المنشور

هل مات فقيدكم ب “كورونا” ؟

هل مات فقيدكم ب كرونا ، اي نوع من اللقاح ، كم جرعة ؟ متى ؟، كم يوم بعد الجرعتين؟، هل تلقى الجرعة التنشيطية؟ كم عمره؟ هل لديه أمراض كامنة: سكر ضغط، سرطان، سيكلر، سمنة؟ هل كان في العناية القصوى؟، كم يوم؟، هل كان تحت جهاز التنفس الصناعي أم الاعتيادي؟ كم يوم؟، أي مستشفى؟ كيف اصيب؟، من الذي نقل له العدوى؟، هل سلمت عائلته أو زوجته أو أولاده؟ مَن نجا ومَن أصيب؟ من خالط؟ هل هي الإصابة الأولى؟ “كوفيد” القديم أو المتحور الجديد ؟ اصابة في البيت أم في العمل أم من الشارع؟ هل هو شخص ملتزم بالتعليمات والاحترازات والتباعد والكمامة أم مستهتر بها؟، هل هو مدخن؟ مدمن كحول مثلا؟، أهو متزوج وهل لديه أولاد ؟
تلك نماذج من الأسئلة المعتادة التي يتلقاها ذوو المتوفيين أو المصابين بكوفيد حين يتواصلون مع الناس الناس، أسئلة تبدو للوهلة الأولى بريئة في مجتمع صغيرويعرف بعضه بعضاً وترمي إلى التشارك في المصاب والمواساة والمؤازرة وواجب العزاء.
الأسئلة أعلاه خاصة جداً وتفصيلية جداً وتقف على حياة هذا الإنسان، وقد لا يعرف حيثياتها حتى الأقربون منه، ورغم أنها أسئلة قد تبدو معتادة ومن حق الناس معرفتها، فإنها أيضاً تزعج الناس وتجرحهم وتحرجهم وتضعهم في موقف صعب كونها أسئلة تدخل عميقاً في حياة الآخر، وتخوض في سيرته الذاتية وأمراضه وتتطفل على أسراره التي يحرص الكثيريون على إبقاءها طي الكتمان في الصحو والمرض، في الحياة وفي الموت.
من قال إن الناس لا ترى في المرض خصوصية وإن للميّت حرمة، وإن له في ذمة أهله حقوق يجدر بهم الحفاظ عليها، وتلك أبسط حقوق الإنسان، بيد أن أسئلة الناس التلقائية تشير إلى تعاظم المخاوف من جائحة شديدة الانتشاروالخطورة، جائحة وضعت العالم كله أمام تحديات غير مسبوقة. أسئلة الناس لا ترمي إلى اشباع الفضول الغريزي في المعرفة والتلصص بقدر ما ترمي إلى تفادي الأخطاء والتعلم من الدروس والاعتبار.
لاحظوا أن من كان يصاب بكورونا في السابق كان بإمكانه ان يخفي اصابته، ينزوي في بيته او يُحجر أو يتنقل حراً دون احترازات وقائية، لأن الجائحة كانت في بواكير نشأتها، ويصح القول إننا كنا في نزهة مع سلالة كوفيد القديمة قياساً بما نشهده الآن مع السلالة الجديدة “متحور دلتا “
إن زمن الوباء الشامل جعل مسألة الخصوصية وحقوق الإنسان تتراجع كثيراً لصالح معرفة كل التفاصيل والبيانات الخاصة بمرضى كوفيد، فنحن جميعاً على مركب واحد، نعاني الأمر ذاته وقد نكون الرقم المقبل، والناس تعيش حالة من الخوف والرعب، وتود التأكدّ من سلامة تعاطيها مع المرض، وهل تلقت اللقاح المناسب أم لا ؟، وهل قامت بالاحترازات الضرورية كما يجب؟ وهل عليها أن تمارس على نفسها المزيد من التشدد مستفيدة من أخطاء الآخرين لتلافي سقطات الآخرين، هل تصنف نفسها ضمن الفئات العمرية والصحية الخطرة وذات الاحتمالية العالية للاصابة والوفاة أم لا، إن تفاصيل وفيات كورونا من عدمه قد اختفت من منصات التواصل ومن تقارير المنظومة الصحية في بلدنا، الناس هي التي صارت تبحث عن المعلومة وتتكهن وتخمن وتسأل وتتحرى، لا إشباعا للفضول كما أشرت ولكن كنوع من الاطمئنان.
وهكذا غابت كل أسباب الموت وبقيت كورونا، وبدا إنّ كل راقد في المستشفى هو مريض كرونا بالضرورة؟
وكل صفارة اسعاف هي لمريض كورونا وكل انبوبة اكسجين مخصصة لمرضى كورونا، وكل حالة وفاة هي لمصاب بكورونا، وهو أمر غير صحيح بالمطلق، فلا تزال المقابر تستقبل الوفيات ولا تزال المشافي تعج بالأمراض المتنوعة الكامنة المستترة والظاهرة والواضحة للعيان، بيد أن كوفيد سيطر على المشهد الطبي والصحي، وتصدررقم الوفيات، وقد كان أقسى على المرضى وكبار السن وضعاف المناعة وغير المطعمين أو أولئك الذين لم تقاوم اجسادهم قسوة الفيروس المتحورالفتاك، والذين انتقلوا في لحظة إصابة عابرة من دائرة الصحة إلى سرير المرض، نعم ضاعت خصوصية المرضى وحقوقهم الإنسانية بسبب تفشي وباء كوفيد، وصار سؤال: كيف توفي مريضكم سؤالاً طبيعياً ومعتاداً في معركة الحرب على كوفيد التي لا تعرف نهايتها .