المنشور

الأهم من القانون!


بعد أكثر من أربع سنوات من المماطلة الحكومية لإقرار قانون مكافحة الفساد والذمّة المالية الذي يمثّل أحد أهم متطلبات تنفيذ اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، هاهي الحكومة يوم أمس تقر مشروع قانون في هذا الشأن وترفعه إلى صاحب السمو الأمير تمهيدا لإصدار مرسوم بإحالته إلى مجلس الأمة… وبالتأكيد فإنّ انكشاف أمر فضيحة الإفساد السياسي المتصلة بالإيداعات المليونية في الحسابات المصرفية لعدد من النواب قد شكّل عنصرا ضاغطا أجبر الحكومة على القيام بهذه الخطوة المؤجلة، التي يجب عدم التسرع في الترحيب بها؛ وذلك لأكثر من سبب… إذ لابد أولا من الاطلاع على النص الكامل لمشروع القانون الحكومي المحال إلى مجلس الأمة للتثبّت من مدى التزامه بالتوجهات والأحكام الواردة في الاتفاقية الدولية، ولابد بعد ذلك من الانتباه إلى ما يحويه المشروع الحكومي بالضرورة من ثغرات واستثناءات جرى تجهيزها لإفراغ القانون من مضمونه، ولابد ثالثا من معرفة آليات تطبيق هذا القانون بعد إقراره تشريعيا من مجلس الأمة، بدءا من كيفية تشكيل الهيئة المعنية بمكافحة الفساد؛ مرورا باستقلاليتها عن السلطة التنفيذية، وصولا إلى ما تمتلكه من سلطات فعلية، وانتهاء بمدى شفافية عملها.
 
وغير ذلك كله، فإنّ حتى في حال إقرار هذا القانون، فعلينا ألا نتفاءل كثيرا، ذلك أنّ المكافحة الجدّيّة للفساد لا تتحقق عبر إقرار القوانين فحسب، فما أكثر القوانين التي تمّ تشريعها ولم يتم تطبيقها؛ أو جرى تطبيقها انتقائيا في حالات محددة وتعطيلها في حالات أخرى… وكذلك علينا ألا نتوقع قطع دابر الفساد بإنشاء الهيئة الوطنية الموعودة لمكافحة الفساد، فكم هناك من هيئات تمّت تولية أمر إدارتها عن قصد لعناصر غير ذات كفاءة؟!
 
والأهم من ذلك كله أنّ مكافحة الفساد لا يمكن أن تتحقق في ظل استمرار تورّط بعض الأطراف السلطوية المتنفذة في قضايا الإفساد؛ أو رعايتها لعناصر الفساد… ففي ظل مثل هذا التورّط وهذه الرعاية لن يجدي إقرار القوانين نفعا ولن يفيد تشكيل الهيئات، والدليل على ذلك قائم وملموس… فلدينا في الكويت ترسانة ضخمة من القوانين ذات الصلة بمكافحة الفساد بدءا من قانون حماية الأموال العامة، مرورا بقانون مكافحة عمليات غسيل الأموال، وصولا إلى قانون الكشف عن العمولات التي تُقدّم في العقود التي تبرمها الدولة، وامتدادا إلى قانون المناقصات العامة، وانتهاء بقانون محاكمة الوزراء، ومع ذلك كله فإنّ الفساد مستشرٍ… بل ربما كان لدينا في الكويت أكثر من أي دولة عربية أخرى العديد من المؤسسات المعنية بمكافحة الفساد التي من بينها: ديوان المحاسبة، ولجنة حماية الأموال العامة في مجلس الأمة، والجمعية الكويتية للدفاع عن المال العام، والجمعية الكويتية للشفافية، ولكن هذه المؤسسات العامة والنيابية والشعبية، على أهميتها، لا تزال عاجزة عن التصدي الحقيقي لقوى الإفساد وعناصر الفساد التي تحظى بالرعاية!
 
ومن ثَمَّ فإنّه الإقرار الحكومي المتأخر لمشروع قانون مكافحة الفساد والكشف عن الذمّة المالية لا يعني شيئا كبيرا، بل إنّ إقرار القانون في مجلس الأمة وإنشاء هيئة مكافحة الفساد بعد إقراره لن يقدما ولن يؤخرا شيئا؛ وذلك مالم يتم نزع رعاية بعض الأطراف السلطوية المتنفذة لقوى الإفساد وحمايتها لعناصر الفساد… وغير ذلك ستبقى القوانين حبرا على ورق؛ وستضاف إلى الهيئات «الكرتونية» العديدة في الكويت هيئة “كرتونية” جديدة معنية بمكافحة الفساد!
 
جريدة عالم اليوم – الثلاثاء 27 سبتمبر 2011