المنشور

في الوعي النهضوي الأولي (2)

معركة التحول تجري بصعوبة وبإثارة قوية ورهيبة في السعودية، إنه مجتمعٌ قفزَ من الإنغلاقِ الكامل والانقطاع عن التواصل البشري العالمي العادي إلى أن ينفتحَ في علاقاتٍ كثيرة واسعة، وتتحول شاشاته وأجهزته وميادينه إلى انفتاح هائل على كل المنجزات الاقتصادية والاجتماعية والفكرية!
هناك قوى اجتماعية جامدة لقرون وراءها كتلٌ سكانيةٌ عاشتْ على أن المحافظةَ الشديدةَ هي سبيلُ البقاءِ والطهرِ والأخلاق، وغدا البيتُ المغلقُ هو الوسيلةُ الوحيدةُ لتجنب الشرور، يرفدها تدينٌ قوي مؤسسٌ على العباداتِ بتفاصيلِها الدقيقة، والكائنُ الذي تنهمرُ على رؤوسهِ كلُ قوانين الفضيلةِ والأوامر الباترة والمراسيم المانعة الشاملة الساحقة هي هذا الكائن الرقيق الرهيف المُسمى “امرأة”!
ليس لها سوى البيت، وتلخص حياتها في تلك الوصية بأن لا تعرف سوى بيتين، الأول بيت أبيها والثاني بيت زوجها ثم تذهب للمقبرة!
وفجأة تتغيرُ عوالمٌ كثيرة، وتندفع المملكةُ في دروب العالم الحديث: المدنية والجامعات، والأسفار، والثقافة الحديثة، وتغلغل الليبرالية، وتفجر أصوات الحريات، جنباً إلى جنب مع رشاشات الإرهاب وتفخيخ البيوت واغتيال الحداثة!
غدت المرأة بدلاً من أن تكون عشباً في مقبرة صارت كاتبة! ولكن لاتزال حتى صورتها في الجريدة محل تساؤل واتهام!
تقول إحدى الصحفيات رداً على الهجوم المتواصل لكونها امرأة تحديثية ليبرالية:
(وللأسف كثير مما يتداوله “الفاشلون” في إساءتهم وصل حد الصفاقة والسفاهة والقذارة، ضاربين بكلِ قيمةٍ أخلاقية حثهم عليها الدين الذي يتحدثون باسمه بكلِ تطرفٍ أجوف، مستغلين جهل البسطاء من الناس وضعف قدرتهم الفكرية، وهم “يفبركون” إشاعات وشتائم ومقالات تنقصها الحجة والبرهان وحتى الصياغة الكتابية، ولا يتورعون فيها أو يستحضرون الخوف من الله تعالى وهم يستشهدون بآيات كريمات وأقوال نبوية شريفة؛ على باطل هواهم وعنصريتهم؛ ثم يروجونها وأذيالهم باعتبارها نوعاً من الجهاد).
ومن جهة ينطلق الآخرون بالهجوم الواسع اليومي عبر كل مناسبة صراعية طائفية: (شن البعض وبمعاونة مكشوفة من الليبراليين والعلمانيين هجوماً شرساً على الشيخ محمد العريفي الداعية الإسلامي المعروف).
صراعٌ يجري في كل مكان، صراعٌ إيديولوجي متوتر عنيف ضار، حول قضايا جوهرية أو حول فقاعات عابرة، تعبيراً عن صدام موجتين كبريين تحديثية هشة وتقليدية راسخة صخورية ذات أنياب.
ومن هنا يغدو نشر التنوير والوعي النهضوي في حد ذاته مسألة خطيرة، ويرى المثقفُ السابقُ ذكره، وبؤرة حديثنا هنا، إبراهيم البليهي أن التعليمَ خاطئ والإصلاح خاطئ إذا لم يحدث في المجتمع بدايةً تنويرٌ واسع، وتثقيفٌ كبيرٌ للنخب، ولكن هذا أمرٌ لا يمكن صنعه، لأن التنويرَ مترابطٌ مع المعارك الاجتماعية والسياسية، ولا يوجد مجتمعٌ يخصصُ فترةً تمهيدية تنويرية ثم يبدأ بعد ذلك التغيير السياسي كما حدث في الغرب قبل قرون بعيدة!
والتنويريون والحداثيون في الشرق العربي خاصة مضطرون أن يتثقفوا ويثقفوا ويصارعوا، والمجتمع الذي تأخر في التنوير والإصلاحات السياسية والاجتماعية يدفعُ ثمنَ هذا التأخر من دمِ ابنائهِ وبناته.
إن البليهي وهو يصدرُ من موقعين رسمي وشعبي متداخلين، يعبرُ عن هذه التأمليةِ السياسيةِ الحكومية التي تريدُ قيادةَ المجتمع ببطءٍ شديد، ولهذا يعرضُ البليهي خطوطاً إصلاحية ثقافية وتجريدية ويجلب استيراداً غربياً يعتبره نموذجياً.
وهو يعرضُ هذه الأفكارَ على القارئ السعودي المحافظ غالباً، ناصحاً إياه بتقليدِ الغرب الحضاري الحداثي الإنساني. ويجري ذلك بشكلٍ أخلاقي، تعميمي، تجريدي، وأحياناً أخرى بشكل فلسفي موجز عميق كذلك، في حين أن القارئَ السعودي المحافظ غالباً لديه حساسية شديدة من الغرب!
إن البليهي يقطعُ الغربَ من جذورهِ ومن تناقضاته، فهو شركاتٌ غازية، وأساطيلٌ مسيطرة، وموادٌ مُستنزفة، وهو مؤسساتٌ ديمقراطيةٌ كذلك، وثقافةٌ متطورةٌ إنسانية تراكمت على مدى قرون، وهو أخلاقية مهذبة غالباً في الأوساط الحديثة وإجرامية لدى المافيات وفي الشوارع الخلفية وأحياء الإجرام وفي قوى المخابرات والجيوش المتدخلة!
غالباً ما تقود الدروس والعظات التجريدية والمحبة العشقية للغرب إلى عكس ما هو مرجو لها، فالحفرُ الموضوعي، وقراءةُ التضاداتِ الاجتماعية والفكرية والاقتصادية، ورؤية خيوط الإيجابيات والسلبيات، هي السبيلُ لإيجاد مثل هذا القارئ الموضوعي المطلوب، لكن مثل هذه الموضوعية تتعثر في كتابات البليهي نظراً للمنهجية التجريدية المحلقة فوق التضاريس الاجتماعية المتضادة.

صحيفة اخبار الخليج
28 مارس 2010