المنشور

أزمة الدولة القُطرية العربية

الدكتور حسن مدن

انطلقت مساء أمس الأول في البحرين أولى فعاليات «منتدى البحرين للكتاب»، وهو ملتقى شهري ينظمه مركز عيسى الثقافي يعنى باختيار كتب فارقة أحدثت أثراً في الحياة الثقافية والفكرية العربية، لمناقشتها وتسليط الضوء على ما تحويه من أفكار، ومحاورة مؤلفيها في أطروحاتهم.
ووقع الاختيار في الفعالية الأولى للمنتدى على واحد من أهم كتب الدكتور محمد جابر الأنصاري، إن لم يكن أهمها على الإطلاق، وهو «تكوين العرب السياسي ومغزى الدولة القُطرية»، الذي تناوله بالعرض والتحليل والمناقشة المفكر الإماراتي صديقنا الدكتور يوسف الحسن.
في هذا الكتاب الذي نشر قبل نحو عشرين عاماً رأى الدكتور الأنصاري أن بناء الدولة الوطنية (القُطرية) العربية وتحصينها وترسيخها هو المهمة الأساس قبل الهروب إلى الأمام بتبني مشاريع وحدوية لم تنضج ظروفها الموضوعية بعد، وأثبتت التجربة أنها آلت إلى الإخفاق المريع، لأنها أغفلت تلك الظروف.
وفق هذا الفهم يمكن القول إن الدكتور الأنصاري كان يحذر من المآلات الصعبة التي انتهت إليها الدولة القُطرية العربية في أكثر من مكان، التي رأى مقدماتها، داعياً إلى تفادي الأسوأ، الذي حصل للأسف، عندما انهارت الدولة الوطنية في أكثر من بلد، بينها العراق وسوريا وليبيا واليمن، إن من خلال التدخلات الأجنبية أو الاقتتال الداخلي وسطوة الجماعات والمكونات السابقة للدولة من بنى عشائرية وقبلية وطائفية ومذهبية، التي تحول الكثير منها إلى ميليشيات مسلحة، أزاحت الدولة الموكول إليها وحدها، وفق العلوم السياسية، احتكار القوة لضبط نزاعات المجتمع.
في تعقيبه على الكتاب نبّه الدكتور يوسف الحسن، محقاً، إلى مجموعة من النقاط المهمة، بينها ضرورة الوقوف على دور القوى الخارجية في إفشال مساعي بناء الدولة الوطنية العربية، وهو أمر صحيح ليس فقط عبر اتفاقية «سايكس – بيكو» سيئة الصيت وحدها، وإنما من سياق تعاطي الغرب مع مشاريع بناء هذه الدولة، ومن ذلك ما تعرضت له التجربة الناصرية من تآمر، ومن ذلك الاحتلال الأمريكي للعراق وإسقاط الدولة فيه، وكذلك التدخل العسكري ل «الناتو» في ليبيا، وغير ذلك من صور التدخل الخارجي.
لم يتفق الحسن تماماً مع ما ذهب إليه الأنصاري حول ما يمكن أن نصفه ب «لعنة الجغرافيا»، حين رأى الأخير أن الصحراء الشاسعة مقارنة بالمساحات المأهولة في العالم العربي كانت عائقاً أمام بناء الدولة الوطنية، لصعوبة بسط السيطرة عليها، لكن برأي الحسن أن هذه الصحراء لم تمنع قيام المملكة العربية السعودية على مساحة شاسعة من الأرض، ولم تمنع قيام المملكة الليبية في حينه، كما لم تحل دون نجاح التجربة الوحدوية الراسخة لدولة الإمارات العربية المتحدة.