المنشور

كسر جدار الصمت! (1 – 2)

بقلم: Cinzia Sciuto
ترجمة: غريب عوض

تستفيد الإسلاموية المُتطرِفة من صمت المسلمين المُعتدلين الذين لا يرون سبباً يجعل عقيدتهم تنطوي على مسؤولية إدانة عُنفُها. ولكن الإسلاموية ستستفيد أيضاً من عدم وضوح الحدود بين الإسلاموفوبيا الحقيقية (الرهاب الإسلامي) وإنتقاد الإسلام حيثُ يخرج عن الأعراف الديمقراطية.
بعد الأعمال الإرهابية الإسلامية في فرنسا والنمسا في العام الماضي، يمكن مُلاحظة تكرار نفس النص القديم مرة أُخرى. من ناحية، كان هُناك أولئك الذين اتهموا الإسلام بأنهُ دين عُنف في جوهره؛ ومن ناحية أُخرى، هُناك هؤلاء الذين جادلوا بأن العُنف الإسلامي لا علاقةَ لهُ بالعقيدة الإسلامية. وهذا يشبه إلى حد ما الرد على الإعتداء الجنسي على الأطفال في الكنيسة الكاثوليكية إما بالصراخ “الأوغاد الكاثوليك” أو بالإصرار على أن تعاليم المسيح لا علاقة لها بإساءة مُعاملة الأطفال. كِلاهما لا يؤدي إلى أي مكان. ما قد يكون جوهر الدين هو موضع اهتمام عُلماء الدين، ومؤرخي الدين والأفراد المؤمنين. لكن من وجهة النظر العلمانية، هذا غير ذي صِلة.
لكن المُهم هو ما إذا كانت الأديان والتسلسُلات الهرمية الدينية تستجيب للعُنف المُرتَكَبْ بإسمها، وكيف تستجيب، ليس لأن هذا يُشير إلى ما إذا كانت تحترم أسُس عقيدتها، ولكن لأنها تُحدد ما إذا كانت تعترف بالمبادئ الأساسية للتعايش الحضاري.إن ما يُغلق العلمانيين ليس الجانب الديني من الإعترافات، إنما دورها العام، تأثيراتها الإجتماعية والسياسية واستخدام أتباعهم ومُمثليهم لها.
من المهم أن يبذل اللاهوتيون والمؤمنون جُهداً للتوفيق بين إيمانهم ومبادئ التعايش الديمقراطي؛ هذا يؤدي إلى ظهور تفسيرات مُتعدِدة للنصوص الدينية، وبالتالي توليد التعدُدية. ولكن محاولات تبرير حقوق الإنسان على أساس سُلطة خارجية يجب التعامل معها بحذر. لماذا يجب أن تتوافق الحقوق الأساسية مع النصوص المُقدسة قبل أن تعترف بها الأديان؟ ومثل أي ظاهرة ثقافية أُخرى، تؤثر الأديان في المجتمع وتتأثر بهِ. وفي لعبة الأخذ والعطاء هذهِ، يجب على الأشخاص العاديين (المؤمنين وغير المؤمنين) أن يقفوا على أرض الواقع. وإلا فإن الأصوليين سوف يستغلون الميزة.
إن تصوّر الأديان كفاعلين اجتماعيين يعني فهمها على أنها مُكونات حية في المجتمع في تطوّر مُستمر، وليس كمُكونات مُتجانسة ذاتية، كما يعتقد الأُصوليون. هذهِ هي رؤية الأديان على حقيقتها، والحُكم عليها على أساس المُساهمة التي تُقدمها للديمقراطية في الوقت الحاضر. إذا كان الدين في لحظة تاريخية مُعيّنة وفي سياق اجتماعي مُعيّن، يلعبُ دوراً مُحافظاً ورجعياً، فهذا لا يعني أنهُ لا يمكنهُ القيام بذلك إلا على الإطلاق. كما أن حقيقة أن الدين كان لهُ دور تحرُري في مرحلة مُعيّنة في الماضي لا يمنحهُ مؤهلات ديمُقراطية أبدية.
والشيء المؤكد هو أنهُ ليس هُناك ديناً مُحصناً ضد التعصُب. واليوم، نحنُ نشهد انتشاراً للتعصُب الديني في جميع أنحاء العالم. في أوروبا، أكبر تحدي للعلمانية هو الإسلام السياسي. لقد كتب مؤرخ التاريخ الإسلامي Olivier Roy أنهُ، بالنظر إلى الهجرة والوضع السياسي في الشرق الأوسط، يحتوي الإسلام على بُعدٌ سياسي أكثر أهمية بكثير من الأديان الأُخرى. إلا أنهُ، في نفس الوقت، يُجادل Roy أن العلمانية الفرنسية تُعبرُ عن خِشية مُحددة من الإسلام. ولكي يدعم هذا الرأي، يضرب Roy مثلاً بالحاخامات المُحافظين في المجتمع اليهودي الذين يشغلون أيضاً مواقف مُعادية للمرأة ومُعادية للمثليين، لكنهم لا يُثيرون نفس درجة القلق مثل الأئمة المحافظين في الإسلام.
ولكن هذا مفهومٌ تماماً. إن التأثير الإجتماعي والسياسي للحاخامات المُحافظين في فرنسا من الواضح أنهُ أضعف من تأثير الأئمة المحافظين في الإسلام. وكقوة سياسية، فإن اليهودية الأرثودُكسية المُتطرِفة التي لا تقل أصولية عن الإسلاموية ليست ذات أهمية خاصة في أوروبا اليوم. وبينما يجب خوض معارك المبادئ والثقافة على جميع الجبهات، فمن المشروع تماماً أن تُركّز على القوى الإجتماعية التي لها وزن حقيقي. وهذا هو سبب عدم تبرير انتقاد الإسلام السياسي فحسب، بل من الضروري أيضاً.

ثلاث أنواع من الإسلام
كُلما أصبحت المجتمعات أكثر تعقيداً من الناحية الدينية، كُلما أصبحت العلاقة بين الدين والدولة أكثر تعقيداً. تاريخياً، ترتبط العلمانية الأوروبية ارتباطاً وثقيقاً بالمواجهة بين الكنيسة وخاصةً الكنيسة الكاثوليكية والدولة. لكن يجب أن يُسأل ما إذا كانت الأنظمة التي طورتها المُجتمعات الأوروبية لإدارة العلاقات بين الدولة والدين (وإن كانت بشكل غير كامل) لا تزال تعمل عند تطبيقها على الديانات الأُخرى، ولاسيما الإسلام الأوروبي.
الإسلام الأوروبي جديد نسبياً. إن تطورهُ المستمر يتبع طُرُقٌ مُعقّدة وهي غالباً تكون مُتناقضة وأبعد من أن تكون مُوحّدة. هُناك أشكال عديدة من الإسلام في أوروبا. البعض منها مُتوافق تماماً مع المجتمع العلماني الليبرالي الديمقراطي، والبعض الآخر أقل من ذلك – تماماً كما هو مع أي دين آخر.
يكتبُ عالِم الإجتماع فرهاد خسروخافار Farhad Khosrokhavar عن طريق كونك مُسلماً في فرنسا اليوم، ويُميّز بين “إسلام الإندماج” و “إسلام الإستبعاد” و “الإسلام الراديكالي”. يتم تجربة الأول ليس كعضوية مجموعة ولكن كـ “بناء هوية فردية في حُضن المجتمع الفرنسي”.هذا هو النوع الأكثر انتشاراً، لكنهُ أيضاً أقل أنواع الإسلام وضوحاً، لأنهُ الأقل تشدُداً. من ناحية أُخرى، فإن إسلام الإقصاء هو ’شكل من أشكال التشاركية الجديدة القائمة على المُقدس، حيثُ يُحاول الأفراد … إعطاء معنى لوجودهم من خلال استبعاد انفسهم من مجتمع لم يعودوا يرون فيهِ فرصة ليكونوا أحد “المدرجين فيه”.
وبسبب غموضه، بإمكان إسلام الإقصاء تمهيد الطريق نحو النوع الثالث، تحديداً الإسلام الراديكالي المُتطرف. ولكن حتى عندما يبقى إسلام الإقصاء غير عنيف، يخلق الإنقسامات، دون أن يُساهم في التماسك الإجتماعي. فبالنسبة للنظام الليبرالي الديمقراطي، هذا في حدِ ذاتهِ مشكلة.
إن الشعور بالإقصاء تُحدِدهُ مشاكل إجتماعية وإقتصادية، والتي لأسباب تاريخية، تؤثر كثيراً في قسم كبير من السُكان المسلمين. ورغم أن هذهِ الحقيقة لا جدال فيها، إلا أنهُ لا يمكن استخدامها كذريعة لرفض المعايير الديمقراطية. في النهاية، يمكن أن يكون للدين وظيفة تقدمية أو رجعية في أي سياق، بما في ذلك الصعوبات الإجتماعية والإقتصادية. لا يمكن للمرء دائماً التذرع بالشروط “الهيكلية” من أجل الحصول على الحل.
ربما يعترض المرء على إن النوع الثاني من المُسلمين – ناهيك عن النوع الثالث – هُما أقلية، في حين أن الغالبية العُظمى من المسلمين في أوروبا مُندمجة تماماً في المجتمع الديمقراطي. إلا أن، من وجهة النظر الإجتماعية والسياسية، إن مدى قدرة الظاهرة على التأثير في الخطاب العام لا يقل أهمية عن كميته العددية. ولسوء الحظ، فإن الغالبية الصامتة من المسلمين هي كذلك. صمتهُم يُمكّن الأصوليين من السيطرة على الفضاء العام والخيال الجماعي؛ أو ما يُشير إليه غرامشي Gramsci، للحصول على هيمنة ثقافية.
أن يرفض المرء المبدأ الجوهري معناه الإعتراف بالطبيعة التعدُدية للإسلام الأوروبي. لا يوجد ’إسلام‘ واحد، ولكن العديد من الإسلام. هُناك إسلام بالحجاب وآخر دونه؛ وهُناك إسلام باللحية وآخر بدونها. هُناك إسلام حميمي يستبعد السياسة، وهُناك الإسلام السياسي الذي يسعى إلى أسلمت الفضاء العام. والمسيحية ليست أقل تنوعاً. ولكن بينما تعودنا على الاعتراف بالفروق في العقيدة المسيحية، نميل إلى الاعتقاد بأن الإسلام كتلةٌ واحدة. وهذا بسبب الهيمنة الثقافية اليوم من قِبل أكثر أتباع الإسلام تحفُظاً. إنهم من “يفرضون الأجندة”، ليس أقلها من خلال أعمال العُنف؛ وقد أصبح سردهم هو السائد.