المنشور

اليسار العربي وتحديات المرحلة الراهنة



عانت الشعوب العربية لعقود طويلة من القهر والاستبداد
والتخلف والتبعية بسبب تسلط أنظمة حكم استبدادية على شعوب جميع البلدان
العربية تعبر عن مصالح طبقات وفئات رأسمالية كبيرة وطفيلية وريعية وشبه
إقطاعية معادية لمصالح العمال والجماهير الشعبية، أدمجت أقتصاديات بلادها
في العولمة الرأسمالية وتخلت تماماً عن أي مشاريع تنموية، وأدت ممارساتها
وسياساتها إلى تكريس التخلف والتبعية والخضوع للهيمنة الأمريكية والاستسلام
للمخططات الإمبريالية والصهيونية الساعية إلى تقسيم المنطقة عرقياً
ومذهبياً والسيطرة على منابع النفط وتتويج إسرائيل كدولة عظمى في المنطقة
واستمرار انفرادها بامتلاك السلاح النووي .. وقفت هذه الأنظمة المستبدة
عقبة كأداء أمام أي محاولات للإصلاح والتغيير مما أوصل المجتمعات العربية
إلى حالة من التكلس والجمود والتردي لم يسبق لها مثيل.




وهذا الوضع
المتردي هو نتاج تراكم وتضافر عدد من العوامل التي أحدثت هذا الخلل الكبير
في توازنات المنطقة منذ منتصف السبعينيات من القرن الماضي بعد انهيار حركة
التحرر الوطني العربية وتوقيع نظام السادات اتفاقيات كامب ديڤيد والصلح
المنفرد مع إسرائيل ووضع كل أوراق اللعبة في يد أمريكا وخروج مصر بكل ما
لها ثقل من دائرة المواجهة مع إسرائيل وانتقال زمام قيادة المنطقة إلى
الدول العربية بقيادة السعودية، وتصاعد تيار الإسلام السياسي بكل أجنحته
والمدعوم من النظم الحاكمة في البلدان العربية لمواجهة القوى التقدمية
والديمقراطية، بالإضافة إلى التداعيات السلبية الناجمة عن الحرب العراقية
الإيرانية واحتلال العراق للكويت وتواطؤ الدول العربية في تسهيل الغزو
الأمريكي للعراق ثم احتلالها في أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001.


ودخلت
المنطقة بالكامل تحت الهيمنة الأمريكية وتخلت الدول العربية واقعياً عن
تأييدها للقضية الفلسطينية التي دخلت إلى طريق مسدود بعد اتفاقيات أوسلو
وفشل المفاوضات الثنائية برعاية الولايات المتحدة الأمريكية الحليف
الاستراتيچي لإسرائيل.


وانعكس كل ذلك في انهيار النظام العربي
الرسمي الذي كشف عن إفلاسه بوضوح بعد الاحتلال الأمريكي للعراق والعجز إزاء
العداوان الإسرائيلي المتكرر على لبنان وغزة والاستسلام أمام المخطط
الأمريكي الصهيوني لتصفية القضية الفلسطينية وتهويد القدس، وإعلان تقسيم
السودان.


ونجحت الولايات المتحدة في نشر قواتها المسلحة في معظم
الأقطار العربية حتى أصبحت أضخم حشود لهذه القوات متواجدة في الشرق الأوسط
بعد أن كانت في أوروبا، ويطوف الأسطول السادس في البحر الأبيض والأسطول
الخامس في بحر العرب ومياه الخليج والمحيط الهندي حاملة أسلحة نووية وأسلحة
دمار شامل وتساندها قوات إسرائيل بعد أن حازت على أكثر الأسلحة الأمريكية
تطوراً واحتكارها للسلاح النووي لتهديد شعوب المنطقة حتى تذعن وتقبل هذه
الشعوب للمخططات الأمريكية الصهيونية وخاصة «مشروع الشرق الأوسط الكبير»
والذي يضم إسرائيل والبلدان العربية تحت هيمنة أمريكية إسرائيلية مشتركة …


وفي
إطار هذا المخطط تشجع الولايات المتحدة عملية تأجيج الصراعات الطائفية في
المنقطة لمحاصرة إيران وتقسيم وتجزئة البلدان العربية .. حيث يشتعل الصراع
بين السنة والشيعة في بلدان المشرق العربي وخاصة في العراق والبحرين، كما
أدى الصراع الطائفي في السودان وسياسات النظام الإسلامي الحاكم فيه إلى
انفصال جنوب السودان، ووصل الاحتقان الطائفي بين المسلمين والمسيحين في مصر
إلى حالة خطيرة باتت تهدد وحدة النسيح المصري والدولة المصرية.


ولاشك
أن تصاعد نفوذ تيار الإسلام السياسي بكل فصائله قد أدى إلى تصاعد هذه
الصراعات الطائفية مما يخدم عملياً هذا المخطط المعادي لمصالح الشعوب
العربية .. كما أنه يسعى إلى حرف مسار النضال الوطني التحرري إلى صراع ديني
وتشويه حقيقة وجوهر التناقضات الطبقية بما يخدم مصالح قوى اليمين
الرأسمالي في هذه المجتمعات.


وطوال العقود الماضية سعت قوى
الإمبريالية العالمية والصهيونية بقيادة الولايات المتحدة إلى فرض تسويات
على البلدان العربية على غرار أتفاقيتي السلام مع كل من مصر والأردن تلك
الاتفاقيات التي تعتبرهما إسرائيل «كنزاً استراتيچياً لإسرائيل» وفقاً
لتصريح «نتنياهو» أشد قادة إسرائيل رجعية وتعصباً أمام الكنيست الإسرائيلي.


على
أن تغيراً هاماً قد حدث في زمن هذه الردة الشاملة التي تعرضت لها قوى
التحرر والاشتراكية في المنطقة والعالم وكان له أبعد الأثر على الوضع
العالمي، وهو انهيار وتفكك النظام السوڤييتي وتحول بلدان شرق أوربا إلى
الرأسمالية في نفس الوقت الذي نجحت فيه الدول الرأسمالية الكبرى في تبني
نهج الثورة العلمية التكنولوچية ودخول الرأسمالية العالمية إلى مرحلة نوعية
جديدة في تطورها وهي مرحلة العولمة الرأسمالية.


ونتيجة للعولمة
أصبح العالم كله سوقاً واحدة تتحرك فيها المشروعات الرأسمالية الاحتكارية
متعدية القوميات تنتج وتوزع عناصر إنتاجها وتتاجر وتضارب وتقيم بنوكها
الدولية الجبارة وتُسخر أدواتها ومؤسساتها الاقتصادية (الصندوق والبنك
ومنظمة التجارة العالمية) والسياسة (مجموعة الدول الثمانية الكبار)
والعسكرية (حلف الناتو والقواعد العسكرية وقوات التدخل السريع) ومؤسساتها
الاحتكارية الإعلامية لفرض سيطرتها الاقتصادية وشن حروبها العدوانية وتوسيع
احتكاراتها وتعظيم أرباحها، وإدماج اقتصاديات الدول النامية والتابعة في
بيئتها الرأسمالية وتفكيك مؤسساتها وقطاعاتها الاقتصادية العامة، وتصفية
الدور الإنتاجي والخدمي لدولها، وتفكيك الروابط الإقليمية والقومية،
وخلخلجة الهويات الثقافية وإشاعة الاتجاهات اللاعقلانية والاستهلاكية
والفردية، وتسليع القيم الثقافية وعرقلة المشروعات التنميوية.


وقد
أصبحت المعلومات والمعارف والعلوم مدخلات أساسية في الإنتاج والخدمات،
الأمر الذي أدى إلى تضخم قوى الإنتاج الرأسمالية بلا حدود، فأخذت تتجاوز
حدود دولها نحو مختلف البلدان في شكل شركات متعدّية القوميات بعد أن تفوقت
العلوم وتطبيقاتها التكنولوچية على وسائل الإنتاج التقليدية في تكثيف
الإنتاجية وتزايد السلع المنتجة، وانتقلت إلى الفضاء حين حملت أقمار صناعية
أنظمة معلومات لتنظيم وتوجيه مختلف المؤسسات المنتشرة على سطح الكرة
الأرضية ونتيجة لطبيعة الرأسمالية التي لا تهتم سوى بتحقيق الأرباح على
حساب البشر زاد توحشها وأصبحت تهدد بتدمير انساق البيئة وقوى الطبيعة بل
وتهدد العالم بأسلحة الدمار الشامل ..


ولقد ساهمت العولمة
الرأسمالية والسياسات النيوليبرالية التي تم فرضها على البلدان العربية
بالتواطؤ مع النظم الحاكمة المستبدة في تعميق التبعية والتخلف التي تعاني
منها الشعوب العربية وفي اتساع الفجوة بين بلداننا وبين الدول المتقدمة حيث
تنفق مصر 0.4% من دخلها القومي على البحث والتطوير بينما يصل نصيب ما
تنفقه إسرائيل 4% من دخلها القومي أي قرابة عشرة أمثال ما تنفقه مصر ..


ولقد
كشفت الأزمة الاقتصادية والمالية الرأسمالية التي بدأت في أمريكا في خريف
2008 وامتدت إلى أوربا وكل بقاع العالم عن الكثير من الأوهام التي ملأت
الساحة الدولية طوال الربع قرن الأخير حول الرأسمالية باعتبارها الحل
الوحيد ونهاية التاريخ .. حيث تداعت الأسس الأيديولوچية المدافعة عن
الرأسمالية وسياسات الليبرالية الجديدة التي سادت وتسيدت منذ انهيار وتفكك
الاتحاد السوڤييتي وتم اعتبارها دستوراً للرأسمالية في مرحلة العولمة والتي
تقوم على السوق الحرة الطليقة وتحرير التجارة والخصخصة وعدم تدخل الدولة
في الاقتصاد وتخليها عن دورها في برامج الخدمات الاجتماعية والضمان
الاجتماعي وتغول القطاع المالي على حساب الاقتصاد الحقيقي، هذه الوصفة التي
تم تقديمها كوصفة جاهزة لحل المشاكل والأزمات الاقتصادية في كل مكان في
العالم وتم فرضها من خلال المؤسسات الرأسمالية على بلدان وشعوب العالم
الثالث ومعظم بلدان العالم أدت عملياً إلى تعميق تبعية هذه البلدان وتدمير
اقتصادها الحقيقي وتشريد عمالها وانتشار الفقر والبؤس بين سكانها وغرقها في
مستنقع الديون والفساد، بينما لم تستفد منها سوى طغم ومجموعات احتكارية
قليلة العدد وفائقة الثراء من أصحاب الشركات الاحتكارية الكبرى ورجال المال
والبنوك وأذنابهم من الطغم الحاكمة في الدول التابعة.


ونتيجة لهذه
الأزمة التي لم تتعافى منها تماماً الدول الرأسمالية، وبعد الهزيمة التي
لحقت بقوى اليمين المحافظ في الولايات المتحدة والدول الرأسمالية الكبرى
نتيجة غرقها في مستنقع العراق وأفغانستان وبسبب بروز دول بازغة وقوية مثل
الصين والهند والبرازيل وغيرها في إطار مجموعة العشرين فإن العالم يتجه إلى
توازن دولي جديد وقلق في إطار النظام الرأسمالي العالمي نفسه وإلى تراجع
دور الولايات المتحدة تدريجيًا كقطب واحد مهيمن على العالم مما يمكن أن
يخلق ظروفاً مواتية لشعوب العالم الثالث والطبقة العاملة العالمية في
نضالها ضد الإمبريالية والعولمة الرأسمالية.


وفي مواجهة هذه
العولمة الرأسمالية والهيمنة الأمريكية يشهد العالم منذ بداية الألفية
الثالثة موجة تحررية وثورية جديدة، ظهرت بوادرها في تحول العديد من دول
أمريكا اللاتينية باتجاه اليسار، وفي تصاعد الحركة الاجتماعية العالمية
المناهضة للعولمة الرأسمالية، وفي اندلاع ثورات وانتفاضات الشعوب العربية
مما يمثل تحولاً هاماً في مسار هذه العملية الثورية وما أعقبها من تصاعد
الحركات العمالية والشبابية في العالم مما يؤذن ببداية مرحلة تاريخية جديدة
في نضال الشعوب من أجل عولمة بديلة إنسانية وديمقراطية. بيد أن هذه
العولمة الجديدة لن تحقق أهدافها بشكل كامل إلاّ في إطار نظام اشتراكي
يستطيع استثمار ما حققته البشرية من ثروة بشرية واقتصادية وعلمية هائلة لحل
المشاكل الاقتصادية والاجتماعية والصحية والبيئية والمعيشية ويشكل بديلاً
للنظام الرأسمالي الذي لم يقدم سوى الإفقار الوحشي للغالبية الساحقة من
العمال والكادحين والفقراء والمتعطلين مقابل الثراء الفاحش لقلة قليلة من
النخب الثرية لا تمثل سوى 1% من سكان بلادها تعيش على الريع والمضاربة
والربح السريع في مناخ يعمه الفساد المتفشي في كل أوجه الحياة.


حالة النهوض الثوري العربي

لقد
كان رد فعل العديد من شعوب البلدان العربية هادراً في مواجهة الأوضاع
المأساوية التي عانت منها لعقود طويلة، حين كسرت الملايين حاجز الخوف وزلزت
أركان هذه النظم المستبدة وآلتها القمعية الجبارة مطالبة بالحرية والعدالة
الاجتماعية والكرامية الإنسانية في ثورات وانتفاضات عمت العديد من البلدان
العربية في مصر وتونس وليبيا واليمن وسوريا وغيرها والتي تتشابه أوضاعها
في بعض الجوانب وتختلف في جوانب أخرى.


إن الثورات لا تستنسخ ولكن
تأثيرها يؤدي إلى مد ثوري في الدول المحيطة بها والتي تتشابه ظروفها
وأوضَاعَها معها، وهذا ما حدث في العديد من البلدان العربية التي تعاني
شعوبها من نفس حكم هذه النظم الديكتاتورية المستبدة لعقود طويلة، ومن نفس
الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي أدت إلى التخلف والتبعية. غير أن نهج
وطريق كل ثورة يختلف من بلد لآخر حسب التطور التاريخي والاجتماعي والسياسي
لكل بلد وتبعاً لأسلوب مواجهة وقمع النظم الحاكمة لها، ووفقاً لموقف
الإمبريالية العالمية والقوى الرجعية منها.


ولقد واجهت هذه الثورات
والانتفاضات منذ البداية مؤامرات قوى الثورة المضادة في الداخل ومخططات
الولايات المتحدة وقوى الإمبريالية العالمية والصهيونية والرجعية العربية
بقيادة السعودية والتي ساندت بكل قوة حلفائها وعملائها من الحكام المستبدين
وظلت تدعمهم لعشرات السنين، ولكن حين وجدت استحالة بقاء هؤلاء الحكام أمام
زحف الجماهير الشعبية سعت بكل الوسائل لاحتواء هذه الثورات واستخدمت كل
وسائل الإغواء والترهيب وسعيها إلى التدخل العسكري والأجنبي الذي نرفضه
تماماً، وتواطؤها لوقف هذه الثورات عند حد معين من الديمقراطية الشكلية
ومنعها من الاستمرار حتى لا تتحقق أهدافها الجذرية خاصة في المجال الوطني
والسياسة الخارجية وفي المجال الاقتصادي والاجتماعي، وذلك لضمان الحفاظ على
مصالح الولايات المتحدة الاستراتيچية في المنطقة وضمان أمن إسرائيل
ولإيقاف المد الثوري الذي بات يهدد عروش الأنظمة الرجعية العربية خاصة في
منطقة الخليج والتي سارعت بتوسيع إطار مجلس التعاون الخليجي ليشمل الأردن
والمغرب.


لقد خلق هذا الوضع الثوري تحولاً نوعياً جديداً ينبغي على
قوى اليسار أن تتعامل معه وخاصة في هذه المرحلة الصعبة وفي ضوء المشاكل
الكبيرة التي تعترض هذه الثورات والانتفاضات في الفترة الانتقالية الحرجة
.. وبالرغم من هذه المصاعب إلاّ أننا نرى أن هذا المد الثوري لن يتوقف وان
المنطقة سوف تشهد تغيرات عميقة وجذرية في السنوات المقبلة رغم إدراكنا أن
هذا الطريق مازال شاقاً وطويلاً.


ويخطئ من يتصور أن الثورة المصرية
في 25 يناير هي مجرد ثورة شبابية بل هي ثورة شعبية بامتياز وجاءت نتيجة
تراكم سلسلة طويلة من النضالات شاركت فيها الطبقة العاملة وفقراء الفلاحين
واحتجاجات الطلاب والشباب والمهنيين والموظفين والصيادين وسكان الأحياء
الشعبية حيث شهدت السنوات الثلاثة السابقة على الثورة أكثر من 2500 تحرك
احتجاجي، كما يخطئ أيضاً من يعتبر أن هذه الثورة هي مجرد ثورة قامت فقط من
أجل نزاهة الانتخابات وتداول السلطة بين قوى اليمين لأن الجماهير الشعبية
رفعت الشعارات الوطنية المعادية لأمريكا وإسرائيل والشعارات الاجتماعية
المطالبة بالعدالة الاجتماعية وتطهير البلاد من الفاسدين واللصوص من
الرأسماليين الكبار إلى جانب شعارات الديمقراطية والدولة المدنية وإتاحة
الحريات منذ بداية اندلاع الثورة.


ورغم هذا الزخم الثوري فإن
الثورة لم تنجح في بلورة قيادة ثورية مدنية تتولى السلطة وتقود الجماهير
لتحقيق أهداف الثورة وذلك بسبب ضعف القوى الثورية والتقدمية، وبسبب
انتهازية الكثير من الأحزاب والقوى السياسية الليبرالية التي أسرعت لتقسيم
كعكة السلطة غير عابئة بما يحيط بالثورة والوطن من أخطار جسيمة تهددهما ..
ونتيجة لذلك تولى المجلس العسكري السلطة الذي سعى إلى الحفاظ على توجهات
وسياسات النظام القديم وإلى التواطؤ مع التيار الإسلامي في ترتيب المرحلة
الانتقالية بشكل خاطئ ومتعمد لإجهاض الثورة والإسراع بالانتخابات
البرلمانية التي أدت إلى هيمنة التيار الإسلامي على غالبية مقاعد البرلمان
مع إعطاء هذا التيار الدور الفاعل والرئيسي في تشكيل الجمعية التأسيسية
لوضع دستور جديد للبلاد…


ونتيجة لذلك فأننا نعيش الآن في مصر في ظل
تناقض غريب بسبب عدم النجاح في بلورة قيادة موحدة وفاعلة للثورة طوال
الأشهر الماضية .. فمن ناحية هناك حالة ثورية ومزاج ثوري للجماهير ولكن من
جانب آخر لا يوجد لدى قطاعات واسعة من هذه الجماهير المشاركة في الثورة
وعياً ثورياً يتناسب مع هذه الحالة .. وينعكس ذلك بوضوح في نتائج
الانتخابات البرلمانية التي أدت إلى فوز كبير للتيار الإسلامي والليبرالي
ووجود هامش ومحدود لقوى اليسار وممثلي الائتلافات الشبابية رغم انها لعبت
دوراً هاماً في تفجير هذه الثورة.


ان نجاح التيار الإسلامي الذي
يضم الإخوان المسلمين (حزب الحرية والعدالة) والتيار السلفي (حزب النور)
والجماعة الإسلامية (حزب البناء والتنمية) وحزب الوسط في تحقيق أغلبية
كبيرة في الانتخابات البرلمانية في مصر، وكذلك النجاح الكبير الذي حققه حزب
النهضة في تونس والذي نتوقع أن يستمر في كل من ليبيا واليمن، يعكس تغييراً
واضحاً في طبيعة تركيب السلطة في هذه البلدان في المرحلة القادمة وهو
الوضع الذي تسعى الولايات المتحدة والدول الإمبريالية وقوى الرجعية العربية
إلى احتواؤه للحفاظ على مصالحها الحيوية وضمان أمن إسرائيل في المستقبل.


ونحن
نرى ضرورة قيام قوى اليسار بتحليل موضوعي لهذه النتائج وتقييم دقيق وعلمي
لبرنامج هذه الأحزاب ولطبيعة القوى الاجتماعية التي تستند إليها ورصد دقيق
للاختلافات فيما بينها حتى تستطيع قوى اليسار رسم استراتيچية صحيحة وتكتيك
سليم في مواجهتها .. كما يجب إجراء تحليل عميق أيضاً لمعرفة أسباب فشل
اليسار في هذه الانتخابات.


إلاّ أننا نستطيع أن نؤكد أن التصويت في
الانتخابات البرلمانية المصرية تم في معظمه على أساس طائفي ديني وليس على
أساس البرامج السياسية والتوجهات الاجتماعية، وأن هناك كم كبير من
الانتهاكات قد شاب هذه الانتخابات في توجيه الناخبين خارج اللجان وداخلها
خلافاً للقانون، وفي تجاوز سقف الإنفاق بشكل هائل وفي استخدام المساجد ودور
العبادة للدعاية للتيار الإسلامي وتكفير القوى الليبرالية واليسارية ..
وفي هذا الصدد ينبغي توضيح أن نتائج هذه الانتخابات لم تعكس الإرادة
الثورية للجماهير ولكنها كانت نتاج لحالة الردة الشاملة التي عانت منها
البلاد طوال أكثر من ثلاثين عاماً ..


كما أن تحليل البرامج
الانتخابية لمعظم أحزاب التيار الإسلامي يؤكد انها تدعم اقتصاد السوق ولا
تختلف كثيراً عن التوجهات الاقتصادية والاجتماعية للنظام السابق والتي
تتشابه أيضاً مع برامج الكثير من الأحزاب الليبرالية التي نجحت في دخول
البرلمان مثل حزب الوفد والمصريين الأحرار.


كما أن متابعة مواقف
هذه الأحزاب وتصريحات قادتها تكشف عن سعيها لإرضاء أمريكا وتطمين إسرائيل
من خلال إعلان احترامها لاتفاقيات كامب ديڤيد وكافة الاتفاقات التي وقعها
النظام السابق.


وهناك صراع حقيقي يدور الآن بين ثلاثة أطراف أساسية
في مصر والتي تمثل شرعية الثورة (ميادين التحرير) وشرعية صناديق
الانتخابات، وشرعية السلطة الفعلية (المجلس العسكري) وفي هذا السياق يسعى
المجلس العسكري والتيار الإسلامي وخاصة الإخوان المسلمين إلى عقد صفقة
لتقاسم السلطة على حساب قوى الثورة والجماهير الشعبية. ونحن نعتقد أن ما
سوف تسفر عنه الشهور القادمة من تطورات وخاصة في مصر سوف يكون له تأثيراً
كبيراً على مسار الأحداث في المنطقة خلال المرحلة المقبلة.


المهام الملحة لقوى اليسار في هذه المرحلة

تتطلب
مواجهة هذه الأوضاع الجديدة من قوى اليسار أن توحد قواها في كل قطر وعلى
مستوى العالم العربي وان تناضل معاً من أجل تحقيق أهدافها في عدد من
المجالات الأساسية:


أولاً : في المجال الديمقراطي

إذا
كانت الديمقراطية بالمفهوم البرجوازي تعني كفالة الحريات السياسية أساساً
للطبقات المالكة والمستغِلة وتداول السلطة فيما بينها، إلاّ أن الديمقراطية
في مفهومنا لها أساس اجتماعي وطبقي مختلف لأنها تستهدف توفير الحرية
أساساً للأغلبية الساحقة المضطهدة من العمال والفلاحين والكادحين وضمان
مشاركتهم في إدارة الدولة والمجتمع وتوفير الحقوق الاجتماعية والاقتصادية
لهم (الحق في التعليم والصحة والسكن والعمل). والمطلوب هو استمرار النضال
للوصول إلى صيغة جديدة للديمقراطية تتجاوز الحدود الضيقة للديمقراطية
الليبرالية. إلاّ أن هذا لا يعني الشطب بالقلم الأحمر على كل جوانب
الديمقراطية الليبرالية لأن فيها جوانب هامة يجب التشبث بها وإعطاؤها
مضموناً طبقياً جديداً يكفل الاستخدام المتكافئ للحقوق والحريات بالنسبة
لجميع المواطنين.


كما أن حقوق الإنسان التي تكفلها المواثيق
الدولية والحريات السياسية ليست أبداً منحة من البرجوازية أو من النظام
الرأٍسمالي، إنما هي حصيلة كفاح الإنسانية الطويل ضد الاستغلال والقهر
الطبقي عبر عقود من النضالات والتضحيات ويجب على الديمقراطية الاشتراكية أن
ترث كل ما له قيمة في التطور التاريخي السابق وأن تحترم القيم الديمقراطية
التي أفرزها الفكر السياسي والقانوني التقدمي عبر القرون.


وعلى
الأحزاب الشيوعية والقوى التقدمية أن تؤكد على أن الديمقراطية هي منهاج عمل
مستمر وليست مجرد أداة للوصول إلى السلطة، كما عليها التمسك بمبدأ
«علمانية الدولة» وضرورة التصدي للإرهاب الفكري وعمليات التشويه لمفهوم
العلمانية التي تعني في حقيقتها فصل الدين عن الدولة وليس انتزاع الدين
قصراً من المجتمع كما علينا أن نؤكد على التمسك بشعار «مدنية الدولة» في
مواجهة من ينادون بدولة دينية أو بحكم العسكر. ولابد أيضاً من التأكيد على
استقلال الجامعات ومعاهد البحث العلمي واستقلال القضاء.


إن
الاستمرار في اختزال المشهد الثوري في مجرد الصراع على الانتخابات وتداول
السلطة وتسليط أبواق الإعلام على ذلك يخفي حقيقة الصراع الحقيقي الذي يدور
في المجتمعات وهو صراع المصالح الطبقية الذي يشكل وقود الحركة الإضرابية
العمالية والحركات الاحتجاجية الاجتماعية التي باتت تهدد مصالح الرأسمالية
الكبيرة الحاكمة والتي سوف تؤدي إلى الفرز الحقيقي بين القوى التي تقف مع
استمرار الثورة والقوى المعادية لها كما أن استمرار هذا الصراع الاجتماعي
سوف يزيل كل المساحيق التي تتلون بها القوى السياسية التي تتمسح بالثورة
سواء كانت ليبرالية أو إسلامية أو عسكرية والتي تقف جميعاً ضد الحركة
العمالية والفلاحية والطلابية وتسعى إلى قمعها ومحاصرتها.


ولذلك
فإن النجاح في تحقيق الأهداف الاجتماعية والديمقراطية والوطنية يتطلب اتخاذ
مواقف واضحة من كبار الرأسماليين وكبار ملاك الأراضي والاحتكاريين
والفاسدين وتطهير البنوك والمؤسسات الاقتصادية منهم. كما يتطلب النضال
الديمقراطي والسياسي والاجتماعي ضرورة بناء وتطوير المنظمات الجماهيرية
للطبقات الشعبية مثل اتحادات العمال والنقابات المستقلة واتحادات الفلاحين
والطلاب والنقابات المهنية والحركات الشبابية ومجالس حقيقية للحكم المحلي
في المدن والقرى والأحياء لكي تصبح الأداة الحقيقية لتعبئة وتنظيم جهود هذه
الطبقات والفئات للدفاع عن مصالحهم الاقتصادية المباشرة وحقوقهم
الاجتماعية والارتقاء بها في اتجاه النضال السياسي والثوري باستخدام كافة
أساليب النضال الديمقراطي التي لا تتوقف فقط عند حدود النضال البرلماني رغم
أهميته ولكنها تمتد أيضاً لتشمل كافة الأساليب الديمقراطية الأخرى ابتداء
من كتابة العرائض وصولاً للإضراب العام والعصيان المدني وذلك حتى تستطيع
هذه الطبقات النضال من أجل تغيير النهج الاقتصادي والاجتماعي وتحقيق تنمية
شاملة معتمدة على الذات لصالح الجماهير الشعبية.


وعلى قوى اليسار
أت تسعى لتشكيل جبهات وطنية ديمقراطية في البلدان العربية للتصدي للمخطط
الإمبريالي الصهيوني في المنطقة وللخروج من دائرة التبعية والتأكيد على
الاستقلال الاقتصادي للبلاد وفي نفس الوقت لابد من توحيد القوى المدنية
والديمقراطية للتصدي للقوى الرجعية والمتسترة بالدين وإجهاض مشروعها الخطير
لإقامة الدولة الدينية وبالتوازي مع هذين المحورين وفي القلب منهما لابد
من تفعيل جبهة القوى الاشتراكية وتركيز عملها وسط الطبقة العاملة والفلاحين
والكادحين ودعمهم لبناء منظماتهم الجماهيرية والنضال من أجل تحقيق وإنجاز
برنامج واضح لتحقيق مطالبها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية.


ثانياً : في مجال التحرر الوطني ومناهضة الإمبريالية والصهيونية


القضية الفلسطينية هي القضية المركزية للشعوب العربية في مواجهتها مع
أعدائها وخاصة أمريكا وإسرائيل وتمثل القضية الفلسطينية واحداً من أهم
محاور النضال من أجل التحرر الوطني سواء على صعيد الشعب الفلسطيني ضد سياسة
الاحتلال والاستيطان والتوسع والقمع الإسرائيلي أو على صعيد الشعوب
العربية ضد الهيمنة الأمريكية وخضوع العديد من الأنظمة العربية الحاكمة
لها. تلك الهيمنة التي تمثل السند الحقيقي للصلف الإسرائيلي وتحديها
للقوانين الدولية وقرارات الأمم المتحدة الذي لا يمكن استمراره بدون الدعم
العسكري والاقتصادي اللامحدود من الولايات المتحدة لإسرائيل والتي تم زرعها
في المنطقة لتكون قاعدة للإمبريالية والاستعمار.


ولابد أن تعمل
قوى اليسار الفلسطيني والعربي على إنهاء الانقسام في صفوف الشعب الفلسطيني
واستمرار مقاومة الاحتلال بكافة الوسائل واستعادة الصراع العربي الصهيوني
لطابعه الوطني التحرري .. وان تواصل قوى اليسار العربي نضالها دفاعاً عن حق
الشعب الفلسطيني في تحرير أرضه المحتلة وإقامة الدولة الفلسطينية كاملة
السيادة وعاصمتها القدس وإزالة المستوطنات وضمان حق العودة للاجئين. وإنهاء
احتلال إسرائيل لكافة الأراضي العربية في الجولان السورية ومزارع شبعا
اللبنانية.


– النضال من أجل إزالة كافة أشكال الوجود العسكري
الأمريكي أو لحلف الناتو في البلدان العربية ورفض منح أمريكا لإية تسهيلات
عسكرية في أراضيها ومياهها ووقف أي مناورات مشتركة معها .. ورفض التدخل
العسكري الأجنبي في شئون أي دولة عربية مهما كانت المبررات.



الضغط من أجل تنفيذ مشروعات مشتركة بشأن استخدام الطاقة النووية لتحقيق
أهداف سلمية وإنهاء احتكار إسرائيل للسلاح النووي والنضال من أجل جعل منطقة
الشرق الأوسط منطقة خالية من الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل.



رفض المشروع الأمريكي الهادف إلى إقامة درع صاروخي على سفن في البحر
المتوسط وفوق أراضي بلدان شبه جزيرة البلقان لأنه مشروع يستهدف منطقة الشرق
الأوسط بدعوى منع أي دولة في المنطقة من استخدام أسلحة نووية فتكون
النتيجة استخدام هذا الدرع لحماية أمن إسرائيل مع ضرورة التنسيق مع الدول
الكبرى التي ترفض هذا المشروع.


– النضال ضد مخطط تقسيم الدول
العربية على أساس ديني طائفي ولابد من الانتباه لهذا المخطط خاصة في ظل
تصاعد دور التيار الإسلامي ومتابعة علاقة هذه الحركات بالولايات المتحدة
الأمريكية وخاصة ما يتصل بالصراع الشيعي السني في وقت تتصاعد فيه نذر
التهديد بالحرب ضد إيران.


– حشد الشعوب العربية والقوى
الديمقراطية والتقدمية للتضامن مع ثورات الشعوب في البلدان العربية ضد
النظم المستبدة وضد كل مؤامرات القوى الرجعية والإمبريالية العالمية لإجهاض
هذه الثورات واحتوائها.


– حشد الشعوب العربية للوقوف مع أي قطر
عربي يواجه تحديات كبيرة تواجه أمنه الوطني مثل محاولة بعض الدول المدعومة
من الإمبريالية العالمية للانتقاص من حقوق مصر في مياه النيل.



التنسيق بين الأحزاب الشيوعية وقوى اليسار العربي في المؤتمرات الدولية
للأحزاب والقوى الاشتراكية والعمالية العالمية والسعي لتقديم رؤية مشتركة
واضحة مع التخديم عليها إعلامياً خاصة في القضايا الملتبسة أو الخلافية مثل
إصرار العديد من الأحزاب اليسارية في العالم على عدم ذكر «العالم العربي»
والإصرار على الحديث فقط عن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وكذلك
نظرتهم الخاطئة لطبيعة الوضع الثوري في المنطقة العربية.


ثالثاً : في المجال الاقتصادي والاجتماعي

نحن
نتفق مع التوجهات الأساسية التي جاءت في ورقة الحزب الشيوعي اللبناني حول
«المسألة الاقتصادية الاجتماعية» وفي هذا الإطار نؤكد أن خبرة الأربعين
عاماً الأخيرة من تبني سياسة الانفتاح الاقتصادي عام 1974 في مصر تشهد على
عجز الرأسمالية المصرية عن تحقيق تنمية اقتصادية واجتماعية ورفضها لأي
مشروع وطني للتنمية للتخلص من التبعية والتخلف بل لقد أدت سياساتها
وممارستها إلى ارتباطها بالشركات الاحتكارية الدولية وميلها للأنشطة التي
تحقق أرباحاً سريعة ولا تساعد على بناء ركائز للتنمية وإرساء قواعد للتصنيع
.. وبالتالي فلا يمكن أن تقود هذه الرأسمالية التابعة والضعيفة والطفيلية
تنمية شاملة معتمدة على الذات أساساً ولذلك فإن الاستمرار في ترك الأمور
للقطاع الخاص وقوى السوق يعني الاستمرار في السير على طريق التردي وتكريس
التبعية والتخلف.


ولذلك لابد للدولة والقطاع العام في هذه المرحلة
من لعب دور قيادي في التنمية ودور أساسي في الاستثمار ليس فقط في مجال
الخدمات العامة ولكن في مجالات الإنتاج الكمي وعلى مستوى الصناعات
الاستراتيچية والقمم المسيطرة على الاقتصاد وضورة تأمين نهضة صناعية
وزراعية تكون هي الأساس في التنمية القابلة للاستمرار كما لابد من التخطيط
للتنسيق بين القرارات الاقتصادية حتى لا تترك الأمور لقوى السوق التي ثبت
فشلها.


وفي هذا الصدد فأننا نؤكد على أن دور الدولة ودور التخطيط
في التنمية لا يعني مناهضة القطاع الخاص أو استبعاد آليات السوق كلياً،
فثمة مجال للقطاع الخاص المنتج تحت رقابة الدولة وهناك مجال للجمع بين
آليات التخطيط وآليات السوق ولكن الأساس في هذه المرحلة هو أن تكون عملية
القيادة من الدولة وقطاعها العام وأن تكون الآلية الرئيسية للتنسيق بين
القرارات الاقتصادية هي التخطيط والآلية المساعدة هي قوى السوق.


والشرط
الضروري لاستقلالية التنمية الشاملة والخروج من دائرة التبعية هو زيادة
معدل الإدخار المحلي والاعتماد على القوى والموارد الذاتية حيث أن معدل
الإدخار الحالي في مصر (15%) وهو معدل يقل كثيراً عن معدل الإدخار في
العديد من دول العالم والذي يصل إلى ما بين 25 – 40%.


ولابد من
تعبئة المدخرات الوطنية لاستثمارها في الصناعة والزراعة أساساً بدلاً من
تبديدها في بناء القرى السياحية الفاخرة والإسكان المتميز في المدن الجديدة
والإنفاق الحكومي الترفي، كما لابد من تنظيم عملية الاستيراد والرقابة
عليها للحد من النزعة الاستهلاكية الترفية، ولابد أيضاً من إعادة توزيع
الدخل وفرض ضرائب تصاعدية، وتوجيه نتائج وثمار التنمية للطبقات والشرائح
الاجتماعية الأكثر حرماناً من محدودي الدخل والفقراء في المدينة والريف
وتحقيق التوازن بين المحافظات في المناطق المحرومة وذات التصنيف المحدود من
الصناعة والزراعة المتطورة.


على أن تبني الدول الرأسمالية الكبرى
لنهج الثورة العملية التكنولوچية وعولمتها قد فرض على مصر وغيرها من بلدان
العالم الثالث أن تتبنى هي الأخرى نهج هذه الثورة بما يتفق مع ظروفها وما
يحقق مصالحها بدلاً من الاندماج في العولمة الرأسمالية وفي اقتصادات
شركاتها المتعدية القوميات مما يفاقم من علاقات التبعية ولهذا لابد لقوى
اليسار والأحزاب الشيوعية أن تتخذ الخطوات التالية لمواجهة تفاقم هذه
العلاقات والعمل على تقويضها:


– رفض المشروع العربي لتسوية الصراع
العربي الصهيوني الذي تم إقراره في القمة العربية والذي يقضي بإقامة
علاقات طبيعية مع إسرائيل بعد انسحاب إسرائيل من الأراضي العربية لأنه
وفقاً للخبرة السابقة فإن الكثير من الأنظمة العربية شرعت في تنظيم علاقات
مع إسرائيل عقب إبرام اتفاقية أوسلو، ولذلك فإن قسم كبير من الرأسمالية
العربية سوف يهرول لإقامة علاقات مع الشركات الإسرائيلية متذرعين بتوقيع أي
اتفاقية سعياً للربح وغالباً ستكون وكالات تمثل هذه الشركات لتسويق
منتجاتها مما يساهم في تحقيق مشروع الشرق الأوسط الذي روجت له أمريكا
وإسرائيل.


– اتخاذ إجراءات واضحة لمناهضة ممارسات النهب التي
تمارسها الشركات المتعدية الجنسية حيث أدت العولمة الرأسمالية واستثمار
نتائج الثورة العلمية التكنولوچية إلى تشكيل وحدات تابعة للشركات المتعدية
القوميات في البلدان النامية مما فرض على هذه البلدان علاقات من التبعية
التكنولوچية والمعرفية والثقافية وأصبح ما يحوّل من البلدان النامية إلى
البلدان الرأسمالية الكبرى في صورة أرباح وفوائد وأقساط ديون وبراءات
الاختراع أكبر بكثير من رؤوس الأموال التي تصدرها هذه البلدان للدول
النامية.


– توفير الأمن الغذائي لمصر والبلدان العربية باعتباره
مسألة حيوية لمواجهة تفاقم التبعية في ظل العولمة الرأسمالية حيث استطاعت
الدول الرأسمالية الكبرى نتيجة استخدامها التكنولوچية الحيوية أن تتحول إلى
بلداناً مصدرة للسلع الزراعية بعد أن كانت مستوردة لها من بلدان العالم
الثالث، بل وتمكنت الرأسماليات المتطورة من خفض استيرادها من المواد الخام
بعد أن نجحت في تخليق مواد خام مصنعة أخف وزناً وأكثر صلابة أو مرونة حسب
الطلب وهو تطور يفرض على البلدان العربية أن تتعاون مع الدول النامية حتى
تتمكن من المنافسة في إنتاج تكنولوچيا المواد.


– السعي إلى إقامة
الصناعات كثيفة التكنولوچيا التي تحتاج إلى رؤوس أموال كبيرة لتنمية أعمال
البحث والتطوير لإقامة الصناعات الحيوية والقطاعات القائدة في الاقتصاد
الحديث وهذا يتطلب ضرورة تدخل الدولة لتنمية هذه القطاعات وإقامتها أو
مشاركة القطاع الخاص في ملكيتها مع مراعاة أن هناك حاجة ضرورية أيضاً إلى
تطوير وإقامة المشروعات الكثيفة العمالة مثل صناعة الغزل والنسيج والملابس
الجاهزة والصناعات الغذائية وغيرها للحد من مشكلة البطالة مع العمل على
توفير الحماية لها لفترة كافية حتى تستطيع زيادة قدرتها التنافسية.



تطوير التعليم في كافة مراحله باعتباره الركيزة الأساسية في تحقيق
التنمية الشاملة المعتمدة على الذات والمسألة لم تعد فقط توفير حق المواطن
في التعليم على أهمية هذا الحق مع غيره من الحقوق الاجتماعية والاقتصادية
والثقافية، ولكن في البحث عن كيفية أن يصبح هذا التعليم والعلم مدخلاً
حاسماً في نسيج عمليات الإنتاج الاقتصادي والمعرفي وما يتطلبه ذلك من ضرورة
تطوير البحث العلمي أيضاً لتوقير العلماء في كافة المعارف والعلوم لمواجهة
الحاجة الضرورية إلى مصادر آمنة ودائمة للطاقة وتنمية تكنولوچيا المعلومات
والتكنولوچيا الحيوية.


0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0

وفي
الختام، يتوجه الحزب الشيوعي المصري بالتحية والتقدير للرفاق في الحزب
الشيوعي اللبناني على ما بذلوه من جهد كبير في تنظيم واستضافة «اللقاء
اليساري العربي» في دورات انعقاده الثلاث وكذلك على متابعتهم لنتائج هذه
اللقاءات والتي نأمل من خلال جهدنا المشترك في تواصلها وتطويرها حتى يكون
هذا اللقاء أداة فاعلة لدعم القوى الاشتراكية العربية بفصائلها المتعددة
وتوحيد جهودها في هذه المرحلة الفاصلة لمواجهة التحديات الكبرى التي
تواجهها سواء على مستوى كل قطر عربي أو على مستوى العالم العربي ككل.


يناير 2012 الحزب الشيوعي المصري