المنشور

حول ظاهرة رفع الشعارات داخل البرلمان

من بين البدع غير المفهومة الدخيلة على الحياة النيابية البحرينية منذ استئنافها في بدايات العقد الحالي، وهي ممارسات يكاد ينفرد بها البرلمان البحريني بين البرلمانات العربية والعالمية، لجوء النواب الى رفع شعارات احتجاجية تلصق على ثيابهم أو ترفع بأيديهم للتعبير عن رفضهم أو استنكارهم بعض القضايا العامة السياسية المحلية والعربية والعالمية الآنية بعبارة “لا” كبيرة: “لا للتطبيع”، “لا للتمييز”، “لا للتجنيس”، “نطالب بمنع الخمور”.. إلخ، ولا أحد يعرف إذا ما كانت الشعارات التي ترفع تحت قبة مؤسسة السلطة التشريعية هي رسالة يراد توصيلها الى رئيس المجلس أم الى زملائهم، في حالة عدم الاجماع عليها وانفراد فريق بها، أم الى مشاهدي التلفزيون، أم لقراء الصحف التي غطت الجلسة التي رفعت فيها تلك الشعارات.
هذه الظاهرة التي بدأ إرساؤها منذ المجلس النيابي السابق ثم أخذت في التكرس والازدياد في المجلس الحالي الموشك على الانفضاض، هي مدعاة للسخرية من تجربتنا النيابية أمام العالم إذ يكاد ينفرد بها – كما ذكرنا -، مجلسنا النيابي بين سائر برلمانات العالم قاطبة اللهم حالات محدودة محددة نادرة تستدعي ذلك ولا ترقى الى الظاهرة المتكرسة. نقول ذلك بصرف النظر عن مدى وجاهة أو مشروعية هذا الشعار أو ذاك الشعار من الشعارات المرفوعة. وهي، للأسف أيضا، تعكس جهلاً فاضحاً بأبسط مقتضيات العمل البرلماني وأدواته الأقوى والأهم من الشعارات التي هي في أيدي النواب كحق من حقوقهم المكفولة دستوريا، ذلك أن الشعارات الاحتجاجية هي أداة من أدوات الجماهير السلمية التي تمارس كحق من حقوق الحريات العامة المكفولة للتعبير عن مطالبها أو احتجاجاتها المشروعة بغية إما تعزيز مواقف السلطة التشريعية والرأي العام حولها وإما لعجز هذه الأخيرة، لأي سبب من الأسباب الموضوعية أو الذاتية، عن التعبير عن نبض الشارع وتحقيق مطلبه حول أي قضية من القضايا التي رفعت من أجلها الشعارات المرفوعة، ومن ثم إيصال رسالة هذه الشعارات المرفوعة في الشارع أو في مؤسسات المجتمع المدني المعنية الى السلطة التشريعية أو الى المؤسسة الحاكمة بكل سلطاتها والى الوسائل الإعلامية كافة.
ذلك أن ممرات صفوف كراسي البرلمان ودهاليزه وأروقته ليست شوارع عامة أو “زرانيق” شعبية لكتابة ورفع الشعارات، فما يكتب منها على ثوب النائب أو يرفعه بكلتا يديه يستطيع ان يقوله جهرا تحت قبة البرلمان وأمام مسامع رئيس المجلس وزملائه النواب كافة، لا بل يستطيع أن يقول ويعبر عما هو أكبر بكثير مما تقوله الشعارات المرفوعة من قبله، وهو إذ يفعل ذلك، أي استخدام ادواته الرقابية التي تجيز له ممارسة هذا الحق البرلماني، فإن كل وسائل الإعلام تنقل موقفه ومن بينها في الغالب التلفزيون، وهو الى ذلك يستطيع ان يدلي بتصريحاته الى الصحافة حول ما عبر عنه وكتلته من مواقف احتجاجية في هذه القضية أو تلك القضية، ويستطيع هو أو كتلته عقد مؤتمرات صحفية أو ندوات بشأنها أمام الرأي العام.
أكثر من ذلك فإن النائب له كامل الحق كنائب أو كمواطن أن يسير في مسيرات سلمية ترفع الشعارات نفسها التي رفعها أو يزمع رفعها تحت قبة السلطة التشريعية.
وبناء على ما تقدم يمكن القول: إن ثمة خلطا واضحا والتباسا لمعظم نوابنا في التفرقة بين ممارسة الوظيفة البرلمانية بأدواتها الرقابية والتشريعية وبين ممارسة التعبير الاحتجاجي المعبر عنه في سياق الحريات العامة التي تمارس خارج قبة البرلمان، وبطبيعة الحال فإن اللائحة الداخلية والدستور لم ينصا على منع هذه الممارسة، لكن كم هي الأعراف المتعارف عليها بداهة في برلمانات العالم لكونها معيبة لم ينص عليها القانون! فهل ينص القانون مثلاً على منع النائب من مضغ اللبان أثناء الجلسة؟ أو أن يتسلى بأكل شيء من المكسرات؟
ومن ثم كان من المفترض من رئيس المجلس خليفة الظهراني تنبيه النواب بلباقته المعهودة الى عدم حاجتهم الى ممارسة هذه الظاهرة التي تسيء إليهم والى مجلسهم، وإن كان يغلب الظن ان بعضهم يدرك عدم الحاجة إليها، لكن يمعن في ممارستها لأغراض دعائية انتخابية.

صحيفة اخبار الخليج
28 مارس 2010