المنشور

هل علينا أن نتعلم من ماليزيا؟! ( 2-2)

لقد أفصحت ماليزيا خلال العقود الثلاثة الماضية عن قدرات كامنة ظلت مكبوتة بفعل الصراعات والتناقضات الاجتماعية فيها لأكثر من عشرة آلاف عام هي عمر الحضارة الماليزية التي ابتدأت عبر المستوطنين الأوائل الذين قدموا إليها تباعا من دول الجوار انطلاقا من اندونيسيا والصين والهند، وعلى العكس من العديد من دول العالم، استطاعت هذه الدولة الفتية أن تصهر فوق ترابها الوطني ذلك المزيج المتنوع من الأعراق والملل بما امتلكته من قدرات مادية وبشرية ومعرفية لتحول ماليزيا من دولة زراعية بدائية تغطيها الأحراش والغابات غير المستكشفة إلى دولة تزدهر فيها الصناعات المختلفة وصناعة الخدمات والاستثمار والصيرفة الإسلامية، دون أن تهمل ثرواتها الزراعية ومواردها المائية والبحرية والحيوانية أو أن تدمر بيئتها، حتى تبلورت مع الوقت رؤى وأفكار عصرية صاغها صانع نهضتها مهاتير محمد على أنقاض كل تلك الصراعات العبثية التي ربما كانت ضرورية لان تستفز في الماليزيين دون سواهم، الحاجة للتلاحم والدعوة للوحدة ضمن هارموني صاغته العقول والإرادة الوطنية، التي ربما حسبناها يوما أنها تمثلت في شخص مهاتير محمد لكنها حتما ليست كذلك، فمهاتير الذي حكم لقرابة 22 عاما يسجل له انه قد دشن دولة عصرية ربما نستطيع أن نقرأ شيئا بسيطا من ملامحها من خلال رؤيته 2020 وهي رؤية اقتصادية واجتماعية ذات مقومات سياسية واضحة المعالم شارك في صياغتها كل أبناء ماليزيا، واستفادت من كل ما وفرته العولمة والتجارب الناجحة في العالم واليابان تحديدا دون أن تذوب ماليزيا في متاهاتها تلك بل صنعت نموذجها الفريد، لتكون بذلك أكثر الدول صمودا وسرعة في الخروج من تداعيات أزمة النمور الآسيوية في العام 1997 فيما لاتزال آثار تلك الأزمة واضحة وجلية على ملامح بعض دول منطقة النمور حتى اليوم، فهي إذا رؤية تستقرئ المستقبل الاقتصادي والتنموي والاجتماعي وتدخل بعيدا في تفاصيل المشهد الماليزي من مختلف زواياه الظاهرة والخفية، معتمدة على عناصر رئيسة تطبق اليوم عمليا على الأرض قوامها جودة التعليم والإخلاص في العمل، وصناعة الشخصية الماليزية المتفردة والسعي لقيام عدالة اجتماعية تعتمد المساواة والتوزيع العادل للثروات، دون أن تغفل أبداً استنهاض مختلف قواها المجتمعية عبر برامج تنموية اجتماعية واستثمارية تستهدف النهوض بتلك الشرائح وإدماجها بشكل يرفع عنها الغبن الاجتماعي ويستفيد من خاصية التنوع العرقي والإثني فيها، في ظل مجتمع منفتح قوامه التنوع والتعددية وعدم الانغلاق على دين أو مذهب أو طائفة، بل السماح للجميع بممارسة طقوسه وعاداته جنبا إلى جنب في ظل احترام متبادل يقّوي من لحمة المجتمع دون أن يلغي الآخر، ويكفينا القول هنا انك تستطيع أن تجد بوضوح المساجد والمعابد والكنائس تتجاور دون حساسيات مفرطة إلى جانب الأسواق الضخمة والمدن الصناعية العصرية والسواحل والغابات المحمية والبيئة النظيفة، وحتى وإن ظهرت بعض الظواهر المتطرفة هنا وهناك فانه يجري التعامل معها ضمن دولة القانون والمؤسسات، كما أن النظام الاجتماعي يهمه كثيرا ان تبقى حالة الانسجام قائمة وتجد ذلك حتى ضمن تفاصيل الرؤية الاقتصادية 2020 وعلى شكل مشاريع تنموية، حضرية واجتماعية يستفيد منها الجميع، وكمثال على التعددية السياسية نجد أن العاصمة كوالالمبور التي تحتوي على ما مجموعة 11 مقعدا برلمانيا، يسمح النظام الانتخابي للمعارضة أن تحوز اليوم على ما مجموعة 10 مقاعد منها دون أي تهديد لقوامة النظام ومؤسسة الحكم. كذلك نجد أن رؤية ماليزيا الاقتصادية 2020والتي وضعت من قبل كل الماليزيين كما أسلفنا هي محور مراجعة ونقاش مستمر، ودون أن تكون رؤية فوقية مفروضة بسياسة الأمر الواقع، فعلى الرغم من أن من وضع الرؤية الأولية ودعا إليها وهو رئيس الوزراء السابق مهاتير محمد قد خرج من الحكم منذ العام 2003 إلا أن الرؤية لازالت تكتسب زخما متزايدا في صفوف كل الماليزيين في المصانع والمتاجر والجامعات ومراكز الأبحاث ومختلف مواقع القرار، لأنهم ببساطة يرون من خلالها المستقبل الذي من الطبيعي أن لا يكون ملكا لفرد أو جماعة بل هو ملك لكل الماليزيين، لهذا نرى أن الماليزيين يتجهون بقوة وإرادة لبلوغ هدف الوصول لدولة صناعية كبرى بين أكبر 20 دولة صناعية في العالم، وأن تتحول بلادهم الى مركز عالمي لتكنولوجيا المعرفة، وان تكون ماليزيا في مقدمة الدول الاستثمارية عالميا، وان تكون لديهم على الأقل جامعتين أو ثلاث من بين أفضل 100 جامعة في العالم، وان تتحول الجامعات فيها إلى مراكز دراسات وأبحاث علمية، كل ذلك مع حلول العام 2020 أي بعد اقل من عشر سنوات من الآن.
بهذه الروحية انطلقت ماليزيا نحو المستقبل مخلفة وراءها غبار سنوات وعقود بائسة، ليتجاوز الماليزيون أنفسهم في بناء دولة ناهضة، دون أن يتخلوا لحظة عن ثوابتهم الوطنية، ودون تقديس حتى لمن اجترحوا رؤى التحول والنهوض.
مرة أخرى يأتينا المثال من الشرق محتفظا بخصوصية وعزم ووهج وإرادة شعب قرر أن يبني ولا يهدم، أن يقود دون أن يكون تابعا، وان يرتقي دون أن ينتظر من يفرش له الدروب، وان يتسامح بعدل ومحبة، فهل تتعلم دولنا النامية التائهة بين الرغبة واللارغبة من تلك التجربة الرائدة لتصنع المستقبل والخبز والفرح والكرامة لشعوبها؟!
 
صحيفة الايام
28 مارس 2010