المنشور

لا تسرقوا لقمة العيش من أفواه الفقراء..!

عبدالنبي سلمان

تأخر الإعلان عن الموازنة العامة لعدة شهور

لا تسرقوا لقمة العيش من أفواه الفقراء..!

يمكن القول إن الأوضاع الاقتصادية والمعيشية الصعبة  التي تعيشها  بلادنا البحرين متشابهة في الكثير من وجوهها وافرازاتها مع ما تعيشه العديد من دول المنطقة العربية والخليجية على وجه الخصوص، وذلك راجع إلى طبيعة الهيكلة النمطية للاقتصادات الخليجية وجملة السياسات المتبعة بشكل عام، والتي استمرت في الاعتماد على النفط كسلعة ومورد وحيد في بنية اقتصاداتها الريعية لعقود طويلة، وبالتحديد منذ الاكتشافات النفطية مطلع الثلاثينات من القرن الماضي، حيث استمرت تموجات الأسعار ومستلزمات العرض والطلب هي المتحكمة في موارد تلك السلعة الناضبة، بالإضافة طبعا إلى جملة من التحديات ووجوه التنافس والاستحواذ والهيمنة لقوى بعينها على الأسواق الإقليمية والعالمية، والتي فرضت  سياسات وسقوف اسعار كانت على الدوام تتناسب وتتماشى مع برامجها وخططها الاستراتيجية المستندة على موقع ومركزية النفط كسلعة رئيسة في الاقتصاد العالمي.

ما يدعونا لتكثيف الحديث عن أوضاعنا المعيشية، هو ما نتابعه من مؤشرات وأرقام  وحقائق أضحت تمثل عوامل قلق حقيقياً للسواد الأعظم من الناس وخاصة الفقراء والعمال والشغيلة وفئات المتقاعدين تحديدا. على الرغم مما تطرحه بعض وسائل الاعلام المحلية من ترويج ممجوج، هو في حقيقته لا يعكس واقعاً معاشاً وملموسا من قبل فئات واسعة من مجتمعنا البحريني، بل يعكس قلقا وضياعا.

فقد تابعنا خلال الفترة القليلة الماضية، مؤشرات ودعوات ومبادرات، يتبعها صمت وهروب إلى الأمام بعيدا عن ملامسة تلك الأسئلة أو حتى الاصغاء إليها، مما  يفهم منه تعاظم وضيق الناس وتململهم من أوضاعهم الاقتصادية والمعيشية التي تزداد تدهورا دون أن تجد حلولاً أو اجابات على ما يطرح من تساؤلات لا زال المهم منها مبهما، وهذا في حد ذاته يؤشر على حجم الارباك والتخبط الذي تعيشه السياسة الاقتصادية للبحرين، تلك السياسات التي  تعكس بشكل واضح غياب الرؤية الاستراتيجية ويزيدها تخبطا تعدد وتعارض قنوات القرار في البلد مما يفضي في نهاية الأمر إلى عدم وجود سياسة اقتصادية يمكن الاعتداد بها والوثوق في مخرجاتها، بل إنها تمثل في وجهها الأكثر وضوحا ردات فعل وقتية لا تستطيع مجرد الصمود والإستمرار أو اقناع الناس بجديتها وجدواها.

ولكي نعطي أمثلة على ذلك، يهمنا القول إن مجرد تأخر الاعلان عن الميزانية العامة لأكثر من خمسة شهور هو عامل قلق، ويدلل على أمور عدة من بينها  عدم قدرة السلطة التنفيذية وتتشارك معها السلطة التشريعية أيضا، في مصارحة الناس بما ترمي اليه من برامج تقشفية وضرائب ورسوم وتقليص منتظر في ميزانية بعض الوزارات الحيوية مثل الصحة والاسكان والتربية ومشاريع البنية التحتية وربما غيرها.

 وبعيداً عن طرح التساؤل التقليدي المعتاد المتمثل في  عجز الحكومة طيلة اكثر من اربعة عقود عن تنويع القاعدة الاقتصادية والاعتماد على النفط كمورد  شبه وحيد، حيث كانت أمام الحكومة فرص لعمل ذلك وتجنيب البلاد العيش تحت رحمة تقلبات أسعار النفط كما هو حاصل حاليا، والمرشح ان يستمر لفترة لا نعلم مداها.   أحيانا لا نفهم لماذا يتم غض الطرف عن الأخذ بسياسات استثمارية  عالمية أثبتت جدواها في ظروف مشابهة لظروف اقتصادنا على الرغم من توافر الامكانيات والموارد المالية والبشرية، وعوضا عن ذلك  ينشغل الإعلام بالترويج  بفهم احيانا وبغير فهم احياناً كثيرة لمشاريع لا ترقى لاقناعنا بجدواها او حتى امكانية اعتمادها كموارد بديلة، وكثيراً ما قيل في غعلامنا بجعل البحرين سنغافورة الخليج أو مركزا اقليميا  للسياحة العلاجية في المنطقة، أو موقعا دوليا استراتيجيا لتجارة الاستيراد والتصدير، ومؤخرا  قبلة للأعراس الباذخة لكبار القوم في العالم، على الرغم من  أن ذلك حق مشروع لنا كدولة واقتصاد وشعب، إلا أن التجارب علمتنا أن البهرجة الإعلامية العابرة  وغير المدروسة لا يمكنها أن تنتج  سياسات جادة يمكن الاعتداد بها.

 وعلى الجانب الآخر، نراقب تخبطات تتصل بمعضلة غياب ميزانية البرامج والاستراتيجيات والتخطيط للمستقبل، وهي سمة ملازمة لمختلف السياسات القائمة في البلد منذ عقود، حيث تتعدد قنوات القرار وتضيع الجدية وتنعدم الرؤية، وسبق أن تحدثنا في أكثر من مقال حول رؤية 2030 وعدم التعامل معها بجدية.  وكمثال على ذلك يمكننا القول إن كثرة الحديث عن حكومة مصغرة أو دمج بعض الوزارات خلال الفترة القليلة الماضية لم تفرز لنا الا مزيداً من الوزارات والوزراء والوكلاء ومزيدا من التضخم في الهيكل الوظيفي للدولة مما ينعكس بوجوه عدة على قنوات الصرف والباب الأول ( الرواتب) والمصاريف الادارية التي تستنزف منذ سنوات طوال اكثر من 80% من الميزانية العامة للدولة وبعلم الحكومة، فيما يضيع القطاع الخاص وتتراجع نسب العمالة الوطنية في سوق العمل  وتغرق صناديق التأمينات الاجتماعية وسط كل هذا التخبط وغياب السياسات!!

اتساءل أحيانا لماذا تحتاج البحرين لوزارة عمل وهيئة تنظيم سوق عمل وتمكين، ومعها لجان عديدة لا نعلم عددها، ومجلس تنمية اقتصادية ومجالس أخرى عليا للاتصالات وغيرها، وهي جميعها تبدو متشابهة ومتكاملة في الأدوار، في الوقت الذي  نعيش عصر التقشف وتراجع الموارد بصورة حادة، وفي حين لا أحد في السلطتين التشريعية والتنفيذية يريد ان يسأل عن تلك الملايين المهدرة التي تتحدث عنها تقارير الرقابة المالية منذ أكثر من خمسة عشر عاما، وغيرها الكثير من الملايين المضيعة في أروقة الفساد والمحسوبية، فيما تغرق البحرين بمزيد من الأجانب وتغوص شرائح واسعة من شباب بلدنا في الفقر والبطالة، ليخرج علينا تقرير رسمي مؤخرا متباهيا بأن البحرين قد وظفت 63 ألف أجنبي مقابل 969 بحريني فقط!! معتبرين ذلك نجاحا للسياسات الاقتصادية ودليلا على حيوية الاقتصاد الوطني!!

لسنا مضطرين أن ننظر بسلبية أو عدمية أو أن نكون غير منصفين، فمؤشرات التراجع الاقتصادي والتصنيف الائتماني للبحرين تحدثت عنها قنوات وجهات دولية تحظى بالمصداقية لدى الحكومة قبل غيرها، فيما صندوق النقد الدولي يقول لنا إن  سقف مديونية البحرين قد تجاوز 62% من ناتجها المحلي الاجمالي، وهو مؤشر خطير جدا ويدلل على انكماش اقتصادي لابد للحكومة من أن تتعاطى معه  بجدية خلال الفتر القادمة.

في الختام، نرجو ألا يكون التعاطي الرسمي مع كل ما ذكرنا من مؤشرات على حساب  أبناء شعبنا، فالبحرين لا تحتاج أن تسرق لقمة العيش من أفواه ابناءها لكي تصلح اقتصادها، ما يحتاجه اقتصادنا الوطني ومستقبل بلادنا هو الاحتكام لارادة سياسية وطنية مخلصة تضع الأمور في نصابها، ترتقي بمستويات العدالة الاجتماعية، وتهتم كثيرا بعومل المواطنة واحتضان العقول والكفاءات من أبناء الوطن ووضعهم في مواقع المسؤولية والقرار دون تمييز أو محسوبية، وعدالة توزيع الثروات وتحقيق شراكة حقيقية في صياغة القرار الاقتصادي والسياسي، حتى نكون بالفعل أوفياء لميثاق عملنا الوطني الذي توافقنا وصادقنا عليه منذ مطلع الألفية الجديدة، ولرؤية البحرين 2030 التي يكفينا الالتزام الأمين بتنفيذ ما ورد في حيثياتها.