المنشور

تسويات لا مفر منها


جرى التعارف على وصف ما شهده العالم العربي ويشهده منذ أكثر من عام بالربيع العربي، وهو تعبير يحمل شحنة ايجابية وتفاؤلية عالية، لم يبرهن الواقع، حتى اللحظة على الأقل، انها كانت في محلها تماماً بالنظر إلى ما انطوت عليه التغييرات من تعقيدات، وما حملته، وهذا هو الأخطر، من مؤشرات من أن يكون الحمل الذي ظنناه واعداً ليس كذلك، مع تزايد الخشية من أن تحملنا هذه التغييرات إلى الوراء، بدل أن تفتح لنا أبواباً نحو المستقبل.
 
مع ذلك لن نميل للتشاؤم المطلق، وسنفضل هنا التفاؤل الحذر، أو التشاؤل وفق التعبير الذي اجترحه الراحل إميل حبيبي، فنقول ان طريق التغيير في العالم العربي ليست معبدة، وانه في غياب الثقافة الديمقراطية بعد عقود الاستبداد والفساد الطويلة سنمر بمرحلة انتقالية صعبة، علينا تحمل تبعاتها، من اجل أن تنجلي عما هو أفضل، ولكن من أجل تحويل هذا التشاؤل إلى تفاؤل حقيقي، بدل أن يتبدد ويصبح تشاؤما مطلقاً ثمة موجبات لا مناص من إلإقدام عليها.
 
ونحن ننطلق هنا من امرين، أولهما أن التغييرات التي شهدتها بلدان عربية معينة، انحصرت، في الكثير من الحالات في تغيير الوجوه، لا في تغيير السياسات، وان ميزان القوى لم يحسم في غالبية هذه البلدان لصالح القوى التي دعت إلى التغيير وضحت من أجله، فهذا الميزان، في أحسن حالاته، ما زال في حال من التساوي بينها وبين القوى الاجتماعية والسياسية التي كانت تمسك بكافة مفاصل السلطة، ونقول أن هذا في أحسن الحالات، لأنه في حالات أخرى ما زال هذا الميزان مختلاً لصالح تلك القوى الأخيرة، وهذا يعني انه في ظل التوازن الدقيق الناشئ لا بد من توفر الاستعداد للقبول بتسويات وصيغ توفيقية، توفر على هذه البلدان مخاطر الاحتراب الأهلي والانقسامات المجتمعية الحادة التي قد تمزقها، وهدف هذا النوع من التسويات هو الحفاظ على الكيان الوطني للدولة، لأن في تصدع هذا الكيان أو انهياره، لا قدر الله، انهيار للوطن والمجتمع لا يرضاه أي مخلص.
 
أما الأمر الثاني الذي منه ننطلق فيتمحور في حقيقة ان ظروف الانقسام المجتمعي، االذي تمظهر في صور مذهبية وطائفية في البلدان التي تشهد حراكاً سياسيا بلغ في بعض صوره حد الأزمة الوطنية الشاملة، جعل من قوى التغيير موزعة على أكثر من معسكر، ففي ظرف مثل الظرف السوري، على سبيل المثال، لا يصح تبسيط الأمور باعتبار المعارضة محصورة في القوى المناوئة للنظام بحمل السلاح ضده مثلاً، فشرائح معارضة اخرى أيضاً تدعو للتفريق بين معارضة النظام وحق السوريين في حكم ديمقراطي وبين استباحة سوريا للتدخل الأجنبي وتعريض الكيان الوطني للدولة للانهيار.
 
لذا نلحظ في الساحة العربية خطابين: أحدهما يعيد إنتاج الأزمة ويؤجج مناخاتها لتبقى بيئة التوتر سائدة في المجتمع، يراوح في مداراتها وغير قادر على تجاوزها، وخطاب يدعو لتجاوز هذه الأزمة، من خلال التوقف عند الأخطاء، والعمل في سبيل تصحيحها، عبر آلية حوار وطني شامل يستوعب الأطراف الفاعلة في المجتمع، القادرة على أن تكون شريكاً في إخراج البلدان المأزومة من أزمتها.