المنشور

وهمٌ مدمر “مع مَن يقف الغرب في العالم العربي؟”



مع
مَن يقف الغرب في العالم العربي؟ هل مع القوى الوطنية العصرية التي تريد
محاكاة نموذجه الديمقراطي وتناضل من أجل قيام المجتمع المدني، أو أنه يقف
مع مصالحه فقط، وبالتالي لا يتردد في التعامل مع التيارات الأصولية ضد
الحركات الليبرالية الديمقراطية إذا هو رأى أن مصالحه غداً إنما يمكن
ضمانها بترتيب العلاقات من الآن مع تلك التيارات؟ هذا سؤال اليوم ولا شك،
في خضم التحولات الجارية في بلداننا العربية، ولكن  السؤال
بالصيغة والعبارات الواردة أعلاه، بشيء طفيف من التحوير، طرحه الراحل محمد
عابد الجابري في ورقةٍ بعنوان: “المجتمع المدني: تساؤلات وآفاق”، عُقدت في
العام 1996 بتنظيمٍ من معهد الدراسات الإقليمية للشرق الأوسط وشمالي
إفريقيا وآسيا الوسطى بجامعة برينستون الأمريكية، عن موضوع المجتمع المدني
في البلدان المغاربية .

لم
يكن الجابري وحده من توقف عند هذه الملاحظة النابهة، فمثله فعل الكثير من
المفكرين والباحثين والساسة العرب، أما الجواب فيمكن توقعه من الصيغة التي
طرح بها الجابري هذا السؤال، فمن واقع تجارب عربية نجد أن الغرب لم يقم بما
يستحق الذكر في مجال تشجيع القوى الوطنية ذات النزوع الحداثي لبناء هياكل
قادرة على تحقيق متطلبات التطوير السياسي للمجتمعات في اتجاه بناء دول
مدنية تستوفي شروط البناء الديمقراطي، بل إنه وضع في مقدمة أولوياته مناصبة
العداء لهذه التجارب بغية خنقها، ومنعها من أن ترسّخ جذورها، ولا ينطبق
هذا على موقف الغرب من التجربة الناصرية على سبيل المثال وحدها، وإنما
أيضاً من تجربة التحديث التي قادها محمد علي باشا، والتي كان يمكن أن ترسي
قواعد للتطور في اتجاه بناء دولة عصرية قوية، يمكن لتأثيراتها أن تعم
المحيط العربي كله .

ستتكشّف
في المستقبل وقائع، وبصورة أكثر وضوحاً مما بات واضحاً اليوم، عن الجهد
الذي بذلته دوائر سياسية واستخباراتية وأكاديمية في الغرب لإيجاد مواقع
داخل بعض التيارات الإسلاموية منذ سنوات، وربما منذ عقود، فاللحظة السياسية
العربية الراهنة التي تشهد صعود التيارات الإسلاموية وتسلّمها دفة الحكم
في بلدان مفصلية، جرى ليس توقعها فقط من قبل الغرب، وإنما التهيؤ لها منذ
زمن، ونكاد نقول المساهمة في إنضاج الظروف لأزوفها .


إن
كان من استنتاجات تترتب على هذا القول، ففي مقدمتها أن التعويل على الغرب
كداعم لفكرة البناء الديمقراطي في العالم العربي هو وهمٌ مُدَمّر، غالي
الكلفة على مستقبلنا، فالتحول نحو الديمقراطية مسؤولية القوى التي ناضلت
وضحت أجيال منها من أجل الديمقراطية ذاتها كقيمة إنسانية مطلقة عابرة
للأيديولوجيات، وكمنظم للعلاقات بين قوى المجتمع وأفراده، وإدارة الخلافات
بينها بطريقة متحضّرة، وهي غير تلك القوى التي ترفع شعارات ديمقراطية لا من
أجل الديمقراطية ذاتها كغاية، وإنما من أجل أن تكون مطية لبلوغ مواقع
السلطة، والتحكم لا في مفاصل الدولة وحدها، وإنما في الهيمنة على كامل
الفضاء المجتمعي، بما يعيق، مستقبلاً، أي تحول ديمقراطي جدي .