” فإنكم تتخطون تحديداتها الطبقية التي تفرق ما بينها، كما لو كانت كتلة مجمدة ثابتة. أنا لا أفكر هنا في التناقضات ما بين العمالة الوافدة التي تحتل المناصب الإدارية في بعض الوزارات ومجالس ادارة الشركات الوطنية، وبين العمالة الوافدة الفقيرة التي تكون في غالبيتها آسيوية، بل أحصر كلامي في الأخيرة وحسب (وتناولتُ هذه الفروقات بشكل أوضح في العدد 139 لنشرة التقدمي، في الجزء الثاني من مقالة (رأس المال الكولونيالي في سياق الأزمة الاقتصادية البحرينية) لا يُمكن أن نضع للعمالة الوافدة الآسيوية تحديداً اثنياً، ولن يكون أصح أن نحددها تحديداً يرجع للنمط التوزيعي، ايّ كـ “الآسيويين الفقراء”. إن هذا التحديد ليس علمياً.

أولاً، ينتمي جزء من “العمالة الوافدة” للطبقة العاملة التي تنحصر بالعمال الذي يعملون في شركات البناء، والصناعة المتوسطة والخفيفة غالباً (رغم أنها ايضاً تتواجد احياناً في المصانع الكبيرة)، والورش، والكراجات. ويُمكن أن نحدد علمياً بأن هذا الجزء يشكل شريحة (لا قسم ولا فئة) من الطبقة العاملة المحلية، كأثر التحديد السياسي والإيديولوجي، إذ إن هذه الشريحة من الطبقة العاملة لا تمتلك أي تمثيل سياسي أو إيديولوجي (ما يسميه غرامشي بالـ “هوامش”)، وتفرق عن باقي الطبقة العاملة البحرينية في حقيقتها الإثنية، وابتعادها عن الحياة السياسية، وغياب أي تمثيل اقتصادي لها (كالنقابات) في صراعاتها الاقتصادية مع أصحاب العمل، وأجورها المنخفضة بالنسبة إلى المعدل العام، وأخيراً بفعل وجودها غير الثابت إذ أن بعضها باقية في البحرين لفترة مؤقتة جداً، وبعضها الأخر من الممكن أن ترجع إلى بلدها الأم حالما تتحسن أوضاعها المعيشية.

من الطبيعي أن تكون هذه الشريحة الوجهة المفضلة للرأسماليين المتوسطين والصغار لإستخراج أكبر قدر من القيمة الزائدة (حيث يوم عملها يمتد من 8 إلى 12 ساعة) بالنسبة إلى الأجور. ثم تحضر هذه الشريحة في القسم السفلي من الطبقة العاملة التي تسمى عادة في الأدبيات الماركسية بالبروليتاريا الرثة أو ما- تحت -البروليتاريا. وميزة هذا القسم هو أنه يكوّن الجيش الاحتياطي للصناعة، وغالبية هذا القسم تشكل ما يسميه ماركس “العمالة الكامنة”، حيث ليس لهذه الطبقة وجوداً طبقياً ثابتاً، وتتراوح ما بين مختلف الأعمال بمقابل أجر زهيد جداً.

ثانياً، ينتمي جزء آخر من هذه الشريحة للأقسام الدنيا من الطبقة البورجوازية الصغيرة التي تنحصر في: عاملات المنازل، والأسواق الكبيرة والمتوسطة والصغيرة، وعمال التوصيل، أو حتى في “الدكاكين”التي تمتلكها البورجوازية الصغيرة التي يعمل فيها عادة عامل واحد إلى ثلاثة عمال.

ضعوا في البال أنني استثنيت الأقسام المتوسطة والعليا من البورجوازية الصغيرة التي تحضر فيها هذه الشريحة ايضاً، لأنني أركز على الأقسام الدنيا التي يتفشى بينها الوباء بشكل سريع. من الواضح، حسب هذا التصنيف الذي قمنا به، بأن الاشتراكيين البورجوازيين الصغار يتخذون وجهة نظر شريحة الأرستقراطية العمالية البحرينية (تلك الشريحة التي قال لينين عنها بإنها: “ممثلة البورجوازية في صفوف الطبقة العاملة”، التي قد ايضاً تتضمن جنسيات مختلفة، حين يشمئزون من وجود هذه الشريحة من الطبقة العاملة، وفي ذلك يرفضون (أو للتلطيف: يفضلون ألا) يقيموا أي علاقة سياسية وإيديولوجية معها. وكم طريفة حججهم حين يقولوا لنا: “أي نعم! ولكن الوضع القانوني لهذه الفئات لا يسمح لهذا التواصل!”. بالفعل، يا لكم من اشتراكيين قانونيين جيدين!

حالما تفشى الوباء ما بين صفوف “العمالة الوافدة” أدان الجميع أسلوب حياتها، بينما الاشتراكيين البورجوازيين تملكت قلوبهم الرحمة قليلاً فأدانوا جزءاً واحداً من البورجوازية فقط لفرض هذا اسلوب الحياة على هذه الشريحة من الطبقة العاملة والبورجوازية الصغيرة. أيها السادة الإنسانيون الأعزاء، ليس أسلوب حياة هذه الشريحة من الطبقة العاملة، تلك “العمالة الوافدة”، هو الذي يسبب تفشي الوباء بشكل أكبر في البحرين. على العكس: النظام الرأسمالي الذي يستغل هذه الشريحة هو الذي فرض أسلوب الحياة هذا عليها مما يسبب تفشي الوباء بينها بشكل اسرع.

مرة اخرى، للاشتراكيين البورجوازيين حججاً طريفة حين يهاجمون الرأسماليين الذين يتعاملون مع عمال “الفري فيزا” لأنهم يفرضون أوضاعاً وحشية على هؤلاء العمال. لاحظوا! إنهم يهاجمون “بعض” الرأسماليين الذين – لأن ليس لهم أي قلب انساني مثلهم – ينشرون المظاهر السيئة للرأسمالية محلياً، لكنهم لا يهاجمون النظام الرأسمالي نفسه! ولعمري، لو كانت لديهم الجرأة الكافية لقالوا: “أوقفوا هؤلاء الرأسماليين عند حدهم، فأنهم يجلبون القاذورات إلى بلداننا!”. لكنهم، بطبيعة الحال، لن يقولوا ذلك. فليكن!

ما نحتاجه أكثر من أي وقت مضى هو نقد جذري للنظام الرأسمالي.

حين أقول نقد النظام الرأسمالي لا أقصد النقد الظاهري له؛ لا اقصد نقد مظاهره وحسب (ايّ أنماط التبادل والتوزيع له). هناك أبحاث ودراسات عديدة تكشف أشكال ظواهر الرأسمالية في الخليج، مثل حجج “الحداثة الممتنعة” أو “الخلل الإنتاجي” كما نجدها مثلاً عند مفكرين جادين مثل الدكتور باقر النجار والدكتور عمر الشهابي. أذكر هذين الباحثين لأن أعمالهما تتكامل مع بعضها البعض وتتناول مثل الموضوع بطريقتين مختلفتين برأيي. إن أعمالهما تقدم لنا معلومات دقيقة حول تاريخ الرأسمالية في البحرين، والخليج عموماً، وعلى ذلك أنصح أي باحث أن يطلع على أعمالهما. ولكنني أتساءل عما إذا كانت أطروحاتهما الجادة والمميزة ستشكل مدخلاً لكل سوء فهم لطبيعة النظام الرأسمالي في الخليج، بقدر ما تقوم بنقده.

مثلاً، حين نتحدث عن “الخلل الإنتاجي”، أيّ الإنتاج الخليجي القائم على التصدير أساساً، وفي ذلك يبني توجهاته الإنتاجية نحو إنتاج النفط فيما تصرف هذه العوائد على مناطق اقتصادية غير منتجة والتصدير غير المنتج؛ هذا الاستهلاك غير المنتج للقيمة الزائدة، أيّ استهلاك للقيمة الزائدة الذي لا ينصب في مصلحة تراكم رأس المال “الوطني” (ويذكرني ذلك بأطروحة بُل باران حول الكومبرادورية الخليجية غير المنتجة)، فإن هذا التحليل يتخذ وجهة النظر الذاتية “للإدارة الرأسمالية”في بلدان الخليج. ومهما حب الكاتب أن يقنعنا بأن نماذجه هي موضوعية، فإن هذه النماذج هي موضوعة من وجهة نظر التبادل لا الإنتاج، بالتالي وجهة نظر الذاتية لا الموضوعية. إن موضوع هذا النقد، في نهاية المطاف، هو هو موضوع نقد الحداثة الخليجية الممتنعة: العقلية التي تدير النظام الرأسمالي تنافي تطور الوسائل الإنتاجية (العقلية نفسها لا تستطيع أن تستغل عناصر الحداثة استغلالاً حداثياً)، أو في حالة نظرية “الخلل الإنتاجي”: العقلية التي تدير النظام الرأسمالي في الخليج ليس لها الإرادة في تطوير الوسائل الإنتاجية. يصبح “الخلل الإنتاجي”، في هذه الحالة، مصطلحاً غير ثابت، وبالتالي غير علمي، لا يعني سوى: خلل في إدارة رأس المال، ايّ خلل في العقلية المتسيدة مؤسساتياً التي تدفع نحو استهلاك غير منتج لرأس المال بدلاً من تراكمه، حيث يكون “الخلل الإنتاجي” نتيجة هذا كله لا العكس حسب هذه النظرية؛ وهذا هو موقع فيبر لا ماركس. وإذا حاولنا أن ندمج ما بين فيبر وماركس سنترك بصيغة مميزة: ماركس + فيبر = ماركس ناقصاً صراع طبقي، أو بالأحرى = فيبر + نقد النظام الرأسمالي (مما سيولد لنا شيئاً شبيهاً بالنظرية المؤسساتية عند بولاني).

مع ذلك، لقد حذرتْ هذه الأطروحات عامين من اليوم من أوضاع شريحة العمالة الوافدة من الطبقة العاملة والأقسام الدنيا من الطبقة البورجوازية الصغيرة، تحت حجج أكثر رصانة عما يقدمه لنا اليوم الاشتراكيون البورجوازيون، وقدمتْ اقتراحات لحلول مؤقتة ومعقولة تتسم بإصلاحية جادة لا بد أن نفكر بها جدياً: مثل إصلاح مفهوم المواطنة، وتشريك العمالة الوافدة في القرار السياسي والتمثيل الإيديولوجي، وتشريكها في التمثيل الاقتصادي، إلخ. ورغم أنها حذرت من امكانية تفاقم الأزمة الاقتصادية البحرينية نحو أزمة مديونية (وأنا شخصياً اتفقت مع هذا الرأي وقدمت تفسيراً ماركسياً لذلك في العدد 147 لنشرة التقدمي، في مقالة معنونة “محاولة في تفسير الحلم البورجوازي”، إلا إنها لم تنطلق من تشخيص صحيح لنظام الإنتاج الرأسمالي كما هو في الخليج، وهو النظام الإنتاجي الرأسمالي الكولونيالي. لكنني لستُ بصدد نقد هذه الأطروحات الآن، ولستُ بصدد طرح ما أعنيه بفرضياتي حول طبيعة رأس المال الكولونيالي.

لكن بإمكاني أن أقدم تعريفاً مقتضباً لما أحاول قوله (بربطه بموضوع المقال): افترض بأن شكل اقتران عناصر نمط الإنتاج الرأسمالي في البلدان الكولونيالية (الدول العربية، والآسيوية مثل كوريا الجنوبية وسنغافورة، والدول الإسكندنافية، وبعض الدول الأوروبية مثل دول أوروبا الشرقية واليونان وإسبانيا والبرتغال، وأمريكا اللاتينية) هو مميز نوعياً عن شكل اقتران نمط الإنتاج الرأسمالي في البلدان التي أصبحت إمبريالية. اقتران مميز سمح لتسيّد العلاقات الإنتاجية الرأسمالية فيها في حقبة مميزة جداً من الرأسمالية؛ مرحلة الصناعة التبعية. ولما كنت أفرق، تبعاً لماركس، ما بين الافتراضات – المسبقة المنطقية [voraussetzung] والافترضات – المسبقة التاريخية [historische Bedingungen]، فإنني بطبيعة الحال لا افترض الظروف التاريخية العرضية في المفهوم المنطقي لمفهوم رأس المال الكولونيالي؛ أنه يتضمن هذه الظروف، أو الافتراضات، التاريخية كأمر واقع في مفهومه.

على ذلك أفهمُ بأن رأس المال الكولونيالي يتميز مفهومياً بأنه يتضمن اتجاهين متعارضين ذا معدلين تراكمين (ايّ وتيرتين) غير متكافئين: اتجاه كومبرادوري (وفي ذلك أعني رأس المال التبعي الذي تكون دورة إنتاجه، وبالتالي قيمته الزائدة، تابعة بشكل مذيل لرأس المال الإمبريالي) واتجاه محلي (وفي ذلك أعني رأس المال الذي تكون دورة إنتاجه، وبالتالي قيمته الزائدة، محلية). ولأن هذا التعارض الداخلي دائماً حاضراً، بمعزل عن الظروف التاريخية الملموسة، فإنني افترض بأن رأس المال الكولونيالي يتميز بالتوسع المحدود داخل بنيته الاجتماعية وخارجها (على العكس من توسع رأس المال الإمبريالي غير المحدود). ولما كانت البحرين قد شهدت تشكل العلاقات الإنتاجية الرأسمالية الكولونيالية فيها منذ منتصف القرن التاسع عشر، وبهذا المعنى تسيّدت العلاقات الفعلية للرأسمالية الكولونيالية فيها منذ منتصف القرن العشرين مما ولد فيها رأس المال الكولونيالي يقوده بشكله التاريخي رأس مال حكومي أساساً، فإنني أفهم كل مظاهر الرأسمالية كمجرد مظاهر مذيلة لهذه الحقيقة الجوهرية.

ليست عقلية إدارة رأس المال البحريني هي سبب الوضع الإنتاجي القائم على إنتاج النفط والتصدير، بل الشكل المحدد للنظام الرأسمالي في البحرين هو الذي يجعل من وجود هكذا عقلية أمراً ممكناً. لما كان، بشكل ملموس وتاريخي، رأس المال الكومبرادوري (والذي يمثله بشكل أساسي رأس المال الحكومي) يتطور بوتيرة أكثر سرعة من رأس المال المحلي فإنه – بضرورة حال – من الطبيعي أن يميل حيثما تميل طبيعة إنتاجه الكومبرادوري (كما هو محدد من قِبل المرحلة الحالية من التقسيم العالمي للعمل) نحو إنتاج النفط في المقام الأول؛ بمعنى كون الريع التفاضلي للنفط البحريني بالتحديد هو ريع يتحقق بشكل مذيل لرأس المال الامبريالي. وبينما لاستيراد العمالة الوافدة أهمية اقتصادية بالنسبة إلى رأس المال البحريني ككل (كظروف الإنتاج والأجور المنخفضة)، إلا أنه محدد بشكل مضاعف سياسياً وأيديولوجياً بهدف ضرب وحدة الطبقات الشعبية.

إن النظام الرأسمالي نفسه يفرض لهذه “العمالة الوافدة” هذا الأسلوب من الحياة الذي يسمح لتفشي أسرع للوباء بينها. ولما ارتأى للاشتراكيين البورجوازيين أنه من الأفضل التخلص من هذه العمالة الوافدة، عبر توقيف رأسماليين معينيين عند حدهم، فأنه الأجدر بهم أن ينظروا للمسألة بطريقة مختلفة تماماً: النظام الرأسمالي الذي يخلق عند العمالة الوافدة أسلوب الحياة الذي يسمح لتفشي الوباء بشكل أسرع هنا، سيسمح لتفشي الوباء بشكل أسرع عند المواطنيين الفقراء في القرى والأحياء الفقيرة ايضاً بشكل سريع هناك. فالتباعد الاجتماعي ميزة طبقية قبل أي شيء آخر! المشكلة ليست في قسم من أقسام رأس المال، ولا في إصلاح القطاع الخاص (أو حتى تشريكه في إدارة رأس المال، وهذا مطلب ليس له معنى إذ أن الدولة الرأسمالية تمثل كل الرأسماليين)، بل المشكلة هي هي رأس المال ككل!

هذه المقالة لن تكون كافية لإثبات هذه القضايا كلها. ولهذا سيكون من الأجدر أن اكتفي بالتذكير بما كان يقوله الهائم لإيردا في أوبرا خاتم النيبولونغ:

استيقظوا!
من هذا النوم العميق استيقظوا!
أناديكم الآن:
من كهوف الأرض المخفية انهضوا!
من هذا السجن الذي رقدتم فيه طويلاً أنهضوا!

اقرأ المزيد

هل تحدّ الرقابة المالية والإدارية على منظمات المجتمع المدني والأهلي من استقلاليتها؟

لا يختلف اثنان على أهمية الرقابة بشقيها المالي والإداري على أية منشأة أو مؤسسة ومنظمة، سواء كانت عامة أم خاصة، أهلية ام مدنية. فمن خلالها يمكن مساعدة ادارة هذه المؤسسة على تحقيق أهدافها وفق ما تنصّ عليه الأنظمة الناظمة لعملها، والتأكد من تحقيق خطة العمل وفقاً لمسارها الصحيح، وتنفيذاً للوظائف المخطط لها. وبالكشف عن الأخطاء ومعالجتها بشكل فوري، وبالتأكد من التقيد واحترام كافة القوانين والأنظمة والقرارات الإدارية. هذا بالإضافة إلى المساهمة في الحفاظ على حقوق أعضاء هذه المؤسسة وهو ما يعزز الثقة ويبث الطمأنينية لديهم، ويساهم في نجاح هذه المنظمة ويعزز من مكانتها المجتمعية.
ومن هذا المنطلق تحرص جميع الدول، والبحرين ليست إستثناء، أن يكون لديوان الرقابة المالية دور مهم يُخوّله في ذلك ما نصّ عليه قانون إنشائه وما يتمتع به من استقلالية عن الجهاز الحكومي والإدارات والهيئات التابعة لها، وقد درجت بعض الدول على أن يكون تابعاً للبرلمان وتحت إشرافه، إلا أن ما يشهد له ما مضى من السنوات من حرفية ومهنية التي تميزت بها تقارير ديوان الرقابة المالية تعطي الدليل على أن بقائه تحت إدارة الديوان الملكي‮ ‬وجلالة الملك لا ينتقص من دوره واستقلاليته.‬‬‬
وإذ نتحدث عن منظمات المجتمع الأهلي والمدني ومدى حاجتها الى هذه الرقابة رغم ما تشكله الرقابة الداخلية من أعضاء هذه المنظمات، والتي تنص معظم انظمتها وقوانينها على وجوبها من أهمية، إلا أن الرقابة الخارجية وخاصة الرقابة التي تمثل المجتمع عبر مؤسسات تتمتع بصلاحيات تؤمنها لها القوانين وباستقلالية عن إدارة هذه المنظمات ما يساهم في تعزيز مبادىء الشفافية وديمقراطية الإدارة ويحقق إشتراطات الحوكمة فيها.
وما يعزز هذا الرأي ما لمنظمات المجتمع المدني والأهلي من دور مهم في المجالات الاجتماعية والاقتصادية والإنسانية، بحيث أصبحت هناك حاجة إلى وجود رقابة على أنشطتها لضمان احترام القانون من خلال تنفيذ القوانين من جانب الأشخاص القائمين على إدارتها، بالإضافة إلى حماية المصلحة العامة.
وبالرغم من الاستقلال الإداري والمالي لهذه المنظمات والذي يضمن لها حرية العمل، وممارسة أي نشاط لها في حدود نظامها الأساسي لأجل تحقيق أهدافها وفق القانون والنظام العام، ولا ينتقص من هذه الحرية استثناء خضوعها لرقابة السلطات الإدارية والمالية المختصة التي تمارس الرقابة عليها بنصوص قانونية صريحة، ولكنها محددة واستثنائية ولا يجوز لإدارة الجهة الرقابية تجاوزها.
وتهدف الرقابة إلى التأكد من أن التصرفات التي تقوم بها أو تمارسها منظمات المجتمع المدني مطابقة للقوانين والأنظمة والتعليمات، وكشف الانحرافات والتأكد من سلامة السجلات والبيانات المالية من أي خطأ بحيث تكون مطابقة للتعليمات والأنظمة، ومن حسن استعمال الأموال وبشكل يضمن مكافحة الفساد المالي والإداري، خاصة أن تمويل هذه المنظمات يساهم فيه بشكل كبير ما يخصص لها في الميزانية السنوية للدولة من الأموال العامة، عدى ان ما يٌحصل من إشتراكات أعضائها بحكم الأموال العامة ايضاً، وكذلك الكشف عن المخالفات والأخطاء التي تحدث في هيئاتها وتحديد المسؤولين عنها وتبيانها للرأي العام، شأنها في ذلك شأن المنظمات الأخرى كالجمعيات السياسية وغيرها، حيث يخّول القانون الجهة الإدارية سلطة فحص الأعمال الصادرة من هذه الجمعيات، والتأكد من تطبيقها للقواعد القانونية، وكذلك سلطة الإطلاع على الدفاتر والسجلات والوثائق والبيانات والمعلومات اللازمة.
كما أن المنظمات غير الحكومية في العديد من البلدان ومن ضمنها البلدان المتقدمة في مجال العمل المدني تلتزم بتقديم تقارير سنوية إلى دائرة المنظمات غير الحكومية، وتشمل تفاصيل عن نشاطات المنظمة والمشاريع التي نفذتها خلال السنة، وفي نفس الوقت على الإدارة أن تلتزم بالحفاظ على سرية المعلومات التي تحصل عليها من هذه المنظمات وعدم افشائها.
ليس أدلّ على ذلك، ما هو حاصل على أرض الواقع من رقابة الجهات المانحة التي يمارسها المانحون حيث يشددون على طلب المعلومات التي يرغبون الاطلاع عليها والمتعلقة بالسجلات المالية لتقدير قيمة البرامج التي تمّ تمويلها من قبلهم، كما تشترط بعض المؤسسات المانحة على المنظمات تعيين مدقق حسابات خارجي مستقل لمراجعة وتدقيق حسابات المشروع أو البرنامج الممول منها.حيث تخضع هذه المنظمات لرقابة من قبل وكالات ومنظمات تمثل الصالح العام في بلدانها، بل أن بعضها تابعة لوزارات او إدارات حكومية مثال ذلك النقابات الامريكية حيث تتلتزم بتقديم تقارير وإفصاحات لإدارة العمل (Labor Management Reporting and Disclosure) فكيف لنا أن نقبل رقابة هذه الجهات ونرفض الرقابة المحلية المعنية بالرقابة على الاموال العامة بذريعة الاستقلالية.
وختاماً نعتقد أن للرقابة المالية والإدارية دور هام في تعزيز الشفافية والمساءلة والحوكمة داخل الإدارات والهيئات وهياكل هذه المؤسسات، وبما يساهم في الحدّ من مركزية سلطة الإدارة التنفيذية داخل هيكل هذه المنظمات ويكشف للجمعيات العمومية عدى عموم افراد المجتمع عن مدى سلامة سير عمل هذه المؤسسات ويعزز الثقة فيها وفي أدائها، بما يهيؤها لدور مجتمعي أكبر.

اقرأ المزيد

مطرقة البرلمان – نحن والتحدّيات القادمة

لطالما احتلت السجالات العامة التي عادة تلي الاعلان عن تسليم تقارير ديوان الرقابة المالية والإدارية لجلالة الملك وللحكومة الموقرة ولمجلس النواب، مساحات واسعة من التعاطي المجتمعي مع حيثيات مايرد فيها من تفاصيل حول أداء الوزارات والعديد من الجهات والشركات التابعة للدولة، نظرا لما تحتويه تقارير الديوان ومنذ أكثر من خمسة عشرة سنة من وجوه متعددة من الفساد والتجاوزات الادارية والمالية، والتي كثيرا ما شكّلت وتشكل صدمة للرأي العام، في مقابل ما نسمعه باستمرار من حديث رسمي في الغالب، حول ترشيد الإنفاق وضغط المصروفات وشد الأحزمة على البطون!
إلا أن ذلك الحديث سرعان ما يبهت ويتلاشى بعد أن تستغرق في الحديث حول تفاصيله العديد من جمعياتنا السياسية ومؤسساتنا المدنية وحتى بعض مجالسنا الأهلية، اللاهثة وراء مادة مسلية ومستفزة وربما حتى مسلية، تستسلم بعدها لحالة من الجمود كنوعٍ من حالة الأحباط منتظرة التقرير القادم لتعاود الكرّة وكأن شيئا لم يكن!
الغريب أن هذه الحالة تستدعي عادة تجاوبًا، هو الآخر متصف بالرتابة والتكرار وكثيرا مايبعث على الملل، من قبل الحكومة ومجلس النواب، فها هي الحكومة وقد اعتادت على ترديد عبارتها الأثيرة كل عام بدعوتها لتشكيل لجنة لمتابعة ما ورد في التقرير وبعدها يسود صمت القبور لعام كامل دون أن نستشعر أو نسمع تحولًا حقيقيًا في سلوك وممارسات تلك الوزارات أو المؤسسات، او في الإعلان عن إقالة وزير أو مسؤول ادانته حيثيات التقرير! وهكذا دواليك تتوالى فصول التعدي على المال العام وسط صمت رسمي، وتعاطٍ لا يرقى كثيرا لحجم التحديات القائمة والتطاول على المال العام ومقدرات الوطن من قبل مجلس النواب.
نقول ذلك وقد انتهينا للتو في مجلس النواب من مناقشة آخر تقريرين من تقارير ديوان الرقابة المالية والإدارية بكل ما احتوياه من تجاوزات مالية وإدارية. صحيح اننا بتنا متعودين على متابعتها طيلة أكثر من خمسة عشرة عاما، إلا أن الفارق هنا هو أن الظرف المالي والزماني قد تغيّر كثيرا، حيث تعاظمت مديونية الدولة لتصل في حدود ال 100% من الناتج المحلي الاجمالي، فيما تجاهد الدولة في البحث عن بدائل لتحسين أداءها الاقتصادي والمالي، وتحسين موقفها لدى المؤسسات الدولية المانحة.
يضاف إلى ذلك محاولة اقناع دول الجوار الخليجي بجدوى ما قدّمته للبحرين من مساعدات مشكورة على أكثر من صعيد في مقابل ما هو منتظر منا كدولة لتحسين أداءنا الاقتصادي والمالي وصولا لبلوغ حالة التوازن المالي بحلول العام 2022، وهو أمر اشك شخصيًا في بلوغه إذا ما استمرت أوضاعنا الاقتصادية والمالية على ذات النهج الحالي الخطر وغير المنضبط، حيث تضيع ممارسات الفساد عشرات بل ومئات الملايين سنويا، وتهدر معها الكثير من الطاقات الكامنة، ونكتشف أن هناك حاجة للتوقف لمعالجة نهجنا الاقتصادي المستمر منذ سنوات والحاجة لضبط عجلة الاقتصاد وتنويع قواعده، بدلا من استسهال الارتماء في احضان اجندات صندوق النقد الدولي دون طائل، حيث أضعنا فرصًا مواتية كان الأجدر بنا استثمارها، علاوة على ما احدثته التحولات العالمية الجارفة من مخاطر تتجاوز قدراتنا بأميال ضوئية، والتي كان آخرها كارثة فايروس كورونا التي نعيش وسط تموجاتها المدمرة، وبات من الصعب التكهن بمآلات ما هو قادم إلينا من تداعيات، لاخيار أمامنا الا الاستعداد المدروس لها.
وبطبيعة الحال فإن كلًا من الحكومة والسلطة التشريعية بغرفتيها يتحملان مسؤليات جسام خلال الفترة القادمة، الأمر الذي يستدعي تحولًا نوعيًا في كيفية التعاطي المسؤول مع المالية العامة والاقتصاد الوطني ومقدرات البلد، وبدون مجاملة أو تخبط أو استخفاف، وهنا يجب ان نقولها بوضوح إن الحديث المتواتر حاليا عن التوجه نحو اعادة هيكلة الحكومة يجب أن يكون هذه المرة حقيقيًا وشفافًا حتى يكون قابلا للدعم شعبيًا، وأمامنا تجربة ناجحة ومتميزة لازلنا نعيش فصولها يقودها فريق البحرين بقيادة سمو ولي العهد في التعاطي مع ازمة مع فايروس كورونا، وهي تجربة اتسمت بالشراكة والتخطيط الجيد حتى باتت محل اشادة محليًا ودوليًا، ويمكن أن تكون انطلاقة جديدة للبحرين الجديدة في وجه التحديات القادمة، إلا أن ذلك يتطلب شراكة فاعلة وحقيقية لبناء مستقبل آمن ومزدهر لأبناء شعبنا، تلك مهمة تشوبها العديد من التحديات لكنها حتما ليست مستحيلة.
وعلى السلطة التشريعية خلال الفترة القادمة أن تكون أكثر استعدادا لخلق تلك الشراكة، وأن لا تكتفي باستمرار الضغط من أجل حلحلة العديد من الملفات، بل أن تطرح نفسها شريكًا فاعلًا ضمن معادلة جديدة، وهو أمر يجب أن تتسع له الصدور من اجل حاضر ومستقبل بلادنا وشعبها، فلنكن عند مستوى التحديات الضخمة القادمة الينا بسرعة.

اقرأ المزيد

تحية إلى الكادر الصحي

تقدّم الطواقم الصحية العاملة بمختلف قطاعاتها خدمات جليلة وجبارة في مواجهة الوباء الذي حاصر العالم أجمع. فواجب التحية واجبٌ لهذه الأيادي المخلصة التي لم تدخر جهداً من أجل الحفاظ على صحة وسلامة كافة المواطنين والمقيمين على هذه الأرض. وأثمرت هذه الجهود المبذولة ولا زالت عن زيادة مضطردة لحالات المتعافين من الفيروس.
ونحن نقف لتحية الطواقم الصحية والطبية بكل شكر وامتنان وعرفان، لا يمكن إلا أن نفكر فيما لو طرق بابنا هذا الوباء، وكان نظام التأمين الصحي قد تمّ تطبيقه، حيث يمكننا القول بأن الأمور ستتجه إلى لا يحمد عقباه. كان الاتجاه متسارعاً نحو أولى خطوات خصخصة القطاع الصحي، عبر تطبيق نظام التأمين الصحي كخطوة تجريبية ليعتاد عليها الناس قبل المضي قدماً في وقت لاحق لإعلان خصخصة القطاع الصحي صراحة. والخصخصة في حالة القطاع الصحي، تعني تنازل الحكومة عن مسؤولياتها في تقديم الخدمات وتحسينها، وبيعها للقطاع الخاص بحجه قدراته المتطورة في تقديم الخدمات المباشرة للمستفيدين.
فلتكن مواجهة التحديات وتسخير كافة الإمكانيات، والاعتماد على العنصر البشري المحلي هدفاً رئيساً، عوضاً عن الجري خلف القطاع الخاص وتسليمه قطاعات البلد الحيوية، وفي هذه الحالة مارس القطاع الصحي دوراً هاماً ومحورياً في محاصرة انتشار الفيروس وتأمين الطبابة للمصابين ومتابعة المتعافين والمحجور عليهم حتى تنتهي يتم التأكد من خلوهم من المرض.
في المنتدى الفكري السنوي السادس، الذي نظّمه المنبرالتقدمي فبراير الماضي، يقول الباحث الكويتي سالم عادل الشهاب في ورقته التي قدمها بعنوان (قراءة نقدية لبعض المعالجات الاقتصادية الحكومية في دولة الكويت): “إن انتقال أي من القطاعات الأساسية إلى القطاع الخاص، يعني أمرين مهمين: المواطن سيكون في مواجهة مباشرة مع التاجر، والأمر الأخر هو أن الدولة تتخلى بإرادتها عن أداة اقتصادية أساسية”. ويشيرالباحث لاحقاً إلى أن الاتجاه نحو تطوير قطاعات حيوية وتحسين تقديم خدماتها للمستفيدين، مواطنين ومقيمين، سيكون بالضرورة عنصر قوة في رفد الموازنة العامة للدولة وتنويع مصادرها وتخفيف الاعتماد على القطاع النفطي”.
ويمكننا القول بأننا في اعتمادنا على القاعدة الكبيرة لطواقمنا الطبية في مختلف المجالات وتسخير الاعتمادات المالية اللازمة من أجل تحسين وتطوير بنيتنا التحتية الصحية، سنكون قد ربحنا مرتين، الأولى في ضمان تلقي المواطنين الرعاية الصحية اللازمة والملائمة، والثانية في تسخير البلد لتكون وجهة سياحية طبية من شأنها أن تكون عنصراً إيجابياً في رفد الموازنة العامة للدولة.

اقرأ المزيد

فعالية الوعي المجتمعي

تُظهر مواجهة شعب البحرين لجائحة كورونا، ما عليه شعبنا من وعي وإحساس عالٍ بالمسؤولية، حيث نجد استجابة واسعة النطاق من المواطنين للتوجيهات والتعليمات التي تصدرها الجهات الصحية والإدارية في الدولة، أكانت على شكل تقيّد بالإجراءات الصحية المطلوبة، أو التزام بالتدابير الحياتية الأخرى، بما في ذلك شكّل التسوق في الظروف المستجدة، أو في التفاعل مع الفريق الوطني الطبي الذي يدير مواجهة تفشي الفيروس باقتدار.
ورغم بعض السموم التي تبث من أقلية منبوذة، سيئة الخلق ومغرضة المرامي، على بعض مواقع التواصل الاجتماعي، يروق لأفرادها بث الفرقة بين أبناء الشعب الواحد، وإيقاظ النزعات المذهبية التي بذل البحرينيون جهوداً كبيرة لتخطي آثارها المَرضية التي عانى منها الوطن والمجتمع، فإن ما يدعو للاعتزاز أن هذه السموم، كما اصحابها، باتت مكشوفة، ولا تجد الأذن الصاغية من غالبية المواطنين، الذين يدركون أهمية أن معركتنا هي مع الفيروس الفتّاك، الذي لا يفرق بين طائفة وأخرى، أو بين فئة وأخرى، فالجميع هدف له، وكلنا متحدون في مواجهته.
أشاد البيان المشترك بين جمعيتي المنبر التقدمي والتجمع القومي بالإجراءات التي اتخذتها الدولة للتصدي لتفشي الوباء، الجديرة بالثناء، وكذلك وبالجهود الوطنية العالية التي تبذلها كافة الكوادر المعنية وخاصة الكوادر الطبية والصحية، التي تواصل عملها بمثابرة ودأب على مدار الساعة، من أجل حصر حالات الإصابة، وعلاج المصابين، والتقليل، ما أمكن، من الخسائر الناجمة عن الوباء.
وليست الروح الوطنية الجامعة لكافة فئات المجتمع في البحرين بأمر جديد أو طارىء، فتاريخنا يشهد على الكثير من هذه المواقف، خاصة عند المحن، وهاهي تعيد التعبير عن نفسها، في الكثير من الصورالمبدعة والمسؤولة، ولا شك أن هناك الكثير من الخطوات والتدابير التي من شأنها تعزيز هذه الروح، وفي مقدمتها، كما أوضح البيان، توسيع شبكة الدعم المالي والعيني المباشر وغير المباشر لفئات العاملين البحرينيين الذين لم تطالهم إجراءات الدعم، خاصة الواقعين خارج العمل المهيكل بكافة فئاتهم، مع تحميل جزء من أعباء ذلك على شركات القطاع الخاص المقتدرة، أو توجيه جزء من حصيلة تبرعات الحملة الوطنية لتحقيق ذلك، إضافة إلى توفير الضمانات القانونية التي تحول دون انتقاص الحقوق المكتسبة للمواطنين، وعلى رأسها الحق في العمل وضمان استدامته، وتأمين الرعاية الصحية والاجتماعية بصورة مستدامة.
التقدمي

اقرأ المزيد