المنشور

الماركسية بين الأمس واليوم – 6

غريب عوض

شبحها ما زال يطارد الرأسمالية

الماركسية بين الأمس واليوم – 6

الدولة

          إن الدولة هي قوة قمع خاصة تقف فوق المجتمع وتعزِل نفسها عنهُ بشكل مُتزايد. وهذهِ القوة يوجد أصلها في الماضي البعيد. إلا إن أصول الدولة تتباين حسب الظروف. من بين الألمان والمواطنين الأمريكيين الأصليين ظهرت من الحرب عِصابة تجمعت حول شخصية زعيم الحرب. وهذا ما حدث أيضاً مع اليونانيين، كما نرى في الملحمة الشعرية لهوميروس Homer.

          في الأصل، يَمتع زُعماء القبائل بالسُلطة وذلك بسبب شجاعتهم وحِكمتهم وصِفات شخصية أخرى. أما اليوم، فإن سُلطة الطبقة الحاكِمة ليس لها علاقة بالصِفات الشخصية للقائد كما كان عليه الحال في عصر الهمجية. إنها مُتأصِلة في علاقات الإنتاج الاجتماعية الموضوعية وسُلطة المال. ربما تكون صِفات الحاكِم الفرد جيدة أو سيئة أو عادية، ولكن ذلك ليس هو المُهِم.

          لقد سبق أن أظهرت الأشكال الأولية للمجتمع الطبقي الدولة كالوحش، تلتهم كميات كبيرة من العمل، عن طريق تنظيم المُجتمع وترفع التعاون إلى مستويات أعلى من أي فترة سابِقة، لقد مَكَنت كميات كبيرة من قوة العَمل بأن تحتشد، وبهذا رفعت عمل الانتاج البشري إلى مُستويات لم يحلم بِها الإنسان.

          وفي الأساس، كُلُ هذا اعتمد على عمل جماهير الفلاحين. احتاجت الدولة إلى عدد كبير من الفلاحين لدفع الضرائب وتقديم عُمال السَخَرة – العامودين اللذين يتكأ عليهما المجتمع. أيٌ كان من يُسيطر على نظام الانتاج هذا يُسيطر على الدولة. إن أصول سُلطة الدولة مُتجذِرة في عِلاقات الإنتاج، وليس في صفاتٍ شخصية. إن سُلطة الدولة في مثل هذهِ المجتمعات كانت بالضرورة مركزية وبيروقراطية (دواوينية أو… حُكم المكاتب). في الأصل، كان لها صِفة دينية وكانت مُتداخِلة مع سُلطة طبقة الكُهان. ويقف على قِمتها الإله – المَلك، وتحت إمرتِهِ جيشٌ من الرسميين، كِبار الموظفين والنواميس والمراقبين، وإلى آخره. كانت الكِتابة تُعتبر في حد ذاتها رَهبة وفنٌ غامض ليس معروفاً إلا عند القِلة.

          ولهذا مُنذُ البداية كانت مكاتب الدولة غامِضة. وتظهر العلاقات الاجتماعية الحقيقية على شكل تكلف غريب. وهذا لا يزال قائماً. ففي بريطانيا تَتِمُ العناية بهذا الغموض بقصد من خلال الاحتفال والفخامة والتقاليد. وفي الولايات المتحدة تَتِمُ العناية بهذا الغموض بوسائلٌ أخرى: الإعجاب الشديد بشخص الرئيس، الذي يُمثّل سُلطة الدولة في شَخصة. إلا أنهُ بطبيعة الحال، أن كل شكل من سُلطة الدولة يُمثّل هيمنة طبقة واحدة على بقية المجتمع. وحتى في أكثر أشكالهُ ديمقراطية، فإنهُ يُمثّل دكتاتورية طبقة واحدة – الطبقة الحاكِمة – تلك الطبقة التي تملك وسائل الإنتاج وتُسيطر عليها.

          إن الدولة الحديثة هي وحشٌ بيروقراطي يلتهمُ كمية ضخمة من الثروة التي تَنتِجُها الطبقة العامِلة. يتفق الماركسيون مع الفوضويون بأن الدولة أداة وحشية للقمع يجب التخلُص منها. والسؤال هو: كيف؟ وبواسطة مَنْ؟ وما الذي سوف يحلُ مكانها؟ إن هذا سؤال أساسي لأية ثورة. وفي خِطاب لتروتسكي حول المذهب الفوضوي أثناء الحرب الأهلية التي تَلَت الثورة الروسية، لخص فيه بشكل جيد الموقف الماركسي من الدولة:

”يقول البُورجوازيون: لا تقترب من سُلطة الدولة؛ إنها الامتياز المُتَوارَث المُقدس للطبقات المُتعلِمة. ولكن الفوضويون يقولون: لا تقترب منها؛ إنها اختراع جهنمي، جِهازٌ شيطاني. اقطع صلتك بها. ويقول البرجوازيون، لا تلمسها، إنها مُقدَسة. ويقول الفوضويون: لا تلمسها، لأنها نَجِسة. وكِلاهُما يقول: لا تلمسها. ولكن نحنُ نقول: لا تلمسها فحسب، بل خُذها بيديك، واجعلها تعمل لمصالحك، من أجل التخلص من المُلكية الخاصة وعِتق الطبقة العامِلة.“ (كيف تتسلح الثورة، المُجلد الأول، 1918، ليون تروتسكي).

          توضِّح الماركسية بأن الدولة تتكون أساساً من اجسام مُسلحة من الرِجال: الجيش والشرطة والمحاكِم والسجون. ويُجادل ماركس ضد الأفكار المُشوَشة للفوضويين، حيثُ قال، بإن العُمال في حاجة إلى الدولة للتغلُب على مقاومة الطبقات المُستَغِلة. ولكن تلك المُحاججة لماركس حرفها البرجوازيون والفوضويون كلاهما. لقد تحدث ماركس عن ”دكتاتورية البروليتاريا“، وهو مُجرد مُصطلح دقيق وأكثر عِلمية للتعبير عن ”الحُكم السياسي للطبقة العامِلة“.

          واليوم لِكلمة دكتاتورية دلالات لم تكُن مَعروفة لماركس. وفي عصر قد أصبح مُتآلفاً مع جرائم هيتلر وستالين الوحشية، تستحضر رؤى كابوسية لوحش شمولي ومُعسكرات الاعتقال والبوليس السِري. ولكن مثل هذهِ الأشياء لم يكُن لها وجود بعد حتى في الخيال في عصر ماركس. فكلمة الدكتاتورية بالنسبة لكارل ماركس جاءت من الجمهورية الرومانية، حيثُ كان معناها وضعاً، في زمن الحرب، يتم تنحية القوانين المُعتادة جانباً لفترة مؤقته.

          إن الدكتاتور الروماني (”الشخص الذي يُملي)، كان قاضياً إسثنائياً لدية سُلطة مُطلَقة للقيام بمهام أوسع من سُلطة القاضي الاعتيادية. وكان المكتب في الأصل يُسمى سيد الشعب، بمعنى سيد جيش المواطنين. وبتعبير آخر، كان دوراً عسكرياً والذي دائماً تقريباً يتضمن قيادة الجيش في ساحة المعركة. وحالما تنتهي فترة التعيين، فإن الدكتاتور يتنحى عن منصِبهِ. إن فكرة الدكتاتورية الشمولية مثل دكتاتورية ستالين في روسيا، حيثُ تقمع الدولة الطبقة العامِلة من أجل مصلحة طبقة مُتَميّزة من البيروقراطيين، لو شَهِدَ ماركس تلك الفترة لصُعِق.

          ما كان من المُمكن أن يكون نموذجه مُختلِفاً. لقد أسس ماركس فكرَتُهُ لدكتاتورية البروليتاريا في كومونة باريس للعام 1871. وهنا للمرة الأولى، الحشود الشعبية وعلى رأسها العُمال أسقطوا الدولة القديمة وبدؤوا على الأقل بِمُهِمة تحويل المُجتمع. وبالرغم من عدم وجدود خطة عمل مُحددة وواضِحة، ولا قيادة أو تنظيم، إلا أن حشود الجماهير أظهرت درجة مُدهِشة من الشجاعة والمُبادرة والابتكار. وتلخيصاً لتجربة كومونة باريس، شَرَحَ ماركس وأنجلز: ”هناك شيء واحد قدمتهُ الكومونة على نحوٍ خاص وذلك أن الطبقة العامِلة لا يمكنها ببساطة أن تُمسك بزِمام الأمور آلة الدولة الجاهِزة، وتستخدمها لأهدافها الخاصة..“ (مُقدِمة الطبعة الالمانية 1872 من البيان الشيوعي).

          إن الانتقال إلى الاشتراكية – شكلٌ أعلى من المجتمع يرتكز على الديمقراطية الحقيقية والرخاء للجميع – لا يمكن تحقيقه إلا بالمُشاركة النشطة الواعية للطبقة العامِلة في إدارة المجتمع والصناعة والدولة. إنهُ ليس شيئاً يُسَلِمهُ البرجوازيين أو كِبار الموظفين البيروقراطيين الطيبين للعُمال عن طيب خاطر.

          تحت قيادة لينين وتروتسكي، اُقيمت الدولة السوفيتية لتسهيل جذب العُمال إلى مهام السيطرة والمُحاسَبَة، لضمان التقدم المُستمر لتخفيض ”المهام الخاصة“ للموظفين الحكوميين ولِسُلطة الدولة. وقد وُضِعت قيود حصرية على المعاشات والسُلطة وامتيازات كِبار الموظفين لِمَنع تشكيل طبقة مُتميزين.

          لم تَكُن دولة العُمال التي أسستها ثورة 1917 البلشفية بيروقراطية ولا شمولية. على النقيض من ذلك، قبل أن يستأثر ستالين Stalin بالسِلطة ويُبعد الجماهير، كانت أكثر دولة ديمقراطية وُجِدَت. إن المبادئ الأساسية لسُلطة السوفيت لم يخترِعها ماركس أو لينين. فهي تأسست على التجربة الملموسة لكومونة باريس، وعمل لينين على التوسع فيها فيما بعد.

          كان لينين العدو الدائم للبيروقراطية. كان دائماً يقول أن البروليتاريا لا تحتاج إلا إلى دولة ”دستورية التي سوف تبدأ بالاضمحلال فوراً ولا تستطيع إلا أن تضمَحِل.“ إن دولة العُمال الحقيقية لا تشبه الوحش البيروقراطي الموجود اليوم، وحتى الدولة التي كانت موجودة أيام روسيا الستالينية أقل منهُ وحشية. لقد تم وضع الشروط الأساسية لديمقراطية العُمال في واحدٌ من أهم أعمال لينين: الدولة والثورة:

  1. انتخابات ديمقراطية حُرة مع حق إعادة جميع الموظفين الرسميين.
  2. يُمنع منح موظف رسمي مرتباً أعلى من مُرتب العامل الماهر.
  3. لا يُسمَح بوجود جيش أو شُرطة مُتفرِقة، عدى الشعب المُسلح.
  4. تدريجياً، يجب أن يقوم الجميع بالمهام الإدارية بالتناوب. ”كُلُ طباخ يجب أن يكون قادراً أن يُصبح رئساً للوزراء – حينما يكون كُلُ فرد ’بيروقراطي‘ بالتناوب، لا أحد يستطيع أن يكون بيروقراطياً.“

كانت هذهِ هي الشروط التي وضعها لينين، ليس من أجل الاشتراكية أو الشيوعية المُكتَمِلة، وإنما من أجل المرحلة الأولى لدولة العُمال – مرحلة التحوّل من الرأسمالية إلى الاشتراكية.

          إن نواب مجالس سُوفيتات العُمال والجنود المُنتخبين لم يتشكلوا من سياسيين مُحتَرِفين وبيروقراطيين، وإنما تشكلوا من العُمال العاديين والفلاحين والجنود. لم يكُن جسماً غريباً أو سُلطة تقف فوق المجتمع، وإنما سُلطة ترتكز على المُبادرة المُباشِرة للشعب من الأسفل. إن قوانينها لا تُشبه القوانين التي تسُنها سُلطة الدولة الرأسمالية. إنها نوع من السُلطة مُختَلِفة كُلياً عن تلك الموجودة عموماً في الجمهوريات البرجوازية الديمقراطية البرلمانية من النوع الذي لا يزال سائداً في الدول المُتقدِمة في أوروبا وأميركا. كانت هذهِ السُلطة من نفس نوع كومونة باريس في عام 1871م.

          صحيح، في ظروف التخلف والفقر والأمية المُرعِبة، لم تتمكن الطبقة العامِلة الروسية الإحتفاظ بالسُلطة التي استولت عليها. لقد عانت الثورة من عملية الفساد البيروقراطي الذي أفضى إلى قيام الستالينية. وعلى النقيض من أكاذيب المؤرخين البُرجوازيين، لم تَكُن الستالينية نتاج البلشفية وإنما كانت عدوها اللدود. كانت عِلاقة ستالين بماركس ولينين شبيهة بعلاقة نابليون باليعقوبيين، أو عِلاقة البابا بالمسيحيين الأوائل.

          إن الاتحاد السوفيتي المُبَكر لم يَكُون في الحقيقة دولة على الاطلاق بالمعنى المُعتاد الذي نعرِفهُ، وإنما كان مُجرد التعبير المُنظم للسُلطة الثورية للشعب العامل. وبتعبير ماركس، كان ”شبه دولة“، تلك الدولة التي صُمِمَت كي تضمحل في نهاية المطاف وتذوب في المجتمع، لِتُمَهد الطريق للإدارة الجماعية للمجتمع من أجل مصلحة الجميع، دون قوة أو إكراه. ذلك، وذلك فقط هو المفهوم والتصوّر الماركسي لدولة العُمال.