المنشور

الدولة المدنية في البلدان العربية

كثيراً ماكُتب عن الدولة المدنية وأهميتها، وهل تختلف عن الدولة العلمانية أو تتقاطع وتتداخل معها في كثير من المقومات والشروط، وماهو النموذج الافضل لبلداننا في الخليج والوطن العربي عامة، الدولة المدنية أم الدولة العلمانية، فالأولى تبدو مقبولة من بعض التيارات الفكرية والسياسية في بلداننا التي ترفض أي توجهات علمانية لأسباب عدة، وبعض الأحيان ممكن تتغنى بشعار الدولة المدنية وهي لا تؤمن به، ولكن لمقتضيات الحاجة والضرورة، ولمسايرة الأطراف الأخرى في المجتمع، وربما لتعزيز التحالفات مع بعض من القوى المدنية والعلمانية لصالح تحقيق أهدافها الاستراتيجية البعيدة، ونجد مثالاً واضحاً في ذلك أداء حزب النهضة “الأخوان المسلمون” في تونس، الذي يتعاطى مع الأمور ببراغماتية هناك، لكي لا يخسر مواقعه السلطوية مستفيداً من تجربة الأخوان المسلمين في مصر، متحاشياً تكرار سيناريو ماحدث هناك، فيعمل بالتكتيك السياسي ليخدم الاستراتيجية، حدّ القبول بفكرة الدولة العلمانية طالما تحقق أهدافه البعيدة المدى .

هل يمكن الدولة المدنية أن تتحقق في بلداننا الخليجية والعربية بعيداً عن حسابات وأهداف القوى الإسلامية بكل الألوان والتنوعات المذهبية التي ممكن أن تتفق عليه؟، إذا كانت السلطات الحاكمة تريد إحداث التغيير والإصلاح والتصدي لقضايا الفساد وسارقي المال العام والتوجه نحو بناء دولة القانون والمؤسسات والمشاركة الفعالة للمواطنين في القرار السياسي من خلال تشكيل المجالس النيابية والبلدية المنتخبة صاحبة الصلاحيات الواضحة، تضع حجر الأساس لولادة الدولة المدنية، التي لها مقومات رئيسية لا يمكن تجاوزها مثل السماح بحرية الرأي والتعبير والحريات العامة ووجود صحافة حرة وتشكيل منظمات وهيئات المجتمع المدني “الأحزاب السياسية، الاتحادات العمالية النقابية والنسائية والطلابية والثقافية”، ومشاركة المرأة في الحياة السياسية، التسامح والتعايش بين أفراد المجتمع والدولة، وبدون ذلك لا يمكن أحداث التغيير والإصلاح الجاد في أي بلد خليجي أو عربي.

ربما يقول قائل إن الأمور تأتي خطوة خطوة، ولا يمكن للتغيير أن يحدث دفعة واحدة في بلداننا التي يغلب عليها الطابع القبلي والأبوي، وهي محكومة بالعادات والتقاليد ولم تتطور فيها علاقات الإنتاج، وتترسخ فيها مفاهيم الحداثة والتغيير الجذري، واقتصادها ريعي غير منتج، ولكن عملية التغيير لن تحدث سواء كانت سياسية أو اقتصادية، إذا لم يسبقها تغيير في مناهج التعليم، لتواكب هذا العصر وتطوراته وأحداثه، ففي بعض البلدان الخليجية تشكل مناهج التعليم الحالية عائقاً لما تحتويه من معوقات في إحداث الإصلاح والتغيير المنشود، لابد من خطوات عملية في هذا المسار الأهم للارتقاء بالوعي المجتمعي، ومن ثم التوجه نحو وضع الأسس الديمقراطية وترسيخ مفاهيم الواجبات والحقوق للمواطنين، وفصل السياسة عن الدين، واحترام كل الديانات والمذاهب وحرية الرأي والمعتقد وعدم التمييز، وتعزيز المساواة والعدالة الاجتماعية، فكلها ركائز أساسية في قيام الدولة المدنية الديمقراطية المنشودة.

كتب بعض الباحثين العرب عن الدولة المدنية، كلٍّ حسب فكره وتوجه السياسي يقرأ الواقع في بلاده، فعلى سبيل المثال فإن حسني الخطيب كتب في عام 2018 عن خصائص الدولة المدنية قائلاً: “أهم خصائص الدولة المدنية هو التمييز بين المجال العام والمجال الخاص، وعدم خَلْط الدين بالسياسة، وليس من وظائفها أيضاً مُعاداة الدين كما يذهب إلى ذلك خصومها، لكن من واجباتها وضع مسافة واحدة بينها وبين الأديان، وعدم السماح باستغلال الدين أو استخدامه لأغراضٍ خاصةٍ أو سياسيةٍ، مع تأكيد الاحترام لجميع الأديان وحق الإنسان في العِبادة وممارسة الشعائر والطقوس بحريةٍ ومن دون قيود، وذلك بما يُحدّده القانون العام الحاكِم، أي عدم التجاوز على حقوق الغير.

فيما يقول الباحث المغربي أحمد عصيد :”يدفع أنصار فكرة الدولة المدنية التي لا تعتمد في تشريعاتها على الإسلام كمصدر للتشريع، بأنها هي الضامن للاستقرار وأنها تستوعب معتنقي كافة الديانات المختلفة والتيارات الفكرية المتعددة بعكس ما يمكن أن تفعله دولة تقوم على أسس دينية أو يحكمها الإسلام السياسي. وفي حواره مع DW عربية، يقول عصيد : “إن الإطار السياسي الوحيد الذي يمكن من خلاله وجود تعددية دينية أو فكرية هو الإطار الديمقراطي العلماني، أما خارجه فلا يمكن احتواء هذه الصراعات بشكل سلمي “لأن الأنظمة الدينية تغذي الكراهية باسم الدين، بعكس الإطار العلماني الذي يساوي بين المواطنين”.

أما الباحث المصري أحمد بان، فيرى أن المشكلة الحقيقية هي في بنيوية تيارات الإسلام السياسي في العالم العربي والتي لديها خطابان، “خطاب تصدّره للمجتمعات الغربية وللنخب الليبرالية والعلمانية وتتحدث فيه عن فكرة التعايش والقبول بالآخر وقبول التنوع وخطاب آخر داخلي فيه تعالٍ على الأفكار الأخرى، وهي نفسها لم تقبل التنوع داخلها لكي تقبل بتنوع آخر”.

هل تصبح الدولة المدنية الديمقراطية في بلداننا فقط فكرة لن تتحقق في المنظور القريب أو فكرة مؤجلة في ظل العديد من المعوقات والموانع، لأن مقومات وشروط قيامها لن تتوفر في الوقت الحالي والمسارات والتوجهات السياسية مختلفة في أكثر بلد عربي تتزايد فيه الخيارات الأمنية ومظاهر الاستبداد والقمع، والتضييق على الحريات العامة والديمقراطية وتنتهك فيه حقوق الإنسان وينتشر الفساد وتزداد أعداد الفاسدين وسارقي المال العام، ويبرز التطرف والغلو وكراهية الآخر في المجتمع.

اقرأ المزيد

تراثنا النسوي ما قبل نوال السعداوي!

تحسست في الكتابة نوع من الفن، وفي الفن ما يشبه فعل الكتابة، إنهما لا يعتمدان فقط على قوة العقل، بل على تلك الطاقة الروحية التي تتسرب إلينا من روح الفنان في لوحاته أو موسيقاه، ويحدث ذات الشيء حين يتعلق الأمر بروح الكاتب. كلاهما يجعلنا ننظر للعالم بدهشة وحس مرهف اتجاه القضايا الإنسانية واتجاه كل ما هو رتيب وعادي من حولنا رغم أنه لا يجب أن يكون عادياً بالنسبة للفنان والكاتب. لم أجد في الكتابة غرضا يعالج المشكلات العلمية في البدء، بقدر ما يعالج المشكلات النفسية والروحية للإنسان طوال تاريخه. أحمل دفترا خاصاً أدون فيه الشعر حين اشعر بالألم، وأكتب النثر حين أشعر بالغربة، وأبحث في تاريخ الإنسان، فعرفت أن العلم والأخلاق يتقدمان دائماً ليفندا الكذب الذي ينتهك الروح، ويقيد العقل عن السؤال بحبل دائري من المسلمات يلتف حول أعناقنا.

قرأتُ لأولئك الذين قرأوا التاريخ الإنساني بمنهجية مادية تاريخية. منحتني هذه المنهجية القدرة على الاعتراف بحدود الفكر الانساني: الدين، الفلسفة، العلم، اللغة، وكل حدث في تاريخ الإنسان أياً كان، فإن علاقة كل تلك الأشياء بما يحدث على الأرض أكبر بكثير مما يحدث في السماء، بل نحن نفهم ما في السماء من خلال حدود الأرض التي نسكنها، ولو غبت عن هذه الحدود لتغيرت السماء وتغيرت أسماؤها وطريقة نظرك إليها. ولأن القراءة المادية التاريخة تجعلنا نفهم حدود كل فكرة وكل حركة تاريخية فهي بالتالي تفتح الباب لعقلنا أن يحكم على الأفكار خارج نطاق التقديس، ولمشاعرنا للتعامل مع القضايا الإنسانية بشكل أكثر حرية وموضوعية.

أُكِنُّ مشاعر حب عظيمة لنساء عظيمات في حياتي، أولهن أمي التي تعبت في تنشئتنا وصبرت على تربيتنا، وأيضاً زوجتي التي قررت أن تعتمد على نفسها مبكراً وتتحمل جزءً من المصاريف الجامعية عن والدها. وبالرغم من أنني لا أفضل أن أنجب أحداً لهذه الحياة، لكن إذا قدِّر ذلك فإني أفضل أن تكون ابنة قوية وليس ابناً كما يحلم معظم الآباء. أجد الحب أنثويا، وأجد المرأة أكثر احتضانا لخصائصه، فهي الأكثر عاطفة والأكثر تعبيرا عن ضعفها الإنساني أمام المواقف التي تتطلب المحبة والرحمة، وربما هذا هو مصدر قوتها الذي نفتقر للقدرة على الاعتراف به. إذا كتب لهذه الابنة أن تجيء يوماُ فإني أريد لها أن تكون حرة، بعيدة عن الأخلاقيات التي تشجع على التحرش من الباب الخلفي المقدس، أو تحاكمُها على مظهرها أو خياراتها الفكرية.

من حبي لتلكم النسوة في حياتي أحببت كل النساء اللاتي دافعن عن حقوق النساء، ومَقَتُّ تلكم اللاتي يقفن كغصة في حلوقهن. وأنا أقرأ في التاريخ انجذبت نحو أولى النسويات في تاريخنا العربي الإسلامي (زرين تاج) أو قرّة العين القزوينية، كانت فقيهةً، شاعرةً، مُدرِّسةً، وباحثةً في العقائد، كل ذلك في زمن كان الفقه والعلم لا يراد لهما أن يخرجا من مجلس الرجال، تخيلتُها وهي داخلة على مجمع فقهاء فارس منتصف القرن التاسع عشر كاشفةً وجهها وهي تحدثهم عن فقه المرأة، إن كشف الوجه بالنسبة للمرأة أنذاك كان يعد نوعاً من السفور. تخيلت المشهد بينها وبين أولئك الذين سحبت عنهم بساط سُلطتهم، سلطة العلم واحتكارهم لحق التصرف فيه وتفسيره. لم يجابهّا أحد ولم يتمكنوا من رد حججها، فما كان منهم إلا توجيه التهمة التاريخية الجاهزة لأمثالها “الهرطقة والخروج عن الدين” فوضعت تحت الإقامة الجبرية، ثم قُتلت.

أحببت الرجال الذين نظروا للمرأة كروح لا جسد، أحببت ابن عربي الذي رأى بأن كل ما يصلح للرجال فإنه يصلح لما شاء الله من النساء، وقال: “إن الرجال والنساء يشتركان في جميع المراتب حتى في القطبية –وهي أعلى المراتب العلمية في التصوف- ولما اصطدم بالحديث لن يفلح قوم ولوا أمرهم إمرأة رد ذلك بقوله: إننا نتكلم في تولية الله لا تولية الناس”[مدارات صوفية ص87] وكان ذلك في زمن يردد فيه الناسُ مقولات مثل: “جنبوهن الكتابة والقراءة” كيف لا وقد درس على يد شيخته فاطمة بنت المثنى زماناً وأكن لها احتراماً وتقديراً كبيرين. وفي الوقت الذي كرر فيه الآخرون من شعراء وفقهاء: “إنَّ النّساءَ شياطينٌ خُلقنَ لنا ” كان جلال الدين الرومي يدافع عن مشاركتها للحياة العلمية والعملية، يقول في كتاب فيه ما فيه: “أنت ليلاً نهاراً تحارب طالباً تهذيب أخلاق المرأة وتطهير نجاستها بنفسك، أن تُطهر نفسك بها خيرٌ من أن تطهرها بنفسك”[فيه ما فيه: الفصل العشرون].

لقد صرح الرومي قبل أكثر من سبعة قرون بأن احتجاب المرأة عن الحياة إنما هو إفساد لمن يظن أنه يُصلح، لأن المسألة هي مسألة تربية جوهر الإنسان وليس قطيعة واحتجاب وعزلة، ذلك نوع قسري يفرض تهذيبا شكليا لا يحترم الذات الإنسانية، ففي نص آخر من ذات الكتاب يقول: “كلما أمرت المرأة أن احتجبي ازداد تلهفها إلى أن تظهر نفسها، وازدادت رغبة الخلق بتلك المرأة. وهكذا تجلس أنت في الوسط، وتزيد الرغبة عند الطرفين كليهما، وتظن أنك تصلح. ذلك عين الفساد. إذا كان لديها جوهرٌ يمنعها من أن تفعل فعلاً سيئاً، فسواء منعتها أم لم تمنعها ستمضي وفق طبعها الجيد وجبلتها الطاهرة…وإذا كانت على عكس هذا، فستظل تمضي في طريقها أيضاً، لا يزيدها المنع إلا رغبة على الحقيقة”[فيه ما فيه: الفصل العشرون]. قد يصدم البعض سماع هذا من رجل مسلم عاش في القرن الثالث عشر، لأننا اعتدنا على ترديد مقولات رجال الدين. للمرأة عند الأقطاب موقع أفضل مما هي عند رجال الدين، ولا يصدمك حين تقرأهم ما يصدمك حين تقرأ رجال الدين من أمور تمس المرأة وجوهريتها. لقد نظر الرومي لحجاب المرأة على أنه أمر جوهري وليس قطعة مادية، وهكذا نظر لآية الحجاب وإلى الله الذي خلق الإنسان وميزه بالعقل عن سائر المخلوقات. وإنه لمصيب تماما في فهمه للدين الذي يرتقي بالإنسان ويعبر عن تكريم الله له، وفهم الإنسان لمقاصد الله.

وُصفت قرة العين بالهرطقة وأُعدمتْ، لكنها في الجانب الآخر تسمى الطاهرة، واتخذها البابليون واحدة من ضمن أكثر الشخصيات قدسية، وبسببها تحتل المرأة مكانة رفيعة في البابية. ووُصِفَ ابن عربي في بعض الدوائر الدينية بالزنديق، والكافر الضال، ليس نتيجة رؤيته للمرأة، بل نتيجةً للطريقة التي رأى فيها لله على أنه الواحد الكثير في تجلياته، والحاضر بأسمائه في كل مِلَّة، فلم يحتمل ضيق الله في أذهان البعض تلك السعة الإلهية عند ابن عربي، فهو يمثل في الجانب الآخر وللكثير من الناس داخل التصوف وخارجه قدوة حسنة وقطب من أقطاب الله، وواحداً من ضنائنه على الأرض.

إن سفر العقل هو سفر الآحاد، لا تسافر الجماعات نحو الحقيقة. في يوم وفاة نوال السعداوي أذكر كل هؤلاء وإن كانوا يختلفون معها في الطريق، وفي بعض القيم، إلا أنهم كلهم نالوا ما نالت وعانوا ما عانت نتيجة دفاعهم عن حقائقهم، فرغم ازدراء الكثير وتصفيق الكثير، إلا أنها كانت كما أرادت أن تكون، لا تعيش حياة مزدوجة واحدة في الخفاء وأخرى في العلن، فذلك عندها مناقض للشرف. وذنبها كذنب أولئك أنها تكلمت بحقيقتها في زمان أراد لها أن تصمت وتذعن، ولكن التاريخ يثبت أنه ليس من نصيب هؤلاء إلا الخلود.

اقرأ المزيد

صدمة الغياب

عن دار السكرية للطباعة والنشر والتوزيع في القاهرة، صدر للشاعرة والقاصة البحرينية نعيمة السمّاك ديوان “نهارات فاطمة”، وهو الإصدار الرابع للشاعرة، بعد “طقوس امرأة – شعر، 2005″، “أيام خديجة – قصص، 2008 ، “سأحدثكم عن مريم – قصص – 2017″، ومن الديوان الجديد ننشر هذه القصيدة.

فرحتُ بكن
أنا أم لثلاث إناث
لكن أبيك غادر
فحطّ بقلبي حزن
يفوق العشرين عاما التي كنت
بعده لم أجد صدراً للبكاء
يجنُ عليّ الليل
لا شيء سوى الحزن
الليالي تطول
أسائل الجدران
يعود عبيد؟
فيرتدُ صوتي وحيداً
أأبق هنا إلى الآبدين
يزدرد البيت حزني
يشبع حتى الثمالة منه
أأبق هنا إلى الآبدين
دون رجل
دون زوج
دون أب
يمتدُ
يكبرُ حتى يخبُ عليّ
أقاسمه الحوش
الليوان
أواني الطهو والسدرة الكهلة
أرميه حَبَّا لدجاجات البيت
يضيعُ عساه
ويصغرُ حتى لعلي أنسى
أيا فاطمة: كفي
تواصل سردا مديدا، مديدا

اقرأ المزيد

مَن يُحاسب مَن؟

أشار تقرير لجنة التحقيق البرلمانية في أوضاع صناديق التقاعد، إلى أن الهيئة العامة للتأمين الاجتماعي لم تتعاون معها، معتبراً هذا الموقف خرقاً للدستور والقانون، من خلال عدم الالتزام بتمكين اللجنة من ممارسة دورها الرقابي في التحقيق، كما أشار التقرير إلى أن الهيئة “امتنعت عن تزويدها بالعديد من الأمور الهامة من بيانات”، بالإضافة إلى أنها: “قامت بتمويه وتضليل اللجنة من خلال التعمد في تقديم أرقام غير حقيقية فيها فروقات تصل إلى أكثر من 900 مليون ديناراً”. ولما بدا الأمر مكشوفاً، ولن ينطلي على أعضاء اللجنة ولا على الرأي العام، تداركت الهيئة ذلك لاحقاً وطلبت استبدال تلك البيانات التي قالت إنها أُرسلت بالخطأ.
وفي مداخلته في جلسة مجلس النواب لمناقشة تقرير اللجنة، اكدّ عضو كتلة “تقدّم”، النائب الأول لرئيس مجلس النواب عبدالنبي سلمان “وجود تلاعب من قبل الهيئة العامة للتأمين الاجتماعي بالأرقام التي قدمتها إلى لجنة التحقيق البرلمانية، قائلاً إن “تقرير اللجنة بيّن تلاعب رئيس مجلس إدارة الهيئة عبر تسليم اللجنة بيانات مغلوطة قبل أن يتم ارسال بيانات أخرى مصححة حسب الهيئة”.
وعلى فداحة كل هذا التضليل والمعلومات المغلوطة، لم يقف الأمر عند هذا، بل بلغ حدّ تهديد رئيس الهيئة بمقاضاة أعضاء اللجنة، لدورهم في كشف أوجه القصورات والتلاعب في أموال الهيئة، وكشف الكثير من أوجه الفساد في عمل الهيئة والقائمين عليها، فضلاً عن فضح الامتيازات التي يمنحها هؤلاء لأنفسهم، ومن أموال المتقاعدين والمشتركين، في ظل غياب الشفافية والمساءلة والرقابة على عمل الهيئة.
نحن بصدد وضع مقلوب لا يليق ببلد يوجد فيه برلمان منتخب، حين يهدد مسؤول من داخل السلطة التنفيذية بمعاقبة نواب منتخبين من الشعب، فقط لأنهم قاموا بالدور الذي يمليه عليهم الواجب، والتزاماً بالتكليف المعهود إليهم من مجلس النواب نفسه، بالتحقيق في أداء جهة مؤتمنة على أموال تتصل بحياة ومصائر أبناء الشعب، وهو أيضاً دور معهود إليهم من ناخبيهم، ومن كل أبناء الشعب الذين يريدون أن يكون أعضاء مجلس النواب في مستوى المسؤولية التي أوكلوها إليهم، ويظهروا الشجاعة والنزاهة في مواجهة الفساد، وحماية المال العام.
مسؤولية السلطة التشريعية هي الرقابة على أداء السلطة التنفيذية، ومحاسبتها على أي تقصير تقع فيه أجهزتها والمسؤولون في هذه الأجهزة والوزارات، ومعيب للغاية أن يتجرأ أي مسؤول على نواب انتخبهم الشعب ووفوا بوعدهم لناخبيهم بإيصال أصواتهم إلى قبة البرلمان.

اقرأ المزيد

الفن والتغيير

يمكن للفن أن يُغيّر المجتمع ويمكن له ألا يغيّره، وفي الحالة الأولى إن تهيأت له الظروف الموضوعية، فإنه يسهم في إحداث التغيير حيث أرى أن الفن كان له دور واضح وملموس في تغيير أنماط من سلوكيات افراد المجتمع، والعكس صحيح أيضاً، فحين لا تتوفر هذه الظروف لا يستطيع الفن أن يغيّر.

وقد كتب برتولت بريخت عن هذه الخاصية في الفن، التي تحرر نفس الانسان حيث قال: “إن مسرحنا يجب أن ينمي لدى الناس متعة الفهم والإدراك، ويجب أن يدربهم على الاغتباط بتغيير الواقع، لا يكفي أن يسمع متفرجونا كيف تحرر بروميثيوس، بل يجب أيضاً أن يتدربوا على تحريره والاغتباط بهذا التحرير، يجب ان نعلمهم في مسرحنا كيف يشعرون بكل الفرحة و الرضا اللتين يشعر بهما المكتشف و المخترع، وبكل النصر الذي يستشعره الفائز على الطغيان”.

و تأييداً لرأي بريخت أرى أن هناك فئة في المجتمع من المستحوذين على السلطة والثروة لا تهيئ الطريق لإنطلاق الفن الذي يسعى لخدمة وتغيير المجتمع، لان الفن – كما عرفناه ولمسناه – عملٌ راق وسامٍ يتضارب مع مصالحها الاقتصادية، أما الفن الذي تروج له تلك الطبقة من المجتمع فلا يعدو كونه عملاً تهريجياً وتسلية ليس إلا.

مما سبق، نؤكد على ضرورة إعطاء الفن دفعات إيجابية ليأخذ دوره المناط به، كما أشار إليه بريخت، والذي رأى أيضاً: “ان النظرة الجمالية السائدة في مجتمع يحكمه صراع الطبقات يتطلب أن يكون الأثر المباشر للعمل الفني هو إخفاء الفروق الاجتماعية بين المتفرجين، بحيث تنشأ منهم اثناء استمتاعهم بذلك العمل، جماعة لا تنقسم إلى طبقات وانما تكون وحدة إنسانية شاملة”.

ونستنتج من ذلك أن الفن سلاح إيجابي للتطوير، وقادر على إحداث التغيير والتقدّم، إذا ما لم توضع العقبات أمامه.

اقرأ المزيد

العرب والحداثة

لماذا فشل مشروع الحداثة في العالم العربي، وهل يتحمل المثقفون العرب المسؤولية؟
جاءت الإجابة من أحد المفكرين العرب بالقول: “نعم لأنهم لم يتجرأوا علي مواجهة التراثيين. حتي طه حسين تراجع عن مشروعه بعد أن هيج الاصوليون الشارع ضده وفصلوه من الجامعة”، أما البعض الآخر فإنهم “قنعوا بالحياة شمساً ومرعى.. واطمأنوا للماء في الغدران”، كما قال الشاعر الكبير نزار قباني.
وبالنظر الي ما شهدته أوروبا من مواجهات ومحاكم التفتيش للفلاسفة والمصلحين في العصور الوسطى بما سميت بالثورة اللاهوتية الأوروبية، ففي الواقع العربي لا يزال المثقفون في أبراجهم العاجية مكتفين بالتنظير دون التقدم خطوة واحدة إلى الأمام. هناك دعوات لاطلاق مصالحة بين الدين والحداثة لمواكبة العصر والمصالحة التي ننشدها لا تتم بالاكراه لكن تحدث بقناعة ذاتية محضة.
بابا الفاتيكان في العصور الوسطى قال “الإيمان لا يفرض فرضاً علي الإنسان من الخارج.. واذا لم يكن نابعا من الداخل فلا معنى له”، وأحدثت صرخة البابا نقلة هائلة وتحولاً في الذهنية الأوروبية حيث فتحت حوارا مع الآخر المختلف فكريا وثقافيا، وباعتبار أن أمتنا تشهد حوارات الأديان والثقافات فالأولى، بل الأجدى، هو إقامة حوارات داخلية لتوحيد الرؤى.
أوجز المفكر الدكتور محمد جابر الأنصاري بعبارة قصيرة وبليغة رؤيته للوضع العربي اعتقد انها تلخص الواقع بقوله “إننا كمسلمين لدينا أفضل المبادئ لكننا نعيش أسوأ الأوضاع “. ولا مخرج لنا من هذه الوضع المتردي من خلافات فكرية وثقافية ودينية إلا بتشخيص أوضاعنا عبر رؤية موضوعية تتقصي جذور المشكلة، ولا أظن أنها تستعصي على العلاج . إننا كأمة مسكونون بوهم يعشعش في تلافيف ذاكرتنا بأننا “أمة مهزومة وأننا خارج التاريخ “..ولن تقوم لنا قائمة بعد النكسات العسكرية والحضارية حتى بتنا في آخر قاطرة الركب الحضاري ..مما حدا بأحدهم الي إطلاق مقولته “أن العرب أمة منتصرة لكنها تندب حظها العاثر”.
يبدو أن الرؤية التي استند إليها الكاتب تكمن في إعادة الثقة بالنفس وقدرتها علي تجاوز أزماتها أولاً. الروائي الروسي الكبير تولستوي يقول “ليس هناك فرد ضعيف لكن ثمة من يهمل مواطن القوة لديه”، وعندما تتحسس مواقع القوة في عقل الأمة فإنها متوافرة متجددة في الطاقات الفكرية والعلمية عندها يمكن أن نبدأ الانطلاق والجميع مدعو للمشاركة في البناء ولا عذر لمن يتخلف .
ثمة أمر في غاية الأهمية يكمن في مراجعة التاريخ والمراجعة يتوجب أن تكون شاملة والمثال أيضا أوروبا، عندما قيض لها من ينتشلها من سباتها عندما كانت نحوها العقليات البابوية. الانطلاقة بدأت بعصر التنوير أولاً ومن ثم النقلة الكبرى إلى عصر الحداثة وما بعد الحداثة.
يتساءل الكاتب العربي المقيم في فرنسا هاشم صالح: “أين هم المفكرون في دولنا العربية الذين يمكن الرهان عليهم للخروج من هذا الواقع؟ أين هو فولتير العربي؟ وأين هو كانت ؟ وسبنونزا ؟ وهوجو واركون؟”.

اقرأ المزيد

التوصية رقم 47

قضيتان شغلتا الشارع مؤخراً؛ مكتسبات المتقاعدين ووضع صناديق التقاعد المخلخل، والأخرى تزايد العاطلين عن العمل وعلو شكواهم من غياب التوظيف المناسب لمهاراتهم وتأهيلهم العلمي. وكلا القضيتين حلهما مرتبط بالآخر.
لجنة التحقيق البرلمانية التي قدّمت تقريرها مؤخراً بعد 4 أشهر من الزيارات والاجتماعات واللقاءات تمخض عنه ما يقرب من خمسين توصية رفعها المجلس للحكومة لتطبيقها وتنفيذها على أرض الواقع حفاظاً على ما تبقى من أموال المتقاعدين والمشتركين، التي لم يكفّ الخبير الإكتواري عن التلويح بنفادها قريباً وقريباً جداً.
وكان من ضمن تلك التوصيات الساعية إلى إعادة وضع صندوق التقاعد في مأمن عن خطر الافلاس التوصية رقم 47: “زيادة عدد المشتركين من العمالة الوطنية في صناديق التقاعد، وذلك من خلال توظيف العاطلين”. فإحدى وسائل رفد الصندوق بالموارد اللازمة التي من خلالها يستطيع مغادرة المنطقة الحمراء تضرب عصفورين بحجر واحد.
الغريب أن العاطل عن العمل يعاني بحثاً عن فرصة ومنفذ لسوق العمل، والموظف يعاني خوفاً من غده، وما إذا كان يستطيع أن يتقاعد قبل أن يباغته المرض والموت، وصغار مرتادي الأعمال يعانون بسبب التنافس غير الشريف بينهم وبين كبار السوق من جهة، وبين القرارات الوزارية التي تساوي صاحب مدخول خمسين دينار وصاحب الأرباح المليونية من جهة أخرى.
والمتقاعد يعاني الأمرّين، مرٌّ لقوت يومه ومعاشه التقاعدي الذي يتآكل ويصبح في مرمى الداعين إلى إصلاح صندوق التقاعد عبر بوابة جيوب الفقراء، والمرُّ الآخر الذي يعانيه هذا المتقاعد هو ما يحمله في رقبته من أبناء يعانون، بدورهم، كونهم مشمولين بما سبق ذكره، فمن بات لا يعاني إذاَ؟ سؤالٌ ذو شجون.

اقرأ المزيد

البائع الذي أصبح كاتباً

ها نحن قد وصلنا ربيعاً، بعد أن ارتوت الأرض من ماء السماء فصلاً كاملاً، لتنبت الأشجار والورود مرة أخرى، وتكتسي الأرض خضرة، معلنة عن اعتدال الطقس. ها هي الأعين ترتوي أملاً، والحواس تستريح بجمال الطبيعة وبتجدد مظاهر الحياة، وها هو الأمل ينبعث مجدداً، ليعلن عن بدايات جديدة.

لا أعرف إن كان هذا الربيع بالذات يبشرنا حتماً ببدايات جديدة، ولكن لنكن متفائلين ولنحصر آمالنا في الكلمات، بعد أن أصبحت هذه السنة، سنة الكتابة، بلا منازع، للكثيرين، بعدما اجتاحت العزلة حياتنا، وأعطت الفرصة للذين لم نتوقع قط أن يبوحوا لنا بالقلم بما تخفيه أفكارهم من خيال.

لنا أن نضرب المثل بجمال الشريقي، شاب أمازيغي جزائري الجنسية ويبلغ من العمر خمسة وثلاثين عاماً، لم يسبق له أن كتب مقالاً أو نشر رواية، و لم يحالفه الحظ أن يكمل تعليمه، لا بل وأنه قضى جزء كبير من السنين العشر الأولى من شبابه وهو في حيرة من أمره، لا يعرف ما يريد وما عليه أن يفعل، حتى ساعده أهله قبل عدة سنين في شراء بقالة تقع في أحد المدن غير المعروفة في الشمال الفرنسي، فبدأت سنوات الملل والعزلة لجمال، وسط الزبائن الذين يدخلون صامتين لشراء حوائجهم ويخرجون مع قليل من الكلام، هي سنوات لم يكن معتاداً عليها، ذلك الشاب الثرثار، الذي لم يعرف التخلص من الفراغ دون الانكباب على القراءة والكتابة.

ليس كل الروائيين مُدرسين أو صحفيين. بعضهم روائيون بالإرادة والبعض الآخر أطباء، مهندسون، أصحاب أعمال أو حتى عاطلون عن العمل. ما يعدّ غير الدارج، هو أن يكون الكاتب بائع مواد غذائية، وأن يكتب أولى رواياته خلف منضدة العداد، بحضور الزبائن الذين يشغلونه باستمرار عن الكتابة. خارج ساعات الذروة، قضى جمال معظم وقته وهو يقرأ بنهم أنجح الروايات التي عرفها الأدب الفرنسي من القرن التاسع عشر حتى قرننا هذا، ليعرف كيف يمهد لحصاده الأول، أو ما أطلق عليه “شبه سيرة خيالية”، قصة الشاب الذي يكتشف نفسه ويبدأ في إيجاد ذاته قبل اكتشاف العالم.

تحكي الرواية التي عنونها جمال ب: “الراتب المقدس”، كل الأفكار الشيطانية المرئية أو المحسوسة التي تعبر محيطه وهو واقف خلف المنضدة، فيتمنى لو أن حاضره كان أفضل مما هو عليه. “لماذا لا أسرد قصة حياتي بصورة أكثر إثارة؟” كان يقول لنفسه ربما هي الإثارة التي كانت ستعطي لحياته منحى آخر وتجعل منه شخصاً آخر.

على كل حال تبدأ الرواية بحكاية تشبه حكايته، وهي قصة طالب يتم طرده من قبل أبيه، بعدما صارحه برغبته في ترك الجامعة من أجل تكريس كامل وقته للكتابة، فما كان منه إلا أن يصرخ على ابنه طالباً منه الخروج من المنزل، ليرى الراوي نفسه والجاً بقالة آلان باسيل، الذي لا يتردد في تعيينه. لم يكن آلان باسيل هاوياً للكتابة، كان بائع مواد غذائية مع طموح واحد مصاحب له: أن يصبح مليونيراً. كان مستعداً لأي شيء ويحتاج إلى شريك، فقام بتجنيد بطل الحكاية من أجل المشاركة في تجارة المخدرات، لتقلب حياته رأسا على عقب، و يدخل في سلسلة مغامرات ثنائية حاسمة، مليئة بروح الدعابة، ساعدته في كتابة ما كتب اليوم، وما وضع للرواية نهاية.

الرواية تجسد الفرق ما بين الأفكار والأفعال. على سبيل المثال، قد تدفع الرغبة في الحصول على المال إلى التفكير بالسرقة أو الغضب إلى الرغبة في الضرب، ولكننا لا نحوّل، لحسن الحظ، كل الأفكار إلى أفعال. كان بإمكان جمال البائع أن يتواطىء مع شبكة مافيا لجني المزيد من المال ولكنه لم يفعل، واختار بدل ذلك أن يوظف خياله لخدمة الأدب وحثّ الشباب في سنه على الكتابة.

بعدما أنجز الرواية، راح جمال الشريقوي يرسل المجلد إلى عدة دور نشر، غير آملا كثيراً في أن يرد عليه أحد. كان يهمس لنفسه: “من سيرغب في نشر رواية بائع مواد غذائية ؟ لا أحد !” شاء الحظ أن يبتسم له ببداية جديدة، بعدما اتصل فيه ناشر، طالبا التحدث مباشرة مع تاجر المخدرات آلان باسيل، لينفجر جمال ضاحكا: “هل هذه سخرية ؟”. ما كان سخرية، أصبح واقعاً، حيث تمكن الشاب المبتدأ من نشر روايته الأولى الشهر الماضي، معطياً المساحة للكثير من الاعلاميين لزيارته في بقالته، من أجل سرد قصة البائع الذي أصبح كاتباً.

اقرأ المزيد

نساء على دروب غير مطروقة

د. حسن مدن

خصوم ومنتقدو نوال السعداوي ليسوا قلة، فهي كانت هدفاً لسهام معارضيها، بمن فيهم بعض من يتفقون معها، ولكنهم يأخذون عليها ما يحسبونه غلواً منها، ولكن عدد مناصريها، خاصة من النساء، في مختلف البلدان العربية ليسوا قلة أيضاً، وأظهرت ردود الفعل بعد وفاتها، قبل يومين، هذا الانقسام في الموقف من شخصها وآرائها.
هذا شأن كل الشخصيات الإشكالية في أي مجتمع، وتوخياً للدقة علينا أن نقول هذه حال الشخصيات التي تقارب القضايا الإشكالية، برؤية مختلفة غير معتادة، فلا بد أن يختلف في أمرها المختلفون، وتاريخنا الثقافي والفكري العربي حافل بمثل هذه الشخصيات، وحسبنا هنا أن نذكر اسم طه حسين، كمثال، فما بالنا بالأمر حين تكون الشخصية المثيرة للجدل امرأة، كما هي حال السعداوي التي تحسب لها جسارتها في اقتحام المسكوت عنه دون وجل أو خوف.
ما يحسبه خصوم ومنتقدو نوال السعداوي غلواً وخروجاً على الثوابت هو نفسه ما يحسبه مريدوها جرأة واقتحاماً للتابوهات التي يجب مقاربتها، خاصة عندما يتعلق الأمر بقضية المرأة في مجتمعاتنا العربية، وجميعنا يعلم أن تناول هذه القضية بمنظور مختلف، لم يبدأ بنوال السعداوي، وحسبنا هنا أن نذكر كتابي قاسم أمين: «تحرير المرأة» (1899)، و«المرأة الجديدة» (1901)، وكذلك كتاب «امرأتنا في الشريعة والمجتمع» الصادر في عام 1930، للتونسي الطاهر حداد، خريج جامع الزيتونة، والذي نال في حينه إعجاب طه حسين، حتى قال عن مؤلفه: «لقد سبق هذا الفتى قومه بقرنين”.
ويعرف تاريخ مصر نساء رائدات شجاعات اقتحمن دروباً غير مطروقة محفوفة بالمخاطر، بينهن سيزا نبراوي، هدى شعراوي، نبوية موسى، وفي فيلم أعدّته الأديبة إنعام كجه جي عن حياة أول وزيرة في العالم العربي الطبيبة العراقية نزيهة الدليمي، التي توفيت، وحيدة، في صقيع المنفى، نفاجأ بجرأة وإقدام هذه المرأة، التي حكت في الفيلم أنها استقلت حافلة النقل العام، متوجهة إلى القصر الجمهوري في بغداد، حين استدعاها أول رئيس للجمهورية، عبدالكريم قاسم، ليبلغها بأنه اختارها لتصبح أول امرأة وزيرة في البلاد.
ولا يمكن أن نغفل هنا الكاتبة والنسوية المغربية الشجاعة فاطمة المرنيسي التي عرفت بأبحاثها الفكرية والاجتماعية لخدمة قضايا تحرير المرأة، صاحبة العديد من المؤلفات، من بينها “الحريم السياسي”، و”هل أنتم محصنون ضد الحريم؟”، و”ما وراء الحجاب”، “شهرزاد ترحل إلى الغرب”، و”أحلام الحريم”، “نساء على أجنحة الحلم”، ما شكلَّ تراثاً مهماً ومرجعاً أساسياً ونصيراً للحركة النسائية المغربية والعربية، فضلاً عن إثرائه لفكر الحداثة والتقدم الاجتماعي والفكري في المغرب والعالم العربي.
على خطى هؤلاء سارت نوال السعداوي، الطبيبة بدورها، ولكنها جمعت بين الأدب والطب ووظفتهما في مقارعة كل ما تعدّه معيقاً لتقدّم المرأة ومساواتها بالرجل، غير آبهة بالتحديات، وأصدرت عشرات الكتب، تُرجم بعضها للغات أجنبية، بينها: “مذكرات طبيبة” عام 1960، و”مذكرات في سجن النساء”، ومسرحية “الزرقاء”، ورواية “سقوط الإمام” عام 1987، و”أوراق حياتي” عام 2000. ومن رواياتها أيضاً “امرأة عند نقطة الصفر” المستوحاة من قصة حقيقة لامرأة التقتها وكانت تواجه عقوبة الإعدام.

اقرأ المزيد

مسافة

الحبُ قريب وحاسم جداً..
حدّ التعثر الوشيك والمتكرر لطفل مضحك يتدرب على المشي
حدّ دخول النسيم الخفيف ما إن تُفتح نافذة
حدّ خطوة أسير قد حان موعد إفراجه
حدّ قبلة عشاق لم يلتقوا منذ زمن بعيد
حدّ احتراق بصلة مفرومة على مقلاة ساخنة
حدّ انتشار عطر البخور على جمرة تشتعل
حدّ تلمس الموت لامرأة في غرفة المخاض
حدّ اقتراب قذيفة النهاية من رأس مقاتل أضاع خوذته بين الحقول
حدّ تكبد النجوم في مخيلة القصيدة
حدّ العناق الذي يجب أن يكون كلما توحدت النظرات الندية بالعشق
ككل صور الحياة القريبة المسافة.. تلك الصور السريعة والصارمة ..(هكذا يولدُ الحب)..

اقرأ المزيد