المنشور

«الأمركة» إزاء العولمة

قليلون هم الذين توقعوا أن يأتي اليوم الذي تشتكي فيه الولايات المتحدة الأمريكية، لا غيرها، من العولمة. لو عدنا إلى الأخبار الغزيرة التي سالت من الأقلام وهي تصف العولمة بأنها مجرد تمويه لفظي على «أمركة» العالم، مطالبين بأن «تتعولم» العولمة، أي أن تكف عن كونها «أمركة»، لأصابنا الذهول. ومن المنطق أن يصيبنا الذهول اليوم، أيضاً، ونحن شهود على الموجة العالية من نقد العولمة داخل أمريكا، وهي الموجة التي أفلح دونالد ترامب في ركوبها ليبلغ شاطئ البيت الأبيض.
لم تكن الولايات المتحدة تكترث بالخطاب المناهض للعولمة من زاوية أنه «أمركة»، ولا بالمسيرات التي يحشدها مناهضو العولمة في سياتل أو غيرها من المدن الأمريكية، أو حتى الأوروبية، حين انعقاد القمم والمنتديات الاقتصادية العالمية، بل إنها لم تكن تخفي سعادتها بأن تكون العولمة هي «أمركة» بالفعل، لأنها رأت في ذلك المظهر الرئيسي لتفوق الاقتصاد الأمريكي وهيمنته عالمياً، وهو ما يدعوها للفخر.
في حملته الانتخابية هاجم دونالد ترامب، وهو يخاطب الناخبين، في مدينة بيتسبورج في ولاية بنسلفانيا، النخب السياسية التي تحكم أمريكا لأنها، وفق تعبيره، «فضّلت العولمة على الأمركة»، متعهداً بأنه، في حال فوزه، سيستخدم الفولاذ الأمريكي من أجل إعادة بناء البنى التحتية، قائلاً بالحرف: «كما بنى فولاذ بنسلفانيا ناطحة سحاب الإمباير ستيت، فإنه سيقوي الجسور الأمريكية المتداعية اليوم، ويرسل ناطحات سحابنا تحلق فوق الغيوم، وسيعود الفولاذ الأمريكي، كما كان، العمود الفقري لبلادنا».
هذا الخطاب جلب لترامب أصوات من بقي من العمال الصناعيين الأمريكان وأبنائهم، وهؤلاء بالذات هم من نقلوا إليه أصوات ولايات كان يفترض أنها مكتسبة، سلفاً، لمنافسته الديمقراطية هيلاري كلينتون على ما يشير الصحفي الفرنسي سيلفان سيبيل.
شكوك كبيرة تحيط بقدرة ترامب، وقد أصبح رئيساً، على تحقيق ما وعد به، خاصة أن فكرة إعادة التصنيع هذه ليست جديدة، وكان سلفه، باراك أوباما، قد امتدح فضائل إعادة الإنتاج المُهجّر، والمصانع الأمريكية التي افتتحت في الخارج، بهدف خفض التكلفة، لكن، على خلاف ترامب، كان أوباما يرى أن إعادة تصنيع أمريكا يجب أن تقع في القطاعات التجديدية في التكنولوجيات الجديدة كالإلكترونيات والطاقات النظيفة، لا في الفولاذ والفحم، كما يرغب ترامب.
في هذا العام، أو العام التالي، سيكف الاقتصاد الأمريكي عن أن يكون الأول في العالم؛ حيث الغلبة ستكون لاقتصاد الصين، وفي هذا ينصح الدارسون بتجاوز التأويل المختزل لنجاحات الأداء الاقتصادي الصيني بعزوه إلى آليات الرأسمالية وحدها، وإغفال حقيقة أن استراتيجية الصين الاقتصادية تقودها دولة مصممة، تستفيد من أوجه تفوق الرأسمالية، لكن دون أن تفرط في مرجعيتها الاشتراكية، التي لا يزال يضبطها الحزب الشيوعي الحاكم، ما يُفند الزعم بأن هناك طريقاً أوحد للنمو والازدهار.

صحيفة  الخليج الاماراتية  11/05/2018